الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد عبدك ورسولك كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس أنوار السنة المحمدية، سائلين الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، وهذا هو المجلس الخمسون في مجالس التعليق على رياض الصالحين، نسأل الله سبحانه وتعالى التمام. وهذا هو الحديث رقم 219 أو 219، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعين على إتمام الكتاب الذي لم ينته منه إلا يمكن عشرة أو نحو ذلك، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والقبول والبركة.
لا يزال الحديث متصلاً في باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم. ما أن تسمع أو تقرأ في رياض الصالحين أو في صحيح البخاري أو في أي كتاب من كتب السنة: باب كذا وكذا، فاعلم أن هذا الباب من الدين؛ لأنه إذا كان الكلام الذي تحت الباب هو آيات وأحاديث، فمعنى ذلك أن هناك باباً من أبواب الدين يتضمن هذا المعنى. وإذا تصفحت عدد الأبواب في رياض الصالحين مثلاً ستجد أنك أمام مئات الأبواب، ومعنى ذلك أن أبواب الدين واسعة، ورياض الصالحين وإن كانت أبوابه واسعة وكثيرة ومتنوعة، إلا أنه في الجملة في مجال السلوك والأدب والتزكية وما إلى ذلك، وهذا يدل على عظم هذا الباب في الدين وعظم هذا الموضوع في الوحي، وأنه موضوع عظيم كبير، ولذلك الإمام البخاري رحمه الله لما كتب كتاب الأدب داخل صحيح البخاري وجد أن الكتاب يستحق الإفراد فأفرد له كتاب الأدب المفرد، والأدب المفرد أحاديثه كثيرة جداً، فهذا باب عظيم، ورياض الصالحين أوسع من مجرد الأدب، وإنما به التزكية عموماً، سواء ما يرتبط منها بالأعمال القلبية وأعمال الجوارح أو ما كان متعلقاً منها بالسلوك والأخلاق وما إلى ذلك، لكن هذا من الدين.
اليوم الباب هو الاستمرار في باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم، هذا باب من الدين، تحريم الظلم والأمر برد المظالم هذا باب من الدين. ومن المعلوم كما تقرر في شرح المنهاج في أن الدين يتفاوت على مراتب متفاوتة في الأمر والنهي والخبر، هنا من الفقه أن يدرك الإنسان مراتب الأبواب في قاموس الشريعة. فتحريم الظلم في أي مرتبة هو؟ من يتأمل في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد أن هذا الباب هو من أعلى المراتب، ومن أعلى الأبواب؛ أن من أعظم ما جاءت به الشريعة الأمر بالعدل والنهي عن الظلم، الأمر بالعدل والنهي عن الظلم.
وهذا الأمر بالعدل والنهي عن الظلم جاءت الشريعة ليس فقط بتقريره وأهميته ومركزيته، وإنما جاءت كذلك لتبين مفاهيم العدل ومفاهيم الظلم، ولتقول للناس أن هناك من الأعمال ما لا تعدونه ظلماً وهو ظلم، أو لا تعدونه ظلماً عظيماً وهو ظلم عظيم، وأن من الأعمال ما لا تظنون أن العدل فيه واجب والعدل فيه واجب؛ فلم تأتِ الشريعة بمجرد الأمر بالعدل والنهي عن الظلم ولا بمجرد التأكيد والتغليظ والتشديد في مركزية العدل ومركزية تحريم الظلم، وإنما أتت كذلك بإيش؟ تصحيح المفاهيم والتصورات الداخلة تحت عنوان العدل والداخلة تحت عنوان الظلم.
وأيضاً أتت بشيء آخر وهي أنها أتت بالتشريعات والأوامر والنواهي التي تعين على التزام العدل وتعين على اجتناب الظلم، فستجد أن الأحاديث فيها ليس فقط كل ما مضى، وإنما فيها ما ذكرته آخراً أو مؤخراً وهو أنها تذكر ما يعينك على تحقيق العدل وما يعينك على إيش؟ اجتناب الظلم. طيب، وهل ذلك فقط؟ لا، أيضاً هناك شيء آخر وهو أنها أتت بما يعين على تصحيح المسار إذا وقع الإنسان في شيء من الظلم أو اجتناب العدل، فجاءت بهذه الشريعة كاملة في الأمر بالشيء، ثم في التأكيد عليه، ثم في الأمر بأسباب الوصول إلى ما أكد عليه أو أمر به، ثم في إمكان تصحيح المسار إذا وقع الإنسان في خلل، وبهذا يمكننا القول أن باب العدل والظلم في الإسلام باب واسع وشمولي، وما جاء فيه من الكتاب والسنة جاء بمفهومه الواسع وبأبوابه المختلفة التي من يتأملها يخرج بنتائج عظيمة جداً في هذا المعنى.
طيب، هذا وإن مما يؤكد مركزية العدل ومركزية محاربة الظلم وتحريم الظلم في زماننا هو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن آخر الزمان، أنه يكون فيه من الظلم ويكون فيه من الجبر ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث، وقد مرت معنا بشيء من التفصيل في مجلس هكذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم زماننا، ذكرت فيه خمسة أحاديث وصف النبي صلى الله عليه وسلم فيها زماننا، ومما جاء فيه الوصف بالظلم أو بوجود الظلم أو بوجود مرحلة الجبر أو الملك الجبري الذي فيه جبر الناس وقهرهم وظلمهم وما إلى ذلك، فهذه كلها تؤكد على أهمية تقرير معنى العدل وتقرير معنى محاربة الظلم وتحريم الظلم والتخلص من الظلم.
والكلام على هذا طويل جداً ولا يكفي فيه لا مجلس ولا اثنان ولا ثلاثة، وإنما تتبع مواضع الحديث عن العدل والحديث عن الظلم في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واسع جداً. نبتدأ بالحديث الأول: عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. متفق عليه.
هذا الحديث يمكن أن يخرج في أكثر من باب، يمكن أن يخرج في باب الدعوة إلى الله، ويمكن بشكل أكثر تفصيلاً الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، باب في الدعوة إلى الصلوات الخمس، باب في الدعوة إلى إخراج الزكاة والعناية بالصدقة، صح ولا لا؟ وهذا كله فروع عن الدعوة. طيب، ويمكن أن يخرج أيضاً في الدعوة من جهة أخرى، باب في بعث الدعاة إلى الأقطار، باب في بعث الدعاة إلى الأقطار وبعث المعلمين معلم الناس الخير، ويمكن أن يخرج في فقه الأولويات، فيقال: باب في فقه الأولويات في الدعوة، ويمكن أن يخرج أيضاً في باب الدعوة في باب إيش؟ في باب الدعوة أيضاً في إيش غير كل ما ذكرنا؟ باب في دعوة أهل الكتاب، جيد بس غير باب في التدرج في الدعوة، جيد أيضاً، وأيضاً أخلاق الداعية، يعني باب في أهمية العلم بأحوال المدعوين؛ لأنه قال إنك تأتي قوماً أهل كتاب فهذا أعلمه بما هم عليه بصفته وأعلمه بصفتهم، فهذا يعينه على دعوتهم.
الآن هذا كله فرع واحد يمكن أن يبوب به الحديث، فرع الدعوة، وتحت فرع الدعوة الآن ذكرنا ما أعرف يمكن 10 أبواب أو 15 باباً، ويمكن أن يبوب بغير ذلك، فيمكن أن يبوب من الناحية الفقهية في عدة أحكام، مثلاً يمكن أن يبوب بباب في عدم وجوب صلاة الوتر، صح ولا لا؟ لأنه علم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، وباب في فرض الصلوات الخمس، باب في عدم وجوب شيء من الصلوات غير الصلوات الخمس. ويمكن كذلك في باب الصدقة، باب وجوب الصدقة على الأغنياء تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، باب في أن الفقراء يستحقون الصدقة أو هم يعني أحد من تصرف عليهم الزكاة، هم ثمانية، هذا الحديث يؤكد المصرف المذكور في القرآن للفقراء. وأيضاً باب في هل تخرج الزكاة من البلد؛ لأنه قال من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وأيضاً في هذا الباب في باب الصدقة قال فترد على فقرائهم، بينما مصارف الزكاة أكثر من مصرف، فيمكن أن يقال يعني في جواز صرف الزكاة إلى جهة واحدة أو نوع من أنواع المصارف الثمانية. ثم بعد ذلك يمكن أن تذهب إلى قضية باب ما الذي يخرج من الأموال في الزكاة؛ لأنه قال: وإياك وكرائم أموالهم، والكرائم هي النفيس من الأموال، إلى غير ذلك.
والآن كل ما ذكرته ليس في موضع الشاهد الذي أورده النووي رحمه الله، إحنا الآن وصلنا 20، 25 باباً ممكن أو عنواناً ممكن يبوب بها هذا الحديث، وليس في شيء منها ما أخرج لأجله الإمام النووي رحمه الله هذا الحديث عفواً. النووي أخرجه لماذا؟ واتقِ دعوة المظلوم، جيد، وأيضاً قد يكون لقوله صلى الله عليه وسلم: وإياك وكرائم أموالهم، لأن كرائم أموالهم يعني أخذها فيه شيء من الظلم، وقد يستوجب هذا دعوة المظلوم أو ممن أخذت منه، فهذا الحديث حديث واسع، يعني حديث الفوائد فيه كثيرة، لو إحنا أخذناه من باب الدعوة الذي في البداية نأخذ يعني خلاص نسير في هذا الباب في هذا الفلك، نتكلم عن أولويات الدعوة، فقه الأولويات، يعني قضية الأولويات من حيث الموضوعات، العلم بأحوال المدعوين، الدعوة إلى شهادة لا إله إلا الله، الدعوة إلى أصول الدين أولاً إذا كان هناك خلل فيها عند المدعوين، ثم بعد ذلك الدعوة إلى الصلوات الخمس، ثم بعد ذلك إلى آخره.
لكن نقف مع أول كلمة في الحديث، أول كلمة قالها معاذ: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا البعث من الأمور العظيمة في السيرة النبوية التي سبق الحديث عنها، وسبق الإخبار بها، وسبق التفصيل فيها في أي لو تتذكرون في واحدة من المجالس كان مجلس كيف تأسس جيل الصحابة، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وإلى تعليم الناس، هذا من الموضوعات الأساسية في السيرة النبوية، ومن الموضوعات الكبرى، ومن الموضوعات التي يؤخذ منها الفقه الإصلاحي، ويؤخذ منها الفقه الدعوي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار الصحابة الذين يرسلهم للدعوة إلى الله ولتعليم الناس يختارهم بعناية، فهناك فقه للاختيار، من الذي يختار للدعوة؟ من الذي يختار باعتباره سفيراً عن الإسلام أو للإسلام باعتباره مبلغاً لرسالة الدين؟
فيعني مثلاً النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤمر بعض الناس على الجيوش وبعض الناس يبعثهم معلمين دعاة، فما الذي ميز هؤلاء وما الذي ميز أولئك؟ فمعاذ رضي الله تعالى عنه من أشهر من بعثه النبي صلى الله عليه وسلم معلماً، وكذلك بعث أبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وقبل ذلك من بداية قبل الهجرة بعث مصعب بن عمير، وبعث البعوث التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم للتعليم كثيرة، وأحياناً لا يكون الذي بعث كان بعثه مقصوداً وإنما أحياناً يكون بعثه أو التوصية له بالتعليم فرعية، فرعية بمعنى أنها فرع عن عودته إلى بلده، مثلاً مثل حديث مالك بن الحويرث لما قال: أتينا ونحن شبه متقاربون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومكثوا 20 ليلة تقريباً، قال: فلما رأى شوقنا إلى أهلنا قال: ارجعوا فعلموهم وصلوا كما رأيتموني أصلي.
وكذلك لما جاء وفد عبد القيس قال: احفظوه وبلغوه من وراءكم، فهنا توصية بالتعليم وتوصية بالدعوة، فهذا باب عظيم من أبواب السيرة النبوية، من أبواب المنهاج النبوي، من أبواب السنة النبوية، ويعلم فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على أن تبلغ الرسالة وأن تبلغ الدعوة، وعلى أن يشتغل أصحابه رضي الله تعالى عنهم في ذلك، ومنهم من سلك هذا المسلك، ومنهم من سلك مسلك القيادة العسكرية والجهاد في سبيل الله، وكان منهم من يبعث للدعوة والتعليم، ومنهم من يبعث للجهاد والقيادة العسكرية، وقد يكون الذي بعث للجهاد هو يكون عالماً في ذاته، ليس بالضرورة أن الذي يبعث للجهاد لا يعرف إلا القيادة العسكرية، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض القادة من أصحابه وهم فقهاء وعلماء، قد أمر أبا بكر على سرية، وأمر زيد بن حارثة كثيراً، وزيد من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأمر سعد بن أبي وقاص وغير ذلك من الصحابة الكبار، وأمر أبا عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنهم.
وحتى من بعث للناحية التعليمية قد يكون عنده خبرة عسكرية أو قدرة عسكرية، يعني مثلاً أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم معلماً، ولكنه بعد ذلك في زمن الخلفاء الراشدين كان قائداً عسكرياً كذلك، وشارك في قيادة الفتوح وفي نفس الوقت كان والياً وأميراً. فقول معاذ: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا يفتح لنا باباً عظيماً في السيرة النبوية وهو باب تعيين النبي صلى الله عليه وسلم الدعاة والعلماء أو المعلمين والقضاة والحكام والولاة والمجاهدين والقادة، ومن يتأمل في السيرة النبوية من هذا الباب يخرج بفقه كبير، يخرج بفقه الاختيار وفقه التعيين، وتحت هذا العنوان الكبير هناك.
فروع منها مثلا باب ما الذي كان يوصي به النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثيه. يعني هذا باب للفقه، وهذا باب عظيم يعني خاصة الآن إذا في مثلا من يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، ويكون مثلا له الطلاب أو الناس الذين يستفيدون منه، ثم بعد ذلك يسيرون في الآفاق لتعليم الناس وهدايتهم، هناك باب عظيم في السيرة النبوية اسمه باب وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لعماله أو لقادة سراياه ونحو ذلك، وهذا فيه عدة أحاديث.
منها حديث معاذ يعني أو ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا وأبا موسى في القصة المشهورة، وفي الحديث المشهور في البخاري لما قال: يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وتطاوعوا ولا تختلفوا. ومنها كذلك الحديث المشهور في صحيح مسلم حديث بريدة رضي الله تعالى عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بخاصته بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا، ويقول: اغزوا بسم الله في سبيل الله، إلى آخر الحديث، حديث طويل وفيه التوصية. وكذلك كان أصحابه من بعده الخلفاء كانوا يوصون، ووصية أبي بكر مشهورة لبعض قادة الجيوش. فهذه الوصايا مهمة جدًا، وهي باب كما قلت من أبواب السيرة النبوية، وباب عظيم من أبواب فهم سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي لمن يتفقه في المنهاج النبوي وفي السيرة النبوية أن يهمل هذا الباب وأن يبتعد عنه.
هذا الحديث هو تطبيق عملي لهذا الكلام كله، وهو وصية من النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، على أنه مما يلاحظ في الوصايا النبوية، وحتى في وصايا الخلفاء الراشدين للأمراء وأمثالهم، أن الوصايا تكون يعني مختصرة وفي نفس الوقت تقع موقعها، وهذا كان مما يميز يعني الحال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فهذا الأمر لافت للانتباه، لافت للانتباه: كلام قليل وعمل كثير.
وقد مر معنا، لو تتذكرون في شرح المنهاج باب في تربية النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على العمل، وفيه حديث النواس صحيح: كان أحدنا إذا هاجر، أو ما كان يمنعنا من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم. وحقيقة هذا الحديث مهما تكلمنا عنه، فهو يعني برأيي هو من العناوين الأساسية لفهم منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الناس، يتخيل يعني أناس يمكن لهم أن يكتبوا من المهاجرين إلى الله ورسوله، لكن ما يهاجر، ليش؟ حتى يسألوا ليتعلموا. طيب مو هذا موضع الشاهد، وين موضع الشاهد؟ موضع الشاهد أن المهاجر إذا هاجر يمنع من السؤال، ليش يمنع من السؤال؟ ليش؟ عمل، هذا الدين عمل، خلاص أنت هاجرت إلى الله ورسوله ما عندك، اعمل بس، اعمل بس. هذا أما الناس البسطاء اللي توهم أتوا اللي ما كذا، هذول يعني يتوسع لهم السؤال. هذا من يفهم هذا المنطق في السيرة النبوية والحديث فيه صحيح، يفهم جزءًا كبيرًا من فقه تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، خلاص هو عمل. ولذلك توفي النبي صلى الله عليه وسلم ما جلسوا طولوا الكلام وكثرت، عمل عمل عمل. فهذا أمر عظيم جدًا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ينبغي التأمل فيه.
إذا هذا في قول معاذ رضي الله تعالى عنه: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان معاذ رضي الله تعالى عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم كان شابًا. كان شابًا، يعني معاذ رضي الله تعالى عنه كان ممن شهد بيعة العقبة، وكان في بيعة العقبة عمره تقريبًا ١٧ أو ١٨ عامًا. يعني كم كان عمره تقريبًا في هذه السنة الأخيرة أو قبل الأخيرة في عمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ إذا كان في العقبة عمره ١٧ أو ١٨، ها، يعني بالكثير ٢٧، في حدود ٢٧، ٢٨. معاذ بن جبل ما عمر كثيرًا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فكان شابًا حين بعث هذا البعث العظيم.
طيب، إذا يعني أظن أننا في هذا المرور السريع المفترض أنه ذكر ما يقارب الـ ٣٠ أو ما يتجاوز الـ ٣٠ فائدة في هذا الحديث، يعني كل ما قلت باب كذا، باب كذا، باب كذا، وباب كذا، هذه معناه يعني الفائدة الأولى، الفائدة الثانية، الفائدة الثالثة، الفائدة الرابعة، الفائدة الخامسة إلى آخره. والحديث يعني سبق شرحه ربما أكثر من مرة في المنهاج نفسه، أظنه مذكور مرتين، صحيح، مذكور مرتين الحديث ولا مرة واحدة؟ أي مذكور مرتين وأظنه شرح مرتين، وهذا المرة الثالثة كذا إشارة سريعة، لكن نقف عند موضع الشاهد، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم. إياك وكرائم أموالهم، يعني أن ما يؤخذ في الزكاة وفي الصدقة من أموال لا ينبغي أن يكون الأنفس والأعلى من حيث الجودة، كما أنه لا يؤخذ الرديء والخبيث، وإنما يؤخذ الوسط. فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى معاذًا أن يأخذ كرائم الأموال، وهذا دليل على أن معاذًا رضي الله تعالى عنه لم يبعث فقط معلمًا، وإنما بعث واليًا يأخذ الصدقات، وهو الذي يجمعها ويقوم عليها، فمعاذ كأنه ولي ولاية عامة رضي الله تعالى عنه. وقد ثبت هذا المعنى في كتاب الله سبحانه وتعالى من جهة ما يؤخذ في الصدقة من حيث الجودة، فقال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ. فهذا النهي عن إنفاق الخبيث وهو الرديء من الشيء، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور حتى في الأضاحي، لا يضحى بالمعيبة، وكذلك في الصدقات لا يؤخذ الرديء من الأموال كما لا تؤخذ الكرائم.
طيب، واتقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. هذا فيه أن المظلوم إذا دعا على ظالمه أو في مظلمته، فإنه حري أن يستجاب له، فقمن أن يستجاب له، والمظلوم له بينه وبين الله سبحانه وتعالى حبل، وله باب مفتوح إلى السماء. فلذلك نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية، ونعوذ بالله أن نظلم أو نُظلم، لكن مما يوصى به ولاة المسلمين والعلماء وكل من يقوم على سياسة الناس أن يتقوا ظلم الناس، لأن الإنسان وإن تجاوز الحساب في الدنيا، فإن دعوة من المظلوم قد تأتي بالسوء له أما في الدنيا أو في الآخرة، فنعوذ بالله أن نظلم أو نُظلم، نعوذ بالله أن نظلم أو نُظلم.
طيب، يعني هذه إطلالة سريعة على هذا الحديث، وقد أحسن الإمام النووي رحمه الله في إخراج هذا الحديث في هذا الباب، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والعفو والعافية، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد