الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس الاستهداء بالسنة النبوية، ومن مجالس أنوار السنة المحمدية، وذلك في تدارس أحاديث رياض الصالحين. وهذا هو المجلس التاسع من مجالس هذه السلسلة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتمها لنا على خير، وأن يعطينا بركتها وخيرها، بركة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، والاستنارة بالعلم الشرعي.
ويعتني فقط بأفراد المسائل العملية المصنفة تحت الفقه أو غيره من العلوم المعروفة في الدراسة، دون أن يكون له عناية بأبواب الدين الكبرى المتعلقة بأعمال القلوب، وما يطلب من الإنسان من حيث العبادة القلبية وما إلى ذلك، يكون قد فاته خير كثير في تعلم دين الله والتفقه فيه. فالصبر قال عنه ابن مسعود: هو نصف الدين، نصف الدين، فالذي لا يتفقه في باب الصبر ويعلم ما فيه، ويعني يهيئ نفسه له، يكون قد فاته نصف الدين، وقال واليقين الدين كله. وأيضا ورد عن غيره أنه الدين نصفان: نصف صبر ونصف شكر. وهذه أمور وأبواب يجب تعلمها، ويجب العناية بها، وأن لا تكون مصنفة تحت أبواب الرقائق أو أبواب يعني الفوائد المكملة أثناء الطريق، وأنه طلب العلم أهم شيء فيه يعني إيش الدروس العلمية بين قوسين، أما الأمور المتعلقة بالتوكل واليقين والصبر والأعمال القلبية، فهذه يعني رقائق بين فترة وأخرى نرقق بها القلوب؛ هذا إشكال حقيقي، بل هذا هو الدين، وهذه هي أبوابه الكبرى، وهذه أبوابه العظمى، وهذه التي ينبغي أن تكون محل عناية ومحل دراسة ومحل تنشئة وتربية. وخلال ذلك ومعه تأتي أبواب العلم المحضة لتنزل منزلها في القلوب التي تتلقاها بشكل صحيح. والقلوب التي تتلقاها بشكل صحيح هي القلوب التي تهيأت بعلوم الإيمان لحمل العلوم الأخرى والتي هي أيضا متصلة بالدين بلا شك.
طيب، اليوم نبدأ بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، وقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا؟ قال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: أجل، ذلك كذلك. ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته، وحطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها. متفق عليه. قال: والوعك الحمى، وقيل الحمى.
هذا الحديث حديث عجيب عظيم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو خير المرسلين، والذي فتح الله له أبواب الأجور، والذي آته الله إن شاء الله الوسيلة التي هي منزلة لا تنبغي لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، أو إلا لشخص واحد ويرجى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم، هذا كله لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم يبعد عنه قضية المرض الذي يزاد به أجره وترفع به درجاته. يعني أبواب الأجور بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم أبواب واسعة؛ تبليغ الدين، القيام بالرسالة، الجهاد في سبيل الله، إلى آخره. النبي صلى الله عليه وسلم، لكن مع ذلك ومع كل ما لديه من الخير، ومع كل ما أراد الله سبحانه وتعالى من الخير، ومع كل ما جاء فيه من لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وما إلى ذلك، إلا أنه لم يعف ولم يبعد عن قضية المرض تحديدا، والمرض من بوابات الأجر تحديدا. بل والمرض الذي كان يصيب النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مرضا عاديا، وإنما كان مرضا حمله وثقله كحمل أو كضعف ما يصيب الإنسان أو الرجل العادي من الأمراض، فإذا أصاب النبي صلى الله عليه وسلم الحمى يكون ثقلها عليه كثقل ضعفين على الصحابي الآخر أو الصحابي العادي.
هذا وقت المرض الآن، فلذلك لما جاء ابن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية قال: فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا، يعني آثار المرض عليك يا رسول الله أكبر وأشد من آثار المرض علينا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، الوعكة الواحدة تساوي وعكته بالنسبة للصحابة، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قال ابن مسعود: ذلك أن لك أجرين؟ هل لأجل هذه المضاعفة في الألم وفي المرض لأن لك أجرين يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل، ذلك كذلك، ذلك كذلك.
وهذا الحديث يعني يعيد أيضا ترتيب الموازين بالنسبة للإنسان فيما يصيبه من الشدائد، وما يصيبه من الأمراض، وما يصيبه من الأسقام، وأن القضية في ميزان الله سبحانه وتعالى مختلفة عن ميزان الرحمة البشرية العادية. ميزان الرحمة البشرية العادية هو ميزان يبعد عن الإنسان الأمراض والأسقام؛ يعني أمك ترحمك فتتمنى لك أن لا تمرض وتسقم، وتعطيك من الأشياء التي تمنعك من المرض، هذه ميزان الرحمة العادية، والله أرحم بعباده من الأم بولدها. ولكن في النظر إلى المجموع، المرض رحمة بالإنسان لأنه يكفر عنه سيئاته، وتكفير السيئات لا يعرف قيمته الإنسان، لا يعرف قيمة تكفير السيئات إلا إذا وافى يوم القيامة؛ لما يوافي يوم القيامة يعرف إيش معنى تكفير السيئات، مثل ما ذكرنا في الدرس السابق، يتمنى في ذلك اليوم أن لو طال مرضه، أن لو طال بلاؤه، أن لو اشتدت الشدة عليه أكثر مما كانت عليه في الدنيا، لأنه يرى شدة الاحتياج إلى تكفير السيئات في الآخرة، فيحصل له ذلك حين يوافي عند الله سبحانه وتعالى.
وفي هذا الحديث ما كان يعانيه النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الابتلاءات، وقد جمع الله لرسوله أنواع الابتلاءات التي يمكن أن تجتمع على الإنسان. ففي طول مسيرته، بل حتى من قبل النبوة، نشأ النبي صلى الله عليه وسلم يتيما، وهذا لو كان للإنسان يعني حتى على مر التاريخ هذا يسجل في السير الشخصية يعني كنقطة أساسية، أنه نشأ يتيما، نشأ في رعاية جده، نشأ في رعاية كذا، باعتبار أنه يعني نقطة أساسية في مسيرة الإنسان اليتم، فإذا كان قد فقد والديه هذه تضاف بشكل أكبر. فالنبي صلى الله عليه وسلم من بداية حياته، وهذا ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة الضحى، فقال إيش: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى. وبذلك لما جاءت النبوة أولا، من أوائل ما نزل عليه أن الله سبحانه وتعالى قال له: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، ومن أوائل ما نزل عليه: فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ، ومن أوائل ما نزل عليه: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ. وهذه كلها تدل على أنواع التحديات التي كانت تحيط بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وأذكر في مجال السوية المؤمن في حلقات الهم والحزن تتبعت إلى حد ما أنواع الهموم أو الابتلاءات أو المصائب التي كان يصاب بها النبي صلى الله عليه وسلم كعناوين كبرى، تحت العنوان الواحد تفاصيل، يعني واحد من العناوين مثلا اللي هو المذكور هنا في الحديث، اللي هو إيش المرض، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يمرض، والمرض الذي يصيبه إذا أصابه تكون شدته كشدة المرض على رجلين.
وحتى ترى في الأمراض العادية، يعني أقصد العارضة، ليست الأمراض التي تأتي مثلا مثل الحمى أو شيء، لا، أحيانا تأتي بسبب حوادث معينة، يعني تعرف النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى جالسا بالناس كان بسبب سقوطه من فرس، قال كما في البخاري: فجحش شقه الأيمن، فاضطر أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم بالناس جالسا، فصلوا وراءه جلوسا أو قعودا. وهذا من أنواع المرض، من أنواع التعب.
وكذلك مرض الموت الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم كان يغشى عليه صلى الله عليه وسلم من المرض، ثم لما يفيق يطلب ماء فيقول: أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيته، فيأتون له بالسبع قرب، فيعني يصبون عليه صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى مستوى الجراحات، أصيب النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه، كسرت رباعيته، كذلك هذا الآن باب في أبواب أخرى كثيرة من أبواب الابتلاءات التي ابتلي بها النبي صلى الله عليه وسلم. ولا تدري أيهما أشد، البلاء الحسي أم البلاء المعنوي؟ وقد يكون البلاء المعنوي الذي ابتلي به النبي صلى الله عليه وسلم أشد من البلاء الحسي. وأشد البلاء المعنوي الذي ابتلي به النبي صلى الله عليه وسلم هو تكذيب الناس، فهذا أشد شيء، وهو ربما يكون إلى اليوم بالنسبة للإنسان صاحب الحق، صاحب الرسالة، قد يكون أشد عليه من ضرب السياط، حين يكون التكذيب من أناس لهم قيمتهم. أما التكذيب من السفهاء فأمر سهل، لكن أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يلف على الناس ليقول لهم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، فعم يكون خلفه ويقول: هذا الكذاب لا تصدقوه، هذا الكذاب، ويكون عامة من في قريش يتكلمون عنه هذا الكلام.
حتى كما في صحيح مسلم لما جاء ذلك الرجل، لا ليست الطفيل، إذا جاء رجل الآن غاب عني اسمه، فقال كان هو كان صاحب رقية، يرقِي، فكان يرقِي فسمع من خلال قريش أنه في واحد يعني به شيء، يعني به شيء، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أرقي من هذه الريح إذا أردت رقية، أنه ترى سامع من مجموع كلام قريش أنه في واحد يعني فيه شيء في رأسه، فيه شيء في عقله، اللي هو النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا يقولون عنه. تخيل هذه السمعة، ثم يذهب إليه ويقول: أنا إذا أردت أن أرقيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فقال: أعدها علي، فأعادها، ثم قال: عدها علي، فأعادها، وقال: لقد سمعت كلام الكهان وكلام السحرة وكلام الشعراء، فما هذا بكلامهم بمثل كلامهم، ودخل في الإسلام وبايع على قومه كذلك.
إلى غير ذلك، ولذلك لو تلاحظون في كتاب الله سبحانه وتعالى تأتي مواساة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالقول الذي يقال عنه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ. لاحظتوا يضيق صدرك، ويحزنك، وعلقت بإيش؟ القول. لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. وهذه مواساة كبيرة، لأنه لما تعرف يقينا أن الذي أمامك يكابر فقط، وأنه حقيقة لا يكذبك، ترى هذا يهون عليك كلامه، يهون عليك كلامه. وين المصيبة؟ تصير أكبر لما ما تدري اللي أمامك وهو يتكلم، هو من جد يعني متبني هذه القضية حقا، عارف بحيث إنه هو بعقله وبما يعرف عنه وبمكانته هو يرى فعلا أنك أنت ضال، ثم يشيع هذا القول في الناس، ترى هذه صعبة. لكن لما تعلم يقينا أنه ولو كان ما كان في مكانته، لكن تعلم يقينا أنه يعلم أنك على الحق ولكنه يكابر بقوله هذا، ترى هذا يهون عليك القضية، يهون عليك القضية، لأنه أصلا يهون عليك الشخص. الشخص تعرف يعني قد يكون له مكانة عنده في عقله في كذا، لكن لما تعرف أنه هو كل هذا الكلام هو عبارة عن استعراض لفظي، وأن هو في باطنه أصلا الشخص نفسه يهون عندك، وإذا هان الشخص هان كلامه. مو معنى هان كلامه أنه لا يؤثر، لكنه يهون نوعا ما.
وأذى السفهاء أيضا يؤثر، لكن أذى السفهاء عادة ليس بمثل أذى الكبار، الكبار له تأثيره وله أصلا أسلوبه، أما السفهاء الاستهزاء وغير ذلك من الأشياء، وتعرفون سلطوا عليه السفهاء في الطائف وحتى في مكة وغير ذلك. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم في حياته في النبوة اللي هي استمرت 23 سنة لم تكن هذه الحياة حياة بعيدة عن الابتلاءات والمشكلات، بل كانت حياة محاطة بالبلاء والمشكلات والتحديات والعقبات، ومصادرها مختلفة ومتنوعة. فمنها مصدر المنافقين، ومنها مصدر المشركين، ومنها مصدر اليهود، ومنها مصدر الأعراب، ومنها مصدر عموم الناس من ناحية يعني الضغط والشدة، الطلب وما يحتاجه الناس وأسئلتهم. وتعلمون كما في الحديث الصحيح: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قائما، فلما حطمه الناس صلى قاعدا، فلما حطمه الناس صلى قاعدا، فهذه لها تأثير. حتى الأعباء الاجتماعية لها تأثير، النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيوته يعني حتى نساؤه وزوجاته كان لهن طلبات، وكان أحيانا يصير خلافات أو مشكلات أو كذا، وهذه أيضا لها تأثير، تعلمون القصص المشهورة فيها مع عمر رضي الله تعالى عنه وابنتيه حفصة وعائشة رضي الله تعالى عنها ابنته حفصة وعائشة ابنة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. الشاهد أن هذه أبواب من أبواب البلاء، ومن أبواب الشدة، ومن أبواب المصاعب التي كانت تمر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذه الابتلاءات وهذه الشدائد هي باب للأجر للنبي صلى الله عليه وسلم.
وسلم، والفائدة من ذلك أن يعلم أن الإنسان مهما بلغت مكانته ومهما بلغت منزلته عند الله فهو لا يستغني عن الأجر؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بمستغنٍ عن الأجر، لم يكن بمستغنٍ إلى درجة أنه لم يكن الأجر الذي يأتي من الأمراض والأسقام والهموم والشدائد، لم يكن بمستغنٍ عن هذا الأجر وهو النبي صلى الله عليه وسلم. فما بال من دونه يشعر بأنه مستغنٍ عن كثير من أبواب الأجور، وكأنه ضمن مقعد الصدق عند مليك مقتدر، وكأنه ضمن الفردوس الأعلى، ها، ويغتر بأعماله ولا يرى نقصه ولا تقصيره، ويعني يفرح ببعض الأعمال الصالحة التي يعملها ويظن أنه خلاص يعني الحمد لله، إيش باقي من أعمال صالحة؟ الحمد لله كل شيء عملته الحمد لله رب العالمين.
أيه الإنسان، لم يكن هذا تفكير الصالحين ولا هذا سبيلهم ولا هذه طريقتهم، بل حتى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه الذي له ما له عند الله سبحانه وتعالى من المنزلة العلية لم يكن يستغني عن الأجر في مختلف أبواب الأجور، كما ورد في بعض الأحاديث في الطريق إلى بدر أو من بدر قال: ما أنتما بأقوى مني أو بأجل مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما، لما كان يعتق الرجلين على البعير. طيب، والكلام في الحديث أيضاً يعني كثير لكن نتجاوز.
الحديث التالي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيراً يصب منه، رواه البخاري. وضبطوا يصب بفتح الصاد وكسرها، يعني يُصَب منه أو يَصُب منه. من يرد الله به خيراً يصب منه. المشهور الحديث الآخر: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين. نفس المقدمة: من يرد الله به خيراً، إيش يصب منه؟ يعني إذا لم يُصَب الإنسان وهو في طريق الخير بابتلاء، ها، مثل ما تتعامل مع حديث: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، من لا يفقه في الدين إيش أبواب الشر التي تنفتح عليه؟ كذلك من لم يُصَب منه، ويروى في المصادر والمراجع التاريخية أن خالداً ابن الوليد فيما أذكر طلق إحدى زوجاته فقيل له، وقال: ما نقمت عليها شيئاً إلا أنها لم تُصَب عندي بشيء لا بمرض ولا بشيء، فطلقها.
فهنا من يرد الله به خيراً يصب منه. جيد، طبعاً هذا إحنا قلنا في قضية تصحيح المعايير وضبط الموازين والمقاييس، هذا الحديث يعيد ضبط الموازين والمقاييس بطريقة يعني عكس ما يفهم كثير من الناس، إنه ممكن الإنسان حتى في الموازين، ممكن الواحد يفكر كذا: من يرد الله به خيراً يجعله في عافية في بدنه وفي جسده، ويكون دائماً بخير ومبسوط ودائماً سعيد، ودائماً ما عنده مشاكل ودائماً ما عنده تحديات، ودائماً ما عنده أمراض ودائماً الأمور مسهلة له كذا في فكر كثير من الناس، صح ولا لا؟ كثير من الناس هذا تفكيرهم: إنه الحمد لله الله رايد بي خير، الحمد لله شوف كل شيء مسهل وكل شيء أموري تمام، ما في ولا شيء صعب في حياتي، ولا الحمد لله ما مريت بمشاكل ولا مريت بتحديات ولا مريت بمصعبات، الحمد لله الله راد بي خير. لا، هنا بالعكس، هنا هذا يخوف، هذا يخوف. في تصحيح المعايير التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، في المعايير التي صححها النبي صلى الله عليه وسلم لا، القضية عكس: من يرد الله به خيراً يصب منه. وهذا كما قلت يعني خاصة في هذا العصر هذا المفهوم الخاطئ المعاكس لهذا الحديث مفهوم منتشر جداً، ويجب إعادة ضبط هذه الأفهام على معيار الوحي.
فيعاد ضبط الأفهام؛ لأنه اليوم تعرفوا فكرة الكلام الكثير عن فكرة النجاح وفكرة التميز في الحياة وفكرة الابتعاد عن المشكلات وفكرة كذا، بحيث إنه يراد رسم قوانين الجنة في الحياة الدنيا، وهذا أصلاً كله عبارة عن أوهام؛ لأنه الإنسان لن ينفك أصلاً عن المشكلات، لكن قد تؤخر عليه، قد يمهل، مثل ما ذكرنا أيضاً في اللقاء السابق. بالعكس، القرآن يبين أن القضية بعكس ذلك، إنه قال الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ. مع أنه ممكن واحد يفكر إنه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً. لا، أول شيء قبل أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً: فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ، إيش؟ الرزق، الرخاء الاقتصادي، الأمور، السعادة الدنيوية، الإنجازات العمرانية، هذه فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً.
هذا بالنسبة للمجتمعات والأمم. وبالنسبة للأفراد قد يظن الإنسان إنه يعني إذا كان سالماً في بدنه، في صحته، في حياته الاجتماعية، في علاقاته، في سعيه الدنيوي دائماً سالم، دائماً ناجح، دائماً ما في مشاكل. الطبيعي الآن في تفكير الناس المعاصرين إنه هذا علامة توفيق وهذه علامة خير. في ميزان الوحي لا، في ميزان الوحي لازم تنتبه، إذا كان كل شيء عندك ماشي تمام من ناحية الأمور الدنيوية، كل شيء ماشي تمام، لا، هنا في شيء لازم تنتبه له، لازم تنتبه. لأنه طبعاً هو تعرفوا المفهوم ليس تطلب البلاء، المفهوم ليس أن الإنسان يخفض مناعة جسمه عشان يصاب بالأمراض، يعني بالعكس الإنسان يسعى للعافية، العافية مطلوب أن يسعى الإنسان لها، لكن في القدر لازم يعلم الإنسان إنه في ميزان الله بالنسبة للمؤمنين لا بد أن يبتلوا، والابتلاءات ترى ليست مرحلة فقط، الابتلاءات ترى شيء متصل.
جيد، ومن الأحاديث العظيمة في ذلك وفي البخاري أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: مثل المؤمن كالخامة من الزرع، لا تزال حتى يكون انعطافاً مرة واحدة، وفي رواية في الصحيح: مثل المؤمن يُكفأ بالبلاء. هذا حال المؤمن، مرة تجيه ابتلاء من هنا، مرة تجيه ابتلاء من هنا، مرة تجيه ابتلاء من هنا. أما المنافق فتلقاه: إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، ولا في شيء، حتى يكون انعطافاً مرة واحدة. والقصد كما أسلفت ليس في تطلب الابتلاءات، العافية من أعظم ما يعطاه الإنسان، الإنسان يطلب الله العافية، يسأل الله العافية، ويكثر من دعاء: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وأن الله جميل يحب الجمال، إلى آخره من الأحاديث والآيات. لكن إحنا من جهة القدر يجب أن نعلم أن المؤمن لن ينفك عن الابتلاءات، فإذا وجد مؤمن لا يوجد ابتلاءات في حياته، فهذا من المؤكد أنه لنقص إيمانه، ما فيه لنقص إيمانه، هذه قاعدة أساسية ومحكمة: لنقص إيمانه.
ولأجل ذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. ثم قال صلى الله عليه وسلم: يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان دينه صلباً زيد في بلائه. وهكذا البلاء على درجات وعلى أحوال. طيب، إذاً: من يرد الله به خيراً يصب منه. إيش الفائدة العملية؟ الفائدة العملية توسعة إمكان الصبر بالنسبة للمؤمن، ليش؟ لأن واحداً من الأشياء التي تعينه على الصبر إنه لا يرى أن ما يصاب به ليس خيراً، لا يرى أن ما يصاب به، لا يعرف الإصابات التي تصيبه أنها عقوبات من الله عليه، وأنه حياته ليست ناجحة، لا، هو يرى أنها خير، وإذا رأى أنها خير أُعين على الصبر، سهل عليه الصبر.
الحديث التالي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، متفق عليه. هذا الحديث فيه الكلام عن تمني الموت لأجل عدم تحمل المصائب، وليس فيه النهي عن تمني الموت لأجل السلامة الدينية من الفتن وما إلى ذلك، فهذه عند كثير من العلماء مستثناة، إنه يجوز للإنسان أن يطلب الموت إذا خشي الفتنة في دينه. ويبقى الدعاء هذا العام الذي فيه أن كان، وإن كان لعله الأسلم، وفي صحيح -عفواً- في سنن النسائي في الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي. وهذا يعني دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم بنفس ما في هذا الحديث، ولم يكن لضر نزل به صلى الله عليه وسلم، وإن دعاء عام، فهو هذا الدعاء ليس خاصاً بمن نزل به ضر وضاقت به الأحوال، وإنما هو دعاء مما يدعى به.
وفي نفس الحديث الذي في النسائي الذي فيه الدعاء فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. يعني أسألك أن الشوق إلى لقائك، وأن لا يكون سبب هذا الشوق إيش؟ أيوه، إنه تمني الموت لضرر أو فتنة مضلة؛ لأنه متى ممكن الإنسان يدعو بالموت بأحد هذين الأمرين؟ إما ضراء مضرة أو فتنة مضلة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله الشوق إلى لقائه في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، واضح الفكرة؟
طيب، عموماً تمني الموت إذا نزل الضر لا يجوز أو هو منهي عنه، وإذا ضاقت الأحوال بالإنسان فلم يستطع إلا أن يتمنى الموت، فليقل أو فليكن تمنيه بهذه الصيغة بهذا الدعاء: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي. وهذا الحديث لا يتعارض مع الأحاديث التي فيها سؤال الله الشهادة في سبيله؛ لأن هذا الحديث فيمن تمنى الموت لضر نزل به، أما سؤال الله الشهادة فهذا عام، لا يمنع في أي حال من أحوال الإنسان، بل إن سؤال الله الشهادة هو من أبواب الأجور الكبيرة؛ أن الله يبلغ من سأله الشهادة بصدق منازل الشهداء ولو مات على فراشه.
الحديث التالي عن أبي عبد الله خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون، رواه البخاري. وفي رواية: وهو متوسد بردة وقد لقينا من المشركين شدة.
هذا الحديث فيه فوائد كثيرة جداً، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قوله: ولكنكم تستعجلون لأناس لم يكونوا خارج الابتلاء، ولم يكونوا بعيداً عن ميدان المدافعة بين الحق والباطل، ولم يقله لأناس قد اعتزلوا ميدان القيام بالحق والدعوة إلى الله ونصرة الدين، وإنما قاله ولا قاله لأناس منعمين بعيداً عن الابتلاءات، وإنما قاله لأناس قد عانوا وكابدوا ووجدوا الشدة، ومع ذلك يقول لهم: ولكنكم تستعجلون، ولكنكم تستعجلون. ونحن اليوم نبتلى بأناس يستعجلون وهم أصلاً في عافية وفي رخاء، ولا واجهوا شدة ولا واجهوا ابتلاءات، ولا سلط عليهم الأعداء، ولا نصروا الإسلام وقاموا بالجهاد في سبيل الله، ولا بالتضحية في نصرة الدين، ولا قاوموا شيئاً، ثم بعد ذلك يقولون: نصر الله. إحنا نقول يا جماعة الخير: ولكنكم تستعجلون، هذه ما هي لكم أصلاً، هذه ولكنكم تستعجلون هذه أصلاً للناس التي ابتليت وصبرت وضحت وبذلت، ومع ذلك ولكنكم تستعجلون، ومع ذلك ولكنكم تستعجلون. طبعاً هي بعموم لفظها للجميع، لكن أقصد الأجدر بها والأحرى، من كابد وعانى ومع ذلك يقال له: ولكنكم تستعجلون، ولكنكم تستعجلون.
والصحابة رضوان الله تعالى عليهم قد لاقوا وعانوا في مكة معاناة شديدة، ومنهم خباب تحديداً، وقد كان خباب رضي الله تعالى عنه من السابقين للإسلام، وكان أحد أشهر رموز من ابتلي وعذب في مكة، وهم خباب وصهيب وبلال وعمار وأمه وأبوه، هؤلاء هم أشهر من عذب وابتلي في مكة. وجاء في بعض الروايات في الأحاديث المشهورة أن ما منهم من أحد إلا أجاب إلا بلالاً؛ فإنه قد هانت عليه نفسه في الله، هكذا في اللفظ في الحديث أنه هانت عليه نفسه في الله، وكان يسحب في أروقة وزقاق مكة وفي الصحراء وفي رمضائها الحارة ويضع عليه الصخور ويأتي السفهاء ويتكلمون عليه ويضربونه وهو يقول: أحد أحد، أحد أحد، وأحياناً يقال له كذا فيقول، يعني كأنه لا يسمع أو شيء من ذلك لما يقال الكلام، فلم يجب رضي الله تعالى عنه إلى أن أتى أبو بكر الصديق فاشتراه، وكما قال ابن مسعود فيما أذكر، البخاري أيضاً أو في الصحيح عموماً، قال: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا. وبعد ذلك لما أراد بلال الغزو في سبيل الله في خلافة أبي بكر الصديق، قال لأبي بكر: إن كنت إنما أعتقتني لله فدعني وعملي لله، وإن كنت إنما أعتقتني لنفسك فاحبسني لنفسك. فقال: إنما أعتقتك لله. فذهب بلال إلى الشام ولزم الشام إلى أن توفي.
فيها رحمه الله تعالى. على أية حال خباب أحد الذين، أحد رموز المعذبين في سبيل الله في مكة جيد، فلا عجب أن يكون هو راوي هذا الحديث ولا عجب أن يكون هو الذي قال: ألا تدعوا الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ ولاحظوا يا جماعة، هو الآن لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم هو إيش، إيش طلب؟ يعني يعني إيش طبيعة الطلب اللي طلبه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل هو طلب يعني يعني عارف أنه هو مثلا: يا رسول الله خلاص نحن يعني لا نريد أن مثلا نستمر في في هذا الطريق ولا يعني بدأت قلوبنا يعني الشيطان بدأ يدخل علينا كذا، لا، هو قال: ألا تدعوا الله لنا بس يعني، فهمت الفكرة؟ يعني يعني هو طلب يعني هو طلب طبيعي كما يقال يعني ها عادي، طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله أن يرفع عنهم ما هم فيه، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قابله بما قابله به من هذه الجمل التي تدل على قدر من العتاب أو قدر من الجواب الذي يهز الإنسان المؤمن من داخله.
فيقال له: لقد كان يؤتى بالرجل من من كان قبلكم فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين. هذه قصة أو هذا هذه جملة قص النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه في موضع آخر وفي يوم آخر قصة مفصلة فيها هذا هذا التعذيب، اللي هو في أي ق قصة بقصة الغلام، تعرف الراهب والوزير؟ لما اعترفوا عذبوا، فهذا فشق الملك الظالم شقاً بالمنشار فرقتين، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لخباب يعني معنى الكلام أنه لم يصبكم ما أصابهم، مع كل ما تجدون لم يصبكم ما أصابهم فقد كان ما أصاب الذين قبلكم أشد مما أصابكم.
وفي هذه الجملة فائدة عظيمة جداً، وهي أن من أعظم ما يثبت الإنسان في طريقه وفي حياته هو استحضار أحوال الثابتين والصابرين من السابقين، ولذلك قص الله على نبيه في كتابه كثيراً قصص الأنبياء وقال: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، وسيأتي ربما إن شاء الله بعد قليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ابتلي بذلك الخارجي الذي طعن في عدالته وطعن في عدله في تقسيم الغنائم، استحضر النبي صلى الله عليه وسلم ما أصيب به موسى فقال: يرحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر. الشاهد من هذا كله أن استحضار قصص السابقين وخاصة الأنبياء، ومن أعظم ما يثبت الإنسان عند الشدائد والابتلاءات، وأما الإنسان إذا لم يعرف هذه القصص ولم يعش حقيقتها ولم يدم استحضارها، فإنه إذا أصيب بالابتلاءات والشدائد قد يرى أنه أول المبتلين، قد يرى أنه لا يعني شيء قد حصل مثل ما حصل له، فييأس أو تغلق أمامه الآفاق، بينما الذي ينبغي دائماً هو استحضار سعة ما حصل للناس من ابتلاءات، ومن جملة ذلك ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث.
ومن جهة أخرى فإن من أعظم ما يبعث الإنسان على الصبر والثبات هو التفاؤل في المستقبل. النبي صلى الله عليه وسلم استعمل هذين الأسلوبين في نفس الموقف، الأول: لقد كان الرجل ممن كان قبلكم يؤتى به وذكر الحديث، والثاني قال: والله ليتمن الله هذا الأمر، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه. فتح باب الأمل والتفاؤل في قضية المستقبل للإسلام هو باب يصبر الإنسان، أنه ترى هذه شدائد تراهم ستعقب بالنصر، ستعقب بالخير، تعقب بالفرج، ستعقب بالفتح.
طيب سؤال، الذين سمعوا هذه البشرى أو وصلت لهم هذه البشرى يعني أكيد خباب لما سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم أكيد أنه إيش نقله بين الصحابة؟ ترى ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم اليوم ها، لا تحسبوا ترى هم منطقهم يعني مت هم بشر يعني، تخيلوا الموقف يصير زي اليوم، إيش راح يسوي خباب لو صار في موقف قريب من عنده؟ ها وكل يكون في مجموعة مشتركة في هذا الابتلاء، إيش راح يقول؟ على طول راح ترجع، ها تخيل مثلا إنك ذهبت إلى أحد العلماء الصالحين في شدة تعانيها أنت وإخوانك في سبيل الله فأجابك جواباً شفى صدرك، أكيد راح ترجع تقول: أبشركم اليوم قابلت الشيخ فلان وكلمته وكذا والله أجابني جواباً يا أخي الحمد لله، ها؟ فالمتوقع أن خباب بعد ما ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأجابه هذا الجواب أنه رجع إلى أصحابه وقال لهم: ترى اليوم ذهبت للنبي صلى الله عليه وسلم وانقال وكذا.
المهم سؤال، هل كل من سمع هذا الحديث رأى مرحلة والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، أم أن هناك أناساً من الصحابة الذين سمعوا هذا الحديث أو وصل إليهم أو علموا معناه ماتوا قبل أن يتم الله هذا الأمر؟ فيه منهم من نقل خباب نفسه في البخاري أيضاً في الصحيح أنه لم يأكل من أجره شيئاً، منهم هكذا نص، أنه مصعب بن عمير، مصعب كان معهم وكان أيضاً يواجه الشدائد، ها خباب هو الذي نقل قصة مصعب، أي نعم ثم بعد ذلك كان أول السفراء في المدينة لدعوة الإسلام، ثم بعد ذلك استشهد يوم أحد، يوم أحد قبل الغنائم قبل ما تفتح الخيرات على الناس، ها قبل خيبر وبطبيعة الحال قبل فتح قصور كسرى وقيصر، فأما خباب فأدرك كثيراً من هذا الخير وهذه الفتوحات.
فشاهد الفائدة هي أن الوعود المتعلقة بالنصر والتمكين ليس بالضرورة أن يراها الجميع، هي حق في ذاتها لكن ليس بالضرورة أن يراها الجميع، قد يراها فئة أو تراها فئة ولا تراها فئة أخرى، والشأن كل الشأن هو في اليقين بوعد الله سبحانه وتعالى وفيما أخبر به سبحانه وتعالى، وليس في أن يرى الكل مصداق هذا الوعد. طيب، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والعون والسداد وأن يغفر لنا ويرحمنا وأن يهدينا ويسددنا، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد