تسجيل الدخول

رياض الصالحين 03 | باب التوبة 1 | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه المصير. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس الاستهداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وقبل أن أبدأ بالأحاديث المقصودة في هذا اليوم، أحب أن أؤكد وأنبه على هذا العنوان العظيم، وهو عنوان الاستهداء بالسنة؛ ومعنى أن يتخذ الإنسان سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته سببا للهداية. وهذا المعنى هو من أشرف المعاني التي يعيش الإنسان لأجلها ويعيش الإنسان فيها. وإذا كان مطلب الهداية هو أعظم مطلب يطلبه المسلم في حياته اليومية، بدليل: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ المفروض قولها على المسلم كل يوم في صلاته، فهذا أعظم مطلب يومي، فإن من أهم ما يوصل إلى هذا المطلب هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.

والاستنارة وإن كان مشتركا بين المسلمين، يعني لا يوجد مسلم لا يعترف ولا يقر بقضية أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم هداية، وأهمية اتباع النبي صلى الله عليه وسلم هذا محل إجماع واشتراك بين المسلمين، ولكن هناك أسباب كثيرة تجعل الإنسان يتخلف عن الوصول إلى حقيقة هذا الشعار. شعار عظيم وشعار جميل وشعار محبوب لكل الأمة الإسلامية، اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. من من الأمة لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ من من الأمة لا يرغب في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولكن ما بين الشعار وما بين الحقيقة هناك فجوات وفجوات وفجوات مع الأسف يسقط فيها الكثير.

هناك أسباب للوصول إلى تصديق هذا الشعار، أسباب شيء منها نفسي قلبي، شيء منها متعلق بالفقه؛ كيف تتبع النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف تعرف هديه؟ هذا الشيء المتعلق بالفقه يعني كيف تصل إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو ما سنركز عليه في هذه الحلقات وفي هذه اللقاءات. وما يتعلق بالقلب فهو مرتبط بأساس استجابتك لله أصلا، يعني معرفة الحق شيء واتباع الحق من حيث الإرادة شيء آخر. لكن أهم شيء تعرف الحق كما هو، تعرف الحق كما هو. وقد يقول قائل: ولماذا؟ هل كلامك يدل على أن هناك كثيرا من المسلمين يجهلون حقيقة الحق النبوي؟ فالجواب نعم، الجواب نعم، هناك كثير من المسلمين يجهلون حقيقة الحق النبوي من حيث أن الجهل هو مضاد للعلم. ولأجل ذلك فإن من أولى ما جعلت هذه المجالس لأجله هو بيان فقه اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقة الهدي النبوي، ما الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكر في بعض الحلقات السابقة وسيذكر اليوم وفي الحلقات القادمة بإذن الله تعالى أنه القضية تحتاج إلى فقه في الاتباع، وأن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون عبر تجزئة الأعمال ومن ثم اتباع كل عمل وحده، لا، لازم تفهم المنظومة، تفهم أولويات العمل النبوي، على ماذا ركز النبي صلى الله عليه وسلم؟ أي شيء أي عمل من الأعمال قدم وأعطاه أولوية واهتماما؟ وبناء على هذا التفاوت فيما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من قضايا الحق في الاهتمام، أنت كذلك تعطي هذه القضايا التفاوت بقدر ما أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم في التفاوت والاهتمام. هذا يعني كلام مقدمة سياتي تصديقه بإذن الله تعالى من خلال المجالس بإذن الله تعالى.

طيب اليوم إحنا في رياض الصالحين، طبعا هذه الاستهداء بالسنة، نحن في هذه المجالس التي قد تمتد إلى 100 أو 200 مجلس -ما أعرف- بتيسير الله إن شاء الله ستكون مع فرع رياض الصالحين. العنوان الأكبر هو استهداء بالسنة، فرع رياض الصالحين، بعدين إن شاء الله إذا انتهينا راح نأخذ أشياء أخرى في السنة النبوية، فسيظل العنوان ثابتا بإذن الله اللي هو الاستهداء بالسنة والكتاب متغيرا اللي هو كل مرة نأخذ كتاب من كتب الحديث، والقصد منها هو معرفة حقيقة الهدي النبوي لأن معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم لا تستقل به كتب السيرة النبوية وإنما أيضا من أهم ما يستخلص منه هو كتب الحديث.

طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: باب التوبة. قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط: أحدها أن يقلع عن المعصية، الثاني أن يندم على فعلها، والثالث أن يعزم ألا يعود إليها أبدا، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. هذه تعليقات أحيانا يذكرها الإمام النووي في ثنايا الكتاب، وإلا فأصل الكتاب هو آيات وأحاديث. قال في تتمة الكلام: وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها؛ فإن كانت مالا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها.

ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي، وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة. أنا كل المجلس سيكون في الوقفة مع الآيات والأحاديث، لكن فقط أريد أن أبدأ من تعليق سريع على كلمة وجوب التوبة. أحيانا يظن الإنسان المسلم أن التوبة هي عبارة عن عمل من الأعمال الصالحة اللي مثل قيام الليل أو مثل بعض المستحبات، إذا أتى به فيكون قد أتى بخير عظيم، وإذا تركه يكون قد فاته شيء من الخير، وقد يفوت أحيانا أن التوبة واجبة تكليف، يعني في واجب شرعي اسمه التوبة.

فطبعا التوبة على قسمين: في توبة واجبة وفي توبة مستحبة. التوبة التي تكون من الذنوب هي توبة واجبة، وبالتالي الإنسان حين لا يتوب فهو يكون قد لقي الله بذنبين: لقي الله بنفس الذنب، ولقي الله بذنب عدم التوبة منه؛ لأن الوقوع في الذنب شيء والاستمرار عليه وعدم الإقلاع عنه شيء آخر. وقد يكون في بعض الأحوال الاستمرار على الذنب أو عدم الإقلاع عنه أعظم عند الله من مجرد الوقوع فيه؛ لأن الوقوع في الذنب قد يكون بسبب غلبة نفس مرة من المرات، قد يكون بسبب بعض العوامل الخارجية التي تؤثر في الإنسان فيقع في ذنب، فهذا من حيث الطبيعة البشرية متصور ومفهوم وإن كان ذنبا. لكن أن تظل بقية عمرك دون توبة على ما فعلت، فهذا غير مفهوم باعتبارك مسلما وباعتبارك ستقدم على الله سبحانه وتعالى وسيحاسبك على أعمالك. لماذا لا تتوب؟ لماذا لا تتوب؟ بدأ الإنسان بذنب لماذا يستمر؟ أنت مسلم، ستلقى الله سبحانه وتعالى، لماذا تستمر؟ غلبتك نفسك مرة، لماذا تستمر؟ لماذا تصدق بعض الأطروحات الشيطانية التي تقول لك إنه ما دام وقعت في الذنب مثلا ما في فائدة، أو ما دام كذا؟ وساوس الخواطر الشيطانية التي تحول بين الإنسان وبين حقيقة التوبة، لذلك هذا التنبيه جميل أنه قال: وإجماع الأمة على وجوب التوبة. التوبة واجبة، فإذا فات الإنسان أن لا يقع في ذنب معين فينبغي ويجب عليه ألا يفوت الإقلاع عن الذنب.

طيب، قال رحمه الله: قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وقال تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا. توبوا إلى الله توبة نصوحا، هذه الأوصاف التي تأتي بعد الأعمال، توبة نصوحا، ايش مثلا؟ ايش في صفات تأتي بعد الأعمال تكون مقيدة؟ مثلا: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ. قولا بليغا يعني من جهة أخرى هذيك، لكن مثلا: من قال لا إله إلا الله صدقا من قلبه أو من قبل نفسه، من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، هذه القيود يا جماعة الخير مهمة جدا جدا، مهمة جدا جدا؛ لأن الشريعة كما أتت بأساس التكليف، فقد أتت بحدود التكليف، يعني الله سبحانه وتعالى لما أمرنا بالتوبة ترى يحب منا أن نراعي ما حدده في هذه التوبة. يعني كيف يحب الله التوبة؟ تمام، معروفة، لكن هل هناك تفاوت في درجات التوبة بحيث أن الله سبحانه وتعالى يحب توبة أكثر من أخرى؟ نعم، التوبة النصوح، وهذه التوبة النصوح الصادقة الخالصة التي من لزمها ومقتضاها ايش؟ أحد أمرين، إما نقول عدم الرجوع إلى الذنب أصلا، أو ايش؟ العزم الصادق على عدم الرجوع إلى الذنب. يعني أقل ما يقال في التوبة النصوح، أقل ما يقال فيها أن معها عزما صادقا على عدم الرجوع إلى الذنب، هذا أقل شيء يقال في التوبة النصوح، فإذا كانت بالفعل عمل الإنسان مصدقا لهذا العزم فهذه توبة نصوح حقا.

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من 70 مرة. رواه البخاري. وعن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم 100 مرة. رواه مسلم.

هذان حديثان يبينان شيئا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم اليومي، يبينان شيئا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم اليومي المستمر، وهو تكرار الاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث أو هذان الحديثان فيهما فوائد كثيرة وتفيد في هداية الإنسان أو استهداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وبسنته بشكل واضح.

أولا: القدوة العملية، النبي صلى الله عليه وسلم كان قدوة بعمله أمام أصحابه، وكما مر معنا، فإن تعريف الحديث النبوي هو قول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره. قوله أو فعله أو تقريره، هذا الحديث النبوي. طيب لما تفتح الأحاديث، تفتح صحيح البخاري أو غيره الكتب الحديثية، كم هي الأحاديث التي فيها "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا"، "كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا"، "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ففعل كذا"، كم من الأحاديث اللي كذا؟ كثيره جدا. طيب ماذا لو حذفت هذه الأحاديث وبقيت فقط "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" وتبقى النصوص القولية المباشرة؟ لضاع شيء أساسي وكبير ومحكم وجوهري من السنة النبوية، ليس كذلك؟

هذا بالنسبة إلينا ونحن ننظر إلى هذه الأفعال عن بعد، يعني نحن الآن نستهدي بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبيننا وبينه هذه الأسانيد وهؤلاء الرواه، ومع ذلك نرى في فعله صلى الله عليه وسلم حقيقة الهداية، فكيف بمن عاش في زمنه صلى الله عليه وسلم وكان يراه بأم عينيه وهو يفعل كذا ويقوم بكذا ويبذل كذا ويغضب لكذا ويرضى لكذا ويضحك من كذا؟ كيف يكون مقدار الاهتداء بمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأفعال؟ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ. كيف تكفرون وفيكم رسوله؟

والأمر الآخر لما ذكر الله سبحانه وتعالى اضطراب المنافقين يوم الأحزاب، ثم قبل أن يذكر الثابتين والصابرين والمؤمنين، أول أول شيء قدم لهم بقوله ايش؟ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. أسوة حسنة، ترى ليس فقط في السواك وفي اللباس وفي السنن مثلا في الصلاة، أسوة حسنة أول شيء هنا أصلا هذه السياق التي ذكرت فيه أسوة حسنة، أسوة حسنة في الثبات أمام أعداء الله، في جهاد المشركين وفي الصبر وفي عدم الخوف من أعداء الله، هذه أسوة حسنة، أسوة حسنة ذكرت في هذه المقامات، ولذلك أن تخوض معركة مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ترى بأم عينيك كيف ثبت رسول الله وكيف جاهد رسول الله وكيف كان شجاعا وكيف كان ثابتا، كيف تظن أن يكون حالك أنت بعد ذلك حين تخوض معركة أو تجاهد في سبيل الله أو أو إلى آخره؟ ولذلك الذين عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أدركوا شيئا من الفقه وشيئا من قيمة الأشياء والأعمال لم يدركها من بعدهم.

ولذلك إحنا كنا نتكلم قبل قليل عن أهمية الفقه في هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وكثيرا ما يوقفني هذا الحديث العجيب الذي فيه فرق بين رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وعاش ورأى هديه وبين أناس لم يروا هدي النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان نمى إليهم بعض الأحاديث المتفرقة، وهو حديث أبي برزة الأسلمي يوم النهروان، لما صلى وكان أمامه بعض الخوارج، النهروان قتال الصحابة مع الخوارج، طيب أصلا هذه لحالها، يعني أنت لو تفكر فيها، يعني هي بس العنوان هذا عنوان غريب، الصحابة مع الخوارج، يعني في فريق في الصحابة، في فريق في ناس يزعمون أنهم أتقى من الصحابة وأغير على دين الله من الصحابة! تخيل عليك الحساب، تخيل!

شاهد، فكان أبو برزة يصلي وكانت دابته بجواره أثناء الصلاة، انفلتت هذه الدابة. انفلتت هذه الدابة، هذه لها ضريبة كبيرة جدا، كيف راح يرجع مشوار أبو شهر ولا أبو أسبوعين مشي، قصة طويلة! فأخذ يتتبعها وهو في صلاته والخوارج في...

الطرف الآخر ينظرون قالوا: فعل الله بهذا! الشيخ، اللي هو أعوذ بالله، شوف كيف صلاة! يمسك الدابة في الصلاة، متخلف هذا ولا إيش؟ ولا ما يفهم الدين؟ فكان أبو برزة رضي الله تعالى عنه ليس عنده طبعاً نص نبوي مباشر في حكم أخذ الدابة أثناء الصلاة، ولكن هي هذه الفكرة: الهدي النبوي، أبصار الهدي النبوي بالمباشرة بالرؤية الشمولية. إيش قال؟ قال النص: أنا بالنسبة لي هذا عنوان من أهم العناوين، وربما كلكم أو أكثركم يحفظ هذا النص، وهو في البخاري، قال: لقد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع، فشهدت تيسيره، شهدت تيسيره في إيش؟ في الصلاة وانفلات الدابة وتتبعها. لا، لا هو قد ما يكون أصلاً هذا الموقف، أصلاً شهدت تيسيره، يعني ترى بهذه الصحبة أنا أخذت هدياً شمولياً فهمت منه أنه ترى لو رآني النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحال بمثل هذا العمل لم ينكر علي، بل هذا إيش أقرب إلى عنوان التيسير الذي شهدته من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم بمجموعها. الشاهد عشان لا يعني يتشعب الموضوع أكثر من ذلك: أنه أفعال النبي صلى الله عليه وسلم مركزية ومهمة وجوهر في الاستهداء في الهداية. لا، لازم تعرف أفعال النبي صلى الله عليه وسلم. الدين لا يؤخذ بمجرد أنه طبعاً خاصة أقصد بمجرد الأحاديث القولية، وفضلاً عن ذلك أنه ترى يعني ترى اجتهادات العلماء المشكورة العظيمة التي استفدنا منها كلنا في أو كلنا في على مر التاريخ، اللي هي الاجتهادات الفقهية التي جمعت فيها المتون الفقهية وما إلى ذلك، ترى هذه الفكرة منها أن تكون وسيلة مسهلة لضبط بعض الأشياء وحفظها، وليست أن تكون حاجزا بينك وبين الهدي النبوي. يعني مثلاً الآن المتون الفقهية فيها صفة الصلاة، صح ولا لا؟ باب في صفة الصلاة، صح ولا لا؟ وفيها أركان الصلاة وواجباتها ومستحباتها. إذا أنت تظن أنه المطلوب منك أيها المسلم يا طالب العلم أنك تحفظ هذه الأركان والواجبات والشروط وتحفظ المتن في صفة الصلاة وتظن أنك أنت الآن عرفت ما ينبغي عليك، ترى والله أنت مسكين، مسكين! لكن هذه أنت تحتاج أن تضبطها من باب الضبط العلمي، اللي هو أنه ترى هذه مستخلصات مهمة مفيدة، تعرف فيها تحرير الأقوال، كذا، إلى آخره، وممتاز وتحفظها وتنطلق بها، ممتاز جداً.

لكن هذا الشيء، وأن تعيش مع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته، شيء آخر، شيء آخر. ومن تربى في قضية الدروس العلمية والمجالس العلمية على الجانب الأول فقط، ترى ما هم يعني في إشكال كبير جداً في النتيجة التي سيخرج بها. مشكلة، ترى مشكلة أن هو يظن العلم هو عبارة عن مجموعة من القوانين، كأنها قوانين شو اسمه يعني يكتبها أناس كعادي: الشرط الأول، الشرط الثاني، الشرط الثالث، وإذا ما فعل تبطل الصلاة، تنقض، كذا، إلى آخره، نقطة وخلصنا الباب اللي بعده، وتتعامل مع الدين وكأنه هو عبارة عن قوانين قوانين قوانين، ما هو كذا الدين أبداً. وفي نفس الوقت ما يصح أنه إحنا نقول هذه يلا قفلوها، لا، هذه وسائل مفيدة جداً لضبط العلم، مستخلصات معينة كذا وتستفيد منها، لكن لا تكن هذه الأشياء حاجزا بينك وبين حقيقة الهدي النبوي الذي فيه الروح، فيه ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم. وفرق كبير بين أن تأخذ مسألة فقهية حاضرة عنوانها مثلاً: ويجوز التطوع جالساً، جيد، وبين أن تقرأ: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الليل قائماً، حتى إذا كان في آخر عمره كان يصلي قاعداً لما يعني تعب النبي صلى الله عليه وسلم، حتى في بعض الروايات فلما حطمه الناس كان يصلي قاعداً. الرواية في الصحيح في البخاري وفي مسلم: كان يصلي قاعداً، وكان يقرأ، يقرأ قاعداً صلى الله عليه وسلم، حتى إذا لم يبق، كما في البخاري أو مسلم، حتى إذا لم يبق من الركعة إلا 50 آية أو 50 آية و60 آية، قام فقرأهن ثم ركع. يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قاعداً، بس إذا ما بقي على الركعة إلا 50 أو 60 آية اللي هي خلاص قرب يركع، إيش يسوي؟ يقوم النبي صلى الله عليه وسلم فيقرأهن قائماً ثم يركع ويكمل صلاة الليل. وهكذا، في هناك فرق بين أن تعرف الهدي النبوي بروحه بما فيه من هداية وزكاء ونور، وبين أن تستخلص الأحكام أو تأخذها مستخلصة جاهزة، فهذه قضية يعني ينبغي التنبه لها كثيراً.

كان هناك نص للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، كان نصاً جميلاً ذكرته في اللقاء السابق، وهو أنه هل هذا طيب الهدي الفعلي خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ الشاطبي يقول لك: ترى وارث النبي ينبغي أن يقوم مقام النبي في الهداية بفعله وقوله؛ لأن الوارث قائم مقام الموروث، فكما كان النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً للدين بقوله وفعله، كذلك ينبغي أن يكون الوارث مبيناً للدين بقوله وفعله. وهنا تأتي أهمية القدوة الحسنة لأهل العلم ولمصلحته، خطورة أنك تأخذ العلم بلا قدوة، وأنك تظن العلم هو عبارة عن معلومات مفرقة ينالها الإنسان ببرنامج يوتيوب ولا بتغريدات في شبكات التواصل، وبمقالات فيسبوك، ولا بعارف مناقشات في يعني أو هناك، ويظن أنه الآن جالس يحصل العلم. فابد أن يعني تقتدي، تأخذ أدباً، تأخذ هدياً، تعرف. ولذلك كما يعني جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: العلماء ورثة الأنبياء، ولا شك أنه هذه ورثة الأنبياء هذه ليست مجرد أنه هو إنسان عنده معلومات شرعية عالية جداً حتى لو كانت شابت لحيته في العلم. العالم ليس هو مجرد الشخص المتقن للمسائل العلمية. على كل حال الكلام كثير ما نريد نستطرد أكثر من ذلك. الفائدة الثانية في هذه الأحاديث في هذين الحديثين: لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم 70 مرة أو 100 مرة؟ لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم 70 مرة أو 100 مرة؟ وهذا يفتح لنا باباً عظيماً جداً وباباً كبيراً، وهو باب يفتح لنا باباً عظيماً وباباً كبيراً، وهو باب موجبات الاستغفار. يعني جيد، هو موجبات الاستغفار كعنوان جزئي، بس أنا قصدت أنواع النيات في العبادة الواحدة. لماذا يسبح الإنسان أو ما الذي يريده بالتسبيح؟ من الذي يريده بالحمد؟ من الذي يريده بالتكبير؟ وهذا حقيقة يعني برأيي يفقه هذا الباب، يفقه باباً من أعظم أبواب التعبد، ومن أحلى أبواب التعبد، ومن أزكى أبواب التعبد، ومن أجمل أبواب التقرب إلى الله سبحانه وتعالى. وكان الإنسان فعلاً الذي لا يفقه هذا الباب كأنه أمام دار ضيقة وباب واحد يوصل إلى هذه الدار، وهو يدخل هذه الدار ويرى أنها داراً يعني إيش واسعة وطيبة، والآخر هو أمام قصر كبير منيف أو منيف أمام هذه الدار وفيه ما لا يحصى من الأبواب، وإذا دخله أدرك سعة هذا القصر وسعة أبوابه ومداخله ومخارجه، في مقابل ضيق تلك الدار، اللي هو باب توسيع المقاصد والنيات في العبادة الواحدة، ومقدار ما يستحضر في العبادة الواحدة. أضرب له مثلاً حتى يتضح: الحمد. أنت الآن بعد الصلاة: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، صح؟ طيب لماذا أو ما الذي يستحضره الإنسان أثناء التسبيح؟ ما الذي يستحضره أثناء الحمد؟ ما الذي يستحضره أثناء التكبير؟

التسبيح قد يراد به إيش التعظيم صح ولا لا؟ التعظيم اللي هو التنزيه ولا التعظيم مطلقاً؟ تعظيم مطلقاً صح ولا لا؟ طيب: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا، هل سبحان هنا تنزيه أم تعظيم؟ ليست هي المقصود فيها الأساس التنزيه، صح؟ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا وغيرها من بعض الآيات أو كذا. التسبيح يراد به هنا التعظيم، ذكر شيء من آيات الله، ذكر شيء من عظمة الله، ذكر شيء مما يعني شيء من أسمائه وصفاته. طيب، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، تنزيه صح ولا لا؟ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا تنزيه. طيب، الذي يستحضر في القلب أثناء التعظيم غير اللي يستحضر في القلب أثناء التنزيه صح ولا لا؟ يعني في باب عبودية قلبية متعلقة بالعلم بالله يستحضر فيها معنى التنزيه لله، وفي باب من أبواب العبودية القلبية يستحضر فيه معنى التعظيم لله. جيد، نفس الشيء الحمد: تحمد الله، وأحياناً كل ما تستحضره هو الحمد الذي هو بمعنى أو مقارب لمعنى الشكر، اللي أنت تستحضر فيه نعمة معينة أو نعماً كثيرة، وقد يراد بالحمد إيش الثناء على الله، وأنت لا تستحضر أصلاً ولا تقصد نعمة معينة، أليس كذلك؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ سورة الفاتحة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، خلاص هذا حمد وثناء. طيب نفس الشيء نجي للاستغفار الآن، إحنا السؤال كان: لماذا يستغفر النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم 100 مرة؟ ما الذي يستحضر أثناء الاستغفار؟ ما الذي يستحضر أثناء الاستغفار؟ قد يستحضر بطبيعة الحال إيش الذنوب، جيد. وهذه الآن قد يستحضر ذنباً معيناً صح ولا لا؟ إنسان مثلاً نفترض إنسان في مجلس واغتاب، يرجع لنفسه: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر يا رب اغفر، أنت تقصد إيش؟ الغيبة هذه صح ولا لا؟ وقد يكون الاستغفار بسبب مثلاً افترض إنسان مسرف في الذنوب والمعاصي وتاب، ولازم الاستغفار، إيش يقصد؟ الحياة السابقة هذه صح ولا لا؟ أستغفر الله، أستغفر الله، يعني يا رب اغفر لي زلاتي وهفواتي ومعاصي وذنوبي وكبائري وصغائري، هذه حقة الحياة الماضية صح ولا لا؟ لكن كلها تحت عنوان إيش؟ تحت عنوان لا هي هي استغفار، بس تحت عنوان استغفار من ذنوب سواء محددة معينة كثيرة قليلة. طيب إيش ياتي: أستغفر الله... مثلاً. طيب جيد، هذا حيجي، بس قبلها إيش في مثلاً كدرجة أعلى؟ الاستغفار من التقصير في الطاعة. طيب سؤال: التقصير في الطاعة هذا المقصود، هل هو ضرورة ذنب؟ ذنب يعني تصنيفه في الشريعة ذنب يأثم عليه الإنسان، أو قد يكون عدم أداء الطاعة كما ينبغي وإن لم يكن ذنباً يأثم عليه الإنسان؟ قد يكون نقص كمال، والمطلوب شرعاً تجاهه هو إيش؟ لا أقصد المطلوب شرعاً تجاه هذا التقصير: استغفار، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر. أول شيء يقال بعد الصلاة: أستغفر الله ثلاثاً، وأولى ما يعني يكون بسببه هذا الاستغفار بعد الصلاة هو التقصير الذي يمكن أن يكون في الصلاة، خاطر، سرحان، شيء، إلى آخره.

طيب وقد يكون الاستغفار أيضاً لمعنى إيش وقاية من الذنوب؟ يعني ممكن إيش أيضاً؟ طيب، قد يكون الاستغفار استحضاراً لجلال الله وعظمته، واستحضاراً لنقص الإنسان وضعفه، وأنه مهما فعل لا يؤدي، فيستغفر الله مستحضراً ليس مستحضراً تقصيراً في طاعة معينة، ولا مستحضراً ذنباً معيناً، وإنما إيش يا مؤيد؟ مستحضراً جلال الله وما ينبغي له عموماً، ومعرفة أن الإنسان في عامة أمره هو مقصر، فأيش يقول؟ أستغفر الله، أستغفر الله، يعني يا ربي يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا العظمة والكمال، يا رب كل شيء، يا رب أنت تستحق كذا وكذا وكذا، وأنا يا ربي مقصر فيما ينبغي تجاهك، بغض النظر أنت تقصد ذنباً معيناً ولا طاعة معينة، لا مجرد أنت أصلاً يعني مجموع حياتك هي حياة لا تعبر عما ينبغي، ليس ما ينبغي باعتبارك مسلماً وإنما ما ينبغي باعتبارك تنظر إلى الله سبحانه وتعالى، واضح. وقد يكون وقد يكون وقد يكون أنواع من النيات تستحضر فين؟ لذة الإيمان اللي كنا نتكلم عنها، لذة الإيمان لما تنوع من الاستحضار أو النيات وأنت تعبد العبادة الواحدة. وأنت تعبد العبادة يعني سبحان الله هذه تارة تستحضر التعظيم وتارة تستحضر التنزيه، والتنزيه تارة تستحضر تنزيهاً من قول معين يقوله المجرمون أو المشركون أو الظالمون، وتارة تستحضر تنزيهاً مثلاً من قول الشياطين، أياً كان، المهم أن تستحضر التنزيه، فلما نفهم هذه السعة نفهم إيش لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه؟ لأن الذي يحصر نفسه في قضية الاستغفار أن هو لا يكون إلا للذنوب، تنفتح المسألة المعروفة: هل الأنبياء يذنبون؟ وهل هم معصومون من الصغائر؟ وهل هم ما أدري إيش؟ وهل كذا؟ والنبي معصوم، ليش طيب يستغفر؟ القضية ترى ليست مرتبطة، ليست القضية الاستغفار هكذا في الشريعة هو أمر مرتبط بالذنب وانتهينا، الاستغفار باب للقنوت والافتخار والاعتراف بنقص الإنسان أمام الرحمن، وباب لتغذية القلب بهذه المعاني على طول الطريق، نعم، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ، صحيح. طيب نختم بحديث أو حديثين أو هذه الأحاديث قبل الأحاديث الطويلة، مع إني والله كان ودي نشوف نشوف لعلنا نستطيع الوصول إلى حديث زر بن حبيش. طيب عن أبي هريرة، عفواً عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طيب الحين قبل ما نقول الحديث، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، شرف فات كل هذه الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أن يعيش الإنسان وهو خادم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك أن تتعامل مع الصحابة تعامل كأنك مثلهم، وكأنهم مثلنا، فهذه يعني قضية فيها ما فيها، أدركوا وبلغوا منازل لا تدرك بعد ذلك خادم النبي صلى الله عليه وسلم. طيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض.

فلا، متفق عليه. وفي رواية لمسلم: لا الله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة أو بأرض فلاة فانفلتت منه، عليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبين هو كذلك أو بينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة فرح من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح.

هذا الحديث في بيان منزلة التوبة من جهة من الجهات العظيمة، وهي من جهة أن الله سبحانه وتعالى بجلاله وكبريائه وعظمته يفرح لتوبة عبده؛ إذ وافق الغاية التي خلقه لأجلها، وعاد وتحرر من أسر عدوه الذي هو الشيطان، وانفلت من هذا الأسر عائدًا منيبًا إلى الرحمن سبحانه وتعالى.

فالله سبحانه وتعالى يفرح بهذه العودة، بعودة عبده إليه؛ إذ وافق ما خلقه لأجله، وهو سبحانه وتعالى غني عن عبده وغني عن أعمال عباده، ولكن هذا يبين لنا أن الله سبحانه وتعالى رحيم، وأن الله رؤوف، وأن الله سبحانه وتعالى يحب عباده المؤمنين ويحب التوابين.

وهذا يضاف إلى المعنى الذي ذكرت، لماذا يتوب إنسان؟ يعني الإنسان أصلًا يتحرى الأعمال التي يحبها الله سبحانه وتعالى ويتطلب رحمته بناء على ذلك. كما تعلمون، ابن القيم رحمه الله له تعليق طويل وجميل على هذا الحديث، يراجع في مدارج السالكين.

الحديث التالي عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها. رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه. رواه مسلم.

وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

هذه الأحاديث فيها أن الله سبحانه وتعالى رحيم، وأنه قد فتح باب التوبة، وهذا الباب مفتوح على مصراعيه، يستقبل هذا الباب التائب مهما كان مذنبًا، مهما كان عاصيًا، مهما كان مقصرًا، مهما كان مجرمًا، مهما كان مسرفًا. هو باب عنوانه: من تاب تاب الله عليه.

غير أن هذا الباب له أمد للإغلاق، أمد إما أن يدركه الإنسان وإما أن يغلق دونه، وهذا الأمد على نوعين: أمد عام وأمد خاص. أما الأمد العام فهو إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فبعد ذلك إذا طلعت لا توبة. وأما الأمد الخاص فهو حياة الإنسان، فإذا مات الإنسان انقطع أو أغلق باب التوبة دونه، وهذا المبدأ ينبغي أن يشغل بال الإنسان طالما أنه حي. عليك دائمًا أن تدرك أن هناك بابًا مفتوحًا أمامك قد يغلق في أي لحظة باعتبار أنك قد تموت في أي لحظة. ففكر تعريف الحياة بأنها فرصة، هذا تعريف مهم بالنسبة للإنسان المؤمن.

اللهم يا ربنا يا أرحم الراحمين، إنا نستغفرك ونتوب إليك، ونسألك أن تتوب علينا وتهدينا يا رب العالمين.

نختم هذا المجلس بهذا الحديث الأخير في هذا المجلس طبعًا، وإلا بقي من الباب بقي حديثان، ربما أو أظن حديثان. حديث طيب عن زر بن حبيش رضي الله تعالى عنه رحمه، قال: يرحمك الله، أتيت صفوان بن عسال. طبعًا هذا الحديث فيه قصة، والقصص اللي فيها يعني في وقت النبي صلى الله عليه وسلم برأيي أنها من أهم الأحاديث التي تفيد في الهدي النبوي، يعني جزء من التعرف على هدي النبي صلى الله عليه وسلم يكون عبر القصص التي وقعت في حياته، هذا مهم جدًا، جيد طيب.

طبعًا سيأتينا في اللقاء القادم إن شاء الله قصة كعب بن مالك، توبة كعب بن مالك، يعني هذه قصة مثلًا يعني واحدة من الوسائل الكبيرة للتعرف على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لكن نختم الآن بهذا الحديث، واللقاء القادم إن شاء الله.

عن زر بن حبيش رحمه الله قال: أتيت صفوان بن عسال رضي الله عنه أسأله عن المسح على الخفين، تمام. صفوان صحابي وزر تابعي. فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب. فقلت: إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئًا؟ قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرًا أو مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم.

فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئًا؟ في الهوى؟ قال: نعم، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فبينا نحن عنده إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري فقال: يا محمد، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم من صوته فقال: هَاؤُم، هَاؤُم. فقلت له: يقولون للرجل هذا ويحك، اغضض صوتك، اغضض من صوتك، إنك عند النبي صلى الله عليه وسلم، أنت الآن في سفر تقول يا محمد؟ ليش؟ اغضض من صوتك فإنك عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نهيت عن هذا. فقال: والله لا أغضض.

قال الأعرابي: الحين يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، المرء يحب القوم لما يلحق بهم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب يوم القيامة. هذا الحين جواب سؤال: إيش الهوى؟ سمعته يذكر عن الهوى شيئًا؟ فما زال يحدثنا حتى ذكر بابًا من المغرب، مسيرة عرضه، أو يسير الراكب في عرضه 40 أو 70 عامًا. قال سفيان -أحد الرواة-: قبل الشام، خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحًا للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

هذا الحديث الجميل بهذه المحادثة الجميلة فيه فوائد. أولًا: لما يأتي السؤال ما حكم كذا، إيش يقول؟ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء كذا وكذا وكذا، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كذا وكذا وكذا، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل كذا وقال كذا ورد كذا، هذه اللي كنا نتكلم عنها قبل شوي، اللي هي أهمية الهدي العملي الذي عاشه الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، والذي لن ندركه ولكن ندرك شيئًا منه بعنايته به، إيش؟ بهذه الأحاديث، وبهذه السنة، وبهذا الهدي العملي الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم فعل وقال وذهب وتحدث وتكلم ورد وفرح وغضب وإلى آخره.

لكن الشرف هنا، كل الشرف لما يأتي بالله أنت يا جماعة، إيش يعني؟ شوف الفرق مع أنه هو نفس الزمن، يعني تابعي أدرك الصحابي، بس شوف الفرق الهائل، وما في فرق في الزمن إلا شيء لا يذكر، بين واحد يقول: إيش الحكم في المسألة؟ فالثاني يقول: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم. يعني إيش شعور التابعي وهو يلتقي بشخص إيش جوابه: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، قاتلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وهو تحسه يعني كأنه جاي من زمن بعيد وهو الآن تو، فما بالكم بشعور ذلك التابعي الجليل الشريف رضي الله تعالى عنه ورحمه لما قدم المدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أيام، ها؟ أدرك كل الصحابة، وصلى خلف أبي بكر رضي الله عنه.

ولذاك التابعي الكبير أيضًا قيس بن أبي حازم الذي روى عن العشر المبشرين بالجنة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية كلهم، وما أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم كان حيًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم يدرك أن يهاجر أو أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك التقى بالصحابة أو نحو ذلك. فمجرد قضية أنه ما عندك في هذا فيقول لك: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه ترى قصة يا جماعة، لا تمر كذا، يعني شيء مختلف، شيء عجيب، يعني شيء عظيم جدًا جدًا أن يكون هذا هو الجواب: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. شيء عظيم جدًا.

طيب، ما جاء بك يا زر؟ قال: ابتغاء العلم، فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع. هذا الآن هنا لم ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا قطعًا إيش؟ له حكم الرفع. هذا كلام ليس اجتهاديًا، ما يقدر يجيبه من اجتهاده رضي الله تعالى عنه، وإنما هو منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم على أنه روي مرفوعًا من جهة أخرى، لكن إحنا نأخذ الموقوف هنا، ولم أبحث حقيقة في الأرجح، المرفوعة والموقوفة، لكن حتى لو كان الراجح هو الموقوف فله حكم الرفع. لا أريد حقيقة أن أعلق على كل جملة وإلا الحديث فيه فوائد كثيرة، جيد.

ومن أهم هذه قضية الملائكة وعلاقة الإنسان المؤمن بالملائكة، علاقة طالب العلم بالملائكة، وقضية أنه يا جماعة أنت تسير في عالم شهادة، لكن في نفس عالم الشهادة الذي نعيش فيه فيه مساحات من الغيب هائلة، فيه مساحات من عالم الغيب اليوم وليس في الآخرة. يعني إحنا الآن ترى في هذا المجلس، لو كشفت لنا صفحة عالم الغيب الموجود في هذا المجلس الله أعلم إيش، فكل واحد عنده قنينة في، وإن شاء الله ملائكة تأمر بالخير وتحضر مجالس الذكر، نرجو يعني إن شاء الله تكون كذلك.

وقضية أنه ترى هذا العالم أنت تسير، لا تظن أنك إذا الشارع رأيته خاليًا ترى ما في أحد، يعني فيه ترى عالم غيب كبير واسع، فيه شياطين وفيه ملائكة، وليس عالمًا مستقلاً، هو عالم ترى مرتبط بالإنسان، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، ترى في كتابه، في كتابه تسجل، هذا غير في السماء. إحنا نتكلم الآن عن ما هو متصل بعالم الشهادة، هذا في الأرض، في المجالس، في الروحة في الجية. أنت تدخل الخلاء تستعيذ بالله من الشياطين، ويستيقظ أحدكم فليستنثر ثلاثًا فإن الشيطان يبيت على خيشومه، وإذا دخل بيت قال بسم الله حتى، وقال الشيطان: لا مبيت لكم، وإذا قال عند طعام: بسم الله، قال: ولا عشاء، لا مبيت لكم ولا عشاء. في عالم غيب ترى، وفي نفس الوقت في عالم ملائكة جميل جدًا ومطمئن جدًا جدًا. إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، وتعرف عن ابن مسعود أن للشيطان لمة وأن للملك لمة. وهنا: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع.

وقضية حضور مجالس الذكر، وأن لله ملائكة سيارة، يعني تسير تبحث عن مجالس العلم، يلتمسون مجالس الذكر، والقصة المعروفة فيها، وكذا إلى آخره.

الشاهد من هذا الحديث كله هو الذي ساقه النووي لأجله رحمه الله تعالى، الحديث هو قضية التوبة، لكن نبغى نعلق على قضية الأعرابي. في رواية أخرى طبعًا يا جماعة الخير، جاء الشراح، الشراح تختلف نظراتهم، وفي شراح يميلون إلى نظرة معينة في تفسير الحديث، وفي شراح يحاولون أن يفهموا الموقف كما هو جيد.

فبعضهم قال هنا: إنما رفع صوته لأنه من باب المحبة والشوق وما أدري إيش وكذا، وهذا الكلام بصراحة فيه نظر، أصلاً مجرد إبراز أن صفوان بن عسال أبرز أنه أعرابي، يوم ما قال أعرابي، فيعني هذا كأنه أصلاً لفظ يهيئك مع رفع الصوت أنه ترى هذه من سمات الأعراب أصلاً، وهذا معروف في أحاديث أخرى. شيء ثاني، في رواية أخرى للحديث فيها: وكان فيه غلظة وجفاء، فهي، لكن لما تقول لي النبي صلى الله عليه وسلم لما رد بهذا الرد، هذا واضح أن هو رد لطيف. أنت مثلاً الحين تخيل عالماً من العلماء له هيبته ومجلسه كذا تمام، بعدين يجي واحد كذا من الجهال من بعيد يقول: يا شيخ، فيجي يقول مثلاً الشيخ: تفضل، كأنه عارف، يرفع صوته زيه، فهذه واضح الثاني أنها فيها قدر من الطرفة أو قدر من، لكن الأولى واضح أن فيها إشكال.

فالشاهد أنه هذا الأعرابي: يا محمد، طب أنت الحين معاه في نفس القافلة في نفس المسير، يعني لو تتعب شوية، تقدم عارف الناقة كذا شوية وتروح تجاه النبي صلى الله عليه وسلم وتنادي بهدوء. قال: اغضض من صوتك، هم قالوا له الصحابة، فهو قال: ماني غاض من صوتي. زيد، النبي صلى الله عليه وسلم قال له: هاؤم. تعرف هاؤم؟ ترى اللفظ لطيف، يعني تعرف هو جاء في القرآن في "إنه اللي أخذ الكتاب بيمينه: هاؤم اقرءوا كتابيه"، يعني كأنهم خذوا انظروا، فاهم؟ فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: يعني إيه زي تفضل، أو يعني كلمة أنه هي لفظيًا قد لا تفهم بالضبط لأنها "هاؤم" أشبه ما يكون بـ"خذ" أو "هاك" أو شيء زي كذا، فلكن في سياقها واضح إن شاء الله معناها.

الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم استجاب له بهذه الطريقة اللطيفة، فقال الرجل: المرء يحب القوم لما يلحق بهم.

بهم، المرء يحب القوم لما يلحق بهم، وكأني بهذا الأعرابي الصادق يعبر عن نفسه، وكأنه حضر هذه المرة مع النبي صلى الله عليه وسلم ورأى الصحابة، وكان هو يعبر عن نفسه ويقول: يا رسول الله، أنت حولك هؤلاء الصحابة دائماً معاك، ويتعلمون منك، ويعبدون الله عبادة كثيرة، ويجاهدون في سبيل الله، وأنا تراني أعرابي على قد حالي، وجاي، وهذا السؤال سبحان الله فعلاً كأنه يعبر عن نفسه، المرء يحب القوم، أنا أحبكم يا رسول الله، وأحب اللي معكم، بس ترى إيش؟ ولما يلحق بهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إيش: المرء مع من أحب، المرء مع من أحب يوم القيامة.

وهذا الحديث كما تعلمون أو ربما مر على بعضكم أنه عده بعض الصحابة أو بعض العلماء من أرجل حديث، حديث رجاء عظيم جداً جداً جداً، أنه الإنسان بصميم محبته وصدق محبته للصالحين، قبل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، قد يبلغ من المنازل في الآخرة ما لم يبلغها إياه عمله، وإنما بلغتها إياه محبته، ولا شك أنها محبة ينبغي أن تكون صادقة، بمعنى أنه لا يكون في حياة الإنسان ما يناقضها ويعارضها، بحيث يعيش الإنسان حياته عكس ما تقتضيه هذه المحبة، لكن صدق المحبة هذا قد يبلغ الإنسان الدرجات العالية، ولذلك إياك أن تراهن على عملك، إياك أن تراهن على اجتهادك، اعلم أن المحبة شرط أساسي، وأن المحبة يعني رياح مبلغة، ورياح حاملة للإنسان يقطع بها درجات في الطريق لا يقطعها بمجرد عمله.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يحب النبي صلى الله عليه وسلم محبة صادقة، وممن يحب أصحابه محبة صادقة، وممن يحب التابعين لهم بإحسان محبة صادقة، ونسأله أن يحشرنا معهم بفضله وجوده ومنه وكرمه وإحسانه، وأن يتجاوز عنا، وأن يعفو عنا بفضله ورحمته وجوده وكرمه وإحسانه، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.