تسجيل الدخول

رياض الصالحين 36 | باب في وجوب الانقياد لحكم الله | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار السنة المحمدية، وهذا هو المجلس السادس عشر من شرح رياض الصالحين، نسأل الله سبحانه وتعالى التمام والتوفيق. هذا الباب، وهو الباب السابع عشر، يأتي ضمن الأبواب المتعلقة بأهمية السنة والمحافظة عليها والاستجابة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

الباب السابق الذي هو الباب السادس عشر، كان عنوانه: الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها. الآن لاحظوا هذاك "المحافظة على السنة وآدابها" عام، المحافظة تشمل اسما عاما يشمل صورا متعددة. الآن صورة معينة من صور الامتثال للسنة النبوية، قال الباب السابع عشر في وجوب الانقياد لحكم الله تعالى وما يقوله من دعي إلى ذلك، وأمر بمعروف أو نهي عن منكر. هذا يشمل الكتاب والسنة. هناك وظيفة أساسية للمسلم تجاه كتاب الله وتجاه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الوظيفة هي وظيفة التسليم ووظيفة الانقياد. وهذا التسليم والانقياد تظهر قيمته ويظهر شأنه حين يكون هناك معارض من هوى النفس، فتظهر حقيقة العبودية لله تعالى حين يعارض الإنسان هوى نفسه مستسلما لأمر ربه؛ هنا يكون قد حقق غاية من أعظم الغايات التي خلق لأجلها. وبالتالي إذا تفكر الإنسان في عبادات يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، أحيانا الناس تبحث عن سنن معينة أو تبحث عن عبادات عملية معينة، بينما عبادة التسليم وعبادة الانقياد هي من أعظم العبادات ومن أزكى القربات التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى.

قال الله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. وقال تعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. طيب، هنا هاتان آيتان، المشترك بين الآيتين هو تعليق الاستسلام والتحكيم والاستجابة، تعليقها بأيش؟ بالإيمان، تعليقها بالإيمان. أي أن الإيمان القلبي هذا له مقتضيات، له لوازم، واحدة من أهم هذه اللوازم المقتضيات الاستجابة لحكم الله وحكم رسوله.

طيب، هل هذا المقتضى واللازم إذا لم يفعل يعود على أصل الإيمان بالإبطال؟ نعم، قد يعود على أصل الإيمان بالإبطال، وقد يعود على كماله بالإبطال، كماله الواجب. إذا عدم تماما فهو يعود على أصل الإيمان بالإبطال، يعني لا يتصور مؤمن لا ينقاد لحكم الله ورسوله؛ فإذا لم ينقد الإنسان إلى حكم الله ورسوله مطلقا، فهو غير مؤمن تماما. طيب، ترى لما نأتي إلى زماننا هذا، ترى هذه القضية بحاجة إلى تذكير. لماذا بحاجة إلى تذكير؟ لأنه لأن زماننا زمان أبعد فيه الحكم الشرعي عن الحكم السياسي، وبالتالي صارت القضية مغيبة في أرض الواقع في كثير من البلدان. وصار -إلى الآن ما جيت موضع الشاهد- موضع الشاهد ما هو؟ صار عبر الإعلام وعبر الخلافات الفكرية وما إلى ذلك، صار تعليق طلب الحكم بالشريعة أو الاهتمام بالحكم بالشريعة أو الدعوة للحكم بالشريعة أو الاستعداد لتلقي الحكم بالشريعة، صار مرتبطا بفئات إسلامية معينة. من الذي يطالب بالإسلام والشريعة؟ والله الجماعة المعينة وأحزاب إسلامية معينة، أو اللي يقول لك مثلا الإسلام السياسي، واللي يقول لك مثلا المشايخ وطلاب العلم، واللي يقول لك جماعة كذا ولا جماعة كذا، جيد.

طيب ممكن تجد فئة من الناس يقول لك: أنا مسلم بس ما أبغى الشريعة، فكرة، إحنا خلاص إحنا نحب الله والرسول، بس إنه هذه شو اسمه، فكرة السياسة والإسلام هذه أمور خطيرة جدا، خطيرة جدا جدا جدا. إيش الآية؟ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. يا جماعة الخير، تم العمل في هذا الزمن العمل المكثف المنظم الطويل، خاصة عبر الإعلام والمسلسلات، على تشويه فكرة الحكم بالشريعة وعلى ربطها بالإرهاب، وطبعا مما زاد الأمر فتنة أن بعض الناس الذين دعوا إلى تطبيق الشريعة كان عندهم تشدد معين، كان عندهم انحراف معين، كان عندهم غلو معين، فأوحى إلى الناس أنه فعلا هذه هي الصورة. إحنا الآن بغض النظر، أنت في بلد فيه الحكم بالشريعة ولا ما فيه الحكم بالشريعة، هذا تقرير القضية يجب أن يفهمه الجميع. المسلم مطالب بالانقياد لحكم الله وحكم رسوله، فإذا لم يوجد حكم الله وحكم رسوله من ناحية السياسة والواقع، فيجب على المسلمين أن يسعوا لاستجلاب حكم الله وحكم رسوله في الواقع، ويكون هذا من أهم الواجبات الشرعية؛ لأنه لا يتصور حياة المسلمين بدون أن يكون الحكم بالكتاب والسنة هو الحكم السائد في البلد الذي يعيش فيه المسلمون. ولذلك من أعظم الفتن التي ابتليت بها الأمة في هذا العصر هو أن يكون هناك بلد فيه مسلمون ولا يكون الإسلام حاكما. هذه فتنة جديدة وبدعة جديدة وإشكال جديد وانحراف عن أصل الدين عظيم طارئ على تاريخ الأمة المسلمة. عبر تاريخ الأمة الإسلامية لم تكن هذه الصورة موجودة، وإنما تجد أن الدول على اختلافها، طبعا بعد الخلافة الراشدة، الدولة الأموية، الدولة العباسية، بعدين الدول المختلفة الأيوبية، المماليك، الكذا إلى آخره، هذه الدول، الدولة العثمانية إلى آخره، هذه الدول عاشت في نظامها السياسي محتكم في الجملة إلى الشريعة الإسلامية. بمعنى ما هو القانون الذي يطبق على الناس في الحدود، في قضية الحدود والمخالفات الواردة فيها، أمور في الأحوال الشخصية، في النكاح، الطلاق، في كذا، هي الشريعة. هل يوجد تقصير؟ كان يوجد تقصير لا شك، هل يوجد ظلم؟ يوجد ظلم، يوجد كذا، نعم يوجد طبعا، بدأ التغير بعدين في آخر الأزمنة، بدأ التغير شيئا فشيئا. لكن أن يكون المسلمون يعيشون في بلد ويكون القانون المعلن الرسمي لهذا البلد هو قانون فرنسي ولا قانون بريطاني، هذه لم تكن في التاريخ أبدا. لذلك أي أحد يقيم مشكلات الواقع ولا يجعل هذه المشكلة من المشكلات الكبرى في تاريخ الأمة الإسلامية في واقع الأمة الإسلامية، فقراءته للواقع ناقصة لا شك، ناقصة نقصا عظيما.

شاهد، طبعا إحنا هذه الآيات المتعلقة بالتسليم والأحاديث المتعلقة بالتسليم، هي ليست متعلقة بالتسليم فيما يتعلق بالحكم القضائي الشرعي فقط، وإنما هي عامة في حياة الإنسان المسلم. في حياة الإنسان المسلم، إذا ذكر الإنسان بأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، عن طريق قضاء، عن طريق حكم سياسي، عن طريق دعوة، عن طريق تذكرة، عن طريق موعظة، أيا كان، الواجب على المؤمن هو أن ينقاد لحكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم. هذا إذا ثبت له الحكم بشكل واضح، ليس للإنسان أن يتأخر عن هذا الانقياد. طب ماذا لو لم يستجب؟ لا، ماذا لو، خاصة في وجود الحكم الشرعي في وجود من يحكم بهذا الحكم الشرعي، ويدعى الإنسان إليه ثم يرفض؟ قال الله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ؛ يعني ينفى الإيمان عن من يرفض حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، بل ينفى الإيمان عمن لا ينشرح صدره بهذا الحكم، ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. إذا، هذا من العبادات، إحنا زي ما قلنا، العبادات لا تنحصر في أذكار معينة أو في عبادات بدنية معينة، العبادات من أهمها وأعظمها هي العبادة القلبية المتعلقة بالتسليم والاستسلام لأمر الله وأمر رسوله. كما قلنا، هذا ليس خاصا بقضية الحكم في الأحكام القضائية أو السياسية الشرعية، وإنما حتى في الحياة اليومية، إذا كان الإنسان معتادا على هوى معين جيد، فإن مخالفته لهذا الهوى استجابة لأمر الله وأمر رسوله يعد من أعظم سمات المؤمنين ومن أعظم خصال الإيمان.

ثم قال النووي رحمه الله: "وفيه من الأحاديث حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب قبله وغيره من الأحاديث". فيه إيش حديث أبو هريرة؟ حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب قبله. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. متفق عليه.

طيب ما هو الحديث الثاني؟ قال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ، الآية، قال: اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأ القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في أثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قال: نعم. رب ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، قال: نعم. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، قال: نعم. واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين، قال: نعم. رواه مسلم.

هذا الحديث حديث عظيم، حديث شريف، حديث من الأحاديث التي تميز أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبرز لنا شيئا من صفاتهم، شيئا من المقامات العلية التي اتصفوا بها والتي بلغوها. ولا شك أن من يريد الاقتداء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس الاقتداء بهم في مجرد الناحية الاعتقادية المجرد النظرية أو المتعلقة بمباحث عقدية نظرية، وإنما الاقتداء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون بمجموع الأعمال الكبرى التي ميزتهم. ومن أعظم ما ميزهم إذا استقرأ حياة الصحابة، خاصة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ستجد أن من أعظم ما ميزهم هو الانقياد والامتثال والاستجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا الانقياد وهذا الامتثال وهذه الاستجابة متى فقدت من أي بيئة من البيئات الإسلامية أو مجتمع من المجتمعات، كان هذا من أسوأ ما يمكن أن يتصف به مجتمع مسلم. ولاجل ذلك إذا، هذا طبعا من الأمور العملية؛ المربي، الداعية، الناصح، إذا كان في بيئة معينة يخاطبها بدعوة معينة، إذا وجد التقصير في أساس التسليم والاستسلام، فقبل أن ينشغل بدعوتهم إلى أعمال معينة، فيجب أن ينشغل بتقوية جانب التسليم والاستجابة والامتثال في قلوبهم، فإذا قوي هذا الجانب سهل الامتثال للأحكام العملية. هذا الأمر الأول الذي ميز الصحابة ويعرف من هذا الحديث ومن غيره. هذا الحديث فيه إبراز هذا الصف.

الأمر الثاني الذي ميز الصحابة وهو بارز من هذا الحديث، وهو من سماتهم العامة التي أتت في نصوص كثيرة، هي طبيعة تفاعلهم مع القرآن الكريم. الصحابة ما كانوا يتفاعلون مع القرآن الكريم تفاعلا باردا باهتا، كانوا كانت الآية تنزل، الصحابة يتعاملون مع كل حرف منها أنه حق وأنه من عند الله، وأنه إذا كان فيه أمر فهلم إلى الأمر، إذا كان فيه نهي فهلموا عن النهي، إذا كان فيه خبر فيتلقونه بالتصديق. لذلك الآن الآية: لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ، كم من مثل هذه الآيات يمر على المسلمين ولا يحرك فيهم ساكنا؟ هذه الآية نزلت، الصحابة طلعوا ونزلوا وراحوا وجوا، تعطلت أحوالهم، خافوا وهابوا، وهي آية: وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ. مثلها كثير في القرآن، صح ولا لا؟ لكن شوف الحسد، حساسية في التعامل مع النصوص، مع القرآن، في حساسية معينة قلبية. بس نزلت هذه الآية، جاء للنبي صلى الله عليه وسلم، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شوف الحال، اشتد ذلك عليهم، أتوا رسول الله، بركوا على الركب. هذه يعني إيش الحال اللي يخلي المسلم يصل إلى هذه القضية؟ يتغير حاله ويشتد عليه الأمر، يأتي فزعا ثم يبرك على الركب، إيش القضية؟ أنه نزلت آية: وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ. واضح الفكرة، أنه طيب كم من الآيات في مثل هذه الآية وفي في، يعني خلينا نقول في درجتها من ناحية التذكير والأمر والنهي وذكر الحساب وذكر، لكن الصحابة كانوا يتعاملون مع آيات القرآن بحساسية بالغة جدا. أنه هو هكذا يتلقاها، الآن نزل قرآن من عند الله خالق السماوات والأرض وخالقنا الذي سنرجع إليه وسيبعث، يقول: وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ؛ يعني إذا هناك خواطر داخل النفس وداخل القلب، أو هموم معينة ولم نبرزها ولم نعمل.

على ضوئها فهذا سيكون من ضمن الحساب. جيد. الآن ترى هذا ممكن يقرر عقيدة نظرية والله يعلم ما في الصدور ويعلم دقائق النفوس والأحوال ومادري إيش عقيدة وتحفظها وتمشي في العقيدة كذا والعقيدة كذا وتحفظ النص العقدي والأمور تمام وتقرأ الآيات تراجع الورد. لا، الصحابة تعاملوا معه أنه أوه، إيش نسوي؟ طيب الآن، طيب كيف؟ طيب في حساب؟ يا ما نقدر يا رسول الله، إيش نسوي؟ فهمتوا الفكرة؟

ولذلك هذا من معالم خير القرون، نحنا نتكلم عنها معالم خاصة بالصحابة. هذا من المعالم الكبرى في الصحابة. الأمر الأول قلنا ايش كان المعلم الأول؟ التسليم والانقياد. الأمر الثاني، المعلم الثاني الواضح هو طبيعة تلقي القرآن، تلقي المصدق المؤمن الخائف الوجل. هذا التلقي، ولذلك نفس اللي قلناه قبل شوية في عند المربين الموجهين الدعاة المصلحين: إذا وجدوا في بيئة ما أنها ضعيفة في قضية التسليم أن يرفعوها ليحدث الامتثال. كذلك إذا وجدوا في بيئة ما ضعفاً في تلقي القرآن أو خطأ في طبيعة تلقي القرآن، أو تقديماً لجانب تلاوة ألفاظه على إقامة حدوده، أو عدم وجود المهابة القلبية لهذه الآيات ولهذه النصوص، من أهم الأدوار الإصلاحية التي يقوم بها المربون والدعاة والخطباء وما إلى ذلك هو أن يعيدوا الحساسية للقلب في طبيعة تلقي آيات القرآن.

تعلمون القصة لما ذكر عمر بن الخطاب بعد أن جهل عليه ذاك الجاهل، ها، خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، عفا عنه. قال: وكان وقافاً عند كتاب الله. هذه عارف، يعني تبغى تشوف من مؤشرات النجاح في المحاضن التربوية عندك طلاب، تبغى تشوف مؤشرات النجاح معهم، ها، واحد من مؤشرات النجاح سجلها كذا، ها، واحد من مؤشرات النجاح: أن يكون الطالب وقافاً عند كتاب الله. والله هذا من مؤشرات النجاح، أن يكون وقافاً عند كتاب الله، أن يكون معظماً لحدود الله. هذه مؤشرات نجاح. فيعني أما تقول لي إنه يعني تحرص على أنه مثلاً يتفوق دراسياً في المدرسة والجامعة أكثر من حرصك على هذه القضايا، فيعني هذا اختلال نوعاً ما في الموازين والمعايير.

طيب، إذا هذا معلم واضح. أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، قد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. تخيل أنت الموازنة: الجهاد والصدقة اللي فيها تجاوز رغبة النفس في الامتلاك، أيهما أثقل؟ هذا التكليف الذي فيه ذهاب الأرواح والأموال، أم الخبر بأنه وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللَّهُ؟ لا، الثاني أصعب، الثاني أصعب. فلاحظ كيف أنه يعني اختلاف الموازين، يعني مقدار التنبه لقضية أنه ترى يعني صعوبة ما في النفوس، صعوبة قضية الأحوال القلبية الخواطر التي تطرأ عليها، وأنه الإنسان مهما بلغ ترى لا يستطيع أن يتخلص من هذه العزائم أو الخواطر القلبية التي تطرأ، وأنه لا يزال الإنسان قد يحدث نفسه بسوء أو يعني يوسوس إليه الشيطان بسوء، فإنه ترى قد نتحمل الجهاد في سبيل الله وقتال الأعداء ولا نتحمل أن نحاسب على ما في نفوسنا وعلى ما في خواطرنا. وهذا يعني يؤخذ منه فائدة أنه هذا ميدان من الميادين يعني خلينا نقول التي لا تستنكر في النفوس المؤمنة، أنه ترى النفوس المؤمنة ترى هي محل لـ يعني خلينا نقول لخواطر ولأفكار، لكن طالما أنهم لا يعملون على ضوئها من السوء فهي من جملة العفو. هذا يعني مما يستفاد كذلك من هذا النص.

طيب، الأمر الرابع: التحذير من سلوك مسالك أهل الكتاب في عدم الاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا هذا التنبيه من النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا. هو تنبيه مهم يلتقطه المؤمن، يلتقطه المتفقه ليدرك أن أحوال أهل الكتاب هي من أهم ما ينبغي أن يراعى في قضية المفارقة. يعني الآن يأتيك الحق له معالم تمام، والباطل له معالم. ترى القرآن فيه العناية بمعالم الأمرين: بمعالم الحق وطريقته، وبمعالج. جيد، المؤمن عليه وهو يسير في طريق الحق أن يحاذر ألا يقع في معالم طريق الباطل. طيب، ما هو طريق الباطل؟ وما هي معالمه؟ كثيرة: أهل الكتاب لهم معالم وأحوال، الشياطين لهم معالم وأحوال، المشركون لهم معالم وأحوال، المنافقون لهم معالم وأحوال. وهذه الأربعة هي أصول أهل الباطل المذكورة في القرآن، كل واحد منها له معالم وأحوال، والإنسان مأمور ألا يتشبه بأي حال من هؤلاء، بحال من هؤلاء الأحوال الأربعة، حتى يعني يمكن أن يضاف إلى ذلك حال أهل الفسق والفجور.

طيب، احنا بنبه على خطأ معين، يمكن الإنسان نبه عليه كثيراً، أنه قد يكثر في خطاب بعض العلماء أو بعض طلبة العلم التحذير من مشابهة أهل الكتاب مع التركيز على المشابهة الظاهرة المتعلقة باللباس أو طريقة قص الشعر أو مثلاً السلاسل والأساور وما إلى ذلك، مما هو حري بأن ينبه عليه أنه فعلاً ترى لا ينبغي أن يتشبه الإنسان بالكفار وبأهل الفسق والفجور لا في طريقة اللباس، لا في طريقة قص الشعر، لا في طريقته في موضوع السلاسل والأساور وما إلى ذلك غير قضية التشبه بالنساء، وأنه هذا أمر مطلوب أنه ينبه عليه. لكن نتأمل في النصوص الشرعية نجد أنها ذكرت كثيراً من أحوال أهل الباطل وأهل الكتاب القلبية، وأن التشبه بأحوالهم القلبية أخطر من التشبه بأحوالهم الظاهرة، أخطر من التشبه بأحوالهم الظاهرة. ولذلك التشبه بأحوالهم الظاهرة قد يخفف فيه ويعفى عنه أحياناً، يعني مثلاً إذا خشي الإنسان على نفسه، هذا يذكره العلماء مثلاً أن يكون الإنسان في دار حرب، جيد، ما يخالف هؤلاء الكفار في الظاهر من ناحية اللبس أو كذا أو إلى آخره حتى لا يتعرض للأذى أو نحو ذلك، هذه بينما الأحوال القلبية لا، الأحوال القلبية لا. واحدة من الأحوال القلبية السيئة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى عن أهل الكتاب أنهم يقولون ايش: سمعنا وعصينا. سمعنا وعصينا. فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا ينبه أصحابه إلى عدم التشبه بهؤلاء من أهل الكتاب في قولهم: سمعنا وعصينا. قال: قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.

طيب، أين وردت سمعنا وعصينا؟ سورة البقرة أيضاً وردت، كما أنه آية هذه الآية نفسها اللي احنا يعني في الحديث، هي في سورة البقرة، اللي هي: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. طيب، من يتأمل في سورة البقرة يجد أن هذا الموضوع مركزي فيها، هو موضوع ايش؟ تسليم، موضوع مركزي في سورة البقرة، ويعني الكلام فيه طويل، لكن الملاحظ أنه ذكر فيها سمعنا وعصينا، وذكر فيها سمعنا وأطعنا.

طيب، الأمر السادس: أنه ورد في الأحاديث الصحيحة تعظيم هاتين الآيتين الأخيرتين في سورة البقرة. ومنها في صحيح مسلم: أن باباً فتح من السماء ونزل منه ملك لم ينزل قبل ذلك، نزل بماذا؟ نزل بآخر آيتين من سورة البقرة، وأظن قال نزل بالفاتحة مع، لكن المهم منها خاتمة سورة البقرة. وأيضاً في البخاري: من قرأهما في ليلة كفتاه. لكن الحديث الأول هو الأعظم من ناحية أنه نزل بها ملك، فتح لها باب من السماء لم يفتح قبل ذلك. طيب، لماذا؟ لماذا كان لهاتين الآيتين من ختام سورة البقرة هذا الشأن؟ الأمر والله أعلم متعلق بقضية التسليم، يعني مركزية التسليم والاستجابة والامتثال أعطت لهاتين الآيتين القيمة الكبرى لأنها فيها هذه القيمة بشكل واضح، اللي هي قيمة: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.

طيب، متى تكتمل عندك النظرة لهاتين الآيتين بهذا الحديث اللي في الباب في رياض الصالحين؟ أنك تفهم ترى سياقه، ترى أول شيء نزلت آية: وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللَّهُ، وبعدين قال لهم لا تقولوا كما قال أهل الكتابين، وقال: وقولوا سمعنا وأطعنا. قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. وقرأها القوم وذلت بها ألسنتهم، ثم نزل التخفيف. هذه القصة الصحيحة تبين قيمة التسليم في هاتين الآيتين أكثر مما لو قرأت الآيتين بدون أن تعرف القصة، وهذا يقودنا إلى فائدة سابقة، وهي أهمية السنة في فهم القرآن، أهمية السنة في فهم القرآن. فهذا حديث من أحاديث السنة النبوية يزيد هذه الآيات وضوحاً، فهذه فائدة مهمة جداً، بمعنى أنه كلما ازداد الإنسان علماً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تهيأ للعلم بكتاب الله أكثر مما لو لم يكن كذلك من جهة العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك يعني هناك من العلماء، من المفسرين، من يعتني بذكر الأحاديث النبوية مع الآيات، فهذه ميزة تكون في تفسيره. مثلاً أميز تفسير في هذه القضية تفسير ابن كثير، كثير يحرص إذا جاءت الآية أن يذكر الأحاديث المتعلقة، ما أتكلم عن أسباب النزول فقط، لا، أنا أتكلم عن علاقة الأحاديث بالآيات، وطبعاً لم يستوفِ كثير، لم يستوفِ لم يذكر كل شيء، لكن يذكر أشياء كثيرة، فلأجل ذلك احنا نقول أنه هذه من فوائد السنة النبوية في فهم القرآن. ايش الشاهد؟ الشاهد أنك لو قرأت هاتين الآيتين دون أن تعرف هذا الحديث وهذه القصة فلن تدرك سياق الآيتين وقيمة التسليم فيهما كإدراكك لو عرفت هذا الحديث، أليس كذلك؟ هذا واضح جداً وهو مهم جداً كما تقدم.

الفائدة الثامنة هي في التربية بالقرآن، أن الله سبحانه ربى أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بالقرآن، ومن جملة التربية هذا من جملة فوائد الناسخ والمنسوخ. ليش في ناسخ ومنسوخ في القرآن؟ ليش ما نزل القرآن بدون ما يكون في آية تنسخ بعد ذلك؟ أي واحدة ترى من الفوائد، هي عدة فوائد، واحدة من الفوائد هي قضية أن يربوا بأحكام معينة تتناسب مع حالهم في ذلك الوقت، ثم إذا استجابوا أو امتثلوا أو صلح حالهم، ترفع القضية، ترفع الآية، يرفع الحكم ويأتي شيء آخر. فالآن هذا من جملة، لأنه هنا قال: فلما فعلوا ذلك نسخها الله. نسخها الله تعالى، ايش اللي نسخ؟ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللَّهُ، الحكم وليس اللفظ. طيب، نسخها الله سبحانه وتعالى، لكنها نزلت في البداية، لما نزلت هابها الصحابة، وهابها الصحابة إلى درجة أنهم جثوا على الركب. هذه الآن ايش معناه؟ هذه ايش هي؟ هذه تربية. أخذوا هذا المعنى، تربوا عليه، خافوا، هابوا، اشتد عليهم الحال، جثوا على الركب، اختبروا، قيل لهم لا تقولوا سمعنا وعصينا وقولوا سمعنا وأطعنا، قالوها، قرأوها، ذلت بها ألسنتهم، انتهت القضية. هذه رفع الحكم الذي فيه الشدة وبقي التخفيف، ونزل الأمر بالتسليم. وقال سبحانه وتعالى: لا تحملنا ما لا طاقة لنا به. ارتفع الحكم الذي كان فيه الشدة وبقي الأجر والثواب لأولئك الصحابة، وبقينا نحن نقرأ هذه الآية، وبهذه القصة ندرك سياقها، وندرك معناها، وندرك قيمتها، وبذلك ايش يعني نفهم قيمة التربية بالقرآن. هذه تربية بالقرآن.

طيب، هذا فيما يتعلق بهذا الباب اللي هو وجوب الانقياد لحكم الله تعالى وما يقوله من دعي إلى ذلك وأمر بمعروف ونهي عن المنكر. نسأل الله سبحانه وتعالى المغفرة والتوفيق. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.