تسجيل الدخول

رياض الصالحين 37 | باب في النهي عن البدع ومحدثات الأمور | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس أنوار السنة المحمدية، وهذا هو المجلس السابع من مجالس شرح رياض الصالحين، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. كما ذكرت في بداية المجالس هذه، المذاكرة لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ليس القصد منها الوقوف عند كل لفظ من الألفاظ، ولا عند كل جملة من الجمل، ولا حتى استخراج جميع الفوائد من الحديث، وإنما يعني محاولة التركيز على الهدي، هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كيف يتعامل مع الأمور؟ ما هي القضايا الكبرى التي ركز عليها؟ ما هي السنن التي دعا إليها؟ إلى آخره، مما يلاحظ فيه بوصلة الهدي النبوي تحديداً.

وهذا حقيقة من أهم ما يحتاج إليه في دراسة السيرة النبوية، أن يعرف هدي النبي صلى الله عليه وسلم العملي في مختلف القضايا، كما أن كتب السيرة النبوية تشرح الأحداث العامة في زمن السيرة، بينما كتب الحديث تشرح الأحداث الخاصة، ولا يكتمل تصور الإنسان عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته إلا بالجمع بين الأمرين، وهذا أهمية الجمع بين مصادر السيرة وبين مصادر السنة. تجتمع فيها الهدي العام، أو الهدي المتعلق بالأحداث العامة، والهدي المتعلق بـ يعني الأعمال اليومية، ويعني الأمور الاجتماعية والأخلاقية وما إلى ذلك. فنسأل الله أن يصلي ويسلم ويبارك على عبده ورسوله محمد، ونسأل الله أن يرزقنا حسن الاتباع.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور". قال الله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}. طبعاً الحين الآيات التي سيذكرها، إحنا قبل ما نسمع الآيات ممكن كل واحد يفكر أنه باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور، إيش ممكن يكون في آيات قرآنية متعلقة بالنهي عن البدع ومحدثات الأمور؟ يعني تعرف الأحاديث، مثلاً مشهور حديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، خلاص واضح. لكن بالنسبة للآيات القرآنية إيش في آيات قرآنية متعلقة بالنهي عن الأحداث أو عن البدع؟ أكيد في آية مباشرة يعني بهذا اللفظ أو كذا. وهنا تأتي أهمية الاستنباط، وهنا تأتي أهمية العلماء في استنباط النصوص، وأنه ترى الدلالات منها ما هو مباشر ومنها ما هو غير مباشر، منها ما هو يعني صريح، ومنها ما هو يعني يستنبط استنباطاً. فهذه من الفوائد التي ينبغي أن تستحضر، وهذا عموماً يا كرام يقودنا إلى قضية مهمة وهي أهمية النظر إلى مناهج العلماء؛ يعني ما يكفي أنه أنت يعني تأخذ الفائدة فقط، وإنما أن تحاول أن تفهم كيف جاءت الفائدة. هذه مهمة في قراءة كتب العلماء، أنه هذه الكتب التي أنت تقرأها هي نتيجة جهد كبير، نتيجة اجتهاد، نتيجة عمل، نتيجة بحث، نتيجة تأمل، نتيجة توفيق وهداية من الله سبحانه وتعالى؛ فحاول أن تفهم كيف خرجت هذه الفائدة. ومن ذلك أن تقف عند مثل هذه المعاني، أنه والله الأحاديث مثلاً هنا مباشرة، طيب كيف ممكن يأتي؟ والله هذا استنباط؛ معناه أنه يمكن أن ننظر في آيات فيها دلالات عامة، لكن تؤخذ على أمر خاص، وهكذا. فهذه منهجية معينة في قراءة الكتب، يعني يصل الإنسان من خلالها إلى نتائج طيبة إن شاء الله.

حسناً، "باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور"، ذكر النووي رحمه الله عدة آيات، وكما قلنا ما في شيء صريح، لكن نحاول أن نستفيد من هذه المنهجية. قال الله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}. يعني كأنه يقول: ماذا بعد السنة إلا البدعة؟ وماذا بعد الاتباع إلا الابتداع؟ فقال الله سبحانه وتعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}.

وقال تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ}. إيش وجه الدلالة؟ معناه أنه ترى كل ما يريده الله من الدين ترى بينه، وبالتالي ما تأتي به أنت زيادة على الدين فهو بدعة، وكأنك تستدرك، بينما {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ}.

وقال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}. معناه إيش؟ ففيهما الكفاية وفيهما الغنية وفيهما ما يمكن أن يهتدى به، واضح؟ قال: أي الكتاب والسنة، والتفسير بالكتاب والسنة هذه الآية مجمع عليه.

وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}.

وقال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.

والآيات في الباب كثيرة معلومة، كما قلت هذه أهم فائدة نخرج بها الآن هي منهجية الاستدلال، منهجية الاستنباط، وأيضاً نخرج بها يعني من يفكر بهذه الطريقة يخرج بفائدة من القرآن كبيرة وواسعة. والتعامل مع القرآن الكريم هو تعامل من أبواب مختلفة: هناك تعامل من جهة التلاوة، تعبد لله بالتلاوة، هناك تعامل من جهة التدبر وهذا عبادة، وهناك تعامل من جهة الحفظ وهذه عبادة، وهناك تعامل من جهة الاستنباط وهذه عبادة أيضاً. لذلك الفقه في كتاب الله ليس مجرد الحفظ، ليس مجرد التلاوة، وإنما الفقه في كتاب الله وهذا ما يميز العلماء، هذا الذي يميز العلماء. فهذا كله مستفاد من استدلال الإمام النووي رحمه الله بهذه الآيات عن النهي عن البدع ومحدثات الأمور.

ثم قال رحمه الله: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". متفق عليه. وفي رواية لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".

وعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى. ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلاهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي". رواه مسلم. وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه حديثه السابق في باب المحافظة على السنة.

هذان الحديثان العظيمان، الحديث الأول: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، حديث قصير من حيث عدد الألفاظ والكلمات، لكنه عند العلماء له مكانة كبيرة جداً. ولذلك لما جاء العلماء وحددوا بعض الأحاديث أنها يعني تعادل، بعضهم يصفها يقول مثلاً هذا ثلث الإسلام، هذا ربع الدين، أو مثلاً يصفنا من أركان السنة، أو من قواعد الإسلام الكبرى، هذا الحديث أحد الأحاديث الموصوفة بهذه الأوصاف؛ يعني كان لهذا الحديث عند العلماء كان له شأن عظيم جداً فعدوه من أركان الدين، مع أنه ما هو محتواه "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".

قبل ما نتكلم عن الحديث والحديث الذي بعده أيضاً نفس الفكرة، فكرة منهجية العلماء. إحنا قبل شوية تكلمنا عن منهجية العلماء في الاستنباط من القرآن استدلالاً بفعل الإمام النووي، أيضاً منهجية العلماء في تحديد مقامات الأحاديث ومقامات الآيات. طبعاً مقامات الآيات حددها النبي صلى الله عليه وسلم في مثل حديث: أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ هذا تحديد لأعظم آية، وكذلك أعظم سورة، وكذلك أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، هذه تحديد مقامات، إذاً هذا من الدين؛ يعني من الدين تحديد مقامات الأمور الشرعية، وأنه الأمور الشرعية وإن كانت كلها شرعية لكن هي في مقامات متفاوتة، وأنه إدراك هذا التفاوت هو فقه في الدين. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: "ليهنك العلم"، وهو إدراكه أن هذه الآية أعظم آية في كتاب الله. وكما تعلمون في المنهاج من ميراث النبوة باب في أن الدين على مراتب في الأمر والنهي والخبر، وأن الفقه في الدين تبع لإدراك هذه المراتب.

طيب وين الشاهد الآن من الكلام؟ الشاهد أنه هذا الحديث عده العلماء من أركان الدين، أو من الأحاديث المهمة جداً، فساروا على نفس المنهج الذي هو منهج تحديد المقامات وإدراك يعني إيش مركزيات الأحاديث. ومن هنا إحنا اليوم لما دائماً نتكلم عن أهمية مركزة المركزيات وإدراك مركزيات الدين والانطلاق من هذه المحكمات والقواعد الكبرى، ترى هي منهجية شرعية، منهجية شرعية مؤسسة من النبي صلى الله عليه وسلم وسار عليها العلماء. يعني ليس كل ما تم النص فيه على أنه من مقامات الدين الكبرى ترى هو منصوص من الوحي، لا مو كله كذلك؛ فيه من ما هو منصوص من العلماء، يعني هذا باب فيه اجتهاد في مساحة جيد.

من أبرز الأدلة التي يعني خلينا نقول، أو من أبرز الأمثلة خلينا نقول التي اجتمع العلماء على توصيف نص معين بأنه من مركزيات الإسلام أو شيء، حديث: "إنما الأعمال بالنيات". يعني تكاد تتفق كلمة العلماء على أن هذا الحديث من أصول الدين الكبرى. وهنا يأتي السؤال: هل لو نحن قرأنا هذه الأحاديث سنستنبط هذه؟ سنُدرك هذه المقامات أو لا؟ بناء على ماذا جعلوه من أصول الدين الكبرى: {إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى}؟ يعني إحنا مثلاً كيف ندرك هذه؟ هل مثلاً إذا كان الحديث طويلاً فهو مهم؟ فهمت؟ إذا كان فيه جمل كثيرة فهو مهم؟ إذا كان فيه أخلاق كثيرة فهو مهم؟ يعني ما الذي يُمركز حديثاً معيناً أو يرفع قمة حديث معين عند المسلمين؟ هنا يأتي الفقه في الدين، وهذه هي يا جماعة مربط الفرس.

فإحنا نقول: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" هو حديث له قيمة كبيرة عند العلماء؛ ليش هم يعتبرونه معياراً في ضبط الاتباع والابتداع؟ يعني ترى هذا مجموع ما ورد في الدين، وهذا مجموع ما ورد في الدين، وهذا الحديث كأنه يختم على هذا الذي ورد في الدين، يقول لك هنا وقف، ولا تحدث. {مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ}، فهذا شيء، وهذا يعني أقصد هذا باب وهذا باب، وهذا مجال ينتقل من خلاله إلى من السنة إلى البدعة. هذا الحديث له هذه المنزلة وله هذه المكانة العظيمة عند العلماء، بينما كما قلت ربما لو قرأه قارئ لا يدرك له هذه القيمة العظيمة وهذه المنزلة الكبيرة.

طيب، الحديث التالي فيه نفس الجملة تقريباً أو نفس المعنى: "شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". هذه "كل بدعة ضلالة" تساوي "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، من أحدث هذه البدعة، جيد. طيب الآن هذا الموضوع موضوع الحديثين، لكن الحديثان فيهما فوائد أخرى. قبل ما ننتقل لهذه الفوائد، دعونا ندور قليلاً مع مفهوم السنة والبدعة وما يتعلق بهما من اتباع وما إلى ذلك.

أولاً: النقطة الأولى، من أهم ما يعين على اتباع السنة واجتناب البدعة هو تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم سنته والقناعة بغنى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في أبواب الدين؛ فإن البدعة إنما تأتي لشعور الإنسان بنقص ما جاء في الوحي وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنقصه في تأسيس أو في سد احتياجات الإنسان الدينية. ولأجل ذلك لا يكفي في الإنسان أن يزعم أنه يحب النبي صلى الله عليه وسلم ثم لا يكون معظماً لسنته مستغنياً بها. والواقع والتاريخ يقول إن كثيراً ممن يزعم هذه المحبة ويتغنى بها ويطرب لها ويبكي بسببها ويرقص حفاوة بها، هو في الحقيقة يسير في سلوك عملي مخالف لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي صارت المحبة شعورية مجردة وليست محبة تنعكس على تعظيم عمل السنة النبوية، وربما يكون هذا فرعاً عن عدم إدراك غُنية أو الغنى بما تحويه السنة من موضوعات.

لما حصل انحراف في التاريخ الإسلامي عن بعض الأمور السنية في العقيدة وفي غيرها، كان ترى من القواعد البدعية التي أُسست، كان من القواعد البدعية التي أُسست القواعد التي تقلل من قيمة السنة، سواء من جهة أنه النصوص ظنية والقواعد العقلية إيش؟ قطعية، ونقدم القطع على الظن، وصارت حفاوة بالقطع بالعقل، ومن هنا ترى تأسس انحراف كبير في التاريخ الإسلامي، إيش سببه؟ التقليل من شأن السنة، سواء من جهة الثبوت ظنية وكذا ويمكن ما تكون ثابتة وكذا، فنحن نحتاج إلى القطعيات فنذهب إلى العقليات. طبعاً لما تروح للعقليات هذه تجد أن العقليات كثير منها ظنيات أصلاً وليست قطعيات. جيد؟

ومن هنا كان من القواعد الكبرى التي نُقضت على يد علماء أهل السنة، من القواعد الكبرى البدعية التي نُقضت، هي بيان عظمة السنة وبيان أنها أن كثيراً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم منقولة تفيد اليقين، وأن فيها غنية في موضوعات الدين. هذا ترى التأسيس، يعني هذا ترى التأسيس حتى التربوي الذي يعلم الناس، ترى بعض الأحيان الإنسان يظن أنه اتباع السنة والبدعة هي بمجرد هذا الحكم: هذا سنة وهذا بدعة، نعم هذا يفيد لكن هذا ليس كافياً. المؤسس الحقيقي هو التأسيس القلبي الشعوري بأن هذه السنة فيها غُنية، هذا الدين شامل، هذا أعظم هدي. ولذلك شوف الحديث أنه جمع بين "خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم" وبين إيش؟ "شر الأمور محدثاتها"، ترى بينهما.

هاتين الجملتين ترابط؛ إذا اقتنعت بأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن تقتنع بأن شر الأمور محدثاتها. واضح الفكرة؟ فلا يكفي أن تعلم أن شر الأمور محدثاتها، بل لا بد أن تعلم أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، هذا مستفاد من الجملة في الحديث بشكل واضح. ولذلك أي معلم، مربي، داعية، مصلح، قبل أن يبطل الباطل لا بد أن يحق الحق، وقبل أن يشوه أو خلينا نقول يقبح البدعة أو الشرك أو الكفر أو الانحراف أو أياً كان، لا بد أن يحسن السنة والدين والإسلام، وبتحسين الحسن وتقبيح القبيح تكتمل مقدمات الاهتداء.

واضح الفكرة؟ فلا يكفي تقبيح القبيح، لا بد من تحسين الحسن؛ لا بد أن يعرف الإنسان حلاوة السنة وعظمة السنة وجمال السنة وشمولية السنة وهكذا. واضح الفكرة؟ فالخلاصة هذه النقطة الأولى هي النقطة الأولى، أن من أعظم قواعد الانحراف إلى البدعة عن السنة هو عدم الشعور بغناء السنة وبشموليتها. ويتنامى هذا الشعور لأسباب مختلفة ومتعددة؛ منها الجهل، ومنها أمور كثيرة متعدددة يمكن الاستقصاء يطول. الشاهد أن هذه القاعدة الأولى.

القاعدة الثانية: هي أن من المهم التفريق بين البدعة وبين الاجتهاد الشرعي المحمود. والاجتهاد الشرعي المحمود هو اجتهاد فيما ليس فيه نص، وإنما يكون مبنياً على قواعد شرعية عامة، أو يكون مبنياً على مصالح شرعية عامة. ومن هنا قد يأتي الالتباس عند البعض بتلبيس ما هو اجتهاد يلبس بأنه بدعة، أو بتلبيس ما هو بدعة بأنه اجتهاد شرعي. فهذه مساحة دقيقة هي لأهل العلم المتبعين للسنة المعظمين لها. ومن هنا كان الصحابة لما تأتي مسألة اجتهادية يخافون أن تكون بدعة فيتوقفون، ثم لما يترجح، أبرز مثال فيها إيش؟ جمع القرآن، لما جاء فقال: كيف تعمل شيئاً لم يعمله رسول الله؟ هذا في البخاري، كيف تعمل شيئاً لم يعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذه ترى هذه الجملة هي من أهم الجمل التي تحدد السنة من البدعة، أنه كيف تعمل شيئاً لم يعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم تعرفون يعني مرتين قيلت هذه الجملة.

ولكن هذا كان مبنياً على قواعد شرعية عامة مرتبطة بحفظ الدين وبحفظ الإسلام، وهي مرتبطة بما يستجد من الحوادث؛ بمعنى أنه لم يكن هناك موجب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تطلب هذا الجمع، بينما لما قتل القراء في زمن أبي بكر الصديق استجد موجب في الواقع، هذا الموجب في الواقع استوجب عملاً شرعياً معيناً وهو جمع القرآن. ثم لما اختلف الناس في القرآن في زمن عثمان رضي الله عنه، هذا جد موجب جديد في الواقع استوجب جمع مصحف واحد وليس مجرد جمع ما هو موجود عنده. فهناك مساحة متقاربة ما بين الاجتهاد الشرعي المحمود وما بين بعض البدع، يفرق بينها أهل العلم، أهل العلم بالدين المعظم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وليس كل ما وصف بأنه مصلحة شرعية فهو مصلحة شرعية؛ هناك بدع كثيرة، طبعاً تعرفون أن عامة البدع تزين بهذا العنوان بأنه بدعة حسنة، يعني مصلحة شرعية، ترقق القلوب، تحبب الناس، إلى آخره، جيد؟ بينما نجد موقف العلماء مع كثير من الأعمال التي وصفت بهذه الأوصاف بأنها بدعة.

إذاً الفارق هذا يحتاج إلى علم، طبعاً هناك كتب ألفها العلماء في تحديد قواعد البدع من المتقدمين ومن المتأخرين ومن المعاصرين ومن قبلهم، والكلام فيها كثير وهي من الأبواب الصعبة، يعني من الأبواب التي تحتاج إلى علم كبير واجتهاد وتحرير وما إلى ذلك. من الكتب المتقدمة في ذلك كتاب الاعتصام للشاطبي رحمه الله، وأما الكتب المعاصرة فكثيرة. هذه قاعدة ثانية في موضوع السنة والبدعة.

القاعدة الثالثة في أهمية فهم سياق البدع التي نشأت في التاريخ الإسلامي، لأن هذا من أبرز صور الانحراف والأشكال التي مرت على الأمة الإسلامية. يعني الأمة الإسلامية مرت بتاريخ مليء بالانحرافات التي تصنف تحت عنوان البدعة، وهذه الانحرافات أخذت أشكالاً وصوراً متعددة؛ منها ما هو شكل اعتقادي نظري، ومنها ما هو على شكل عملي، وهذا الشكل العملي منه ما هو ذاتي يعني فردي، ومنها ما هو جماعي، وهذا الجماعي منه ما هو جماعي مرتبط بكتلة أو جماعة، ومنه ما هو متعلق بأمة أو شعب. فكل هذا حصل في الأمة الإسلامية، وحصلت أزمنة ظهرت فيها نور السنة وخفت فيها ظلام البدعة، وحصل بالعكس أزمنة عم فيها ظلام البدعة وبقيت فيها بقايا من أنوار السنة، كل هذا حصل في التاريخ الإسلامي. ولذلك فإن العناية بمعرفة أصول البدع وتاريخها ونشأتها وكيف تعامل العلماء معها وما إلى ذلك، هذا أمر مهم ومعرفته من العلم النافع. هذا الأمر الثالث.

الأمر الرابع: أن هناك فرقاً في التعامل ما بين الحكم على الشيء بأنه بدعة، وما بين وصف صاحبه بأنه مبتدع. وهناك فرق في التعامل بين الذي يقوم بالبدعة في زمن، وبين التعامل معه في زمن آخر، بحسب الموجبات أو بحسب الظروف التي تدل على فساد أو صلاح نية من وقع في هذه البدعة. وإرادة الخير ممن وقع في البدعة هي معتبرة في الحكم عليه، أقول معتبرة وليست هي الوحيدة، وليست هي المعيار الوحيد في الحكم عليه، وهذا كلام فيه طويل وكثير. وهناك من لم يفرق بين هذه المقامات فحكم على كل من وقع في بدعة بأنه مبتدع، وتعامل مع جميع المبتدعة بنفس الغلظة وحصل بسبب هذا انحراف كبير، وهناك من جمد، وهذا أيضاً صورة من صور الانحراف، هناك من جمد على بعض أنواع البدع الواردة في التاريخ القديم ولم يتنبه لبعض البدع الحادثة في الزمن المعاصر وقد تكون أكبر منها، والكلام في هذا كثير ويطول لكن هذه فقط إشارة وتنبيه على وجه الاختصار الشديد.

طيب، ثم في الحديث أيضاً حديث جابر بعض الفوائد الأخرى غير المتعلقة بقضية الإحداث والابتداع، وهذه من الفوائد هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة في خطبة الجمعة، وهذا الهدي يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب بطريقة تدل على الإنذار وتؤدي إلى إحياء القلوب وتهز النفوس هزاً، حتى شبهت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بحديث المنذر للجيش. وأنتم تعلمون أن المنذر لجيش ما يأتي إلى قبيلة معينة قد أتى عليها الجيش اقترب منها ما يقول أيها الناس إني أحب أقدم بخمس مقدمات منهجية، ما في، الجيش جاي هنا! تمام؟ فما في إلا أنه الإنسان يعلي صوته وينادي ويحذر، والنبي صلى الله عليه وسلم وصف نفسه في حديث آخر بأنه قال: وإني أنا النذير العريان، وهذه صفة كانت مشهورة عندهم في الإنذار، إنذار من الجيوش والإنذار من الخطور، أنه يأخذ الإنسان بملابسه يعني يشير بها وكأنه خلاص انتهت القضية. فلاحظوا أن هذا خطاب للمؤمنين، النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بالمؤمنين ومع ذلك ينذرهم هذا الإنذار ويحذرهم هذا التحذير، ومعنى ذلك أن المؤمنين بحاجة إلى مثل هذا الإنذار، ولا يصلح أن يقال: لأن هذه الفئة مؤمنة فهي لا تحتاج إلا إلى الدروس العلمية التأصيلية والمنهجية التي تحوي على المعلومات الكثيرة والشروح الوفيرة وما إلى ذلك، وإنما يحتاج الناس، ناس وإن كانوا طلبة علم وإن كانوا إلى آخره، يحتاجون إلى الإنذار، إلى التذكير، إلى الموعظة، إلى بيان ما يرهب وما يرغب. وحقيقة إذا افتقد هذا في الدرس العلمي وفي الدرس الشرعي فإن القلوب تفسد، وهذا مع الأسف ملاحظ في كثير من الأوساط وليس هذا فقط في العصر الحديث بالمناسبة، يعني ترى موجود، والكلام أيضاً في هذا يطول وكثير، لكن هذا من الأمور التي يتنبه لها في هذا الحديث. طبعاً هذا الحديث من الأحاديث المهمة في أسلوب الخطابة، وفيها فوائد متعددة، ومنها استعمال الإشارة، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى إلى آخره.

طيب، ثم قال الإمام النووي رحمه الله: باب في من سن سنة حسنة أو سيئة. طيب نفس الشيء الآيات القرآنية، باب من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة، أنه إيش ممكن يخطر في بالك من ناحية الآيات التي تدل على هذا المعنى؟ فقال النووي رحمه الله: قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. وقال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا.

عن أبي عمرو جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء قوم عراة مجتابي النمار أو العباء، طبعاً ليس مقصود العراة أنهم لا يسترون عورتهم، ولكن في لباسهم خفة من الفقر والفاقة، مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، ثم أمر بلالاً فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة إلى آخر الآية إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا، والآية الأخرى التي في آخر الحشر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة. فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. رواه مسلم.

ثم يشرح الإمام النووي الألفاظ الغريبة في الحديث فيقول: قوله مجتابي النمار، طبعاً هذه من مميزات النووي رحمه الله، النووي من الناس في الألفاظ وله عناية بالغة بضبط الألفاظ، بضبط الحركات. طبعاً هذا باب أظن كثير من الناس اليوم ما يهتمون فيه، يعني ما يعني لهم شيء، ما نتكلم عن ضبط الألفاظ نحوياً، نحوياً ما يحتاج إنه خلاص هذه قواعد نحوية معروفة، لكن ضبط الألفاظ يعني نفس تشكيل الأحرف داخل الكلمة، وهذا باب يقع فيه الالتباس كثيراً، من السابقين قليل ومن اللاحقين كثيراً يقع الالتباس، والعلماء خاصة طبعاً المحدثون اعتنوا عناية بالغة بضبط الألفاظ جداً، وضبط الألفاظ الذي اعتنى به المحدثون اعتنوا به في الكلمات العامة وفي الأسماء بشكل خاص جداً، اعتنوا بالأسماء وألفوا في ذلك مؤلفات، تخيلوا مؤلفات ما فيها ثقة ولا ضعيف ولا شيء، مجرد ضبط الاسم، هذا بالخاء، هذا بالجيم، هذا بكسر العين، هذا بضم الخاء، هذا بما أدري إيش، والتفريق بين الأسماء المتشابهة، وجعلوا هذا من علوم الحديث أصلاً، من علوم الحديث، مثلاً ابن الصلاح في المقدمة تقريباً ذكر 65 نوعاً من أنواع علوم الحديث، منها أنواع متعلقة بضبط الأسماء فقط، المؤتلف والمختلف والمتفق والمفترق، وهذا فقط في ضبط الأسماء المتشابهة، فقط في المتشابهة.

الشاهد أن النووي رحمه الله من يتأمل في كتبه يجد أن له عناية خاصة بهذه النقطة، هو يعتني بضبط الألفاظ وتحرير المعاني وله جمل محكمه في تحرير مثل هذه الأشياء. فلذلك طبعاً بالمناسبة أحد منكم يعرف كتاب النووي اللي اعتنى به في كتاب خاص؟ ما أقول في ضبط الألفاظ ولكن في شرح المفردات، حد يعرف؟ أحسنت، عنده كتاب تقريباً أربع مجلدات اسمه تهذيب الأسماء واللغات، تهذيب الأسماء واللغات هو أقرب للمعجم، جيد؟ كلمة كلمة أشرح لك، النووي محرر في قضية الألفاظ جداً، ولذلك تلاحظون هنا في رياض الصالحين إذا روى الحديث إذا كان في كلمة غريبة أو شيء يحرص على أنه هو يبينها، وكما قلت ليست فقط الضبط، وإنما النووي له جمل جميلة في شرح الألفاظ، يعني ليست تعريفاً مثل ما تقرأ في المعجم إلا إذا كان مباشراً تمام، لكن أحياناً يحرر معنى لفظ معين يجتمع فيه ربما الغرابة اللغوية مع الاصطلاح الشرعي فيحرر تحريراً جميلاً.

ولو تتذكرون ربما ذكرت هذا مراراً من أجمل التحريرات التي حررها في بيان معاني الكلمات تحرير معنى المؤمن القوي، المؤمن القوي لو تتذكرون ذكرت هذا في بوصلة المصلح ربما حتى في الكتاب، كانت له عبارة محررة جميلة جداً في بيان معنى القوة، لما ذكر قال: هي قريحة النفس في أمر الآخرة، مثل ما الإنسان له قريحة في الشعر هذا له قريحة في أمر الآخرة، ثم شرح كيف تكون، كيف تتمثل هذه القوة الإيمانية سواء في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في باب الجهاد، في باب قيام الليل، في باب كذا، أنه من يكون قوياً فتجده في هذا الباب كذا وفي هذا، الشرح حقيقة تميز به النووي رحمه الله.

الشاهد هذا الآن يشرح الآن الكلمات الغريبة في الحديث فيقول: قوله مجتابي النمار هو بالجيم وبعد الألف باء موحدة، والنمار نمرة وهي كساء من صوف مخطط، ومعنى مجتابي أي لابسها قد خرقوا القطع، ومنه قوله تعالى: وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَةَ بِالْوَادِ، أي نحتوها وقطعوها، وقوله تمعر هو بالعين المهملة أي تغير. طبعاً تعرف المهملة يعني بدون نقطة، وإذا كانت بنقطة يسموها المعجمة، هذه المهملة، المعجمة، والموحدة يعني نقطة واحدة.

المثناة نقطتين، والمثلثة ثلاث نقاط؛ لأنه الكتابة يعني تحصل فيها الأخطاء هذه، إما يعني تنسى نقطة، تنسى كذا إلى آخره، فهم يضبطونها بالكتابة بالكلام بالشرح بالألفاظ أكثر من ضبطها بمجرد النقاط والحركات. يضبطون بالأمر يعني الشاهد تمعر بالعين المهملة، أي تغير، وقوله رايت كومين بفتح الكاف وضمها، أي صبرت، وقوله كأنه مذهبه هو بالذال المعجمة وفتح الهاء والباء الموحدة، قاله القاضي عياض وغيره، وصحفه بعضهم، ها شوف عنايته بتحرير الألفاظ تصحيف اللي هو الخطأ في كتابة الألفاظ، وصحفه بعضهم فقال مدهنة بدل مذهبة، طبعاً هي نفس الكلمة بس الفرق بالنقاط مدهنة وليس مذهبة، قال وصحفه بعضهم فقال مدهنة بدال مهملة وضم الهاء وبالنون، وكذا ضبطه الحميدي من العلماء الكبار، والصحيح المشهور هو الأول، والمراد به على الوجهين الصفاء والاستنارة.

اللي بعده لم يخرج في هذا الحديث النووي إلا في هذا الباب عفواً إلا أخرج حديثين، الحديث الأول هذا الحديث الطويل، والحديث الثاني قالوا عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لَيْسَ مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِّن دَمِهَا لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَن سَنَّ الْقَتْلَ، متفق عليه.

بالنسبة للحديث الأول، الحديث الطويل حديث جرير هو من الأحاديث المهمة والجميلة، وفيها معاني وفيها تعرف على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فيها أمور كثيرة حقيقة.

طيب أولاً: كنا في صدر النهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللقاءات التي تجمع الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم لم تكن مجرد لقاءات دروس، وإنما كانت لقاءات واسعة ممتدة طويلة متكررة وتجمع ما بين السفر والحضر، ولذلك نقل هدي النبي صلى الله عليه وسلم كاملاً، وأنتم تعلمون أن الحديث النبوي هو قول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره، والفعل والتقرير إنما يؤخذ بالملاحظة المباشرة، ويؤخذ من أحاديث كثيرة، هذا باب من الملاحظة. من يقرأ السنة ممكن واحد وهو يقرأ السنة يلاحظ أن صور اجتماع الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم عنوان لطيف طريف يعني، ولازم يخرج بحث علمي، بس يمكن في الملاحظة وأنت تقرأ البخاري وأنت تقرأ مسلم هذه الملاحظات اللطيفة في هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة في الجلوس معهم في كذا، إيش الموضوعات اللي تتداول؟ يخرج بهدي تفصيلي بهدي شمولي، وهذا حقيقة مهم جداً.

المهم، فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر. لما تسمع جاء قوم في الأحاديث جاء قوم من قبيلة كذا، منها غالباً هذا يكون بعد عام ستة للهجرة، تكون الوفود التي أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: عامتهم من مضر، متقلدي، ذكر حالهم طبعاً مجتابي النمار أو العباء قطعوها ووضعوها على رؤوسهم، حالتهم صعبة، متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر. هؤلاء قوم من المسلمين كانت بهم فاقة شديدة، جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى ما بهم من الفاقة، تغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، هناك عنوان آخر كبير يمكن أن يتتبع من خلال السنة، أنا سبق أني نشرت فيه مقطع لكنه غير كامل، مقطع في بعض المواقف هكذا موجود الآن في القناة بعنوان تأثير الأحداث أو المشاعر على وجه النبي صلى الله عليه وسلم، اللي هو في هذا من دقة ملاحظة الصحابة ومن حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم يصفون وجه النبي صلى الله عليه وسلم مع الأحداث، أنه هنا سر وجهه، هنا غضب حتى احمر وجهه، هنا كذا، يعني تنقل هذه الأشياء، وهذه أشياء لا توجد في غير الإسلام، ما هي موجودة لغير النبي صلى الله عليه وسلم، مثل هذا الهدي التفصيلي اللي في كل شيء، كل حركة كل سكنة كل شيء.

فهنا طبعاً إيش الفائدة من هذا التتبع، تتبع أحوال وجه النبي صلى الله عليه وسلم؟ هناك فائدتان: الفائدة الأولى المحبة، يعني من صور العناية الناتجة عن المحبة أن أعتني اعتناءً تفصيلياً بأحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذه المحبة لا توجد محبة بشرية موجودة في هذا الكون كحب المسلمين لنبيهم صلى الله عليه وسلم، هذه المحبة لها مقتضيات، بعضها مقتضيات واجبة مثل الاتباع، وبعض مقتضيات ليست بواجبة ولكنها من كمال المحبة، منها هذه التعرف التفصيلي على هديه وتتبع أحواله صلى الله عليه وسلم، هذه من المحبة. هذه الفائدة الأولى، الفائدة الثانية هي معرفة -وهذه مهمة يا جماعة- معرفة الأعمال التي أوجبت تغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغضب أو إلى الحزن واجتناب هذه الأعمال ومحاربة هذه الأعمال والتضييق على هذه الأعمال وإبعاد هذه الأعمال لأنها كانت سبباً أو كان مثلها سبباً في حزن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعكس ذلك الأعمال التي كانت تفرح النبي صلى الله عليه وسلم وتسعده وتسر وجهه صلى الله عليه وسلم تطلب وتتتبع ويعمل بها.

ومن هذا الحديث وبهذا الاعتبار ومن هذه الزاوية نقول إن وجود المحتاجين من أمة النبي صلى الله عليه وسلم ممن تنزل بهم الفاقة والشدة والأحوال الصعبة، هي مما كان يحزن النبي صلى الله عليه وسلم رحمك الله، وإنقاذ المستضعفين أو من نزلت بهم مثل هذه الفاقة وسد حاجاتهم وسد خلتهم هو مما كان يسعد النبي صلى الله عليه وسلم ويجعل وجهه مستنيراً أو مسروراً. فالسعي في سد حاجات الفقراء المحتاجين من نزلت بهم الأحوال من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا مما كان يسعد المصطفى صلى الله عليه وسلم، هذا وجه من وجوه فوائد تتبع مثل هذه الأحوال، ومن هنا نقول إن ما أخبر عنه في هذا الحديث هو خبر يدفع المؤمن يدفع المحب للمصطفى صلى الله عليه وسلم أن يكون له سهم في تفريج كربات المسلمين، خاصة إذا كانت هذه الكربات عامة، خاصة إذا كانت الكربات العامة نزلت بسبب الأعداء وبسبب تسلطهم عليهم.

ولذلك يا جماعة إحنا نقول اليوم العمل مع اللاجئين سد حاجاتهم، كسوتهم في الشتاء، شراء الخيم أو المأوى لهم، إطعامهم، هذا كله ترى من الأعمال الصالحة التي حين عمل مثلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم سر وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم وزال عنه الهم وزال عنه النصب، مما يلتمس به في الآخرة أن يلقى الإنسان النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسرور راض عنه إلى آخره. هذه الآن فائدة من فوائد الحديث.

كذلك من الفوائد أيضاً في الحديث أهمية تحريض المؤمنين على الإنفاق وعلى التفاعل مع قضايا الأمة قضايا المحتاجين والنوازل التي تنزل. جيد، فإن هذا مما يهم النبي صلى الله عليه وسلم، اهتم لأجله، تمعر وجهه، دخل ثم خرج، نادى في الناس، خطب الناس يا أيها الناس وذكر بالآيات وحث. بعدين يأتيك اليوم بعض المنحرفين من بعض المنتسبين إلى العلم والمشيخات: إيش أشغلتونا بهالقضية؟ فقه الواقع ما أدري إيش، أهم شيء تتنزه من البول وتعرف كيف كذا، والله ما حيسألك في قبرك عن فلسطين وما راح يسألك في قبرك عن قضايا الأمة. طيب النبي صلى الله عليه وسلم يهتم، يتمعر وجهه، يدخل يخرج ينادي في الناس: أيها الناس تصدق رجل من كذا تصدق، ثم لما جاء المسلمون سر وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تقول لي بعد ذلك والله مو لازم تنشغل؟ لا لازم أنشغل لهذا، إذا كان مجرد أناس فقراء حال حالتهم بئيسة رآها النبي صلى الله عليه وسلم فكيف إذا اجتمع مع ذلك أنه تسلط عليهم الأعداء وقهرهم واغتصبوا أرضهم وقتلوا أطفالهم ونساءهم وهدموا المساجد وهدموا بيوت الله ودنسوا المصاحف وسبوا الدين ويريدون أن يتوسعوا في الأرض، ثم بعد ذلك تقول والله لن يسألك الله عن هذه الأحوال أهم شيء أنت تتنزه من بولك وهذا اللي راح إلى آخره.

وهذا القول يؤصل اليوم من بعض المنتسبين للعلم الشرعي ممن ظلوا وأضلوا كثيراً في هذا الواقع، ومحاربة مثل هذا الخطاب هو من الواجبات الشرعية ومن القربات إلى الله سبحانه وتعالى، لأن في هذا الخطاب تحريفاً للدين وإلغاءً لأولويات اهتم بها النبي صلى الله عليه وسلم، وتأصيلاً لفقه لا أقول فقط فقه انهزامي -هذا تقليل من المصيبة أنه بس أقول فقه انهزامي- لا، هو أعظم من أن يكون مجرد فقه انهزامي، هذا فقه مشوه للدين ومشوه للفطرة ومشوه لما في الإنسان من مشاعر الغيرة والنخوة والنجدة التي يرعاها الإسلام وينميها الإسلام، ثم تجد من يحارب هذا الخطاب بمثل هذه الطريقة وبمثل هذا البرود في وقت تنتهك فيه الحرمات ويحارب فيه الإسلام.

الله سبحانه وتعالى يغار على دينه ويغار على أمته وعلى أمة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولذلك شرع الله الجهاد في سبيل الله، والجهاد تتلف فيه النفوس وتذهب فيه المهج والأرواح، ومن الأسباب الباعثة للقتال لأجل المستضعفين قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ. القتال لأجل نصرة المستضعفين هو قتال شرعي، يعني احنا نأخذ الآن المعنى أنه ترى لأجل وجود المستضعفين شرع الجهاد كواحد من البواعث للجهاد، والجهاد ماذا فيه؟ فيه تلف الأرواح والنفوس، فمعنى ذلك أن هذه القضية كبيرة جداً في الإسلام. شاهد أن هذا الحديث الذي أتى فيه قوم من مضر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهم على تلك الحال الصعبة في الفقر والحاجة فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم ثم كما انظروا اللفظ يقول: فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب وقال، وذكر بقية الحديث، وقبل ذلك قال: فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم، مثل هذا الحديث حقيقة يبين قيمة مثل هذه الأحداث وأهمية التفاعل معها.

طيب، في هذا الحديث أهمية تحريض المؤمنين وحظ المؤمنين للتفاعل مع قضايا الأمة ولتقديم المعونة للمحتاجين من الأمة الإسلامية. الآن الصحابة يا جماعة رأوا هؤلاء الفقراء، صح، لكن لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد رؤية الصحابة لهؤلاء، لازم من التحريض، ودائماً تجد في الوحي أنه حتى لو كان في سبب خارجي يبعث على الحركة والعمل فلا يكفي، بل لابد من الحظ والتحريض: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ. حتى لو كان هناك سبب موجب، التحريض هذا مهم، فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ. وهنا فقام النبي صلى الله عليه وسلم وخطب حث وحظ، هذا واجب شرعي واحد من الواجبات الشرعية أوقات النوازل، دور التحريض دور الحظ دور حث المؤمنين على فعل الواجب، فهذا يؤخذ من هذا الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو دور شرعي مهم جداً يتبع فيه النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، من هذا الحديث فائدة أخرى أيضاً مهمة في التفاعل مع مثل هذه القضايا وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره ولو بشق تمرة. هذا التنويع في وجوه الإنفاق أو خلينا نقول في طبيعة ما ينفق ويقدم من الأعلى الدينار تصدق رجل من دينار دينار من الذهب تصدق رجل من درهمه الدرهم من الفضة ثم بعد ذلك من ثوبه ثم من صاع بره ثم من صاع تمره ثم قال حتى لو بشق تمرة. هذا التنويع مهم جداً في الخطاب التحريضي للأمة عند النوازل، أنه ما يطلب منها درجة واحدة فقط في العمل والفعل والاستجابة، وإنما يجب تنويع الدرجات، قادر على الإنفاق أنفق، قادر على النصرة بالنفس انصر، اللي قادر على الخطاب الإعلامي خاطب إعلامياً، اللي قادر على المقاطعة قاطع، اللي قادر على ما أدري إيش، فهمتوا الفكرة؟ يعني تنويع درجات المساعدة هدي نبوي، وهذا يختلف مع الذين لا يحبون مثل هذه السعة يريدون شيئاً واحداً يعمله الجميع، لا، يكون هذا صعب خاصة في الأوقات التي إما أن تقل فيها مؤونة الناس أو ما في أيديهم بسبب الإشكالات الاقتصادية أو بسبب الظروف السياسية التي تمنع كثيراً من الناس أو أغلب الناس عن القيام بالواجبات على صورتها الكاملة، فهنا لا يستغنى عن الواجب الأدنى لعدم إمكان القيام بالواجب الأعلى، وهذا خطاب انهزامي يقدم اليوم أنه خلاص يعني ما دام ما تقدر تقدم الواجب الأعلى فما في فائدة من هذا الكلام ما في فائدة من الواجبات الدنيا.

يا جماعة الخير ما يقوم به الإنسان من نصرة المسلمين والمستضعفين ليس بالضرورة أن يكون الهدف منه هو إنهاء المشكلة بالكامل، وإنما قد يكون الهدف منه هو القيام بالواجب، القيام بالواجب، ولا شك أن الهدف الأساسي هو تفريج الكربة، لكن حتى لو كان الشيء الذي تخرجه لن يغير المعادلة لن يؤثر تأثيراً كبيراً، ولكن يدل على حرارة إيمانك وعلى أنك فعلت ولو شيئاً يسيراً، فهذا من الإيمان ومما يحبه الله ورسوله، ولذلك.

نأتي هنا للسؤال: هؤلاء قوم أتوا وفيهم هذه الحال، والنبي صلى الله عليه وسلم يحث على الصدقة ولو بشق تمرة، شق تمرة! نصف تمرة، ماذا تعني لهؤلاء؟ أو ماذا تعني لهؤلاء الفقراء الذين أتوا؟ شق تمرة، تخيل أنت المشهد؛ هؤلاء القوم ما نعرف كم، لكن خلونا نفترض أنهم حول العشرين ولا الثلاثين، حالتهم شديدة جداً، حفاه عراة إلى آخره، وأنت الآن ما عندك إلا شق تمرة، ما عندك إلا شق، عندك تمرة واحدة نصف سددت به فاقك وجوعك، والنصف الآخر تبرعت به لهؤلاء، إيش تخيل المشهد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا تخيل واحد جايب شق تمرة تبرع بها، إيش تؤثر بالنسبة لهؤلاء المحتاجين؟

الفائدة الكبرى حقيقة نستفيدها من هذا أنه اعمل، اعمل ولو بشق تمرة، اعمل، مو لازم هذه شق التمرة تغير المعادلة، لكن لازم تعمل شيء، أنت لازم تقدم شيء. أنا أذكر زمان نشرت منشوراً عن هذا الحديث كان بعنوان: تعني وإن كانت لا تغني، هي تعني وإن كانت لا تغني، لا تغني الفقير أو المحتاج، لكنها تعني؛ فيها معنى حرارة الإيمان، فيها معنى أنك فعلت شيئاً، فعلت شيئاً، هذا مهم جداً يا جماعة. ترى ممكن تكون هذه المعاني معروفة ما هي جديدة، لكن المهم أننا جالسين نربطها بالأدلة الشرعية، جالسين نربطها بالوحي، نربطها بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الذي أنا حريص عليه، أنه يبين؛ ليش؟ لأنه فرق بين أن تعمل الشيء بمجرد الاستجابة العاطفية، وبين أن تعرف أنه هذه سنة نبوية، وحتى يسكت بعض المجرمين من المحرفين للدين والمؤولين لفقه الانهزام، تحريف الدين تجاه قضايا الأمة. هذه أدلة شرعية، هذه أدلة واضحة، مهم حتى نحن يا جماعة لما نتكلم عن إصلاح وإصلاح قادم وحملة مصلح، نتكلم عن حملة مصلحين وأنه إن شاء الله بإذن الله هذه الأجيال الجديدة سيكون بإذن الله لها ثمرة كبيرة إلى آخره، ترى نحن من السمات الأساسية التي نريدها في مثل هؤلاء الشباب امتلاك البرهان، امتلاك الدليل، امتلاك الحجة، ما يصلح أن تكون حالة عاطفية مجردة، لازم تكون حالة فيها برهان، فيها دليل، فيها مستندة على مرجعية الوحي وتنطلق بهذا النور، وهذا الانطلاق بهذا النور يجعل على الحق نوراً، ويجعل له قوة، ويجعل لصاحبه ثقة وهو يتكلم، وهو يسير، وهو يؤصل، وهو يعمل، وهو ينصر دين الله سبحانه وتعالى.

هذا الاستناد إلى مرجعية الوحي فيه نور، فيه بركة، فيه خير. وكما قلت من سمات الإصلاح القادم الذي نؤمل إن شاء الله أن يتحقق أن يكون أبناؤه وأن يكون أصحابه من أصحاب الحجة والبيان والبرهان، وهذه الحجة والبيان والبرهان منطلقة من مرجعية الوحي، وهنا تأتي أهمية توسيع الاستفادة أو الاستنباط من مرجعية الوحي بأن لا ينحصر هذا في أبواب الأحكام فقط، وإنما مهم أن يتصل بأبواب نصرة الدين وما إلى ذلك، ومن هنا حقيقة كان الحرص في كتاب المنهاج ميراث النبوة على تسمية بعض الأبواب التي لا يستدل عادة بالسنة عليها؛ مثل باب المسؤولية العامة تجاه الإسلام والمسلمين، مثل هذه الأبواب التي فيها ربط مسؤولية الإنسان تجاه القضايا الواقعية، ويكون أدلة عليها من الكتاب ومن السنة، فهذا من الأمور المهمة جداً.

طيب نحن الآن هذه الفوائد، نحن ما أتينا إلى الفائدة الأساسية التي لأجلها أخرج النووي هذا الحديث في هذا الباب، الباب هو باب من سن سنة حسنة أو سيئة، وهي مأخوذة من لفظ الحديث. طيب الآن قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن جاء هؤلاء الأنصار وهؤلاء الناس من الصحابة، مبادرة يعني الذي بادر هو رجل أنصاري بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، لما جاء هذا تتابع الناس، كأنه هو هذا الشخص هو الذي نقل القضية عندهم من الفكرة إلى التطبيق، يعني عارف القدوة العملية البادرة. طيب أول شيء قبل ما نروح لمن سن، يعني بنفس اللفظ هذا هنا في فائدة مهمة أن يا جماعة الخير حتى لو في خطاب من النبي صلى الله عليه وسلم خطاب مباشر: يا أيها الناس، قوموا، افعلوا؛ حتى مع وجود هذا الخطاب الصريح في أهمية كبرى للقدوة العملية التي تؤدي هذا الخطاب الصريح وتمتثل لتكون قدوة للناس البقية اللي سمعوا نفس الخطاب، أهمية المبادرة، أهمية أن الإنسان يكون قدوة مع وجود، يعني مثلاً أنت الآن تفترض تحضر درساً فيه تأصيل فيه بيان فيه شرح فيه كذا إلى آخره، ممتاز، الكل سمع هذا الخطاب، ثم يقوم شخص يمتثل عملياً لأي كان من مقتضيات الحق الموجودة في أي، يعني خلينا نقول كل بيان يحضره الإنسان، هذا الآن له قيمة، يمكن تشابه قيمة الدرس نفسه، مع أنه الكل سمع والكل فهم والكل علم، لكن هذا التطبيق العملي والمبادرة العملية لها قيمة كبيرة عند الله سبحانه وتعالى وفي ميزانه. هذا حدث في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود خطاب النبي صلى الله عليه وسلم.

الآن نحن نقف مع الجملة الأساسية التي أصلاً هي سبب الباب وإخراج الحديث في الباب وهي: مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. ممكن الإنسان يفهم في قول النبي صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة، أنه هذا في الإتيان بشيء لم يأت به أحد قبله، وليس فيه حديث للنبي صلى الله عليه وسلم ولا فيه آية من كتاب الله، وإنما مثلاً يعني واحد اخترع شيئاً -ما أقول لك شيء قضية شرعية لا- وإنما اخترع صورة من صور التطبيقات، تعرفوا مثلاً وسائل الدعوة واسعة ومتنوعة، واحد اخترع وسيلة دعوية معينة مثلاً فاقتدى به الناس بسببها، ممكن الإنسان يظن أنه هذا الذي ينطبق عليه الحديث، صح أنه سن في الإسلام سنة حسنة، واضح، مثلاً اخترع وسيلة للدفاع عن بلاد المسلمين مثلاً قال والله هذا سنة في الإسلام سنة حسنة، طبعاً هذا داخل في النصوص الشرعية عامة، لكن هذه وسيلة معينة فاقتدى به مثلاً بقية الشعوب المسلمة ولا بقية، فهنا هذا الآن واضح في الحديث صح، لكن العجيب أن الحديث جاء في صورة ليست من هذا الباب، بل أقل منه بكثير، تخيلوا النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث الآن يقول لهم: أنفقوا، واحد يمتثل، أول واحد يقول: من سن في الإسلام سنة حسنة، يعني كأنه أي شخص يفعل فعلاً حسناً يقتدي به الناس ولو كان هذا الفعل ليس جديداً من حيث أنه هو وسيلة جديدة ولا مبتكرة، لا لا فعل شرعي جديد أقصد فعل شرعي عمله فاقتدى به الناس يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة، هذه يعني هذا باب عظيم جداً في قضية المبادرة والفوز بالأولية في الفعل الشرعي الذي يقتدى به من الناس، فهذا يعني فيه فضل عظيم، إيش هو الفضل؟ كل من عمل بعد هذا الإنسان بمثل عمل هذا الإنسان بسبب عمل هذا الإنسان فإن له من الأجر مثل أجور من تبعه، كم تبعوه؟ خمسة له أجر خمسة، مئة له أجر مئة، 500 ألف له أجر 500 ألف، ملايين له أجر ملايين، وما عند الله لا ينفد: مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ. هذا وإن وجود وسائل التواصل الحديثة وطبيعة تفاعل الناس معها وإمكان وصول إلى شرائح كثيرة يهيئ الإنسان لأن يسن سنناً حسنة يقتدي به الناس فيها، يدعو الناس فيها إلى أشياء يمتثلون بسببها، قد تكون وسائل أو الوصول إلى شرائح وأمم لم يتح لكثير من الأمم السابقة ولمن سبقنا من الأئمة والعلماء أن يكون لهم مثل هذه المنابر التي تتيح للناس تطبيق هذا الحديث بهذه الدرجة وبهذه السعة، من سن في الإسلام سنة حسنة.

طيب وكما أن هذا في من سن سنة حسنة، فنسأل الله العافية، من سن في الإسلام سنة سيئة نسأل الله العافية لا يكفي أن الإنسان يؤزر ويأخذ ذنبه الذي عمله بنفسه، وإنما تجري عليه السيئات بقدر من يعمل بمثل ما عمل، ولذلك جاء الحديث التالي: لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، نسأل الله العافية لأنه كان أول من سن القتل. ومن هذا الحديث يؤخذ أنه ليس بالضرورة لكي يؤجر الإنسان القدوة أو يؤزر، ليس بالضرورة أن يكون المقتدي مستحضراً القدوة، وإنما إن كان له سبب في الخير أو الشر فاتصل ذلك السبب حتى عمل به من بعده، ولو لم يكن الذي جاء بعد مستحضراً فعل الأول، فإن له من الوزر كما أن له من الأجر بقدر هذا الاتباع، فنسأل الله العفو والعافية ونسأل الله من فضله.

ونكتفي بهذا القدر في الوقوف مع هذه الأحاديث في هذين البابين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، وأن لا يحرمنا وإياكم بركة حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الانتفاع بها، ولا التعلم المستمر لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، هذا والله تعالى أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.