تسجيل الدخول

رياض الصالحين 38 | باب في الدلالة على خير | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم يا ربنا صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، نستعين بالله سبحانه وتعالى ونتوكل عليه، ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار السنة المحمدية، وهذا المجلس في أنوار السنة هو المجلس الثامن والثلاثون من مجالس التعليق على رياض الصالحين. وهذه الثمانية وثلاثون مجلسا وصلنا فيها إلى قرابة المائتي حديث، لم نكمل المائتين بعد، ولكننا قريبون من الوصول إلى مائتي حديث، والحمد لله هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى، ومما يسعد الإنسان به قبل غيره، ومما يتغذى به قبل غيره.

والتغذي بمعاني ما أنزل الله على رسوله، والتغذي بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا من أهم ما يحتاجه الإنسان المسلم في كل زمان، وفي مثل زماننا بصورة أكبر. والتغذي بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وبهديه وبآلائه ينبغي أن يكون شاملا، ولا يكون في باب دون آخر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم طبق القرآن، والقرآن موضوعاته كثيرة، وامتثال النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأوامر القرآنية وما نزل في كتاب الله هو النور والنبراس والهدي العملي الذي يقتدى به، ولذلك فهذا هو الدين؛ يعني تعلم سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم هو تعلم للدين، وموضوعات الحديث النبوي هي موضوعات الدين.

ونحن الآن حين نتدارس مثل رياض الصالحين ومثل هذه الأحاديث، أنا أنبه على شيء مهم جدا، نحن لا نعتبر هذه الدروس دروسا في الرقائق والمواعظ والآداب والأخلاق باعتبارها مكملة للعلوم الإسلامية والشرعية، لا، نحن ندرس هذه الدروس باعتبارها من أسس الدين، باعتبار هذه الموضوعات أنها من موضوعات الدين الأساسية. وننتقد وبشكل واضح وصريح من لا يعتني بهذه الأبواب في تدريسه للعلوم الشرعية، ومن يؤسس معهدا شرعيا أو تربية للجيل أو ما إلى ذلك دون العناية بأبواب التزكية وأبواب القلوب وأبواب الهدي النبوي في مختلف المعاني، وأبواب الأدب وأبواب السلوك وأبواب البر والصلة، والأبواب المختلفة التي احتواها مثل كتاب رياض الصالحين؛ من يؤسس مثل هذا البناء دون أن يعتني بهذه الشمولية، فهو وإن كان قد أحسن في جانب إلا أنه قد أساء في جانب، والإساءة هي في عدم أخذ الدين بشموليته.

وبإذن الله تعالى لن أفتأ ولن أمل من تكرار هذا المعنى، وسأعيده مرارا في مختلف الدروس وفي مختلف السلاسل وفي مختلف الموضوعات، وأحمله للطلاب وللشباب وللآباء وللأمهات، وأعتبره من أهم صور الخلل في العصر الحديث في عدد أو في بعض أو في كثير من السياقات الإسلامية. وأعتبر بعكس ذلك أن من أهم صور الإصلاح ومن أهم ما يمكن أن يحدث تغييرا بإذن الله تعالى في الواقع، هو أن يعاد البناء بشمول.

على أنني أنبه هنا تنبيها مهما متصلا بهذا المعنى، وهو غير منفك عنه، ألا وهو أن الإنسان إن كان يكرر دائما معنى أهمية أخذ الدين بشمول وأخذ الأبواب المختلفة وعدم إبعاد أبواب التزكية والسلوك وما إلى ذلك، والوعي بسبيل المجرمين وما إلى ذلك، إلا أنني أنبه إلى أن هذه الشمولية ينبغي ألا تدخلنا في مزلق آخر، ألا تدخلنا في مزلق آخر. ما هو هذا المزلق الآخر؟ هذا المزلق الآخر هو عدم مركزه المركزيات، وعدم ترتيب الأولويات في الدين، وعدم التفريق بين مراتب الأوامر الشرعية ومراتب النواهي الشرعية ومراتب الأخبار الشرعية.

فها هنا مزلقان، وأزعم وأدعي أن من يتجاوز هذين المزلَقين ويؤسس رسالته الإصلاحية والدعوية مراعيا تجاوز هذين المزلَقين وباني رسالته بعكس هذين النقص، فأنا أزعم بل وأنا ضامن إن شاء الله أن هذا من أعظم ما يكون من الخير، ومن أعظم ما يكون حتى من الأثر والبركة بإذن الله تعالى؛ فالخلل في البناء الشرعي والإسلامي أغلب ما يأتي إنما يأتي من أحد هذين البابين: إما من النقص في موضوعات البناء، فالبناء لا يكون شموليا، وإما من التسوية بين الموضوعات الشرعية وعدم تقديم الأولويات منها.

فمثلا من صور النقص واضحة ولها أمثلة كثيرة في الواقع، يأتي تأسيس مثلا فقط العناية بالفقه والعقيدة مثلا، باعتبار أبواب معينة اصطلح عليها في التراث الإسلامي، خلاص، هذا التأسيس هذا نقص واضح، يعني أين بقية الموضوعات؟ ما يدرسها، وأمثلته في الواقع كثيرة جدا. الصورة الأخرى للنقص الثاني التي هي عدم التفريق بين المقامات، موجودة في العصر الحديث، هناك من اعتنى بقضية السنة وإحياء السنة والعناية بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والعناية بالأحاديث وحتى الاجتهاد في تصحيح الأحاديث بمجموع الطرق وكذا والحسن لغيره، والتحذير من أن هذه ترى سنة ما تعرفوها، والحديث ترى فيه احتمال لتحسين وفي احتمال كذا، والتكثير لهذه القضية، لكن صار نتيجة هذه الدعوة دون فقه الأولويات صار في كثير من الأتباع عدم قدرة على التمييز الفقهي بين المحكمات والمتشابهات، بين الأولويات وما بعدها، بين الفرائض وما دونها، بين حتى ما يتعلق بهل هذا الأمر والنهي، هل هذه السنة ما فقه تنزيلها، هل هي مرتبطة، هل لها شروط ليس لها شروط، إلى آخر.

أما إذا تجاوزنا هذين الإشكالين، فأنا أزعم بإذن الله تعالى أننا قد تجاوزنا مشكلة كبيرة ومعقدة وعويصة في التاريخ وفي الواقع الإسلامي الحديث في سياق تنشئة طلاب العلم تحديدا، واضح؟ وهذه رسالة أسأل الله سبحانه وتعالى أن تبلغ محلها.

طيب، قال النووي رحمه الله تعالى: الباب الموفِي عشرين في الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة. واضح الآن أن النووي رحمه الله مشغول في هذه الأبواب بموضوعات متقاربة، لأن الباب الماضي كان في من سن سنة حسنة أو سيئة، الآن هذا الباب مشابه: الدلالة على الخير والدعاء إلى هدى أو ضلالة. طيب، والباب الذي بعده أيضا مشابه في التعاون على البر والتقوى، والباب الذي بعده أيضا مشابه باب في النصيحة، الباب الذي بعده أيضا مشابه الباب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واضح يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة والدعاء إلى هدى ومن سن في الإسلام سنة حسنة، نحن أمام أبواب متشابهة وأبواب متقاربة.

وهذا التكرار نحن ما نعتبره تكرارا، هو أصلا لا يعتبره تكرارا، هو يعتبره أبوابا متعددة وإن كانت متقاربة، لكن هذا كله يدل على أن هذا الموضوع مهم، هذا الموضوع له حظ في الدين، يعني لاحظ أبواب مختلفة تؤدي إلى نتيجة واحدة، وكل باب منها فيه آيات وأحاديث، ولا شك أنه ومن يتذكر أبواب أو سلسلة التزكية للمصلحين، ذكرت في أول درس أن التزكية مركزية، ثم ذكرت كيف نعرف المركزية في الشريعة، فقلت: إن من وسائل معرفة المركزية تكرارها، أن يكثر ذكره في الكتاب والسنة.

جيد، وبالتالي هنا يكثر هذا التكرار؛ كل باب فيه مجموعة من الآيات والأحاديث، والذي بعده مجموعة من الآيات والأحاديث، والذي بعده هكذا، وكلها في نفس المؤدى والنتيجة، إذا نعرف أن هذا الباب هو باب مهم في الشريعة ومهم في الوحي، وهو ما يتعلق بالدعوة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ هذا مما يؤخذ من هذا التكرار.

قال: الباب الموفي عشرين في الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة. قال الله تعالى: وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ، وقال: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وقال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وقال تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ. هذه مجموعة من الآيات التي فيها أهمية الدعوة وانشغال الإنسان بالدلالة إلى الخير والدعوة إلى الخير.

ومن اللافت في الآيات القرآنية التي فيها الدعوة، وهو من المعاني الجميلة والمهمة، أنه أنتم لاحظتم الآن الدعوة إلى ماذا في الآيات؟ إلى ربك، بعدين إلى سبيل ربك، بعدين إلى الخير. جيد، أنا أبغى آخذ الأول الذي هو "إلى ربك"، هذا الذي قصدت أنه ترى من الآيات في الدعوة: الدعوة إلى الله، الدعوة إلى الرب سبحانه وتعالى. طيب، يعني إيش الدعوة إلى الله؟ هو العنوان الأشهر اليوم، نحن نقول دعوة إلى الله، يعني هل تفكرنا بهذا المعنى؟ الدعوة إلى الله، هل تعرف أنت يعني إيش الدعوة إلى الله؟ هل استوعبنا شرف هذا العنوان؟ استوعبنا شرف هذا العنوان؟ بالمناسبة هذا العنوان ترى فيه ضبط منهجي وضبط بوصلة في ترصيص للإنسان أنه ما يروح يمين ولا يسار في الدعوة، الدعوة إلى الله، هذا ترى إطار عظيم جدا يحكم مسيرتك الدعوية، يحكم مسيرتك الإصلاحية.

وبالتالي من الفوائد فقط في ضبط هذا الإطار، ضبط كلمة الدعوة إلى الله، من الفوائد التصحيح الدائم للنية. أنت عملت درسا، لماذا؟ أنت عملت درسا، لماذا؟ هل أنت تصنفه ضمن الدعوة إلى الله ولا لا؟ والله ممكن تكون مصنفة بالاعتبار العام، بس تنسى، يعني عارف ما. طيب، الآن قد لا تكون مرائيا، تكون مخلصا في الدرس، مركز في الموضوع لأنه شريف، هل هذا يدخل في الدعوة إلى الله أو لا يدخل؟ نعم، يدخل في الدعوة إلى الله بالاسم العام، بحكم أن نيتك خالصة لله وتدعو إلى خير.

جيد، لكن فرق بين أن تكون مستحضرا معنى وإطار الدعوة إلى الله وبين أن لا تكون مستحضرا، فإذا كنت مستحضرا سينعكس هذا عليك في الدرس حتى باختيار المعاني واختيار الألفاظ، لأنك تستحضر معنى الدعوة إلى الله، حتى لو كان الدرس في باب النكاح أو الطلاق فقهي، إذا كان درسا فقهيا، ومن يتأمل في القرآن سيجد أن مثل هذه الأبواب وإن كانت في النكاح والطلاق والعدة، إلا أنها مرتبطة بالله سبحانه وتعالى في القرآن، ولذلك تقرأ الآيات وفيها كلها أسماء وصفات: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وإلى آخره عن علم الله، واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه، وإلى آخره من الآيات التي هي مرتبطة بأحكام الطلاق وما يتعلق بها.

إذا هل يمكن لي وأنا حتى أدرس الدرس الفقهي أن أستحضر أني أدعو إلى الله؟ نعم، لكن إذا كانت هذه النية موجودة، اربط، لا تكتفي ببيان الحلال والحرام، اربط بين هذه الأحكام وبين مقاصدها وحكمها الشرعية، وإذا تكلمت عن النكاح والطلاق في أحكامها، فذكر بما يذكر الله به في القرآن وبما يذكر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني لا تخلي القضية أن الطلاب يأخذون الدرس بصيغة أوامر ونواهي وأحكام، يجوز أو لا يجوز وانتهينا، ذكرهم بالله، ما هي المقاصد لهذا؟ رعاية حق الزوجة، رعاية حق الزوج، والتذكير بتقوى الله سبحانه وتعالى، فيما حتى ترى الله سبحانه وتعالى ما يذكرها، فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، فرق بين الآيات لما تجي بين الأحكام لما تجي وهي "إن ظنا أن يقيما حدود الله"، "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ"، وبين أنه تأتي أنه مثلا إذا جاءت الطلقة الثانية أو جاء طلقها الطلقة الثالثة أو كذا وترجع وما ترجع وكذا، وتزوجها، بس أحكام مجرده.

في فرق، ولما تجي تقول "إن ظنا أن يقيما حدود الله"، هل تعرف ما معنى حدود الله؟ حدود الله في النكاح والطلاق، فهمت الفكرة؟ وهذا يا جماعة يعني إحياء ضروري جدا يحصل في الأمة الإسلامية وضروري يحصل في المعاهد الشرعية، وضروري ما يصير أنه لأنه هذا ما اعتدنا عليه خلاص هذا هو المتوارث، وخلاص هذا وحاشية ونظم وخلصنا، وفكك العبارات وانتهينا، ما يصير، يعني هذا كله جيد ما ينتهي بس يزاد عليه بيان المقاصد، بيان ما يرقق القلب، بيان ما يبعث على الامتثال.

إيش فائدة التدريس هذا عشان تدرس؟ أنا أدرسك عشان تدرس ولا عشان تمتثل في الأساس؟ أنت كطالب علم تتلقى نفس الشيء، تذكروا كنا دائما نتكلم باب الأسماء والصفات، ما يصير أنت لا تدرس أبواب الأسماء والصفات إلا في نقاش المعتزلة والجهمية وما يتعلق، ما يصير غلط، ليس لهذا تكلم الله عن أسمائه وصفاته، ليس لهذا المعنى أنزلت آيات الصفات. طيب حصلت مخالفة، ممتاز، نبعد هذه المخالفة، نرد عليها بالقدر الذي يبعدها عن أن تكون مؤثرة في عقول المسلمين، ثم خلاص خلصنا ردينا، يلا إيش المقصد الحين؟ نبدأ الآن، نبدأ في بيان المقصود الشرعي، صح ولا لا يا جماعة؟ صح ولا كأني أقول كلام غلط؟ فهمت الفكرة؟ يعني ترى حقائق كبرى وواضحة ولكنها غائبة عن كثير من الميادين، ولشدة وضوحها ولشدة غيابها تقول: يا جماعة فاهمين يعني؟ صح ولا غلط ولا مستوعبين القضية أو غير مستوعبين؟

جماعة هذا مهم وضروري، وهذا إحياء شرعي في الأمة ضروري جدا، إذا فعلا أردنا أن تعود الأمة ربانية فلا بد من هذا الإحياء، والميزة في هذا الكلام أنه ماني جالس أقول: وهذه مقاصد مخترعة وهذه لا لا، أقول لك هذا هذا كتاب الله، كيف عرضت الأحكام الشرعية فيه؟ اعرض الأحكام الشرعية حين تدرسها بحدود ما عرضها الله أو بينها الله سبحانه وتعالى، واستفد من هذه التلخيصات والتقريب التي اعتنى بها أهل العلم وسارت عليه الأمة، فهي ضرورية في تقريب العلم وتسهيله وترتيبه واستخلاصه وفي فهم كلام العلماء، كلها مهمة، لكن لا ينبغي أن تدرس.

مجرده يجب أن يضاف عليها ما يجعل هذا الفقه يعني يناسب القلوب ويخوف الناس في الحلال والحرام ويرغبهم، وإن أردت يعني التأكد من ذلك فراجع آيات الأحكام في كتاب الله، ليس فقط النكاح والطلاق، راجع آيات الأحكام المختلفة، لا تكاد، شوف لا تكاد وراجعوا لا تكاد تجد موضعاً في كتاب الله فيه آيات أحكام إلا وفيه ربط بالله وأسمائه وصفاته وعظمته وحكمته وعلمه وعزته وإلى آخره. لا تكاد تجد موضعاً في كتاب الله فيها آيات الأحكام إلا وتجد هذا الارتباط، كذا ارتباط بين العبد وربه في هذه الأحكام، أما في ارتباط بين العبد وربه ها، وأما في بيان حكمة الله في تشريع مثل هذا الذي هو الربط بالأسماء، يعني مجرد ترى أنه مثلاً يأتي في نهاية الآية مثلاً: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، ترى هذا ربط الآن بأنه هذا الحكم ترى له مقاصد، له حكم، ترى الذي شرعه هو الحكيم هو العليم، هذا معنى يجب أن يتلقى هذا من جهة.

ومن جهة أخرى أيضاً وهي موجودة في آيات الأحكام التخويف والتذكير بأهمية الالتزام، حتى أنا أقول يا جماعة يعني لما أقول آيات النكاح والطلاق قد لا يخطر في بالك أن هذا الباب يعني يحصل فيه مثل هذا التخويف، يعني مثلاً: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ، يعني موضوع حتى في الأبواب الفقهية يعني وموضوع يعني ليس فيه ربما كلام كثير خاصة في المتون المجردة وموضوع يعني ليس من الموضوعات الكبرى صح ولا لا؟ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ، هذه الآن خطبة النساء وقت العدة، هذه المسألة أنه لا يجوز خطبة النساء وقت العدة، ممتاز هذه المسألة، هذه الحطة فرق بين أن تأخذها ولا يجوز خطبة المرأة قبل انقضاء عدتها، ممكن بعدين تجي هذا الآن المتن، بعدين تجد في الحاشية ولا في الشرح لقول الله سبحانه وتعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ، وإنما طبعاً يجوز التعريض ثم يشرح لك العلماء معنى التعريض الجائز في وقت العدة، لا يجوز التصريح ولكن يجوز التعريض، ما هو؟ والله مثلاً يقول الفقهاء: والله يرغب في مثلك، مثلاً مثل هذا الكلام اللي هو يعتبر تعريضاً وليس تصريحاً، مثلاً أو أكننتم في أنفسكم، خلاص هذه الآن هذه الحدود التي تدرسها في الفقه صح.

طيب يلا ادرسها في القرآن، أكمل الآية: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، هذه الآن لسه في التفاصيل طيب، أكمل: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. تخيل أنت هذه يعني الآية هذه ممكن يعني: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ، ممكن يجي في بالك أنه هذه مثلاً تأتي في يعني التحذير من الكبائر التي عارف ممكن الإنسان وقع فيها وتمادى، فيذكر في أهل الفجور ولا في أهل كذا، يذكر أنه: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ. تخيل هذه الآية تأتي مذيلة لحكم الخطبة وقت العدة ويعرض أو ما يعرض بها ولا يصرح ويذكر ولا تواعدوهن سراً، وهكذا. طيب أنا لازم أدرس هذا الباب لازم أدرس بهذه الخاتمة، غلط ولا صح يا جماعة؟ في غلط في الموضوع يعني في غلط لو إذا درست هذا الحكم بعدين قلت ومما ينبغي أن يراعى في مثل هذه المسائل أن الله يطلع على ما في النفوس ويطلع على ما في السرائر، فإن الله سبحانه وتعالى حين ذكر هذا الحكم في كتابه قال في نفس الآية: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ، وإذا كان هذا قد جاء فيما يتعلق بالخطبة والتعريض فمن باب أولى أن يكون في المعصية الصريحة وفي كذا وإلى آخره، وفي الفجور كذا وإلى آخره، وإذا كان هذا جاء في هذا الباب فأيضاً يأتي في أبواب أخرى ويذكر الإنسان صح ولا لا يا جماعة؟ إذاً الخلاصة هي أننا الحين كل هذا الكلام دخلنا إليه من نافذة الدعوة إلى الله، لما نفهم هذا الكلام يتوسع لدينا مفهوم الدعوة إلى الله، ولا ينحصر مفهوم الدعوة إلى الله بناءً على ذلك، لا ينحصر في أيوه أنه الدعوة إلى الله أنه تروح إلى قوم فساق وفجار وتدعوهم إلى الصلاة وتدعوهم إلى التوبة فتقول دعوت إلى الله، ولا ينحصر مفهوم الدعوة إلى الله بناءً على ذلك في أن تدعو غير المسلمين إلى الإسلام، فتقول لهم هذا هو الإسلام وهذا هو الدين الحق ودينكم باطل وكذا وإلى آخره. هاتان الصورتان واضح في الدعوة إلى الله، لكن لما تفهم هذا المفهوم بشكل جيد يصير عندك الدرس الفقهي دعوة إلى الله ودلالة على الخير وتذكير بالله، ويصير عندك الدرس العقدي، ويصير عندك الدرس الكذا إلى آخره، واضحة الفكرة؟

هذا الآن فقط في نافذة واحدة من كلمة الدعوة إلى الله، نافذة إحنا قلنا نافذة أيش؟ مين يتذكر؟ مين يتذكر الدرس هذا؟ ما أسألكم على الدرس اللي قبل الماضي، قلنا النافذة الأولى أي ضبط الإطار من أي ناحية، قلنا في هذه الناحية الأولى من ناحية الاستحضار وقت الدرس، استحضار لهذا المفهوم، إحنا قلنا الدعوة إلى الله هي إطار ضابط من جهات، الجهة الأولى من جهة الاستحضار، يعني قلت في نفس المعنى أنه لو كان هناك مثلاً درس وفي جملة الدعوة إلى الخير لكن دون استحضار معنى الدعوة إلى الله فهو داخل في الدعوة إلى الله في الجملة لكنه ليس كمثل الاستحضار، فإن الاستحضار لو حصل أيش قلت؟ سينعكس على مفردات الدرس، سينعكس على مفردات المعاني، أصلاً سينبهك أيها المعلم، سينبهك إلى معاني لا ينتبه إليها المعلم الشرعي الآخر الذي لا يستحضر معنى الدعوة إلى الله في دروسه، وهذا من الدعوة إلى الله تحديداً، ومن هنا دخلت إلى قضية آيات الأحكام لأن آيات الأحكام من أظهر المواضع القرآنية التي فيها الكلام عن الله سبحانه وتعالى وعن أسمائه وصفاته، واضح؟

طيب هذا الوجه الأول من الإطار الضابط من كلمة الدعوة إلى الله، اللي هو في الإطار الاحتسابي والاستحضار، الوجه الثاني من الإطار الضابط اللي هو الضبط المنهجي لبوصة الدرس وبوصلة المسيرة الإصلاحية، ليس فقط الآن أنك أنت محتسب ومستحضر، لا الفكرة أنه في المسيرة بعد سنوات هل ظلت دعوتك إلى الله أم أن الدعوة صار فيها يمين وشمال؟ تمام، فهنا ميزة استحضار هذا المعنى أنه يظل يذكر الإنسان بالرجوع إلى الطريق الصحيح في دعوته، أنه ترى تروح يمين تروح شمال ترى في الأخير هي دعوة إلى الله، هذا الصح، هذا الصح، هذا المحكم، هذا الطريق اللي ما في غلط، هذا الصح، فإذا كملت الآية التي ما ذكرها النووي هنا، طبعاً إذا كملت الآية سيزداد الصحيح صحة والصواب صواباً، وهو أيش؟ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ، تجي هنا عَلَىٰ بَصِيرَةٍ لأنه أَدْعُو إِلَى اللَّهِ هذه في النية صح والباعث والمحرك، عَلَىٰ بَصِيرَةٍ هذا الضابط يعني ينير الطريق بحيث أنه ما يصير أنت عندك مجرد نية خالصة وصالحة وهذا ممتاز، وإنما عندك بصيرة في تحديد معالم ما يدخل في الدعوة إلى الله ومعالم ما قد يكون خطأ وإشكال، وإن كنت صادقاً وهذا قد حصل في التاريخ في مثل الخوارج وغيرهم، هذا أمر أيضاً ينبغي استحضاره، هذه الفائدة يعني خلينا نقول في الآيات أو واحدة من الفوائد من الآيات التي أوردها النووي رحمه الله في بداية هذا الباب.

ثم نأتي لحديث قال رحمه الله: وعن أبي مسعود عقبة بن عمر الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله"، رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً"، رواه مسلم.

هذان الحديثان فيهما فضل عظيم وثواب جزيل وكبير من الله سبحانه وتعالى للمؤمن الداعي إذا استجاب له الناس واتبعوه على ما دعا إليه من الخير، وهذا يفتح لنا باباً كبيراً ويدلنا، هو هذه النصوص مع النصوص الأخرى الشرعية المختلف ما جاء يدلنا على قاعدتين كبيرتين مهمتين؛ القاعدة الأولى هي في أن المؤمن مكلف بالدعوة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن لم يستجب الناس ويتبعوا، صح؟ القاعدة الثانية أن الإنسان ينبغي عليه أن يحرص وأن يجتهد وأن يتخذ الأساليب المناسبة التي تؤدي إلى نتيجة أن يستجيب الناس وأن يتبعوا هذا الخير الذي دعي إليه، وأن هذا لا يتعارض مع مبدأ التكليف والعبودية، فأنا مطالب بالأمر، مطالب أن أدعو تعبداً لله وإن لم يستجب أحد، ومطالب أن أحرص على أن يستجيب الناس، فإذا استجابوا فإن هذا أعظم في الأجر، فإذا استجابوا فإن هذا أعظم في الأجر، وإذا لم يستجيبوا فإن الأجر بإذن الله تام لأنني امتثلت ما أمر الله به، لكن الميزة لو استجاب الناس أنه تحصل هناك أبواب من الخير، أبواب من الأجر، أبواب من الثواب لا تتحصل بمجرد الدعوة، وإنما تتحصل باتباع من دعا، وأن هذا الثواب وأن هذا الأجر المترتب على اتباع الناس للداعي وعملهم بما يدعو أجر قل نظيره، أجر قل نظيره، ما هو؟ هو أن كل من عمل بعمل وبهدى دعا إليه داع من الدعاة فإنه يكتب لهذا الداعي مثل أجر من عمل بهذا العمل، وهذا فضل واسع عظيم من الله سبحانه وتعالى، وهذا من أعظم المرغبات للمؤمنين في أن يسلكوا مسلك الدعوة والإصلاح والإرشاد إلى الخير، لأنه بدل ما تعمل أنت لحالك، بدل ما يكتب لك عملك وحدك، يكتب لك الآن عملك وعد كم 50، 100، 1000، 10 آلاف، ما يبارك الله فيه وما يفتح الله عليك فيه كله يكتب لك، وهذه الكتابة لا تنقص من أجر العاملين الذين عملوا العمل، فليست القضية تشاركية، مشاركة مشاكسة ها أو مشاركة منازعة أو محاق أو محاصصة، وإنما هي مشاركة عجيبة أنت تأخذ فيها أجرك كاملاً أيها العامل، والداعي يأخذ فيه أيضاً الأجر كامل، وهذا كله من فضل الله ومن سعة ثوابه ورحمته.

لكن يعني ترى طريق الآخرة في تجارة، فأنت فكر بعقلية البيع والشراء أيضاً، بس هذا البيع والشراء الأخروي، فكر أنت الآن إذا عندك في التجارة الدنيوية إذا واحد تاجر وعرف أنه إحنا يعني كلنا أحوالنا يمكن المثل ما يستفيد منه الشباب لأنه ما حد داخل بتجارة، حد داخل بشيء، لكن ماشي، ممكن الناس التي تشاهد يعني تعمل، فشاهد أنه يدخل في تجارة أكيد أنه سيعتبر الفرص، ها في فرص تصير فيها خلينا نقول قفز مسافات، في استغلال لأوقات، في أوقات صعود ونزول، في أوقات كذا، في أوقات متوقع فيها صعود خلينا نقول مثلاً العملة صعود مضاعف، في أوقات الأسهم وارتفاعها انخفاضها كذا إلى آخره، أنت الآن هذه عقلية التاجر يفكر كيف يحصل أكثر باستثمار الفرص التي ممكن تكون فيها قفزات كبيرة إلى آخره، أنت الآن في طريق الآخرة فكر هكذا، تبحث عن الأجر، نحن جميعاً نبحث عن الأجر عن الثواب، ألسنا ندخر هذه الحسنات ليوم عظيم ها يوم يقوم الناس لرب العالمين، اليوم المخوف، اليوم المهيب، ألسنا ندخر هذه الحسنات لذلك اليوم؟ أليس ذلك اليوم ستحصل فيه يعني الحسنات والسيئات ستدخل في معاملات في الآخرة، هذا يغتاب يؤخذ من حسناته وهذا اللي كذا وهذا يحمل من حسناته، طيب معناه أنه أيش؟ أنه كثرة الحسنات مقصودها لأنه بكرة حتدخل في عمليات في الآخرة خطيرة ترى، فكرة كثرة الحسنات خطيرة، وقلتها يعني لأنه زي ما قلت لكم تدخل بعدين يصير في موازنة ها وَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، يعني ترى في حساب للأعمال، طيب يلا أنت فكر بهذه الطريقة، لماذا لا أحرص على أن آتي يوم القيامة بعمل عشرة بدل أن آتي بعمل واحد؟ الآن ما أتكلم عن مضاعفة الحسنات، مضاعفة الحسنات شيء ثاني لها أسبابها، لا أنه عمل عشرة أصلاً مختلفين، هذا كله لا شك أنه من أعظم ما يحرص المرء المسلم على أن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، وعلى أن يعني كما يقال يتفانى في طريق الدعوة، يحرص غاية الحرص، وهذا يقوده أيضاً على الحرص على الأساليب الحسنة وعلى مسالك الأسباب التي تؤدي في العادة إلى الاستجابة، وهذا هو مسلك الأنبياء، الأنبياء لم يكتفوا بمجرد صحة الرسالة التي يحملونها ويعني خلاص أنه هي رسالة صحيحة فيؤدون بأي طريقة أو بالطريقة التي يفهمها الناس وانتهى، لا لم تكن هذه طريقة الأنبياء، وإنما كانت طريقتهم فيها الحرص التام والبالغ على أيش؟ على أن يستجيب الناس بتقديم أفضل وأهم وأولى وأحكم الأساليب التي في العادة تؤدي إلى ذلك، بل وقد أمرهم الله بذلك أمراً كما قال لموسى عليه السلام: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ.

يخشى. كما أن هذا في الحسنات، فإن الحديث: "ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا"، وهذا من جهة أخرى يقود المرء على الخوف والفزع الشديد من أن يترك خلفه من يأتي يوم القيامة بسيئات من يتحمل وزر سيئاته.

وبما أننا نعيش اليوم في عصر شبكات التواصل، وفي عصر الأجهزة التي تحفظ الأقوال والأفعال؛ فإن من السهل أن يستمر عمل الإنسان سواء في الخير أو في الشر. ولذلك كم من رجل صالح هو الآن في قبره، وإلى الآن يستفيد الناس من علمه وينتفعون عملياً ويهتدون بما قال، فتكتب له حسنات. وكم من إنسان بخلاف ذلك، هو في قبره ولا تزال تشاهد مسلسلاته التي فيها الفسق والفجور، وما تؤديه بالناس من ضلال ومن انحراف، ولا تزال أغانيه الفاجرة التي تدعو إلى الفحش والفسوق والعصيان، والتي تحرك الناس إلى مثل ذلك، لا تزال تشتغل في السيارات وفي البيوت، والآثام يعني مستمرة. وقل مثل ذلك في درجات الشر وأغلظ منها فيما لو كان فيه دعوة إلى الشبهات والتشكيك في الدين وما إلى ذلك.

ثم قال رحمه الله: وعن أبي العباس سهل بن سعد السعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله"، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟" فقيل: يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه فأتي به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم". متفق عليه. قوله: "يدوكون" أي يخوضون ويتحدثون. قوله: "رسلك" بكسر الراء وبفتحها لغتان، الكسر أفصح.

هذا الحديث العظيم من الأحاديث التي فيها قصة، والأحاديث التي فيها قصة هي باب للتعرف على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى طريقته وعلى هديه، وعلى أسلوبه في التعامل، وأسلوبه في الحث، وأسلوبه في الزجر، وأسلوبه في الأمر، وطريقته في إرشاد الصحابة وما إلى ذلك. دائما أنت يا جماعة خذها كذا، أي قصة في أي حديث فيه قصة كذا، عرفه تعريفاً من التعريفات التي تعرف بها التعرف على النبي صلى الله عليه وسلم، على أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم. هذه القصة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم ذهب، نزل، كلم أصحابه، حاوره، سئل، رد على سؤال، كذا، هذا مصدر من مصادر التعرف على أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم.

فمن هنا يعرف أن من الخطأ أو من النقص خلينا نقول، وإن لم يكن بالضرورة خطأ في ذاته لكنه في مؤداه أو في مجمله يعتبر نقصاً، أن يتعامل الإنسان مع الكتب الحديثية التي جردت القصص وأبقت على موضع الشاهد والنص، وهذا يحدث في بعض كتب أحاديث الأحكام. أنا أقول التعامل مع هذه الكتب فقط، والاكتفاء بحفظ أحاديث الأحكام التي فيها النصوص المباشرة المنتزعة من سياق سبب ورود النص وما إلى ذلك، وأنا لا أعني بالنقص هنا مجرد النقص في فهم السياق المؤثر على الحكم، وإنما أقصد أن عدم الوعي أو افتقاد وسيلة من وسائل التعرف على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كله راجع إلى قضية أنه يعني التركيز على الأحكام دون الأخلاق، دون السلوك، دون الهدي العام، دون معاني وما إلى ذلك.

وهذا طبعاً ليس هو مقصد من جمع الحديث، مقصده يركز على هذا الباب، يجمع لك متناً في هذا الباب، ويفيد هذا التركيز، يفيد، لكن أقول الاقتصار على مثل ذلك لا شك أن فيه إشكالاً. وهذا يعني وإن كان من حيث التقييم في أساس الفكرة أنا يعني ليس أساس فكرة اختيار أحاديث الأحكام هذه جيدة، جيد الفكرة ويأخذها الإنسان ويأخذ الأحاديث الأخرى، لكن في الكتب التي جمعت أحاديث الأحكام تجريد النص من سياقه ومن قصته أنا برأيي هذا إشكال، يعني هذه صورة من صور النقص، لا أقول خطأ، ولكن صورة هي أنقص مما لو اختير الحديث بقصته. إلا لو كرر الحديث ما في إشكال، يعني الحديث موجود في نفس الكتاب مرة مطولاً ومرة مختصراً ما في إشكال، أو يعني في بعض الأحاديث يعني موضع شاهد معين لا إشكال، بس أن يكون كل أحاديث الأحكام بهذه الطريقة، فهذا إشكال واضح الفكرة، لأنه التكرار أحياناً يعني ما في إشكال، أحياناً تقتصر على موضع يعني لباب معين لفكرة معينة ما في إشكال، لكن أن يكون هذا هو الهدي العام فهذا فيه نقص.

طيب، موضوع القصة، الكلام فيها كثير، ولا أتذكر حقيقة أنا طبعاً شرحت هذه القصة ربما في أكثر من موضع، لكن لا أتذكر هل مر معنا في رياض الصالحين وشرحت هذه القصة في رياض الصالحين أم في فقط في المنهاج؟ نعم في المنهاج موجودة، سأنا أقصد هل في رياض الصالحين أو لا؟ لكن على أية حال، أكتفي الآن بال يعني خلينا نقول ذكر موضع الشاهد من حيث التعليق، وإن كنا سمعنا القصة وهي واضحة ومفيدة، وفيها أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في "لأعطين الراية غداً"، وهذا يعني ربما فيه شيء من تعليق الناس بالمنازل العلية، وبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، يعني كلهم تشوق إلى مثل هذه المنزلة وتشوفوا له.

وفوائد أخرى، لكن من أعظم الفوائد هو ما اختار النووي رحمه الله تعالى لأجله هذا الحديث في هذا الباب، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم". طبعاً حمر النعم هذه أنفس الأموال، أنفس الأموال عند العرب نوع من الإبل له تلك المكانة النفيسة جداً. وهذا باب آخر من أبواب الفضل، وفيه أن هذا الفضل مترتب على هداية شخص واحد، "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم"، فكيف لو كانت الهداية لما هو أكثر من ذلك؟ يعني معنى نستفيد من الحديث أنه ترى كل شخص يهتدي، هذا له قيمة، وينبغي أن يزيد الداعي حرصاً وألا يكتفي بعدد دون آخر، بمعنى أنه ترى من دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من تبعه، هذا واحد، يعني هذا باب، أو الحديث الآخر "رجلاً واحداً"، وهنا الحرص على حتى لو على الأقل هذه الدرجة الدنيا والحرص عليها، فهذا فضل عظيم يرحل إليه ويتعب في تحصيله ويجتهد في تحقيقه.

الحديث الأخير عن أنس رضي الله عنه: أن فتًى من أسلم قال: يا رسول الله، إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به، قال: "ائت فلاناً، فإنه كان قد تجهز فمرض"، فأتاه، وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام ويقول: أعطني الذي تجهزت به، قال: يا فلانة، أعطيه الذي تجهزت به ولا تحبسي منه شيئاً، فوالله لا تحبسي منه شيئاً فيبارك لك فيه. رواه مسلم.

الآن هذا الحديث واضح أنه انتقاء شخص حافظ أو مستظل للسنة النبوية أو لكثير من أحاديثها، لأنه هذه الأحاديث التي تأتي كذا، يعني ايش أنه من المحفوظ؟ ايش في حديث في الدلالة إلى الخير؟ حتى يعني خلينا نقول وجه الدلالة فيه يحتاج إلى تفكر أو تأمل، وهو مأخوذ من أن النبي صلى الله عليه وسلم دل على الخير، دل هذا، أحال هذا الرجل المحتاج للجهاز للغزو، أحاله إلى الشخص الذي يملك مثل هذا، فهذه دلالة إلى الخير وإرشاد إلى الخير.

ولاحظ أنه هنا فكرة أنه ترى ليس النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أعطى الرجل ما يتجهز به ولكنه دل، فالدرس المأخوذ أنه وإن لم يكن عندك ما تبذله، فلا أقل من أن تدل على من يبذل. وهذه تأتي مثلاً في أحوال المسلمين واحتياجاتهم، قد ما يكون عندك من المال ما تسد به حاجتهم، لكن تحث. طب هذه ميزة يا جماعة، ميزة الأحاديث هذه أنها تفتح لك أبواباً للتعبد، يعني أنت الآن ترى تحرص على أن تدل الناس على أن مثلاً يسهموا في سد حاجة أناس، مجتمع، أمة، ناس نازحين كذا إلى آخره، ويكون لك أجر بمجرد هذه الدلالة، واضح الفكرة؟

هذه هي، هنا أخذ من أنه النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن عنده ما يجهز لكنه دل على من يجهز هذا الرجل الغازي. وفي الحديث فوائد، منها معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بأحوال أصحابه، لأنه قال: "ائت فلاناً، فإنه كان قد تجهز فمرض"، معرفة أنه فلان تجهز، ومعرفة أنه فلان هذا تجهز مريض، فهذه المعرفة واضحة، سبحان الله، من تقرأ السيرة النبوية واضح معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بأحوال المجتمع، بأحوال أصحابه، وفي تحديثات يعني عارف مثلاً زي كذا أنه هذا تجهز ثم مرض، يعني هما حالان، فالمعرفة هذه النبوية عظيمة وعجيبة سبحان الله في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لأحوال أصحابه وأحوال الناس.

ويظهر من الحديث لباقة هذا الرجل ويعني حسن تصرفه، فإنه أولاً قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، وهذا حسن في تقديم الخطاب والطلب، وحتى المحال إليه واضح أنه هو أيضاً فطن وفقيه، لأنه قال لامرأته: أعطيه الذي تجهزت به ولا تحبسي منه شيئاً، فوالله لا تحبسي منه شيئاً فيبارك لك فيه. فيه كذلك الفقه في خطورة مثل هذا الحبس وعدم التعاون، وسيأتي إن شاء الله في الباب القادم بشكل أوضح وهو باب التعاون على البر والتقوى، وحقيقة هذا الحديث الأخير يعني قد يكون إخراجه في باب التعاون على البر والتقوى قد يكون أقرب، وإن كان فيه فقرة الدلالة على الخير هذه أيضاً لها منزع في هذا الباب، ومنزع التعاون على البر والتقوى له ارتباط بالباب الذي بعده.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلي على نبيه محمداً وأن يسلم عليه، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والعون، ونسأل الله سبحانه وتعالى الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم ونسألك الفرج لإخواننا في غزة وفي السودان وفي كل مكان يضطهد فيه المسلمون ويستضعف فيه المؤمنون في كل مكان. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد.