الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد يا ربنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. الحمد لله المحمود على كل حال، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه المصير. اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم إنا نسألك أن تنزل علينا رحمتك، ونسألك الهدى والسداد والرشاد، ونسألك أن تفتح علينا إنك أنت الفتاح العليم.
لا نزال نتحلى برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نزال نتتبع هديه الذي هو أحسن الهدي، ونحاول أن نتعلم وأن نتلمس ذلك الأثر الشريف، أثر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نزداد معرفة له؛ والزيادة في المعرفة تقود إلى زيادة في المحبة. وكما سبق مرارا، فإن التعرف على النبي صلى الله عليه وسلم له طرق ومسالك؛ من هذه المسالك مسلك القراءة في كتب السيرة، وهذا المسلك هو أشهر مسلك يسلكه كثير من الناس، ولكنه في الحقيقة غير كاف. هناك مسلك آخر وهو مسلك الشمائل، كتب الشمائل، وهناك مسلك ثالث وهو مسلك الأحاديث النبوية. ومسلك الأحاديث النبوية التي أخرجها أهل العلم في كتبهم المصنفة هي من أهم المسالك للتعرف على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لأن كثيرا من الناس لا يستحضرون هذا المعنى فإنهم يقرؤون الحديث متطلبين النتائج المتعلقة بالأحكام من الأحاديث، أو أحيانا مثلا الآداب المستنبطة، أو الفوائد المستنبطة، الأدب كذا، بينما من يقرأ هذه الأحاديث وهو يتتبع هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم قاصدا التعرف عليه وعلى سنته وعلى سيرته وعلى هديه والتفقه في ذلك، ثم الوصول إلى العمل والاقتداء، هذه ثمرة عظيمة جدا.
وهي من خير ما يجتمع عليه، ومن خير ما يتذاكر، ومن خير ما يتدارس، ومن خير ما كذلك يستشفى به من ناحية الأمراض القلبية، ما في النفوس من ضغائن، أو ما يكتنف الرؤية، رؤية البصيرة من غبش، كل هذا يجلى، ويجد الإنسان فيه خيرا كثيرا بتتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ تتبع المحب؛ يعني أنت تقرأ الحديث، اقرأ الحديث قراءة المحب الذي يبحث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، يتطلب هذا الهدي وأيضا كذلك يريد أن يتفقه فيه؛ لأنه القضية ليست مجرد عاطفة، وإنما هي فقه ودين، فقه ودين.
كذلك، خلال المجالس السابقة في أنوار السنة المحمدية، التعليق على رياض الصالحين مررنا على أبواب وأبواب وموضوعات مختلفة، كانت البدايات في رياض الصالحين بدايات مرتبطة بأعمال القلوب، أليس كذلك؟ وكنت أذكر حينها أنه هذه الأبواب من أهم أبواب الدين، وأنه لا يصلح أن يتفقه المتفقه في دين الله سبحانه وتعالى بادئا بالأحكام ومنتهيا بها غير مار على ما يتعلق بالقلوب والتزكية، ثم بعد ذلك أتت أبواب متنوعة، والأبواب الأخيرة لو تلاحظون هي في ماذا أكثر شيء؟ يعني البابان الأخيران، ثم هذا الباب القادم والذي بعده والذي بعده، كلها تدور على قضية الدعوة والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة والدلالة إلى الخير، وكل باب من هذه الأبواب الخمسة فيه آيات وأحاديث؛ يعني مجموع الأحاديث ما عددتها، لكن ربما بالعشرات، عشرات الأحاديث كلها في هذا الفلك، وآيات كثيرة كلها في هذا الفلك.
وها هنا نأخذ فائدة وهي أنه كلما كثرت النصوص في باب من الأبواب فهذا دليل على أهميته ومركزيتها، وبناء على ذلك نقول إن ما يتعلق بالدعوة إلى الله والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدلالة على الخير والإرشاد إلى البر والتقوى، هذا من المركزيات الأساسية في سنة النبي صلى الله عليه وسلم بدليل عشرات الأحاديث التي وردت فيها وتنوع الجهات التي تناولتها. هذه فائدة منهجية مهمة، خذ هذا المبدأ وطبقه على بقية الأبواب، فما تجد من الأبواب الدينية فيه هذا الحشد الهائل من النصوص المختلفة ومن الجهات المتنوعة فاعلم أنه باب أصيل في الدين، واعلم أنه موضوع مركزي من موضوعات السنة النبوية، وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن تعامله تعاملا استثنائيا، تعاملا خاصا؛ فلا تتعامل مع الباب الذي وردت فيه عشرات النصوص المؤكدة -والطبع أنت إذا حللت النصوص ستجد أنواع التأكيد وأنواع الفضائل- لا ينبغي أن تتعامل مع مثل هذا الباب تعاملك مع الباب الذي لم يرد فيه مثل هذا القدر من الأهمية. وهذا التفاوت في الأهمية من أهم أسباب الفقه في الدين، كما سبق الإشارة إليه في أكثر من مجلس وفي أكثر من مرة.
هذه إذا الفائدة الأولى من مجرد تكرار الأبواب المختلفة؛ لأنه لاحظوا يا جماعة الخير، أول شيء قال النووي رحمه الله: الباب التاسع عشر في من سن سنة حسنة أو سيئة، ثم قال: باب في الدلالة على الخير والدعاء إلى هدى أو ضلالة، ثم قال: باب في التعاون على البر والتقوى، ثم قال: باب في النصيحة، ثم قال: باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كلها يعني تدور في فلك واحد، حتى الباب الذي هو باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف قوله فعله، هذه أبواب كلها متقاربة وتؤكد هذا المعنى.
طيب، الباب الذي معنا اليوم هو باب في التعاون على البر والتقوى، والإمام النووي رحمه الله اختار لهذا الباب قوله سبحانه وتعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، واختار سورة العصر، فقال: وقال تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، قال الإمام -هكذا يقول النووي-: قال الإمام الشافعي رحمه الله كلاما معناه: إن الناس أو أكثرهم في غفلة عن تدبر هذه السورة. ثم ذكر النووي مجموعة من الأحاديث النبوية في باب التعاون على البر والتقوى.
طيب، التعاون على البر والتقوى، ذكر فيه النووي رحمه الله سورة العصر، ثم ذكر كلام الشافعي، وهذا غريب يعني أقصد غريب على منهجه؛ لأنه عادة لا يذكر النصوص عن العلماء فيقول قال، لكن هذا النص له قيمة وأهمية في بيان هذه السورة، وهذه العبارة مشهورة عن الشافعي رحمه الله، ورويت بلفظ آخر وهو: لو لم يكن لله على عباده حجة إلا هذه السورة لكفتهم، أو نحو هذه العبارة. وحقيقة هذا يدل على فقه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى؛ لأنه تتذكرون في حديث: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، لما قلنا العلماء قالوا هذا الحديث ربع الإسلام، أو هذا الحديث ثلث الدين، أو هذا الحديث كذا تدور عليه، طيب بناء على ماذا قالوا هذا؟ هل لو أنت قرأت بنفسك -اترك الآن كلام العلماء- لو أنت قرأت الأحاديث، افرض أنك جالس تقرأ رياض الصالحين ومر عليك حديث: إنما الأعمال بالنيات، هل كنت ستدرك بنفسك ما أدركه العلماء من أن هذا الحديث عليه مدار الدين والإسلام؟ هل كنت ستدرك هذا؟
طيب يلا، وأنت تقرأ جزء عم، سورة العصر، الشافعي يقول لك: لو لم يكن -نقلت العبارة باللفظ مثلا- لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم، أو نحو ذلك، هل وأنت تقرأ سورة العصر تجد لها هذا الانعكاس في ذهنك؟ وأن هذه سورة عجيبة، وفيها كفاية، ولو لم يكن فيها إلا كذا لكفتهم، هل كنت ستصل إلى هذه النتيجة وحدك؟ أو أنك وصلت إليها عن طريق كلام الشافعي وأمثاله؟ وأظن النتيجة واضحة أنه أغلب الناس لا يصلون إلى هذه النتيجة وحدهم.
طيب، نحن نقول من أهم ما ينبغي أن يصل إليه طالب العلم أن يستطيع تحديد مثل هذه المركزيات في الدين في النصوص. أعرف يعني دائما أنا أكرر هذا الكلام، لكن هذا الكلام مهم جدا، من أهم ما ينبغي أن يصل إليه طالب العلم أن يستطيع أن ينتبه للنصوص التي هي عليها مدارات الدين؛ يعني بعد قليل سيأتينا حديث: الدين النصيحة، النووي رحمه الله يقول بعض العلماء قال: هذا الحديث أحد أرباع الإسلام، لو قيل الإسلام مبني على أربعة أحاديث ولا نصوص هذا أحد أرباع الإسلام، ثم يقول: وهذا غير صحيح، فهذا الحديث وحده عليه مدار الإسلام، فكره؛ يعني هو انتبه لها بهذه الطريقة، أنت أيها القارئ، ما الفقه الذي تحتاجه حتى تنتبه إلى مثل هذه النصوص؟ أظن هذه رسالة واضحة دائما أكررها، أليس كذلك؟ ودائما أستدل بحديث: والله ليهنك العلم أبا المنذر؛ لأنه استطاع أن يدرك رتبة آية الكرسي إدراكا وحده.
ونرجع نقول مرة أخرى: ماذا لو سألك النبي صلى الله عليه وسلم: أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ دون أن تعرف الجواب سابقا، دون أن يكون عندك معلومة، هل كنت ستستحضر آية الكرسي؟ لو قيل لك: فكر في سورة تعدل ثلث القرآن، ولم تكن تعرف هذه المعلومة مسبقا أبدا، فقيل لك: هيا فكر في هذه السور، عندك المصحف، اختم المصحف ثلاث مرات، فكر في سورة تعدل ثلث القرآن، أنا أظن لو سويناها بالأسئلة الحديثة هذه، الإحصاءات وتقييم النسب وحطينا خيارات، مثلا حطينا سورة البقرة، وسورة مثلا يس، وسورة الرحمن، وسورة كذا، وسورة الإخلاص، أتوقع البقرة ستأخذ 75% ها؟ وبعدين يس والرحمن ولا كذا، والإخلاص يعني ممكن يمكن 1% ولا كم اللي ممكن يصله. طيب في ميزان النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه الصحابة قال لك: هذه تعدل ثلث القرآن.
طيب لو قيل لك نفس الشيء: أعظم سورة في القرآن؟ ما أتوقع أغلب الناس يصلون إلى أنها الفاتحة باستنباط، صح ولا لا؟ طيب أبي بن كعب وصل باستنباط إلى أنه آية الكرسي هي أعظم آية في القرآن، وصل إليها. وهنا تجد العلماء يصلون، يقول لك: هذا الحديث أحد أرباع الإسلام، هذا الحديث عليه مدار الدين، هذا الحديث كذا، هذه الآية، لو هذه السورة لو لم ينزل الله غيرها على عباده لكفتهم حجة، يا جماعة الخير كثير من العلم الذي يقدم للناس اليوم، في السياقات العلمية والشرعية، لا تؤهل طلاب العلم للوصول إلى مثل هذه النتائج؛ لأنه علم أفقي، ليس فيه قمم، علم لا يربي الطلاب على معنى القمم، وإنما يربيهم على معنى الأرض المستوية، فكل العلم سواء، وكل الدروس سواء، وكل المعلومات سواء، طبعا أكيد يكون في مفاضلات كذا، لكن ليس، لم يمزج في الفقه في الدين، في تربية طلاب العلم على هذا الفقه المتعلق بالمراتب. بينما النبي صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على فقه المراتب، فهم أصلا أسسوا على هذا المعنى ففقهوه، فلما سئل أحدهم عن أعظم آية استطاع أن يجيب.
هذا كله الآن تفريع على كلام الشافعي هنا، النص الذي نقله النووي قال: إن الناس أو أكثرهم في غفلة عن تدبر هذه السورة، في غفلة عن تدبر هذه السورة. وهذا صحيح طبعا، لكن لماذا قال الشافعي رحمه الله تعالى مثل هذا المعنى؟ قال هذا المعنى لأنه أدرك من هذه السورة ما لم يدركه غيره، وأدرك من سورة العصر أن فيها من المعاني والعبر والأمور العظيمة ما لم ينتبه له أكثر الناس، فلذلك قال: لو فكر الناس في هذه السورة لكفتهم، أو أن الناس أو أكثرهم في غفلة عن تدبر هذه السورة.
أحيانا يا جماعة الخير في التدبر، أحيانا يصير في تربية خاطئة في حتى في التدبر، في تعليم خاطئ، اللي هو ايش؟ أنه التدبر الذي مداره على قضية اللطائف اللفظية ولطائف المعاني، التي مثلا تلامس النفس البشرية من بعض الجهات العاطفية المؤنسة، أحيانا انتشر ترى هذا الفقه في التدبر، فيظن أنه التدبر يلا أخرج لي كذا فائدة دقيقة عجيبة أو لطيفة جميلة، ما شاء الله شوف كيف التناسب اللفظي، التناغم الكذا، وهذا حقيقة من حيث الرتبة لا يأتي أولا، من حيث الرتبة لا يأتي أولا. الذي يأتي أولا هو المعنى الذي لأجله كانت سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن، الذي يأتي أولا هو الذي لأجله كانت آية الكرسي أعظم آية في القرآن، الذي يأتي أولا هو الذي لأجله كانت سورة الإخلاص ثلث القرآن، هذا الذي يأتي أولا. الذي يأتي أولا هو الذي لأجله قال العلماء عن حديث: إنما الأعمال بالنيات، أن عليه مدار الإسلام، وما إلى ذلك. هذا الذي يأتي أولا، وليست اللطائف اللفظية والكذا، لا.
ولذلك يا جماعة الخير لا بد من إعادة الاهتمام الكبير العظيم بالمعاني الكبرى للإسلام، المعاني الكبرى في الوحي، المعاني المركزية العظمى، والتربية عليها، والصدور عنها، والانبعاث من خلالها، والدعوة إليها، والدوران في فلكها، ثم بعد ذلك تكمل الفراغات الأفقية والمعاني المكمله، وكذا ممتاز جدا ومهم، لكن أن يكون فقها له مدارات كبرى تعود إليها.
ولعل مما يعني خلينا نقول يؤكد هذا المعنى وقيمة هذا المعنى هو ما ذكره الله سبحانه وتعالى في قضية المحكم، فقال: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، شوف كيف سماها أم الكتاب، أم الكتاب، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ. طيب هذه الأخرى متشابهات من القرآن أم ليست من القرآن؟ من الوحي أو ليست من الوحي؟ حق أو ليست بحق؟ هي حق وهي من القرآن وهي من الوحي، ولكن هناك محكم، وهذا المحكم هو أم الكتاب، والمتشابه وهو من الكتاب يرد إلى المحكم الذي من الكتاب، فهذا هو الفقه العظيم الذي ينبغي أن يؤسس عليه الناس وبناء، ومن يفقه، يعني يؤسس عقله بهذه الطريقة حتى يبدأ.
يفقه مشكلات واقعه بناء على قيمتها في الوحي، على مدى تغليظ في الوحي، وتبدأ تنتبه لأشياء أخرى كبيرة. لماذا عالج لوط عليه السلام مشكلة الفاحشة؟ لماذا عالج شعيب عليه السلام مشكلة تطفيف المكان والميزان؟ لماذا اعتنى موسى عليه السلام بتحرير المستضعفين؟
فتفهم أن القضية ليست إنجاز كل شيء مع بعضه، وإنما هناك أولويات، هناك أمور عظيمة وكبيرة. هذا من كلام الشافعي رحمه الله لما قال إن الناس أو أكثرهم في غفلة عن تدبر هذه السورة. حسناً، من الذي تحمله هذه السورة؟ هذه السورة تحمل أموراً عظيمة جداً، يمكن الإشارة إلى بعضها على وجه السرعة في هذه النقاط. أولاً هو القسم بالعصر، القسم بالعصر هذا القسم فيه تعظيم لقضية الوقت والزمان على قول عند المفسرين والعلماء، فهذا تعظيم للوقت والزمان، ومن هنا يدرك الإنسان قيمة الوقت وأهميته.
إن الإنسان لفي خسر، هذه يعني طبعاً إن الإنسان لفي خسر، بعدين إلا وما بعدها، هنا يخرج الإنسان بنتيجة أنه ترى الأصل، الأصل في النفس البشرية، الأصل في حال الناس، الأصل في مجموع التاريخ، الأصل في المال الأخروي هو أن الإنسان خاسر، أن الإنسان خاسر، وأنه الإنسان ترى يذهب إلى الأشكال عموماً إلا وتأتي الاستثناءات. وإذا نظرت إلى مثل هذا النص في القرآن ستجد أنه متكرر، فمن ذلك قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. هذا حال الإنسان، هذه الآيات تشرح حال الإنسان، لكن في استثناء، إيش؟ إِلَّا الْمُصَلِّينَ، واقرأ ما بعدها من صفات. وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، هذا الحال العام، لكن في استثناء، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.
نفس الشيء سورة العصر، لاحظوا ها ثلاثة مواضع في القرآن فيها نفس القضية، أنه الإنسان في أسفل سافلين، أنه الإنسان خلق هلوعاً، أن الإنسان لفي خسر، هذه المواضع القرآنية ثم يأتي الاستثناء، والاستثناء يدل على القلة، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ولا شك أن العمل الصالح من الإيمان ولكنه عطف يبرز أهمية العمل الصالح.
ثم بعد ذلك التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ولأجل جملتي التواصي بالحق والتواصي بالصبر أخرج الإمام النووي هذه الآية أو ذكر هذه الآية في باب التعاون على البر والتقوى، إذاً صورة من صور التعاون على البر والتقوى هي إيش؟ التواصي بالحق والتواصي بالصبر. التعاون على البر والتقوى اسم عام يشمل صوراً مختلفة، واحدة من هذه الصور هي صورة تواصي، حتى هذا تعاون على البر والتقوى.
هذه السورة طبعاً هذا ليس مقاماً لتفسيرها ولا فقط يعني إشارة ما تحتويه السورة من معاني على وجه السرعة، لكن المعنى والمدار الذي لأجله اختار الإمام النووي هذه السورة يخرجها في هذا الباب هو معنى التواصي بالحق والتواصي بالصبر، والتواصي بالصبر هو من التواصي بالحق أليس كذلك؟ التواصي بالصبر هو من التواصي بالحق، كما أن العمل الصالح هو أيضاً من الإيمان ولكن هذا العطف لما تعطف الجزء أو يعني شيئاً من الشيء أو جزءاً من الكل أو بعضاً من الكل، لما تعطف أنت تبرز أهمية هذا الشيء. تمام، لما أقول لك مثلاً جاء الشباب وفلان، يعني ترى قصدي أني أقول لك ترى فلاناً بعينه جاء لأنه في أهمية لمجيئه، في أهمية لمجيئه. فلما يقول الله سبحانه وتعالى وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، هذا كل ما يدخل تحت الحق، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، والصبر من الحق، فهذا معناه في أهمية للتواصي بالصبر. ومن هنا نأخذ أهمية تواصي بالصبر وخاصة أوقات الأزمات، أوقات الابتلاءات، وحتى يا جماعة الخير أوقات الفتن، ليس بالضرورة أن يكون التواصي بالصبر على الأزمات والابتلاءات، وإنما قد يكون التواصي بالصبر، الصبر عن المعصية، الصبر عن الشهوات المحرمة، الصبر عن الوقوع في الحرام، فهذا من أعظم ما امتدح الله به أهل الإيمان.
طيب التواصي بالحق والتواصي بالصبر هل هو من العمل الصالح؟ نعم، فهو أصلاً كله راجع إلى العمل الصالح، والعمل الصالح هو ركن من أركان الإيمان، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. الصبر من الحق، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر هو من العمل الصالح، والعمل الصالح بما فيه من التواصي هو من الإيمان، يعني هو رجع الأمر إلى الإيمان، لكن هذه الإفرادات هي لإبراز أهمية هذه المفردات من الإيمان.
ثم قال النووي رحمه الله تعالى: عن أبي عبد الرحمن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا، متفق عليه. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً إلى بني لحيان من هذيل فقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما، رواه مسلم.
هذا الحديث، الحديث الأول من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، فيه صورة أخرى من صور التعاون على البر والتقوى، التعاون على البر والتقوى اسم عام يا جماعة، ترى قول الله سبحانه وتعالى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ترى هو من الآيات الجامعة العظيمة في القرآن، يعني من أجمع الآيات القرآنية، من أجمع الأوامر القرآنية في كتاب الله سبحانه وتعالى، وقوله وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ هذا من أجمع ما في كتاب الله من الأمر، هذا مثل الجمع أو في آية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، هذه من أجمع الآيات في القرآن وهذه أيضاً وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
ولو أنك استقرأت كلام الفقهاء في الأبواب الفقهية، الفقهاء الذين يعتنون بذكر الأدلة الشرعية على الأحكام الشرعية، لوجدت أن كثيراً من الأحكام الشرعية يدخل فيها في أدلتها في إثباتها قوله سبحانه وتعالى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وكثير من المفتين ومن العلماء ومن المجتهدين ومن الأئمة يفتون في مسائل لم يأتِ فيها النص، يقول لك هذا حرام لأنه داخل في قوله وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، أو هذا حسن لأنه داخل في قوله وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ. جيد فهي آية جامعة ومهمة ومركزية وكبرى.
واحدة من صور التعاون على البر والتقوى ما ذكر في سورة العصر اللي هو التواصي بالحق والتواصي بالصبر، هذه الآن صورة، صورة أخرى من صور التعاون على البر والتقوى هما ذكر في حديث زيد بن خالد: من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا، وهذا حديث عظيم يبين فضل التعاون على البر والتقوى. يعني الآن أنت عندك الأمر بالتعاون على البر والتقوى هذا واحد، عندك فضل التعاون على البر والتقوى، ترى من فضل التعاون على البر والتقوى أنه قد يكتب لك أجر ما لم تعمله بنفسك، إذا كنت قد كملت عمل عامل، مثل هذا الآن العامل غزا في سبيل الله، طيب هذا الغازي يحتاج إلى أموال، جهزته، كتبت لك أجر الغزو في سبيل الله. طيب ما جهزت غازياً؟ خلفته في أهله بخير، خلفته في أهله بخير أيضاً يكتب لك أجر الغزو في سبيل الله.
طبعاً الفائدة المباشرة من هذا الحديث هي أهمية تجهيز الغزاة في سبيل الله وأهمية أن يخلف الغزاة في أهلهم بخير، وتعظيم حق أهل الغزاة، تعظيم حق أهل الغزاة من غزا في سبيل الله فخلف أهله وراءه فحقه عظيم وحرمتهم عظيمة، فمن أساء إليهم يضاعف وزره، ومن أحسن إليهم يضاعف أجره؛ لأنه من خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا.
طيب الآن هذه الفائدة المباشرة، الفائدة الاستنباطية من هذا أهمية التعاون على البر والتقوى وهو ما لأجله أخرج الإمام النووي هذا الحديث في هذا الباب، فقال باب في التعاون على البر والتقوى، ثم أخرج هذا الحديث، أنت الآن هذا الحديث قس عليه الآن، هذا الحديث نص في الغزو صح؟ قس عليه سائر أبواب البر، إنسان رايح الحج، جهز، أعنه، ترى إن شاء الله ما تدري لعل الله يكتب لك، إنسان وهكذا قس على ذلك، بناء مسجد، حلقات تحفيظ، أي باب من أبواب الخير، اللي جاء عليه بالنص: من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ما لم يأتِ فيه النص مفتوح وعام، يرجى فيه رجاء أنه يا ربي كما جاءنا في الحديث من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، فأنا أعاون في هذا الخير لعل الله يكتب لي أجر ما لم أعمل من هذا الخير، لأني جالس أكمل جانباً من جوانب هذا الخير.
الآن الذي جهز غازياً هو لم يغزُ بنفسه لكن كمل جانباً، فكتب له أجر الغزوة، وحتى لو كان التكميل أخف، يعني التجهيز واضح مباشر، مجرد أنه خلف أهله بخير فهذا تكميل غير مباشر، ومع ذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم غازياً، يعني هذا باب للأجر عظيم، باب إنسان يعني تكلمنا ما أدري في الدرس الماضي ولا اللي قبله، أنه يعني ترى تجارة، يعني تجارة مع الله سبحانه وتعالى، أنت فكر يعني فين الأجور المضاعفة؟ والله فكر فين الأجور المضاعفة؟ فين اللي يعني لازم تفكر بهذه الطريقة، يعني ليست القضية بمجرد الكثرة، أنت تحرَّ أين الذي يحبه الله؟ فين هذا الأجر المضاعف؟ أيهما؟ وهذا ترى اللي كان يشغل بال الصحابة، لأنه أي العمل أفضل؟ أي العمل أحب إلى الله؟ أي العمل خير؟ أي الإسلام خير؟ هذه دائماً هذه كلها أفعل التفضيل، هذه كلها فيها أنه إيش أحسن شيء يا ربي، فهذا من المعاني العظيمة التي ينبغي أن تشغل بال الإنسان.
طيب ثم قال بعد ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي ركباً بالروحاء، فقال: من القوم؟ فقالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله، فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر، رواه مسلم.
هذا الحديث جميل، الالتقاطة فيه من الإمام النووي رحمه الله تعالى أنه أخرج في باب التعاون على البر والتقوى، لأنه ممكن تكون المرأة يعني أنه لازم تأخذ الولد معها عشان تحج تمام، بس أنه لا ترى يعني ترى حتى هذه اللي هي يعني قد تكون يعني حاجة عادية، لا ترى ولك أجر ولك أجر، وهذا ترى راجع إلى بعدين التعاون على البر والتقوى، فهذا يعني هذه التقاطة جميلة جداً. لكن أنا بس قبل المعنى المباشر أنبه على شيء، يعني ابن عباس قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركباً بالروحاء، في يعني إيش المعالم الأثيرة فيما ذكر في السيرة، يعني في اللي هو موضوع الجغرافيا موضوع المواقع موضوع هذه تذكر كثيراً في الأحاديث، وأنه النبي صلى الله عليه وسلم ذهب من هذا المكان، جاء إلى هذا المكان، والناس الذين يعني خلينا نقول يهتمون بمثل هذه القضايا قد يهتمون بطريقة خاطئة، لكن فهم هذه الأماكن وبعض الأشياء المتعلقة بها لا، أحياناً ترى تزيد الإنسان فقهاً، تزيد الإنسان استحضاراً.
مثلاً الروحاء، لقي النبي صلى الله عليه وسلم ركباً بالروحاء، الروحاء هذه مذكورة في عدد من الأحاديث، ها هي الروحاء في طريق المدينة اليوم يعني في طريق المدينة ينبع، وقديماً كان هو هذا الطريق إلى مكة، حتى الطريق نفسه المسفلت أو المعبد هو كان يمر بهذا، كل الطريق إلى مكة كان هو نفس الطريق القديم اللي هو اللي وقت النبي صلى الله عليه وسلم.
فين كان النبي صلى الله عليه وسلم من أين كان يذهب إلى مكة من المدينة؟ من أين كان يذهب؟ ما كان يذهب من الطريق المعروف الآن، الطريق المباشر من المدينة لمكة اللي هو يسمى طريق الهجرة، الطريق أشهر طريق الآن هو الطريق الأساسي بين المدينة ومكة اسمه طريق الهجرة مباشر كذا بين المدينة ومكة، هذا الطريق مو هو اللي كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلكه للذهاب إلى مكة ولا يرجع منه أصلاً، طيب ليش سمي طريق الهجرة؟ لأنه هو دخل منه النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء من مكة، بس المدخل، يعني هو مو المدخل، هو آخر يمكن 70 كيلو بين المدينة وجنوبها، هذه الوصلة اللي هي آخر وصلة بالهجره النبوية، سلك فيها النبي صلى الله عليه وسلم مسلكاً غير معتاد.
لكن وين الطريق الأساسي؟ الطريق الأساسي هو اللي ينحى إلى جهة الغرب، يعني جهة الساحل، اللي هو طريق المعروف طريق ينبع، بعدين صار في طريق الآن معبد مباشر، النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي من هذاك، الروحاء صايرة في هذا الطريق بعد المدينة، يعني يمكن 60، 70 كيلو ونحو ذلك، وأنت نازل من المدينة، بعد تجيك الروحاء هذه، الروحاء مكان أساسي في محطة طريق الحج يقف عنده الناس وفي بئر، وفي حتى الآن، الآن موجود بعض المباني القديمة، والآن في بئر كذلك وفي كذا، فهو يعني الناس دائماً يقفون عنده في طريق الحج سابقاً، بعد الروحاء بقليل يأتي ما يعرف بالمنصرف، اللي هو يا إنك تأخذ يمين تروح على جهة الساحل، وهذا الطريق اليمين هذا هو اللي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلى بدر.
معركة بدر. والمنصرف هي الآن معروفة في الطريق باسم المسيجيد، قرية مشهورة معروفة باسمها المسيجيد. هذا الآن المنصرف إذا أخذت منه يمين تروح على وين؟ على بدر وعلى ينبع، وإذا أخذت يسار من عند المنصرف تروح لطريق مكة القديم اللي كان يسلكه الحجاج، وكان يسلكه النبي صلى الله عليه وسلم. هذا اليسار قلبناه درس جغرافي شوية، ما أدري تحط بعدين اسمه الخارطة وزي الأمة بين احتلالين، ضعت جماعة ولا أكمل لكم ولا الأمور تمام؟ أحمد ضيعت ولا الأمور تمام؟ طيب.
بعد الروحاء في المنصرف، المنصرف في يمين تروح إيش؟ بدر وينبع الساحل. هذا الآن إذا أنت قرأت في كتب السيرة اللي تذكر المواقع، كتب القديمة المفصلة، حتلقى هذه المواقع، إنه لما وصل إلى بدر ترى مشي من هذا الطريق. وهنا هذا الطريق اللي في وادي الصفراء، وادي الصفراء معروف في التاريخ، معروف في السيرة النبوية جيد. وادي الصفراء هو اللي مثلا دفن فيه عبيدة بن الحارث رضي الله تعالى عنه أو بعده بقليل. وادي الصفراء مذكور في السيرة، هو الذي قتل فيه عقبة بن أبي معيط، مو بعد الرجوع من بدر صح؟ مو قتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط الأسير الكافر هنا في وادي الصفراء؟ هذا بعد الروحاء، بعد المنصرف على جهة طريق بدر. وأشياء يعني ما نبغى ندخل كثير، لكن إذا أخذت يسار تروح إلى مكة، وهذا طريق الحج، هذا طريق القوافل، هذا طريق أصلا اللي كان وقت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي وافقه النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا في الهجرة؛ لأنه لم يكن يريد صلى الله عليه وسلم أن يسلك الطريق المعتاد حتى لا يتنبأ به أو يتنبه له، فكان يسلك غير الطريق. ولما جاء إلى هذه الوصلة اللي بعد المنصرف وأنت رايح من المدينة إلى مكة، بعد المنصرف في وصلة ضيقة لازم تمر فيها، فالنبي صلى الله عليه وسلم مر فيها مع أنها هي نفسها طريق القوافل، الآن تعرف بوادي القاحة، وبعدين تجيك إذا أنت كملت من المدينة أخذت اليسار هذا بعد المنصرف، تمر بوادي القاحة، بعدين شوية في عدة أودية وعدة مفارق، بعدين تروح الأبواء، معروف الأبواء اللي فيها أم النبي صلى الله عليه وسلم، قبر أم النبي صلى الله عليه وسلم، إذا رحت الأبواء حتخرج على الساحل من جهة رابغ وكلية، وبعدين ثول وما إلى ذلك. وهذه المناطق اللي أصلا فيها أحداث في الهجرة، ذيك المناطق سراقة لحق النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كملت بعدها بشوية تجي خيمة أم معبد، وإذا يعني كل طريق لهذا فيه مواقف، كل طريق القوافل هذا فيه مواقع.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لما جاء من مكة سلك هذا الطريق، لما قرب من المنصرف أخذ طريق جديد، ما كمل على إيش؟ المنصرف الروحاء، وإنما طلع الجبال وقطعها قطوع إلى يعني الطريق اللي هو طريق الهجرة الحالي، فنزل على إيش اسمه الوادي مشهور جدا جدا، وادي ريم. وادي ريم ومن وادي ريم نزل النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة. وادي ريم ما هو بعيد عن، في منطقة عموما نزل النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة من هذه، فلاجل ذلك سمي الهجرة.
طيب إحنا ليش ذكرنا كل هذه التفاصيل؟ في شيء لطيف. الروحاء بس أقول لك في شيء لطيف، في شيء لطيف جدا، يعني هذه المعالم ستستحق تستحضر في المستقبل، يعني هذا المعلم الروحاء سيستحضر متعلق بالروحاء إذا أحيانا الله، إحنا ما نعرف هل هو في زماننا، هل بعدنا، ما أعرف كم، إذا أحيانا الله إلى ذلك الزمن أو أحيا من بعدنا أو من بعدهم، سيقولون لا إله إلا الله، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلق بالروحاء، هذه اللي إحنا تكلمنا عنها. إيش هو؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لِتَثْنِيَتِهِمَا. فعيسى عليه السلام حين ينزل سيحج، سيمر بفج الروحاء حاجاً أو معتمراً أو لتثنيتهما، فهذا الروحاء اللي النبي صلى الله عليه وسلم شوف لاحظ، هو أصلا هنا إيش لقي هم في طريق الحج، لأنه قال لقي ركبا بالروحاء من القوم المسلمون، رسول الله قال من أنتم؟ قالوا من أنت؟ قال رسول الله، فرفعت عليه امرأة صبيا فقالت ألهذا حج؟ لأنه هو أصلا هذا طريق الحج، فهمت الفكرة؟ هو الروحاء هو زي ما قلنا من الطريق.
فيعني كذا أخذنا جولة شوية نوعا ما في التاريخ وفي الجغرافيا. أنا طبعا تعرفوا أنا أحب ما يتعلق بالمواقع والمعالم التاريخية عموما؛ لأنه أظن إنه فهمها يعين على فهم كثير من الأشياء وتصورها يعين على تصور الأحداث ويزيد من فهم الإنسان للسيرة النبوية ومن التاريخ عموما. طبعا الروحاء لسه فيه يعني في طبعا في وفي أشياء قد ما يكون لها مستند قوي، بس يعني اقرؤوا بعدين يقال مين مدفون في الروحاء وما أدري كذا، أظن أنبياء وما أدري إيش، يعني في أقوال أشياء ما هي معتمد عليها، يعني لكن عموما الروحاء مكان من الأماكن المهمة في مفاصل الطرق في الحجاز.
مراجع ما استحضر الآن مراجع، لكن اللي في البداية أنا قلت المعالم الأثيرة في السيرة، عنوان كتاب لكنه مختصر جدا، يعني يعرف بالمعالم في كان أحد المؤلفين المعاصرين المشهور اللي هو البلادي، الاسم الأول ما أدري هو عاتق البلادي ولا كذا، عنده مجموعة من الكتب في المعالم الجغرافية للسيرة النبوية وكذا، وفي كتب معاصرة يعني مختلفة بعضها حتى تجيب الإحداثيات وبعضها تجيب الكذا وبعضها ما استحضر أسماء مؤلفيها، يعني لكن عموما المتقدمون يعتنون بذكر المواقع. من أشهر المتقدمين اللي يعتني بذكر المواقع الواقدي، المغازي في الواقدي يذكر المواقع، وابن إسحاق كذلك يذكر بس إنه مو مثل الواقدي. فتلقاهم يقول لك مثلا هب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر مر كذا، وأحيانا ترى في الأحداث، أنت الآن مثلا هذا في صحيح مسلم لقي ركبا بالروحاء، إذا في البخاري ومسلم مليئة بالمواقع مليئة، بس طبعا بدون شرح تفصيلي، بس الشراح مثلا تروح ابن حجر خلاص يشرح لك، ابن حجر معتني ابن حجر يعتني رحمه الله بكل لفظ في الحديث.
في مثلا من الأشياء اللي يعتنوا فيها، يعتني فيها المحدثون، اللي هي المبهمات في الرواة، مو في الرواة، حتى في مثلا كم الأحاديث اللي فيها جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ها كثير، أعرف إنه أنت يمر عليك كذا ما في عند العلماء ما يمر كذا عندهم، يشغل بالهم مين الرجل هذا، يروح يدوروا في الروايات، واحد يقول لك واحدة من الموضوعات اللي يهتم فيها ابن حجر جدا في فتح الباري إنه يحدد مين المبهمين هؤلاء، طبعا حدد من المبهم هؤلاء يقول لك مثلا وبحثت عنه في مختلف الطرق والآلات فلم أجده، بس أحيانا كثيرة يجدهم وهذا الرجل هو فلان ثبت إنه فلان قال كذا، إيش الفائدة العلمية؟ قد ما يكون في فائدة علمية يعني مباشرة ولا كبيرة، بس إنه يعني من الأشياء التي يعتنى بها.
فأنا أقول إنه يعني في الأحاديث النبوية في البخاري في مسلم في غيرها في مواقع كثيرة جدا جدا جدا، تقول لي إيش الفائدة المباشرة؟ أقول لك يعني أو الحكمية ما في أحكام تترتب على هذه الأماكن، يعني إحنا لما نعرف الروحاء إنه سيمر فيها عيسى بن مريم ومر فيها النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الآن المرور هذا ما يترتب عليه حكم معين فهمت الفكرة؟ لكن جيد، والله أنا إذا مررت على بالروحاء أنا ماشي في الروحاء هذه طريقي أعرف هذه الروحاء فين تقع كذا، حتى وأنا أقرأ حتى لو ما ذهبت وأنا أقرأ في السيرة النبوية يا أخي أبغى أفهم لما تقول مثلا ومشى النبي صلى الله عليه وسلم مثلا من الروحاء إلى وادي الصفراء مثلا، يا أخي بعرف كم المسافة فهمت الفكرة؟ يعني بعيش الجو، بعيش يعني كم.
أروح أنا بالنسبة لي يعني زي كذا في المواقع، حتى مثلا حتى في التاريخ زي الأمة بين احتلالين، عن المغول عن مدري إيش مثلا، احتل جنكيز خان مدينة كذا، أروح أفتح أول شيء طبعا المدينة أحد أمرين: إما يكون المدينة بنفس اسمها المذكور في كتب التاريخ، أو إنه تكون تغير اسمها، فتروح أروح أبحث عنها إنه إيش أصل هذه المدينة، فأحيانا ما ألقى المدينة بس ألقى في التاريخ إنه هذه المدينة الآن اسمها كذا فهمت الفكرة؟ فأروح أجيبها في الموقع الخارطة وبعدين أشوف تصور وين هي حتى أحاول أفهم موقعها الجغرافي، هي جو من هنا كذا والله مكانها كذا الآن تقع تحت أي دولة؟ فهمت الفكرة؟ هذه يعني أنا ما أقول إنه هي من العلم المهم، لا هذه ما هي من المركزيات والأساس، بس هي من الأشياء التكميلية اللطيفة الجميلة التي تعين الإنسان على مزيد من الاستيعاب، تعين الإنسان على مزيد من الفهم ومن الاستشعار، تحتاجها أكثر في السيرة النبوية، هذه المواقع الواردة في الحديث لما تقرأ في السيرة لا ترى بأسماء كثير يعني أسماء كثير من المناطق، فإذا كنت مستحضراً ها يكون يعني أفضل وجيد.
طيب إحنا أخذنا فاصل طويل شوية عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال واسمعوا هذا الحديث الجميل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الْأَمِينُ الَّذِي يُنَفِّذُ مَا أُمِرَ بِهِ فَيُعْطِيهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ. متفق عليه، وفي رواية الذي يعطي ما أمر به، وضبطوا المتصدقين بفتح القاف مع كسر النون على التثنية وعكسه على الجمع المتصدقين، وكلاهما فصيح صحيح.
هذا الحديث جميل وعظيم وهو أيضا في التعاون على البر والتقوى، وفي أجر التعاون على البر والتقوى، وإنه هناك من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، وهنا مؤدى الحديث إنه من إيش من أعان متصدق بأن حفظ، بأن أدى المال الذي أمر لكي يوصله فقد تصدق. ها الآن النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم عن الخازن المسلم المؤمن عفوا المسلم الأمين الذي ينفذ ما أمر به فيعطيه كاملا موفرا طيبة به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به إيش له أجر كذا مثلا بسيط؟ لا لا، أحد المتصدقين، أحد المتصدقين يعني الآن من صاحب المال الذي أعطى هذا الخازن؟ هذا خازن إيش وظيفته خازن ومؤدي، ما سوى شيء يعني وما أنفق من ماله، اللهم إلا إنه حفظ هذا المال، لم يختلس منه لم وإنما أعطاه تمام هذه العطية، الآن هذا الإيصال للمال هذا في ميزان الله تكتب إنك أحد المتصدقين أو أحد المتصدقين، وهذا لا شك إن أجر عظيم وثواب جزيل من الله سبحانه وتعالى الكريم. هذا من كرم الله، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى إنه جعل باب المشاركة في الأجر واسع أوسع من مجرد المشاركة المباشرة والإعطاء بالمال، هذا كرم الله سبحانه وتعالى.
ومن الفوائد التي تستخرج من هذا أهمية رعاية الأمانة المالية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأمين وقال الذي ينفذ ما أمر به فيعطيه كاملا، وهذا يقودنا إلى يعني التعليق على شيء من الأشياء أو عمل من الأعمال التي ربما تنتشر اليوم في الواقع، وهي أداء الأمانة غير كاملة، أداء الأمانة المالية غير كاملة، وهذا يكثر مع الأسف حتى في بعض حتى في بعض الأوساط يعني المتعلقة بالصدقات أو المتعلقة بإيصال التبرعات أو ما إلى ذلك. يوجد توسع اليوم في التأويل، توسع في التأويل في الأخذ من الأموال التي يؤمر الإنسان بإيصالها إما بالتوسع في تأويل والعاملين عليها، أو التوسع في تأويل أجرة النقل، أجرة مدري إيش النسبة الكذا إلى آخره. حقيقة الواقع اليوم في توسع في هذا الباب، وأنا أقول لكم يا جماعة الخير يا مصلحي المستقبل من هو حاضر ومن يسمع بعد ذلك وإلى آخره: من أراد البركة في مشاريعه الإصلاحية، من أراد البركة في مشاريعه الإصلاحية فليتنزه عن أموال المسلمين، ولا يتأول فيها ولا يتوسع في التأويل، ولا تقول لي هذا المعهود وهذا المعروف في الجمعيات ما أدري في بعض الجمعيات الخيرية وهذه نسبة مع وهذه ما أدري مين وهذه كذا، أنا أقول لك إذا تبغى البركة في مشاريعك الإصلاحية وتبغى الخير في مشاريعك الإصلاحية، لا تدخل في قضية نسب وما نسب وتوسع أبدا، لا تدخل في هذه القضية اللهم إلا الحلال البين الواضح الذي ذكره الله سبحانه وتعالى فيه والعاملين عليها نصا في القرآن، هذا له حدوده وله ضوابطه وله إلى آخره، لكن ما هو بالصورة اللي يتوسع فيها البعض اليوم، وكما قلت المواقف كثيرة اليوم.
هذا طبعا فضلا فضلا عن المختلسين صراحة يعني اللي هو مو تأويل، اللي هو أصلا يأكل، وسبحان الله النفوس الرخيصة والنفوس المنحرفة كثيرة، وهناك نفوس مثل البكتيريا يعني ما البكتيريا تنشط في أماكن معينة في ظروف معينة، في نفوس خبيثة ما تنشط إلا في وقت أزمات المسلمين، جيد لما تصير في حرب، يصير في مهجرين، يصير في قصف، يصير في جروح كثيرة، يصير في في ناس من السراق وناس من المختلسين ما ينشطون إلا في هذه الأوقات، وهؤلاء حين ينشطون لا يقولون نحن لصوص، ما يقولون نحن لصوص، يقولون نحن نجمع الخ.
إنقاذ أهلنا وإغاثة إخواننا وصور المآسي وصور الخيام وصور المدري إيش وإلى آخره. وتبرع ولا تفوت الفرصة ولا تكن مع المجم ولا تشارك العدو في إلى آخره من الشعارات، وحدث ما شئت من صور السرقة والاختلاس والكذب الموجودة في الواقع في أوقات المآسي وأوقات نزف الدماء. وعلى ثرى العظام والرفات والأشلاء تكبر وتتوسع الأرصدة البنكية لبعض الناس التي لا تتوسع ولا تتضخم كتضخم وتوسعها في أحوال الحروب وأحوال الأزمات وأحوال اللاجئين.
وإذا كنت قد رزقت الورع فكنت قبل أن تنام لا تنام مرتاحاً إذا شككت في ها ريال ولا دولار ولا ولا نسبة صغيرة أنه والله يمكن تكون حلال يمكن تكون حرام، فإن هناك من يسرق الملايين وينام أهنأ نومة وبراحة تامة ولا ولا عنده مشكلة. في ناس يعني نزع الله منها الخوف منه، نزع الله من قلوبها الخوف منه سبحانه وتعالى؛ فهذا أمر خطير جداً حقيقة وأمر يجب التنبيه عليه. أحياناً ترى تكون ناس طيبة بس مثل ما ذكرت لكم اللي هو التوسع في التأويل، أنه خلاص يعني مثلاً هو يجي مثلاً في جمعية معينة أو مركز معين أو أياً كان ويجد أن هذا هو النظام أصلاً، فأنا أقول يا جماعة الخير أنت إذا قدر الله أنك اشتغلت يوماً في جانب خيري في جمع تبرعات في أياً كان وأعطيت مالاً لتوصله لفقراء لا تقول عشان أنا، ما تقول عشان شيء، أنت أخذت هذا المال وصله زي ما هو نقطة وخلصنا.
تصير مواقف في الحياة كثير، وترى إذا فتح باب التأويل ما عاد يوقف ما عاد يوقف؛ لأنه أحياناً يكون اللي يوصل يوصل لموصل ثاني، والموصل الثاني يوصل لموصل ثالث، وكل واحد منهم عنده نفس التأويل، فهمت الفكرة؟ فاللي يوصل أول مرة يقول والله أنا الله المستعان عضلات يدي تعبت وأنا أمدها لكي أستلم هذا المبلغ، وتعبت عضلات يدي لكي أرجعها إلى قريب من جسمي، ثم تعبت قدماي وأنا أخطو خطوات متعددة للوصول إلى الموصل الثاني، فأكيد لي نسبة يعني في الموضوع؛ يعني هذا التعب ما يروح بلاش. وبعدين لو لم أكن أنا فهل ستشبع بطون الفقراء؟ وهل سيصل يعني يعني مستحيل ما حيوصل الخير، فلاجل ذلك يعني لابد أن آخذ نسبة من هذا، فيوصل للي بعده، اللي بعده نفس الشيء، واللي بعده نفس الشيء، واللي بعده نفس الشيء، واللي يوصل بعدين للفقراء.
طبعاً هو هذه العملية أحياناً تصير منظمة معلش زي ما توسعنا في الجغرافيا قليل، العملية هذه تصير منظمة أحياناً؛ كيف تصير منظمة؟ أنه مثلاً مثلاً الموضوع حفر بئر، جيد، كم كم تكلفة البئر؟ والله مثلاً نفترض مثلاً 500 دولار مثلاً التكلفة الفعلية، طيب هذه التكلفة الفعلية بدون موصلين، بس في موصل أول موصل ثاني موصل ثالث أو متعهد أول متعهد، هذا بس اللي يوصله للي حيحفر البئر، هو ما دام أنه هذا حياخد نسبة وهذا حياخد نسبة وهذا حياخد نسبة ف حتقل عن ال 500، طيب يصير اللي في الإعلان ها كم كلفة حفر البئر؟ إحنا عارفين من بدري نحطها 700؛ لأنه في 200 تروح الطريق تمام، فكم كلفة حفر البئر؟ والله 700، وهذه ال 200 رايحة حق الموصل الأول والثاني والثالث والرابع، وكله يعني بالتأويل، وكله يعني هذا يا جماعة موجود، هذا موجود في الواقع. طبعاً هذه الأرقام يا جماعة ليست مقصودة إذا شفتوا إعلان 700، 500 تقولوا أنا قصدي، ما قصدي شيء، أنا جالس أضرب مثلاً، فأنا أقول يا جماعة الخير هذا الشيء موجود في الواقع، وهذا الشيء موجود في الواقع وهذا الشيء أقل ضرر فيه، أقل ضرر فيه هو انعدام البركة، أقل ضرر انعدام البركة تمام، فضلاً عن الإثم عن ما قد يعني يحاسب به الإنسان في الآخرة عن كون مال مسلمين عن يعني أشياء كثيرة حقيقة.
فلذلك يا جماعة الخير القاعدة العامة إذا وفقك الله لأن تشتغل في جوانب إغاثية في أعمال خيرية في إيصال تبرعات، هذا عمل عظيم وخير كبير، لكن إياك أن تمتد يدك إلى شيء من المال بتأويل فضلاً عن أن تمتد يدك بلا تأويل، فهذا باب خطير جداً جداً وينبغي التنبه له، وترى أنا ما توسعت في الكلام إلا لتوسع الإشكال في الواقع، لا تظنوا يا جماعة أن الحديث هو عشان في يعني بعض لا لا لا ترى الواقع مع الأسف مع الأسف الواقع مليان مليء بالإشكال اللي مثل هذه، مستقل ومستكثر، والحمد لله ومن عصمهم الله أيضاً كثير الحمد لله، لكن ترى الواقع مليء بهذه الإشكالات، فينتبه الإنسان ينتبه الإنسان.
هذا الآن كله مأخوذ من أين؟ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الْأَمِينُ، الَّذِي يُنَفِّذُ مَا أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ، شوف كاملًا، فَيُعْطِيهِ كَامِلًا بدون أخذ نسبة، فَيُعْطِيهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ. سبحان الله لو أعطاه كاملاً موفراً لكن نفسه غير طيبة قد ما يأخذ هذا الأجر، لازم نفسك يعني ما يكون أنه الله المستعان بس عارف أنه يعني لايت المال هذا لي بس يت أني أخذت من، لكن الله المستعان لا لا، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ.
وهذه أُمِرَ لَهُ بِهِ ترى كمان تحدد، يعني ترى أنا أرى هذا الحديث ترى أراه أصلاً في باب التبرعات وباب الجمعيات الخيرية الإغاثة، صراحة أنه في عدة عدة جمل في هذا الحديث كأنها ضوابط للعمل الإغاثي، والله شوف فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ، لا تقعد تتوسع، هو قال لك متبرع، قال لك أبغى في مسجد، تمام، فانت تجي تفكر تقول والله بس لو زرعنا لهم زيتون يمكن تمام، مالك دخل، لا تزرع زيتون، خلاص يجي متبرع ثاني يبي يزرع زيتون، الآن هذا قال لك مسجد لا تقول الزيتون، تمام، يوفر ظل، هم يقدروا يجمع بين الأمرين يصلوا تحت الزيتون وكمان ياخذوا وكمان في زيت وكمان في ومشروع تجاري، والمتبرعين ما يفهموا أصلاً، لو سوينا لهم شيء استثماري يكون أحسن، مالك دخل، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ، حدد لك، قال لك أنا أبغى توصله إلى هذه الجهة إلى هذا المكان، لا تجتهد جيد، والعلماء عندهم ضوابط في قضية بعدين إذا يعني في اجتهادات معينة هذه لها ضوابطها، لها أشياءها لها كذا، لكن الأساس أن تؤدي ما أمرت به كما هو بدون زيادة بدون نقصان بدون اجتهادات، فحقيقة هذا الحديث على أن النووي رحمه الله أورده في باب التعاون على البر والتقوى، ولا شك أنه من أوضح الأحاديث في التعاون على البر والتقوى، ومن أوضح الأحاديث في فضل التعاون على البر والتقوى، إلا أنه من الأحاديث الأصول في ضبط موضوع التبرعات وضبط موضوع إيصال التبرعات، طبعاً وإيصال الأعمال الخيرية أو القيام بالأعمال الخيرية والإغاثية، هذا حقيقة حديث عظيم جداً جداً.
وفيه من فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه وإحسانه إلى عباده أنه وسع لهم أبواب الخير، فسبحان الله يعني والله يا جماعة ترى اللي تفكر في هذا الشيء كمان أمر عظيم، يعني أنت أحياناً تكون كذا تحس نفسك مسكين ما عندك فلوس، وترى أجور المتصدقين وأجور هذا ترى لك، يعني مو لك فرصة لك فرص واسعة ليكتب لك أجر الصدقة فرص كثيرة جداً جداً جداً ليكتب لك أجر الصدقة أو أجر شيء من الصدقة، أياً كان، مثلاً عندنا الحديث تعرف أنما الدنيا لأربعة نفر ها، وَرَجُلٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فهو صادق النية، يقول لو أن لي مثل مال فلان لفعلت مثل فعله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، ما سواء أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. هذا مثلاً وعندك هذا الباب الخازن المسلم الأمين الذي يؤدي الذي ينفذ ما أمر به فيعطيه كاملاً موفراً طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين. وعندك إذا انتهت هذه كلها اللي هو الكلمة الطيبة الصدقة، والتسبيح كل تحميد وكل تسبيح وكل تهليل وإزالة الأذى عن الطريق صدقة ها، طيب ما حتى هذه ما سويتها، قال يكف شره عن الناس فهي صدقة صدق بها نفسه، هذا باب يعني واسع وعظيم.
طيب نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والهداية والرشاد، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام والمسلمين. بس أختم يعني على الموضوع المالي الذي ذكرته قبل قليل، لتابع منكم سلسلة خير القرون كان في تنبيه على هذا المعنى لو تتذكرون، وكان في ذكر لسياسة عمر رضي الله تعالى عنه المالية والتحرز الشديد الذي كان عليه، وقبل عمر وخير من عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ذكرت هذا لو تتذكرون في السيرة النبوية للمصلحين في درس الغلام الذي غل شيئاً من الغنيمة، فجاء أصابه سهم، فقيل هنيئاً له الشهادة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كَلَّا، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي غَلَّهَا لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا، وهو غل شملة وفي جهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. حقيقة يا جماعة الخير هذا الباب يعني باب عظيم، باب المال وما يتعلق به باب عظيم، باب خطير جداً جداً وباب فتنة، وكم من الناس فتن بسبب المال. ولما ترى هؤلاء المفتونين ترى تقول سبحان من يعلم الغيب، وسبحان الحكيم العليم الذي جعل صلاح طوائف من عباده في كونهم غير أغنياء، كثير من الناس يا جماعة هو فيه عافية وفي سلامة من الفتنة لأن أحواله المادية محدودة، فلا يحزن الإنسان كثيراً إذا كان محدود الرصيد البنكي والمالي، لأنه ترى أحياناً أحياناً الإنسان ما يصبر على فتنة المال، فهذه نعمة هذه نعمة من جهة.
ومن يتأمل في مجموع ما ورد في القرآن وفي السنة في السيرة وفي الحديث وفي هدي الخلفاء الراشدين، سيجد أن موضوع المال موضوع عجيب وعظيم وكبير وخطير جداً جداً، ترى عدد الآيات والأحاديث والروايات التي جاءت عن الخلفاء الراشدين الآتية في المال ترى تحتمل مجلدات، مجلدات تتكلم عنها وتستنبط الأشياء المتعلقة بها. ولذلك حقيقة التهاون في هذا الباب والتوسع فيه، وترى ما أتكلم التوسع مجرد اختلاس ولا نسبة، لا لا حتى حتى بمجرد الاكتساب الشخصي والتوسع الدنيوي، ترى هذا يعني باب أيضاً ترى واردة في أحاديث واردة في آيات واردة في شيء، فهو موضوع ترى مو سهل، يعني عارف الموضوع الإنسان يبغى له كذا يتفكر فيه بتفكر كبير في ما جاء في الوحي. الموضوع ليس سهلاً، التعامل مع المال كأنه شيء يعني نتيجة كذا طبيعية في الحياة وحتمية في الحياة، فضلاً عما نراه اليوم في بعض البلدان من نشوء أو انتشار وشيوع ثقافة التوسع المالي والتجاري دون ضوابط ودون تحرز ودون خوف من أي فتنة، وأحياناً وصل الحال اليوم في بعض البلدان ومن يتابع شبكات التواصل وبعض البودكاست وبعض الكذا يجد هذا موجوداً يعني واضحاً، أحياناً بعض الناس انتشرت الثقافة في بعض البلدان كأنه معيار التفوق والنجاح في الحياة هو عدد المشاريع التجارية التي تفتحها ومقدار الأموال التي تكتسبها.
ولما صار هذا الأمر معيارياً انعكس حتى على فلسفة التعامل الإنساني والأخلاقي، فيقول لك أنت عشان تنمي شركتك بشكل صحيح وتنمي تجارة بشكل صحيح لازم تتعامل بهذه الطريقة وبهذه الطريقة وبهذه الطريقة، لازم تقسي وجهك هنا ولازم خلينا نقول تنزع الحياء عن نفسك هنا ولازم ما تخجل من هنا ولازم ما تتبرع هنا ولازم ما تسوي، فهمت؟ فهذا التأسيس لثقافة الناس على الاستكثار المالي وتأسيس ثقافة الناس على أن النجاح في الحياة هو النجاح في المشاريع المالية، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث صحيح قال عليه الصلاه والسلام: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ الْمَالُ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ، وتوسعت المعاملات المالية المشبوهة وتوسعت، ويا جماعة فعلاً الموضوع ترى ليس بالسهل.
والعجيب أن الإمام ابن رجب رحمه الله جعل من علامات هدي السلف، نرجع للسلف ها، جعل من علامات هدي السلف تحري الحلال في المأكول والمشروب والمال، والابتعاد عن الحرام في الجانب المالي، وفي هذا الموضع تحديداً، وهي وهو في رسالة رفع الكربة عن أهل غربة أو نحو ذلك، ذكر أنه ترى بعض الشراح أو بعض العلماء اعتنوا أو ذكروا أنه هدي السلف يعني المباحث العقدية، بينما أنه ترى من أهم ما اعتنى به أهل السنة تحري الحلال في المطعم وفي المأكل وفي المشرب وكذا. ومن يقرأ تراجم سير المتقدمين من التابعين وتابعي التابعين سيجد أن هذه القضية مركزية، ولذلك شاع عند السلف وعند خير القرون شاع عندهم التنزه عن أموال السلاطين، مع أن السلاطين يعطوهم المال، يعني هو مو أنه مثلاً أعطاهم رشوة أو أعطاهم مثلاً لاجل السكوت عن حق أو إقرار بباطل لا لا، وإنما يعني مجرد وجود الشبهة في المال وكذا.
فمن يتأمل في مجموع ما ورد في خير القرون وقبل ذلك في الوحي، سيجد أن هناك معايير متعلقة بالتعامل مع الأموال مفقودة اليوم في الواقع، والحساسية المسألة ليست حقيقة بحساسيتها في الوحي وحساسيتها في ذلك الواقع، الموضوع يحتاج بعض المراجعات، يحتاج شيئاً من الورع، يحتاج شيئاً من الزهد، يحتاج شيئاً من.. وهذا كله بطبيعة الحال لا يعني عدم يعني خلينا نقول لا يعني أن الإنسان يتحرى.
الفقر، لا، وكما أن هذا فيه إشكالًا فإن الله قد جعل على هذا الإنفاق للأموال الخير الكثير الذي لم يجعله. يعني من لا يمتلك مثل هذه الأموال أو لا ينفقها في وجوه الخير؛ على كل حال هذه إشارة، والموضوع يعني لأنه لاني أراه من المشكلات الكبيرة الموجودة في الواقع، فأنا يعني أكرر ذكره في أكثر من سلسلة وفي أكثر من درس وفي أكثر من موضع.
وسبحان الله يعني لما الإنسان يكون مشغول بموضوع كل مرة يكتشف نصًا له ارتباط بالموضوع؛ يعني مثلًا الواحد ذكر الموضوع سابقًا بس أنا ما كان في بالي هذا الحديث، يعني لما ذكرته في خير القرون ولما ذكرت في السيرة النبوية للمصلحين ما كان في بالي هذا الحديث مع أنه يعني هذا الحديث بالنسبة لي من المحفوظ، يعني الخازن والمسلم والأمين لكن ما كان يعني مستحضرًا في هذا الباب.
الآن لما جاء مع أنه الباب ليس هو الباب اللي هو التعاون على البر والتقوى، لكن لوجود الموضوع مسبقًا في يأتي الانتباه لهذا الحديث كأصل في هذا الباب، وبالتالي ممكن أن يعني كل ما كثر العرض تجمع مجموعة من النصوص أكثر، فتحدد معالم الباب بشكل أكبر، فتتضح الصورة بشكل أيضًا أكثر وضوحًا وأكثر يعني خلينا نقول نضجًا.
ونسأل الله العفو والعافية، نسأل الله العفو والعافية، نسأل الله العفو والعافية، وأن يغفر لنا ويرحمنا ويهدينا ويسدد. اللهم يا ربنا صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، واحشرنا في زمرته، واجعلنا من الواردين على حوضه، اللهم وارزقنا صحبته في الجنة، اللهم يا ربنا واخلف في أمته بخير والطف بأمة نبيك محمد، اللهم وأعز الإسلام والمسلمين.
الشيخ أحمد السيد