الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد يا ربنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار السنة المحمدية، وهذا هو المجلس الأربعون من التعليق على رياض الصالحين. نسأل الله سبحانه وتعالى التمام على خير والتوفيق والهداية والسداد والبركة، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
الباب المقصود بالتعليق اليوم هو الباب الثاني والعشرون من رياض الصالحين، وهو باب النصيحة. وسبق في الباب الماضي ذكرت أن الإمام النووي رحمه الله ذكر عدة أبواب متتالية عن موضوع الدعوة إلى الله والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي كل باب أورد مجموعة من الآيات ومجموعة من الأحاديث. وذكرت أن الفائدة من هذا التكرار هو أن نفهم أن هذا الموضوع مركزي في الشريعة، وأن هذا الموضوع له أهمية عند الله سبحانه وتعالى؛ لأنه تكرر الكلام فيه وكثرت وجوه طرقه في الكتاب وفي السنة. وأنه حيثما رأيت موضوعا في الكتاب أو السنة تكررت وجوه طرقه ووجوه تناوله وكثرت النصوص فيه فاعلم أنه من الموضوعات المهمة التي ينبغي أن تعتني بها، وإذا كانت العناية من الله ومن رسوله بأمر قد بلغت الدرجة العالية فيجب عليك أن تعتني أيضا بدرجة عالية بما اعتنى أو بما اهتم به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يكن الأمر كذلك فيعطى من الأهمية بقدر ما لها من الأهمية في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرحمك الله.
طيب، الباب السابق كان باب في التعاون على البر والتقوى، والذي قبله الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة، والذي قبله في من سن سنة حسنة أو سيئة، لاحظوا تقارب الموضوعات. واليوم باب النصيحة، قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ. وقال تعالى إخبارا عن نوح صلى الله عليه وسلم: وَأَنصَحُ لَكُمْ، وعن هود صلى الله عليه وسلم: وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ. هذه ثلاث آيات ذكرها النووي رحمه الله في باب النصيحة، وهناك آيات أخرى يمكن أن تضاف لهذا الباب ولهذا المعنى، منها قول الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة: لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وسياتي إن شاء الله من خلال الشرح شيء من بيان معنى النصيحة؛ لأنه هذه الكلمة مهمة جدا في الدين.
قال عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. رواه مسلم. الحديث هذا يا جماعة حديث قصير جدا، الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. وتعرف في الأربعين النووية اللي كان يحفظ أربعين نووية، حديث سهل من الأحاديث اللي تحفظ سريعا، يعني الدين النصيحة. ولكن هذا الحديث السهل القصير عظمه العلماء تعظيما كبيرا، ورأوا أنه يحتوي على كل خير، ورأوا أنه من الأحاديث العظام ومن الأحاديث الأصول ومن الأحاديث الأركان، وعد بعض العلماء هذا الحديث أحد أرباع الإسلام، وبعضهم قال: ليس صحيحا أنه أحد أرباع الإسلام، بل هو الإسلام، وحديث واحد. والفائدة المتكررة التي دائما أكررها في مثل هذا المقام وذكرتها في الدرس الماضي، هي المتمثلة في السؤال التالي: ماذا لو يا همام قرأت الحديث بنفسك دون أن تقرأ كلام العلماء عنه بأنه أحد أرباع الإسلام أو أحد الأحاديث العظام، هل كنت بمجرد قراءتك للحديث ستفطن إلى قيمته ومركزيته وأهميته وأن عليه مدارات من مدارات الإسلام أم لا؟ وإذا كان الجواب لا -وهو المتوقع عند كثير من الناس أن لن يقفوا بأنفسهم على أن هذا الحديث أو أن هذه الآية من المعاني الكبرى- وأنا ضربت مثلا في الدرس الماضي، قلت: لو سألك النبي صلى الله عليه وسلم السؤال الذي سأله لأبي بن كعب: أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ ولم تكن تعرف الجواب مسبقا، وكان مطلوبا منك أن تستعرض القرآن لتستخرج منه أعظم آية، هل كنت ستستخدم؟ هل كنت بمجرد قراءتك -أذكر عن درس الماضي- لو وضعت خيارات سؤال: سورة البقرة ولا سورة يس ولا سورة الرحمن ولا سورة الإخلاص، سورة تعدل ثلث القرآن، ما عندك المعلومة، إيش راح تختار؟ أتوقع أغلب الناس تختار سورة البقرة لحكم احتوائها على مختلف الموضوعات وكذا صح، والناس شوية تختار يس ولا الرحمن ولا كذا، أما أنك تختار سورة الإخلاص أنها ثلث القرآن، ليش؟ بناء على ماذا؟ وإذا قيل لك أعظم سورة في القرآن ووضعت الفاتحة في الخيارات، هل ستختارها أم ماذا أم لا؟ وحديث "إنما الأعمال بالنيات"، هل ستدرك قيمته المركزية الكبرى عند العلماء أم لا؟ وهكذا ونرجع فنقول ونؤكد كما هو دائما، وأرجو ألا تكونوا مللتم من تكرار هذا المعنى لأهميته، أنا أكرر لأهميته وقيمته ومركزيته، وهو من أعظم أبواب الفقه في الدين، فقه مراتب العبادات، فقه مراتب الأخبار، فقه مراتب الأوامر، فقه مراتب النواهي، وألا تتعامل مع ما جاء في المرتبة العليا كما جاء دون ذلك، وإن كان الجميع معظما، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ربى أصحابه على فقه المراتب، وأن هذا الفقه موجود في القرآن، في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشواهد على ذلك كثيرة، وقد أفردت في المنهاج من ميراث النبوة بابا مستقلا، باب في أن الدين على مراتب، وأنها في الخبر والأمر والنهي، وأن الفقه في الدين تبع لإدراك هذه المراتب، ذكرت مجموعة من الآيات ومجموعة من الأحاديث في هذا المعنى.
طيب الآن الدين النصيحة هو واحد من الأحاديث التي أدرك العلماء أنها من الأحاديث التي لها قيمة مركزية وقيمة كبرى في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ هنا الآن نحتاج إحنا كمان نعرف هم لماذا قالوا هذا الشيء، نحاول ندرك هذا المعنى. هناك مفاتيح لإدراك لماذا جعل العلماء هذا الحديث من الأحاديث المركزية الكبرى، المفتاح الأول هو في اللفظ: الدين النصيحة. الآن لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: الحج عرفة، الحج عرفة، إيش تفهم أنت قيمة عرفة؟ تفهم أنه يعني خلاص، أنه عرفة هي الحج، هي أهم ما في الحج جيد، وأنه إذا لم يكن وقوف عرفة فلن يكون هناك حج صح؟ هذا اللفظ، هذا مقتضى اللفظ: الحج عرفة. لاحظ يعني أصلا حديث قصير، الحج وعرفة، إذا لم تدرك قيمة عرفة من هذا اللفظ فهذه مشكلة. طيب حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، هذا الآن أول مفتاح تدرك من خلاله أنه الأمر عظيم، وأن النصيحة لها شأن كبير في الإسلام؛ باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها بهذا اللفظ: الدين النصيحة، هذا واحد.
الأمر الثاني هو في فهم كلمة النصيحة؛ لأنه إحنا الآن سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن النصيحة لمن؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. فكيف تكون النصيحة لله وتكون النصيحة للكتاب وتكون النصيحة للرسول؟ أما النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم فهي سهلة صح؟ معروف يعني أنصح إمام المسلمين أو أنصح عامة المسلمين، واحنا لازلنا نستعمل كلمة نصيحة فهي مفهومة، يعني أنصح فلان يعني دله على الخير، أرشده إليه، حذره من كذا، وهذا معروف. لكن كيف النصيحة لله والنصيحة للكتاب والنصيحة للرسول؟ ومن هنا من يفهم هذا المعنى ويفهم أساس النصيحة ويفهم ما يتعلق بها سيدرك قيمة هذا الحديث ومركزه، واضح؟
طيب، النصح في أساسه هو الخلوص، خلوص من الشوائب، يعني تصفية الشيء، أن يخرج الشيء صافيا خالصا، خلص من شوائبه، من مكدراته جيد. ولذلك من أقرب الألفاظ لمعنى النصيحة، وإن كان ليس مماثلا تماما، هو معنى الصدق. ليس الصدق المقصود مجرد الصدق اللفظي، لا، لما شفت يقول لك الصدق مع الله، الصدق مع الله، كيف الصدق مع الله؟ أنه الإنسان فعلا يكون بقلبه صادقا مع ربه، لم يخلط في قلبه في علاقته بربه شائبة رياء، ولا شائبة مجد دنيوي، ولا شائبة ولا شائبة، فنقول هذا صادق مع الله، وفي نفس الوقت نقول هذا نصح لله، أن هو خلص إيمانه وخلص قلبه من أن تكون فيه شوائب داخله مكدر، فنقول نصح لله. على أن النصيحة لله أشمل من معنى الصدق مع الله، ولذلك قد إذا تيسر أقرأ عليكم كلام بعض العلماء في ذكر صور ما يدخل في النصح لله والنصح لكتابه والنصح لرسوله؛ لتعلموا أنها تشمل الدين عموما. ولذلك لما نقرأ الآية: لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. يعني إذا تخلفوا عن الجهاد لأنهم ضعفاء أو مرضى أو لا يجدون ما ينفقون، إذا تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم معذورون، ولكن بشرط أن يكونوا ناصحين لله ورسوله، فقعودهم ليس قعود رضا بهذا القعود ولا قعود نفاق، شوائب جبن وخوف ورغبة في الدنيا، وهم في نفس الوقت صدقوا مع الله ومع رسوله في قعودهم، فإذوا عذرا في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واضح؟
طيب، ومن هنا نقول: الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، أن تؤدي في كل شيء من هذه أو تجاه كل شيء من هذه الأشياء تمام ما ينبغي، بأفضل ما ينبغي من مختلف الوجوه التي تنبغي، بأصفى ما ينبغي وأخلص ما ينبغي، واضح؟ فإذا قلت النصح لكتابه، لكتاب الله، ثم يكون تكون علاقتك بكتاب الله علاقة قراءة وتلاوة وحفظ، فنقول لك ما شاء الله، هذا شيء، ولكنك لم تنصح لكتاب الله. إذا نصحت لكتاب الله فهذا يقتضي فهم معانيه، وتدبر آياته، والاستهداء به، وتنزيل هذه الآيات على الواقع، والاستنارة و و و، فإذا فعلت ذلك نصحت لكتاب الله، واضح؟
ولله: أن تغضب لمحارمه، وأن تخلص في توحيدك له، وأن تؤمن بأسمائه وصفاته، وأن تسلم وجهك له سبحانه وبحمده، وأن تكون أعمالك كلها خالصة لوجهه الكريم، وأن تغضب لما يغضبه، وأن ترضى لما يرضيه، وأن تحب من يحبه الله، وأن تكره من يكرهه الله، وأن تدافع عن دينه، وأن تنصر من ينصره، فهنا نقول نصحت لله، واضح؟ ومثل هذا الأمر لرسوله صلى الله عليه وسلم، فلذلك مثلا لما يأتي لم يأتِ شيء في الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم أو في سنته أو في شيء ثم لا يكون لك موقف، يقول لك ما نصحت لرسول الله، ما نصحت. وهكذا، النصح لأئمة المسلمين الذين يقودون الناس بالإسلام، ولو كان عندهم نقص، ولو كان عندهم ظلم، ولو كان عندهم شيء، طالما أنهم يحكمون بشرع الله سبحانه وتعالى وينبثق من مرجعية الإسلام، ويقومون بالواجبات الأساسية، ولو كان هناك شيء من النقص والقصور، فهنا ينبغي أن يكون المسلمون ناصحين لهؤلاء الأئمة، بأن أولا يرشدهم، يقومهم إذا كان هناك إشكال، نصيحة، نصيحة يعني أمر بمعروف أو نهي عن المنكر، الدفاع عنهم، الاجتماع عليهم، عدم التفرق عنهم، عدم الخروج عليهم إلى آخره، هذا كله من النصح لأئمة المسلمين. وعامتهم: النصح لعامه المسلمين بمحبتهم، التعاون معهم، سد حاجاتهم، أمرهم بالمعروف، نهيهم عن المنكر إلى آخره. ومن أهم ما يدخل في النصح للمسلمين اللي هو المفهوم من معنى النصيحة اللي هو الأمر والنهي، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واضح؟ فهذا ما يدور عليه حديث الدين النصيحة، ولذلك جعله العلماء بهذه المثابة العظيمة وبهذه المكانة الكبيرة، وينبغي لنا أن ندرك ذلك.
طيب ممكن أنا يعني أتجاوز قضية أقرأ لكم تفسير بعض العلماء للحديث، ممكن تراجعون في مثلا واحد من المواضع المهمة، كتاب "جامع العلوم والحكم" لابن رجب الحنبلي رحمه الله في شرح الحديث هذا، أظنه الحديث السابع، فيراجع الحديث، يراجع كلام العلماء، ذكر كلام من أشهر النقول كلام الخطابي رحمه الله وكلام محمد بن نصر المروزي وغيرهم، كلام مشهور في شرح الحديث وبيانه، ويفصلون يقول لك: أما النصح لله فهو إخلاص القول له والتوحيد والإيمان بأسمائه وصفاته وكذا، ويفصلون الأمر تفصيلا.
طيب مما يزيد النصيحة مكانة وهنا يأتي الحديث الثاني في النصيحة المتعلقة بالمسلمين، قال جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. متفق عليه.
بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. متفق عليه. هذا الحديث فيه فوائد، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزيد من قيمة بعض الفرائض وبعض الأوامر الإلهية في نفوس بعض أصحابه بأساليب توثيقية وتأكيدية زيادة على مجرد الأمر والنهي الوارد في الشريعة تجاهها. الآن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة موجود في النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة، وجرير بن عبد الله يعلم هذا، وكذلك النصح لكل مسلم موجود، لكن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ وسيلة توثيقية مع جرير بن عبد الله تزيد من قيمة هذه العبادات في.
نفسه، فبايعه على ذلك. والبيعة فيها معنى العهد. فتخيلوا يا جماعة، يعني البيعة البعض يظن أنها هي بس موضوع سياسي، عارف أن البيعة هي متعلقة بالإمام والحاكم وولي الأمر الشرعي الذي يحكم بالكتاب والسنة ويبايعه الناس. لا، البيعة النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع بعض أصحابه على أمور من العبادات الشرعية؛ ليزيد من مكانة هذه العبادات في نفوسهم باتخاذ أسلوب البيعة التأكيدي، وكأنه بأسلوبنا المعاصر ها، آتي لعبد الرحمن مثلاً، أقول: يا عبد الرحمن، أتعاهدني، أتعاهد يا عبد الرحمن على قيام الليل، ولا تترك هذا القيام يعني طول عمرك؟ أعاهدك على ذلك. ها، بس تخيل هذا الأمر مع النبي صلى الله عليه وسلم، يتخيل النبي صلى الله عليه وسلم يبايع صحابياً، يقول: أبايعك على النصح لكل مسلم. إيش تكون قيمة النصح للمسلمين في نفس جرير بن عبد الله؟ أليست تكون في نفسه أكثر من قيمتها في نفوس كثير من الصحابة؟ واضح الفكرة.
وهذا فيه فائدة دعوية وتربوية أيضاً، أنه ترى المربي المصلح الداعية قد يؤكد بعض المعاني عند البعض بأساليب توثيقية معينة، ها تجعل لها يعني في أنفسهم مكانة معينة. طبعاً ليش هذا الطالب أو هذا، وإيش العبادات هذه، يحتاج لها لا شك معرفة بأحوال الناس وما إلى ذلك. وجرير بن عبد الله استفاد من هذا كثيراً؛ ولذلك في البخاري لما حصلت مشكلة في الكوفة، صعد جرير بن عبد الله على المنبر ونصح الناس، ثم قال: بايعني رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم، ثم استغفر ونزل. فلاحظ، قام بموجب النصيحة وتذكر هذا الحديث، وقال للناس إن محمداً صلى الله عليه وسلم بايعني على ذلك، ثم استغفر ونزل. وفي هذا الحديث أن قيمة النصيحة للمسلمين وأنها من الأمور العظيمة ومن الأمور المهمة.
هذا الأمر يا جماعة الخير يعني يعيد عندنا تعريف، تعريف لقضية خطيرة جداً مهددة لهذه القيمة الكبرى في الشريعة، وهي قضية عصرية ذكرتها أنا في الدرس الأخير من سورة التوبة، اللي هي في الدرس السادس من سورة التوبة لما تكلمت عن قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ. ذكرت أن منافقي زماننا يستترون خلف مجموعة من الشعارات، ومنها شعار الوطنية، ومنها شعار محاربة التشدد، ومنها شعار الحرية. شعار الحرية من أشهر الشعارات التي يستتر خلفه منافقو زماننا.
وشعار الحرية بالطبيعة التي يطرحها المنافقون اليوم والعلمانيون وما إلى ذلك، هي تتعارض تعارضاً تاماً مع مبدأ النصيحة ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين. ولذلك مهم جداً ونحن نفقه هذه المعاني الكبرى في الشريعة أن نفقه ما الذي يضادها في واقع اليوم؛ لأنه يا جماعة ترى ترسيخ المعنى الشرعي هو ليس بمجرد أدائه، وإنما ترسيخ المعنى الشرعي يكون بأدائه وبكشف ما يضاده وبإزالة الحجب الحائلة بين الناس وبين تلقي هذا المعنى الشرعي. ولذلك من أدوار المجددين ها، إزالة الحجب بين الناس وبين المعاني الصافية للوحي، وإذا ازدادت هذه المعاني والحجب ازدادت وظيفة المصلحين والعلماء، ها وأهل العلم في إزالة هذه الحجب.
وحقيقة يعني اليوم من الأخطاء التي يقع فيها بعض الدعاة هي أنهم يأتون للمعاني الشرعية ويؤدونها للناس كما هي دون إدراك ما الذي يحول بين الناس وبين امتثال هذه الأوامر، وما الذي يشوه هذه المعاني الشرعية في نفوس الناس؛ لأن كثير ممن يدرس العلوم الشرعية وغيرها ليس عنده إدراك لحقيقة المؤثرات التي تحيط بالناس وتحول بينهم وبين صفاء التدين. فلذلك، وهنا هذه فائدة أخرى معززة لأهمية الوعي بالواقع، فإن أهمية الوعي بواقع الناس وما يشغلهم والأفكار التي تؤثر عليهم، من أهم فوائدها وثمراتها أنها تعين الداعية وتعين المصلح على أن يوصل الأمر الشرعي إيصالاً يعين على الامتثال، هذا المقصود الامتثال.
فمما يعين على الامتثال لهذا المعنى الشرعي هو أن تكون مدركاً ما الذي يحول بين المتلقي وبين أدائه. فإذا مثلاً أعطيت درساً عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ممتاز جميل، وهذه الآيات وهذه الأحاديث، رائع جميل، بس الواحد لما يسمع هذا الدرس بعدين ينزل للواقع، ولا ينزل للشارع، ولا ينزل للجامعة، ها ولا ينزل شبكات التواصل، يقول لك: والله ماني عارف كيف أمر بالمعروف وأنهي عن المنكر، الواقع ملخبط، حاله حاله، ماني عارف كيف يعني. فمهم جداً في تقديم الأمر الشرعي أن تفقه ما الذي يحول بين المتلقي وبين تنفيذ هذا الأمر الشرعي فتزيده، فتبعد الشبهات وتزيل الإشكالات. وهذا من النصح، إحنا قبل شوية أخذنا النصح، هذا من النصح، ها هذا من النصح، أنك تزيل الشوائب، تزيل تزيل تزيل حتى يأتي الأمر صافياً. ولعل هذا من الأسباب في كون القرآن متشابهاً، وفي كونه مثاني، تعاد فيه الآيات، وتعاد فيه الأوامر، وتعاد فيه النواهي، تعاد من وجوه مختلفة حتى يترسخ الأمر، ويعني يثبت من مختلف الجهات.
طيب إيش اللي جابنا لهذه القضية؟ أنه إذا أدركنا قيمة النصح لكل مسلم في الإسلام، ها يجب علينا أن نحارب ما يضاد هذه القيمة الكبرى وهذه القيمة المركزية. ومن أهم ما يضاد ذلك كله هو إيش؟ هو قضية الحرية، مفاهيم الحرية والمفاهيم الخاطئة؛ لأنه الحرية لها مفاهيم صحيحة ولها مفاهيم خاطئة، وأغلب ما تطرح في الأوساط الثقافية والأوساط الإعلامية، أغلب ما تطرح تطرح بالوجه الخاطئ. ولك أن تتعجب، وأحياناً تضحك أو تتبسم، لا أدري، تتبسم مغتاظاً، تتبسم بحنق، تتبسم بقهر، إيش ممكن تقول لما يجيك مثقف ولا إعلامي، ها يتكلم عن الحرية وأهمية الحرية، ها وسجون بلاده التي يدافع عن الساسة فيها مليء بالعلماء والمصلحين والداعين إلى الله سبحانه وتعالى، وهو أصلاً يؤيد فكرة سجن هؤلاء، ثم يدافع عن حرية! هو قصد المراقص والملاهي، وأنه يكون في أفكار مخالفة للدين، هذه الحرية بالنسبة لهم. لذلك زيف، يعني زيف حقيقي يعني في تناقض كبير جداً.
فإحنا نقول لهم: إذا كان مقصود الحرية يعني طيب، إذا كان هذه الحرية، طيب، يعني إذا كان واحد دعا إلى الله وأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقطعتم حريته وضيقتم عليه، فين الحرية اللي أنت تدعو إليها؟ لست صادقاً في شعارك الذي تنادي به. عموماً الكلام في هذا المعنى كثير، وما نبي نتناوله يعني بشكل مختزل، الكلام عن الحرية كثير؛ لأنه في بعض الأماكن لا، أنت بحاجة أن تقول: نعم هناك حاجة إلى الحرية، ممتاز، حرية يلا حرية! أول ما تبدأ الحرية أنك تمنع الظلم، أول ما تبدأ الحرية أنك أنت ما تؤذي عباد الله الذين يدعون إلى الله سبحانه وتعالى، وبعد ذلك خلاص نوازن قضية الحرية على حدود ما أنزل الله سبحانه وتعالى؛ لأنه ما من أحد، وهذه قاعدة يا جماعة، ما من أحد يدعو إلى الحرية إلا وعنده حدود لهذه الحرية.
أي أحد يدعو إلى الحرية، أي فلسفة تدعو إلى الحرية هي حرية، وإن قيل إنها مطلقة لكن لا بد أن لها حدود. هذه الحدود، بعضهم يقول: تنتهي حريتك حيث تبدأ حرية الآخرين، بعض الحدود هي الحرية اللي متوافق مع الدستور مع القانون، كل واحد عنده حدود للحرية، جيد. ونفس الشيء إحنا، عندنا ممتاز، إحنا عندنا ندعو إلى الحرية ونهتم بالحرية خاصة في زمن الظلم هذا الذي نعيش فيه. نحن نؤكد على قيمة الحرية، ولكن الحرية من حيث الحدود، أنتم عندكم حدود بشرية، إحنا عندنا حدود متفقة مع ما أنزل الله سبحانه وتعالى. فبدكم حرية؟ بدنا حرية، نعم بدنا حرية، لكن حدود، حرية بحدود ما أنزل الله سبحانه وتعالى.
ها الله المستعان! مو بشار الأسد بده حرية، يقول حرية وما خلى أحد إلا سجن وذبح، وذبح خلق الله، وبعدين يجي يقول لك: المتشددون والإرهابيون الذين يحاربون حرية الشعب! هي عشان كدة أقول لكم، هي ستار للمنافقين، هذه شعار الحرية ستار اليوم للمنافقين، مثل شعار الوطنية، أي أحد أي أحد يأمر بالمعروف أو ينهى عن منكر، إذا في فساد عام في المجتمع، يا أخي في، يلا يمكن سبحان الله يمكن واحد يفهم، يمكن واحد من هؤلاء يفهم، سبحان الله، يلا خلينا ناخذه.
الآن في فساد في المجتمع، في إعلان فجور في المجتمع، جيد، وهذا الفساد والفجور في المجتمع مرسخ، مصرح رسمياً! تمام، يعني اللي سوى هذا الفجور الذي هو في ميزان الشريعة ما في خلاف، الآن إحنا ما نتكلم عن خلاف فقهي، لا عن شيء محرم بنص الشريعة، بس أنه مرخص قانونياً. طيب أنا الآن، أنا الآن أعيش في وطن، ممتاز، أنا أحب هذا الوطن وأحب هذا البلد، وفي نفس الوقت أنا عبد لله، تمام؟ وعقد كوني عبداً لله أو عهد كوني عبداً لله جاء قبل عهد المواطنة؛ يعني هذه رتبة، ورتبة أعلى من أي عهد أو عهد آخر، هذا عهد العبودية الذي إحنا كل يوم نجدده في سيد الاستغفار: "وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت"، كل يوم نقول: "وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت"، هذا عهد العبودية لله سبحانه وتعالى.
طيب أنا بهذا العهد، هذا العهد مقتضاه أن أمتثل ما أمر الله به، وأمتثل ما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم. طيب أنا عندي 60 نص أو أكثر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي التحذير من ترك إنكار المنكر، وذنب بني إسرائيل: كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ، وأن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ، طبعاً بعض آيات وبعض أحاديث، وكثير جداً: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده"، كذا كذا إلى آخره. أنا الآن بمقتضى العهد مع الله سبحانه وتعالى في كوني عبداً لله، آمر بالمعروف، أنهى عن المنكر. أنت ليش تخلي هذا تهديد لأمن الوطن؟ أنت ليش تصور القضية كأني أنا جاي معتدي على، ليه؟ ليش أنت تصور القضية بهذه الطريقة؟ ليه ما تفهمني؟ ليش ما تبغى تفهمني؟
ليش ليش أنت لما أنا أسوي هذا الشيء، تروح تسوي حملات في شبكات التواصل: المتشددون الذين، والمنافقون، والذين، والذين ينتمون إلى جماعات، ليش ليش أنت تشوه الدين بهذه الطريقة؟ أنت ليش تكذب وأنت تعرف أنه لا هي قضية جماعات وأحزاب واصطفاف؟ ليش ليش تكذب؟ ليش تشوه القضية بهذه الطريقة؟ ليش تنافق؟ ليش تستتر خلف هذا الشعار عشان تبرر تطبيع الفساد ونشر الفساد؟ أنت أنت ليش تستتر خلف هذا الشعار؟ أنت ليش تفترض أنه أنا لما آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر معناه أن أنا لا أحب الوطن؟ ليش هذا التناقض موجود في رأسك؟ أنت بس بس هو في الحقيقة مو موجود. إذا تبغى الحجة بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا طبعاً باعتبار أنك أنت مسلم، أنت جالس تقول أنك مسلم، ما دام أنك مسلم المفترض أنه في لغة مشتركة بيني وبينك، يعني إذا أنت مسلم معناه أنك تعتبر ما في كتاب الله، فأنت المفترض في لغة مشتركة، يلا هذه لغة مشتركة: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى، وتجيب الآيات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
طيب لا، أنا أزيدك من الشعر، يعني أو أزيدك يعني خلينا نقول من الحجة، حجة أوضح وقاطعة للنقاش، وهي النصوص التي تبين أن سلامة المجتمع، ها أو بالتعبير العصري الوطن، تكمن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بمعنى أنا أثبت لك الآن أن قيامي بهذا الإنكار هو في مصلحة الوطن وفي مصلحة المجتمع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري شبه المجتمع بالسفينة، وأنه إذا كان هناك من يعصي الله وهناك من لا ينكر فهذا كمثل الذي يحفر في السفينة أو يخرق في السفينة ثم يغرق بالجميع، أما إذا جاء من ينهى فهو يحفظ السفينة، وإن خالف حرية الذي يريد أن يشرب الماء، واحد كذا طقت برأسه بيشرب الماء بيحفر السفينة هذه الماشية بالنهر، بيشرب من تحت، كما في الحديث في البخاري، جاء واحد منعه، اعتدى على حريته الشخصية، نعم اعتدى على حريته الشخصية، صح، صحيح والله صحيح. بس سوى زوم أوت، معليش، حاول تشوف المشهد كاملاً، مشهد كامل أنه أبو الشباب هذا اللي يبغى حرية شخصية جالس يخرق السفينة، فأنا الآن لما أن يخرق السفينة أنا حافظت على سلامة المجتمع وسلامة الوطن.
فأنا الآن لما أجي أتكلم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنت ليش تصورني كعدو للوطن؟ أنت ليش تصورني كعدو للوطن؟ هذه مشكلة، هذه مشكلة عندك. طبعاً هذا الآن إقناع عشان تحاول تفهم، بس إذا أنت ما تبغى تفهم، خليني أفهمك بطريقة ثانية، أقول لك ترى من علامات المنافقين، من علامات المنافقين أنهم لا يحبون وجود الهيمنة الشرعية والأمر الشرعي والنهي الشرعي، ولأنهم جبناء ولا يستطيعون أن يقولوا: نحن نكره ما أمر الله ورسوله، ها فهم يقولون، يستترون خلف بعض الشعارات التي تتيح لهم أن يردوا هذا الأمر والنهي بطريقة غير صريحة، فيقولون: لا تكن عدواً للوطن، لا تكن متشدداً، لا تحارب الحرية الشخصية، وهذا بس الأسلوب المخفف من فكرة: لا نريد ما أنزل الله ورسوله، لا نريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا نحب ما جاء في القرآن من هذه الآيات وهذه الأحاديث، بس بدل ما يجيبها بهذه الصيغة، يجيبها.
فمن أي الفريقين أنت أيها المستمع الذي تعارض هذه القضية؟ أنت من أي الفريقين؟ إذا كنت من الأول فأنا شرحت لك بالحجة والبرهان وبأسلوب حسن يعني يليق بالعاقل مثلك الذي يريد أن يفهم القضية، أنه لا ترى ما في تهديد للوطن وأنه...
هذا امتثال لأمر الله، وإنه هذا عهد سابق لعهدة الوطن، وإنه هذا في مصلحة للمجتمع، وإنه الله سبحانه وتعالى ترى يهلك الأمم بوجود الفساد فيها، أتهلك وفينا الصالحون؟ كما في الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم إذا كثر الخبث. فهذا سبب من أسباب هلاك المجتمع، فإذا أنا نهيت، أنا اتخذت أسبابا من أسباب إصلاح المجتمع، خلاص خلصنا من هذه، اقتنعت الحمد لله، ما اقتنعت خليني أوضح لك إنه هذا نفاق اللي أنت تسويه جيد. النفاق إنك أنت ما تبغى، أنت تبغى الناس يعني تبغى حالة الرقص والفجور، وتبغى الناس ما تبغى يصير فيه هيمنة كذا شرعية وإسلامية، أنت تكره هذا الشيء، أنت تكره معاني شرعية، أنت تكره أن يكون الإسلام حاكما، أنت تكره أنه يجي الإسلام فيتدخل في حرياتك الشخصية؛ لأنك أنت تبي تعيش حياة اللهو والمجون، فانت تبغى تعيش زي كذا، فأنت تخاف إنه الإسلام يجي في يعني بين قوسين يتطفل على حياتك الشخصية، فعشان كذا أنت ما تريد هذه القضية وتستتر خلف هذه الشعارات.
فإن أردت أن تأخذها بالحجة فهذه الحجة، وإن أردت أن يعني تأخذها بجاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم فهذه بيانها بهذا السبيل. وأنا حقيقة يا جماعة الخير أرى أنه من الخطأ الكبير أنه يكون هناك في وسط هذه الدروس الشرعية ما شاء الله الواسعة والمعاهد، لا يكون في جهاد للمنافقين ولا يكون في تربية للمؤمنين وتربية للناس على محاربة هذه المفاهيم ومحاربة هذه الشبهات، ما يصير يا جماعة ما يصير خمس سنوات عشر سنوات وأنت ما شاء الله قادر تفكك لي أحسن منظومات وتشرح الألفاظ، يعني عارف الفرائض والمواريث، وعارف الرد على الطوائف المبتدعة نظريا وبعضها يكون أصلا خلص من زمان، ولما تجي إلى منافقي زمانك وإلى الطوائف المحاربة للدين في زمانك اللي هم أشد من المبتدعة اللي حاربهم السلف زمان، ها أنت معلق على الطائفتين لأنه هم اللي قريت أسماءهم في الكتب، ما تعرف غيرهم، أنت ما تقدر تقيس يعني ما تقدر تقول بما أن السلف الصالح والعلماء ردوا على هذه الطوائف باعتباري أن هذه الطوائف مخالفة للشريعة في كذا فأنا سأقتدي بهم في أن أرد على كل من خالف الشريعة، خاصة إذا كانت رتبة المخالفة مناقضة لأصل الدين، لا، هو معلق على أسماء الطوائف اللي قرأها بس. طب جاء أشد منهم، ما يعرف، ما يعرف يرد، ما ينتبه أصلا أنه هو يناقش، وهذه مشكلة.
لذلك مهم جدا في الدروس الشرعية في المعاهد في الدعوة في البرامج التعليمية في كذا مهم جدا أنه يكون في بند أساسي اسمه الوعي بسبيل المجرمين، الوعي بسبيل المنافقين، كيف نتعامل معهم، وهذا سبيلهم في شيء منه فكري يرد عليه بالوعي الفكري. هذا الدين يا جماعة هذا الدين هو كذا، كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتفاعل مع الواقع والأحداث، ولا ليش تنزل آيات كثيرة في القرآن فيها تفصيل سبيل المنافقين؟ ليش يعني ليش ما مثلا خلاص إجمالا جاهد الكفار والمنافقين وخلاص؟ آيات مفصلة: هؤلاء المنافقون فعلوا وفعلوا وفعلوا، وتأتي الورقات الكثيرة في هذه القضية، ليش الصحابة يتربون مع نزول هذه الآيات؟ وين تنزل هذه الآيات؟ ترى هم يشوفوها في الواقع، يتربون أنه تمام في تدافع بين الحق والباطل، في ناس يكرهون الدين يجب أن نجاهدهم، في ناس كذا، في ناس كذا. أما أن تتربى كمعاني نظرية بعيدة عن الواقع فهذا حقيقة فيه إشكال كبير.
الخلاصة أن جرير رضي الله تعالى عنه بايع النبي صلى الله عليه وسلم، بايعه النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم، وهذا يدل على قيمة النصح. ومن تمام رعاية قيمة النصح أن ندرك ما يضاد هذه القيمة في الواقع، ومن أهم ما يضاد هذه القيمة في الواقع هو شعارات الحرية، وشعارات الحرية هي إحدى الحجب أو الستر التي يستتر من خلفها كثير من منافقي زماننا لتعطيل أمر الدين وأمر الشريعة. على أننا كما نبهنا نقول إنه ليس كل من دعا إلى هذا الشعار فهو خطأ أو منافق، بالعكس، أحيانا لما يكون في ظلم شديد على الناس ومحاربة لدينهم أحيانا أنت تنادي بهذا الشعار وقصدك أنه فكونا من هذا الظلم، فكونا من الجبروت، خلي الناس تتنفس، خلي الناس تصلي، خلي الناس تصوم، خلي الناس تعبد الله. جيد، فقد يستعمل هذا الشعار بشكل صحيح، ولكنه يحتاج بعد ذلك لما يصير فيه نصر ويصير فيه تمكين يحتاج ضبط، يحتاج ضبط بمعنى أنه تمام وقت الهيمنة الطغيانية من بشار الأسد تمام حرية حرية، ممتاز، شعار جيد وجميل ومناسب. ما يصير فيه نصر ها صارت الحرية، يلا الآن لازم يصير فيه مفاهيم أيضا أخرى ترسخ المعنى، الآن من أهم المفاهيم التي ينبغي أن ترسخ العبودية لله تعالى وحده، هذه الآن مفهوم، لذلك أنا أرى من الأولويات الكبرى الآن في سوريا ترسيخ مفهوم العبودية، أنت لا تظن أن الحرية هي حرية حتى فيما يتعلق بأمر الله، لا، هي حرية فيما يتعلق بأمر بشار الأسد وبأمر الظلم والمجرمين والطغاة، خلاص راحوا خلصوا، الآن عبودية لله تعالى. هذه العبودية لله تعالى تتمثل فيه وفيه، والتوعية في هذه الجوانب واضحة الفكرة.
الحديث الأخير في الباب، قال: الثالث عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، متفق عليه. حديث أيضا قصير الجمل، قليل الألفاظ، ولكنه عظيم، ومن الأحاديث المهمة. وأي حديث يا جماعة أي حديث فيه نفي الإيمان لابد أن تدرك فيه نفي الإيمان عن شخص أو عن من لم يمتثل أمرا ما، لابد أن تدرك أن هذا الأمر الذي نفي الإيمان لأجل تركه أمر عظيم، أمر عظيم، يرحمك الله. ولذلك مر معنا قبل قليل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، إذا تحكيم الشريعة فيما يحدث بين الناس من نزاعات أمر عظيم. أي شيء فيه لا يؤمن من فعل كذا، الآن لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه معناه أنه إن محبة الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه أمر عظيم، أمر عظيم، فإذا لم يحصل فهذا فيه نفي للإيمان، وهذا أمر لا شك أنه يحتاج إلى تزكية كبيرة للنفس وتربية لها وتهذيب لها حتى تتخلص من الشح.
إيش اللي يعارض هذا تحقيق هذا العمل؟ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، أهم ما يعارض هذا العمل الشح، الشح تحديدا، وإذا كان للشر مفاتيح فإن الشح من أخطر مفاتيح الشر، والشح هذا المعنى الداخلي هو الذي يؤدي إلى البخل الخارجي، وهو الذي يؤدي إلى الحسد، وهو الذي يؤدي إلى حتى أحيانا سفك الدماء، وهو الذي يؤدي إلى الظلم أو بعض صور الظلم؛ لأن هناك شحا داخليا، حالة من الحرص الشديد الداخلي والطمع الداخلي، فإذا تخلص الإنسان من الشح انفتح له امتثال كثير من الأوامر الشرعية، ومنها أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وهذه وين جاءت الآية؟ جاءت في ذكر الإيثار، صح ولا لا؟ جاءت في ذكر الإيثار: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. إيش معنى هذا الختام؟ معنى هذا الختام أن أولئك الأنصار وقوا شح أنفسهم، فلأنه لم يكن لديهم هذا الشح فإنهم آثروا على أنفسهم مع كونهم بهم خصاصة. واضح؟
لذلك إذا كنا نتكلم عن التزكية والتهذيب للنفس وكذا فحاول أن تدخل يدك إلى داخل نفسك وتفتش عن معنى الشح، فإذا وجدته فحاربه داخل نفسك محاربة كبيرة، فإذا حاربته حاربت هذا الشح وانتصرت عليه فاعلم أنك قد حزت خيرا كثيرا وكبيرا وعظيما جدا جدا جدا؛ لأن الشح من أعظم الموانع، فإذا زال انطلقت يدك في الإنفاق في سبيل الله، وطابت نفسك في إيتاء الزكاة والصدقات، وطابت نفسك في تمني الخير لغيرك، وفي أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وطابت نفسك حتى في الرضا بقضاء الله وقدره فيما يتعلق بغيرك، فتتخلص من الحسد وتتخلص من البخل وتتخلص من كثير من الصفات السيئة. فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، طبعا هو أخرجها في كتاب النصح، أخرج الحديث في كتاب النصح، ولا شك أن المحبة تقتضي النصح، إذا كنت تحب لأخيك ما تحب لنفسك فستنصح له.
وعلي أرجئ بقي موضوع متعلق ببواعث النصح، لعلي أرجئ للباب القادم إن شاء الله، اللي هو باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحت عنوان بواعث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني لماذا يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر؟ أو السؤال بطريقة أدق: ما المعنى القلبي الذي يلاحظه الإنسان أثناء أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر؟ واضح الفكرة؛ لأنه في عدة معاني مختلفة يمكن أن تستحضر أثناء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي يعني المفتاح واحد من مفاتيحها: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. يعني أحيانا قد تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لأنك تحب له ما تحب لنفسك، فلأنك لاحظت معنى إرادة الخير له أمرته بالمعروف ونهيت عن المنكر، وأحيانا يكون غير ذلك، يعني مثلا من الأشياء أحيانا يكون الباعث هو الغضب، الغضب لله ولحرمته أن تنتهك، وأحيانا يكون الباعث سلامة المجتمع ودفع العذاب العام، فهذا الدافع وغير ذلك.
نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية، نسأل الله الهداية والسداد والرشاد، نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين وأن يذل أعداءهم أعداء الدين، وأن يكبت المنافقين ويخزيهم، وأن يجعلنا هادين مهديين ويعفو عنا، ونسأله سبحانه وبحمده أن يخلص أهل غزة مما هم فيه من الكربة، وأن يعوضهم خيرا ويجبر مصابهم، ونسأله سبحانه وبحمده أن يتم علينا نعمته وأن يهدينا ويسدد، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ على السوريين ما فتح عليهم من بلادهم، وأن يصرف عنهم الشر وكيد الأعداء وكيد الفجار وكيد الصهاينة وكيد المنافقين وكيد أعدائه وكيد الباطنية وكيد كل من يريد بهم الكيد، ونسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية والهدى والرشاد. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك يا ربنا على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
الشيخ أحمد السيد