تسجيل الدخول

رياض الصالحين 25 | باب المجاهدة 3 | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، لك الحمد يا ربنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه المصير. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس أنوار السنة المحمدية، مجالس الاستهداء بالسنة النبوية، وهذا هو المجلس الخامس والعشرون من مجالس التعليق على رياض الصالحين، نسأل الله سبحانه وتعالى القبول والتمام والبركة. هذا المجلس لا يزال الحديث فيه عن كتاب المجاهدة أو باب المجاهدة الذي ذكره الإمام النووي رحمه الله تعالى.

قال: السابع، أي الحديث السابع، عنه، أي السابق وهو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حُجبت النار بالشهوات، وحُجبت الجنة بالمكاره. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: حُفّت بدل حُجبت، وهو بمعناه؛ أي بينه وبينها هذا الحجاب، فإذا فعله دخلها. هذا الحديث من الأحاديث المحكمة في بيان طريق الآخرة، وأن طريق الآخرة، يعني يقصد الجنة، الطريق إلى الله سبحانه وتعالى هو طريق محفوف بالمكاره. وهذه المكاره أنواع: منها مكاره يجب على الإنسان أن يتقحمها ولا وصول إلى الجنة إلا بتقحمها، ومنها مكاره اختيارية إذا أراد الإنسان مزيداً من الرفعة في الجنة فيقتحم هذه المكاره.

فأما الواجبة فهي التكاليف الشرعية، سائر الفرائض وسائر الأوامر باجتناب المعاصي، وذلك لأن الأوامر باجتناب المعاصي هي أوامر بمخالفة الهوى، ومخالفة الهوى شاق وصعب على النفس. ولأجل ذلك فإن استعداد الإنسان المؤمن بمثل هذا الحديث لتقحم المكاره هو من أعظم ما يعينه على الطريق؛ لأن الطريق إذا عرفت محاذيره قبل أن تسلكه كان ما ينالك في الطريق سهلاً عليك وإن كان صعباً في ذاته، لماذا؟ لأنك تعلم وأنت تسير في الطريق قبل أن تسير فيه أن في الطريق هذه المحاذير، أن في الطريق هذه الصعوبات، أن في الطريق هذه الإشكالات. وهذا غير من يقول لك إن طريق الجنة مليء بالسلام والسعادة والسرور والحيوية والأمور الجميلة، يقصد بها الأمور الجميلة من ناحية المقاييس المادية والدنيوية، وأنه يعني شوف كيف المؤمن، بعدين يجيب لك واحد مؤمن عنده قصر ولا فيلا كبيرة وسيارة فخمة وفارهة، ويقول لك انظر الدين لا يتعارض مع السعادة في الحياة، وهذه نتيجة الطاعة لله سبحانه وتعالى وما إلى ذلك.

جيد، لا شك أنه قد يكون الإنسان في طريق الجنة ويكون عنده من الرزق ما عنده، لكن هذا ليس معناه أنه لن ينال من المكاره ما ينال، بالعكس، التكاليف الشرعية أثقل على من تعود على الرخاء، وبالتالي هو عنده اختبار، هو لن يسقط عنه التكليف الشرعي، وبالتالي لما يكلف بالاستيقاظ من وسط نومه على فراشه الوثير، وفتحت برودة المكيف والارتياح والسعادة والسرور، هو مكلف شرعاً، مأمور أمر وجوب أن يقوم من وسط هذا النوم ليصلي، هذا تكليف، هذا أمر تكرهه النفس أم لا تكرهه؟ تكرهه. ثم بعد ذلك هو بقدر ما عنده من المال عليه من الواجبات المالية، هي في نسبة في الزكاة، هذه النسبة من حيث القدر هي نسبة ثابتة، لكن من حيث قدر المال نفسه كلما كثر المال كثرت الزكاة، وهكذا. وهناك واجبات، فطريق الجنة طريق فيه مكاره، بل الله سبحانه وتعالى بين حياة الإنسان بكلمة الابتلاء، لما ذكر الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ذكر معه قضية الابتلاء، فقال: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا. شوف ليبلوكم، وقال سبحانه وتعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ. وقال سبحانه وتعالى في سورة هود: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.

فخلاصة أنه فائدة هذا الحديث هي أن الإنسان المؤمن يستعد للمكاره قبل أن يفاجأ بها، ولذلك من أعظم الفقه في الدين أن يبصر الإنسان بصعوبة الطريق قبل سلوكه. جيد يا سعد، من الفقه في الدين أن يبصر الإنسان بصعوبة الطريق قبل سلوكه. لما نقول صعوبة ليس معنى ذلك أن هي صعوبة غير متحملة، وليس معنى ذلك أنها صعوبة تساوي الشقاء، هي ليست شقاء، هي صعوبة فقط، مشقة، مكاره، ولكنها تجلب السعادة العظيمة القلبية. وفي نفس الوقت وبعكس ذلك تماماً: حُفّت النار بالشهوات. النار حفت بالشهوات؛ يعني الآن في أحد عاقل عنده أدنى مسكة عقل يسمع بالنار ويؤمن بوجود النار ثم بعد ذلك يسلك طريقها؟ لا يوجد، لكن بما أن طريقها طريق الشهوات، وبما أن الإنسان مجبول على تقديم ما يراه بعينيه وعلى تقديم ما هو في متناول يديه على ما يكون بعيداً ولو كان البعيد أعظم بكثير، فإن الإنسان يقتحم طريق النار وإن كان يعرف أن هذا طريق النار، لكن هو بلا شك يقينه ضعيف أصلاً بهذا الطريق، لكن في الأخير هو يعلم أنه طريق النار ولكن يقتحم هذا الطريق، لماذا؟ لأن بوابات الطريق بوابات شهوات. هكذا قدر الله، وهكذا أراد أن يكون طريق. تخيلوا طريق النار محفوف بالمكاره، لو طريق النار محفوف بالمكاره ما في أحد يدخل النار، صح؟ ولو طريق الجنة محفوف بالشهوات الكل يدخل الجنة، لكن هذا يتفق مع معنى الاختبار أو يتعارض؟ يتعارض مع معنى الاختبار، ولأن معنى الاختبار هو معنى أساسي. إذاً هكذا طريق الجنة وهكذا طريق النار، فلتكن مستعداً لذلك، ولنكن مستعدين لذلك.

ثم قال رحمه الله: الثامن، عن أبي عبد الله حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المئة، ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى، يصلي بها في ركعة، يعني في تسليمة، ليس المقصود ركعة واحدة، فقلت يركع بها، وهنا المقصود ركعة واحدة، ثم افتتح النساء فقرأ، ثم افتتح آل عمران فقرأ، يقرأ مترسلاً؛ إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه. رواه مسلم.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه. متفق عليه. هذان حديثان، أحدهما في البخاري ومسلم والآخر في مسلم، الأول مفصل والثاني مجمل. ولا شك أنك إذا أخذت الأمر بمقاييس ابن مسعود وبمقارنة ابن مسعود، لا شك أنك ستجد أن الأمر يحتاج إلى صبر ومجاهدة، لأن حديث ابن مسعود أيضاً أصح متفق عليه في البخاري ومسلم، فتفكر فيها، لا تقصها على نفسك، قسها على مقياس عبد الله بن مسعود، العابد، الصالح، الصحابي السابق. ما هو قدر الصلاة وما هي كيفية الصلاة التي ستجعل ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يهم بأن يقعد ويدع النبي صلى الله عليه وسلم قائماً؟ ما هو قدر هذه الصلاة؟ لك أن تتفكر، اتركه هكذا في التفكر. طيب، مر معنا في الدرس السابق تقريباً حديث "أفلا أكون عبداً شكوراً"، كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، وأيضاً السؤال مرة أخرى: لك أن تتخيل ما هو قدر القيام الذي يؤدي إلى تشقق القدمين؟ هذا معناه أنه في كل ليلة كان صلى الله عليه وسلم يقوم لساعات. هذا القدر اليومي للنبي صلى الله عليه وسلم، طبعاً ليس معناه القدر اليومي الذي هو في حديث حذيفة، قد يكون في حديث حذيفة قد يكون أصلاً في رمضان، قد يكون في العشر الأواخر، والعشر الأواخر النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي كل الليل؛ يعني كان يشد مئزره وإلى آخر الحديث. يعني ورد في بعض الأحاديث في السنن أنه صلى بنا ذات ليلة في العشر الأواخر حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، اللي هو قالوا ما الفلاح؟ قال: السحور. فمعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى آخر الليل.

والنبي صلى الله عليه وسلم صلاته المعتادة كانت طويلة في الليل، كانت طويلة، حتى إن بعض زوجاته وصفت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لما كبرت سنه وثقل، فكان صلى الله عليه وسلم يصلي قاعداً، تقول: حتى إذا لم يبق في السورة إلا خمسون آية قام فقرأهن ثم ركع. حتى إذا لم يبق في السورة إلا خمسون آية قام فقرأهن ثم ركع. معنى ذلك أن الخمسين آية بالنسبة لما قرأه في الركعة هي نسبة قليلة، يعني زي ما تقول مثلاً واحد يقرأ عشر صفحات لما تبقى الصفحة الأخيرة يقوم يقرأها ثم يركع، فهذه الخمسون آية هي آخر شيء في الركعة الواحدة للنبي صلى الله عليه وسلم، فليست القضية في حديث حذيفة فقط، وإنما هي في أحاديث متعددة. ولا شك أن هذا القدر يتأثر بطول الليل الشتاء وقصر ليل الصيف، وكما قلت، فرق بين قيام رمضان وقيام غيره، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ على إحدى عشرة ركعة في رمضان وفي غيره، لكن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن على قدر واحد خاصة في رمضان، وهذا بالمناسبة يختلف عن قضية التراويح الثابتة اليوم، تعرفون النبي صلى الله عليه وسلم صلى جماعة بأصحابه صلاة الليل في رمضان وبعدين تركها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أحياها عمر من جديد. فكيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الليل في رمضان؟ ما كانت واحدة، يعني ما كانت نفس القدر من ناحية طول القراءة لا، أحياناً يصلي مثلاً ثلث الليل، أحياناً يصلي كذا، وبعد ذلك لما جاء الليلة الأخيرة التي صلى فيها مع أصحابه أطال جداً، فلم يكن القيام واحداً.

وكذلك في سورة المزمل في أوائل ما نزل قال سبحانه وتعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ. إلى آخر الآية. فهذه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل وكانت معروفة وينقلها الجميع، لكن هي داخل بيته، الأصل أن صلاة الليل داخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الأصل، لكن أحياناً يصلي في المسجد قليلة، لكن الأصل أنه يصلي في بيته. ولذلك ابن عباس لما أراد أن يعرف صلاته في الليل بات عند خالته ميمونة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل وقال: لما انتصف الليل أو قريباً منه قام النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ، فصلى الله على محمد وسلم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم ولو بأدنى أدنى ما يقتدى به فيه في الليل.

العاشر، عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله ويبقى عمله. متفق عليه. هذا الحديث في تصحيح المعايير وإعادة تعريف الأشياء على حقيقتها. الآن من الذي ينظر إلى ماله على أنه لن يكون باقياً ولن يكون خالداً وأنه سيكون لغيره؟ الأصل أن الإنسان في الحياة يغفل عن هذه الحقيقة، وجاءت ترى في حديث قدسي، في صحيح مسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم، أظن حديث قدسي، قال: يقول الله تعالى: يقول ابن آدم مالي مالي، يقول ابن آدم مالي، هذا على سبيل الذم، وهل لك يا ابن آدم من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. يعني هذا التعريف الحقيقي للمال، أنه أنت تقول مالي مالي، هذا المال الذي بيدك هو الآن هذا وصفه، هذا حاله، أما أن تأكله فيفنى، أو تشتري به تقتني فيبلى، أو تصدقت به فتجده أمامك. يعني شفت الاستثمار والخطط المستقبلية المالية والاستعداد لمستقبل أسود وصعوبات الحياة، هذا إعادة تعريف هنا. الحديث الذي نقرؤه والذي هو متفق عليه، حديث أنس: يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله ويبقى عمله. حقيقة سهل تصورها، ولا صعب تصورها؟ بس سهل استحضارها، اليقين بها، دوام استحضارها. هي حقيقة سهلة، هي في أحد يخالف في هذه؟ في أحد يخالف في هذه الحقيقة؟ الحقيقة واضحة جداً وسهلة وتصورها واضح. صحيح، والله يرجع اثنان، صح والله أهله وماله يرجعون ويبقى عمله، والله صح. لكن هي الفكرة هل نستطيع في حياتنا أن نستحضر هذه الحقيقة؟ وأن نعلم هي الفكرة أنه تعرف من يدخر ماله للأزمات الصعبة يمدح، ما شاء الله أن يمدح بعقله وأنه فكر في اللحظات الصعبة، ما في لحظة صعبة أصعب من لحظة أن تكون وحيداً في القبر.

في صح ولا لا يا سعد؟ ما في لحظة صعبة أصعب من أن تكون وحيداً في القبر، يعني ممكن تكون في لحظات صعبة في الدنيا، ها لكن أصعب من أن تكون وحيداً في القبر لا.

طيب إذا كنت تفكر في اللحظات الصعبة في الحياة ولا تفكر في اللحظة الصعبة الحقيقية في القبر، فأين الخطة الاستراتيجية؟ وأين التفكير العظيم؟ وأين العقل الكبير؟ وأين ما في يعني؟ كل كلامك هذا ما هو صحيح، والصحيح الحقيقي هو أن تفكر حقيقة لما بعد الموت. طيب ما هي الحقيقة؟ الحقيقة هي أن مالك وأهلك لن يكونوا معك عند الموت، في أحد يخالف؟ ما في أحد يخالف، اللهم إلا بعض مجانين الخلق، ها بعض المجانين وجد في التاريخ ناس يدفنوا ثرواتهم معهم، ها وتبقى الثروة طبعاً ما تتحلل، يتحلل هو ولحمه وعظامه وأعصابه، ما يبقى فثروته تبقى، بعدين أحد يستخرج يلقى كنز في الأرض، ما تروح معك ولا شيء، لكن ما أحد يخالف في هذه الحقيقة.

وبالتالي يا أحمد لما تعمل العمل الصالح اليوم في حياتك، أضف تعريفاً إلى هذا العمل، أضف تعريفاً جديداً إلى هذا العمل، ما هو هذا التعريف؟ هذا مؤنسي في قبري، هذا تعريف جديد للعمل. يعني إذا تذكرت القبر مرة فاستعد له بركعتين تتطوع بهما، وتسجد فتقول يا ربي، يا ربي نور قبري إذا كنت فيه وحيداً، وهكذا، فهذه هي الحقيقة عد كانت مرة أو غير مرة، هذه هي الحقيقة والله المستعان.

الحادي عشر: يقول عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ، رواه البخاري. هذا الحديث في الجمع بين الخوف والرجاء، يعني أن الأمر الذي يمكن أن يدخلك الجنة ترى قد يكون أمراً قريباً سهلاً، والوصول إلى الجنة ترى قد يكون بعمل هو في متناول يديك جداً، وفي نفس الوقت العمل الذي قد يدخلك النار هو أمر ليس بالضرورة أن تفكر في الكفر والأشياء البعيدة، لا، قد يكون أمراً قريباً في متناول اليد من الشهوات، ويكون هو السبب الذي يدخل الإنسان النار، وهذا يجعل الإنسان ايش؟ أهم ثمرة عملية من هذا الحديث؟ الثمرة العملية من هذا الحديث المسارعة والرغبة في الخيرات وعدم احتقار المعروف، قد يكون الذي يدخلك الجنة هو أمر يسير جداً مما تحقره، وقد يكون الذي يدخل الإنسان النار هو ذنب مما يحتقره.

ثم قال الثاني عشر: عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل الصفة قال: كُنتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآتِيهِ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ: سَلْنِي، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: "أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟" قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: "فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ"، رواه مسلم. هذا الحديث حديث عظيم جميل، فيه كذلك شيء من مواقف التي تحصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. أهل الصفة هؤلاء لم يكن لهم بيوت، كانوا ينامون في المسجد في مكان كذا لأهل الصفة، هؤلاء فقراء وكان تتاح لهم بعض الفرص والنبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يدعوهم إذا جاءه أحياناً لبن، جاءه شيء، ها أحياناً يمرر على أهل الصفة.

وأحدهم هذا ربيعة بن كعب الأسلمي كان يستثمر هذه الفرصة عدم انشغاله، ها تعرف نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، كان يستثمر هذه الفرصة ليخدم النبي صلى الله عليه وسلم، والذين خدموا النبي صلى الله عليه وسلم هم عدد، ليس واحداً، فهذا واحد منهم. فلما خدم النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم أحب أن يكافئه، وهذا من كرم أخلاقه صلى الله عليه وسلم، فقال له: سلني، يعني زي ما نقول إحنا اطلب، تمنى، دلل، ايش تبغى؟ أمر، عارف يعني مو أمر بس إنه يعني ايش تطلب؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال سلني يعني ما طلبك الذي أنا، يعني كأنه صلى الله عليه وسلم يقول أنا أحب أن أكافئك على هذا التفاني في الخدمة، على هذا الإقبال، على هذا العمل الذي تساعدني فيه، فأنا أحب أن أكافئك فاطلب، سلني على أساس أن يسأل يعني شيئاً دنيوياً، يسأل شيئاً معيناً، فذاك الصحابي الذي تعلم من المصطفى صلى الله عليه وسلم تعلم منه علو الهمة، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة، وهو لم يطلب الآن شيئاً عادياً، طلب شيئاً عالياً جداً: أسألك مرافقتك في الجنة.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم أنه صلى الله عليه وسلم، لا يعلم أن هذه المنازل لا تنال إلا بعمل. طيب سؤال، هل هذا كان عاملاً؟ أو أصلاً لم يكن عاملاً؟ وكان عاملاً، هو أصلاً مبتلى فقير ومحتاج، وكان يعمل من أفضل الأعمال التي يمكن أن يعملها إنسان، وهي خدمة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فهذه المنزلة العلية لم تكن لتنال بأي عمل حتى لو كان خدمة النبي صلى الله عليه وسلم. أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين له أن هذه المنزلة التي هي مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة هي منزلة عالية جداً، تتطلب عملاً خاصاً واستثنائياً، وهذا العمل عمل يعني هو ليس مجرد كثرة السجود فقط، وإنما هو عمل يهذب النفس تهذيباً خاصاً، فقال صلى الله عليه وسلم: فأعني على نفسك بكثرة السجود، أعني على نفسك بكثرة السجود. يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: إذا أردت أن أشفع لك عند رب العالمين بأن تكون في هذه المنزلة العالية، وأنت مسلم، وأنت تخدمني، وأنت تعمل، وأنت وقد جاهدت معي، وفعلت وفعلت وفعلت، فلا بد من عمل خاص زائد تستعد به لهذه المنزلة العلية حتى أشفع لك عند رب العالمين بمثل هذه المنزلة، لأن تعلمون الشفاعة يعني فيها رضا رب العالمين، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

فقال: أعني على نفسك بكثرة السجود. ولا شك أن هذا الحديث والحديث الذي بعده، وهو الحديث الذي قال فيه النووي الثالث عشر: عن أبي عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً، رواه مسلم. لا شك أن هذا الحديث حديث ثوبان والحديث الذي قبله حديث ربيعة بن كعب الأسلمي: أعني على نفسك بكثرة السجود، لا شك أن هذين الحديثين يبينان بياناً تاماً عظيماً عظم منزلة السجود والتطوع لله بالصلاة، وأنه من أفضل الأعمال التي يوهب الإنسان بها عظيم الدرجات، بل والمنازل العالية الخاصة، كثرة السجود، كثرة السجود المقصود في الصلاة، وإذا أردتم مزيد يقين بهذه المنزلة زيادة على هذه الأحاديث ها، فتذكروا حديث بلال لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: حدثني عن أرجى عمل عملته في الإسلام، فذكر شيئاً متعلقاً بكثرة السجود، قال: إني ما توضأت وضوءاً إلا صليت بذلك الوضوء ركعتين، أظن، فهذه كثرة سجود، عليك بكثرة السجود، وكما قلت السجود يعني المقصود به السجود الذي في الصلاة، السجود المشروع عموماً يعني سجود التلاوة، سجود أي أي سجود مشروع يدخل في هذا، فليس المقصود السجود المنفكة المتأخرين لكن هذا القول فيه غرابة، وإلا الأصل أن المقصود هو ما يكون في الصلاة.

طيب في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أيضاً: وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ، يعني حري أن يستجاب لكم. وقال سبحانه وتعالى عن أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ. شوف شوف هذه هذه الجملة العظيمة، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. والسيمة التي في الوجه ماذا قال العلماء؟ الخشوع، يعني عليهم سيمة في وجوههم، سيمة خشوع، سيمة إخبات، شفت لما تنظر في وجهه تقول يا أخي هذا وجه مؤمن، ها كذا يأتيك وجه، إذا رأيت صاحبه ونظرت فيه تجد فيه الخشوع، تجد فيه الخضوع لله سبحانه وتعالى والإخبات، ها هذا من أثر السجود، هذا من أثر السجود. فالسجود يا جماعة هي عبادة محورية مركزية في الإسلام، عبادة محورية مركزية في الإسلام، فإذا سجدت فاعلم أنه أنك تقوم بشيء هو من خلاصة ما خلقت لأجله أصلاً، السجود، فالله بإعطاء السجود حقه.

نختم بهذا الحديث الخامس عشر: عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: غاب عمي ابن النظر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، أو ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين. ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب الكعبة، إني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه من المؤمنين: رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، إلى آخرها، متفق عليه.

قوله: ليرين الله، روي بضم الياء وكسر الراء، يعني ليرين أي ليظهرن الله ذلك للناس، وروي بفتحهما أي ليرين الله، ومعناه ظاهر والله أعلم. طيب هذا الحديث العجيب العظيم يبين شيئاً من أحوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين شيئاً من أحوال الأنصار الأبطال الذين نصروا الله ورسوله، نصروا دين الله سبحانه وتعالى، ومنهم أنس بن النظر رضي الله تعالى عنه وأرضاه ورحمة وتقبله في الشهداء، فهذا هذا الرجل العظيم هو قدوة للمضحين في سبيل الله، وقدوة للمتقدمين إلى الأعداء في سبيل الله، فإنه تقدم في قتال الكفار وهو يعلم أنه سيقتل، وكان حين تقدم قال: الجنة ورب أنس بن النظر إني لأجد ريحها دون أحد، إني لأجد ريحها دون أحد.

كان يوم أحد يوماً صعباً، واتخاذ قرار الثبات بل وقرار الإقدام يوم أحد كان من أصعب ما يمكن أن يتخذه الإنسان، لأن الاستجابة الطبيعية لدواعي النفس البشرية كانت تقتضي في ذلك اليوم الهروب، هذه الاستجابة الطبيعية كانت تقتضي في ذلك اليوم الهروب، وقد انكشف الناس واختلت الصفوف. وبالمناسبة يا جماعة الخير، ترى قد يهرب الإنسان وهو ما يدري أنه هرب، يعني هو قد يهرب الإنسان لأنه ما عاد في شيء يقدر ينتبه له، كل الناس هربوا، وليس كل الناس ذاك اليوم يعني قصد الكثرة واختلال الصفوف، وما عاد تدري، يعني لما يكون في صف وصف، بحيث أنت الآن مع إخوانك المسلمين تقاتل المشركين، فالثبات هنا ممكن، أما حين يختل الصف نفسه، ولا تدري من أين تأتي السهام أو من أين تأتي القذائف، فالثبات هنا أصعب شيء، وخاصة إذا كان ثباتاً شخصياً لا يقوم به إلا واحد أو اثنان أو ثلاثة في مقابل الأكثرية التي هربت، ولا يمكن أن يقوم بهذا الثبات إلا إنسان يرى وكأنه يرى الآخرة بعينيه، وإنسان بلغ مرتبة الإحسان، يعبد الله كأنه يراه، وإنسان بلغ إيمانه ويقينه بحيث أنه يتحكم في غرائزه الطبيعية بقوة الإيمان دون أن يغيب هذا التحكم ولا في لحظة؛ لأنه لو غاب في لحظة لغاب في لحظة الهروب واختلال الصفوف.

فأما أن يكون في لحظة اختلال الصفوف واضطراب الأحوال ومجيء الموت من اليمين والشمال والأمام والخلف دون أن يكون هناك مصدر واضح للموت، ثم يقرر الإنسان ليس فقط أن يثبت وإنما أن يتقدم إلى مكمل الخطر وهو يرى ويفهم ويستحضر أن الصفوف قد اختلت، ويستحضر أن الناس قد هربوا، ويتخذ قراراً واعياً إرادياً بعدم الهرب وبالثبات، فاعلم أن الذي يفعل ذلك لا بد أنه من أهل الدرجات العالية، من أهل الإحسان، من أهل اليقين، من أهل لأن هذا استجابة، لأن هذا منع للغريزة من أن تتحكم في الإنسان، وهذه الغريزة أصعب غريزة، أصعب غريزة، يعني هذه ممكن تكون أصعب أقوى من غريزة الشهوة العادية، ولا هذه غريزة حياة أو موت. أنت تعرف مثلاً الآن لو جاء عند الإنسان مثلاً انهدام شيء ولا حادث ولا شيء، تعرف الإنسان يقول لك والله أنا ما أدري كيف قفز هذا الجدار صح ولا لا؟ والله ما أدري، أنت كذا ولا أنا في آخر الغرفة بخطوتين وقفزت، ليش؟ هذه غريزة، ما خلاص الإنسان شاف الموت، وكذلك في القتال في غريزة، الآن ترى مو معناه أن الإنسان يستحضر أنه هذه كبيرة من كبائر الذنوب، بس هي كبيرة من كبائر الذنوب، حتى لو كان ما مستحضر، مو لازم يستحضر أن كبيرة، هي في الأخير كونه فر هذه كبيرة، فالآن بس هذه غريزة مثل ما الزنا، ها قد يتفق مع غريزة الإنسان وشهوته ولكنه كبيرة، أنت مكلف بعدم الزنا، أنت مكلف بعدم الفرار، لكن في الأخير هو أمر صعب، أمر صعب.

فإيش القضية؟ قضية أن أنس بن النظر كان حاضر الذهن والقلب في عز صعوبة ذلك المشهد، فقال ماذا قال؟ قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء. يعني هو رأى الفارين وعرف أنهم فروا وأبصر هذه الحقيقة، وهو مستقر النفس، وكان الكلمة التي قالها قبل المعركة.

وقالها بعد يوم بدر، هي التي أمام عينيه فيستحضر من خلالها الأشياء وهي مهيمنة على غريزته: لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، كانت هذه الكلمة مثل الغمامة على رأسه هي التي تظله عن ذلك.

ها الغبار، غبار الموت، ما نتكلم عن حرب عادية إحنا نتكلم عن موت، بعدين هي نفس حتموت، يعني أنت أقصد الموت تعرف إيش معناه؟ معناه أنه هذا الإنسان الذي اسمه أنس بن النضر سينتهي، معناه أنه سينقطع ستنقطع علاقته بزوجته وبأولاده وبأهله وبأمواله وبذكرياته وبكل شيء، فكيف لو كان هذا الخيار خياراً أو هذا قرار اتخذه الإنسان بخيار وهو واعي أنه سيفعل ذلك، فالأمر هذا ليس الشيء السهل أبداً. ولا أن قلت لا والله بس الجنة والشهادة، أقول لك الكلام حلو، الكلام سهل ولطيف، الجنة والشهادة ممتاز ما شاء الله تبارك الله، لكن دع الموت يأتي من يمينك ومن شمالك ولحظات الخوف تحيط بقلبك، وكما قال الله سبحانه وتعالى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، وفي ذلك الوقت قل لي الجنة ما شاء الله، في ذلك الوقت تكلم أيها الفتى.

نعم، أنس بن النضر تكلم فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني ترى يا جماعة ممكن واحد يقول الدعاء هذا، ترى الدعاء هذا في مثل تلك اللحظة معناه أن الاستحضار عند أنس بن النضر استحضار عالٍ جداً، ولا كان في شيء حوله؛ لأنه فكره أنه هو خلاص قيم الوضع واتخذ قراراً واضحاً وجالس يدعي الآن يقول: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه الذين هربوا، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم.

لما تقدم وصل إلى آخر المتقدمين، آخر الحدود الخطرة في المعركة، وكأنه قبل الموج، موج البحر الهادر هناك عند ذلك الطرف كان سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن لموته، فهو تجاوز سعد بن معاذ، هنا في رواية في الصحيح لم يذكرها النووي هنا قال سعد يحذر، يعني كان يحذر أنس بن النضر أنه احذرهم لا يقتلوك أو نحو ذلك، فقال أنس: واهاً لريح الجنة إني أجدها دون أحد، والله إني أجدها دون أحد، خلاص هو الآن لما وصل إلى هذه المرحلة كان يبصر شيئاً واحداً يريد شيئاً واحداً.

أرأيت حين كان يجلس قبلها ويسمع النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن أنهار الجنة وعن نعيمها، وحين يسمع الآيات القرآنية التي تنزل في لقاء الله في الجنة ورؤية الله سبحانه وتعالى ورضوان من الله أكبر، وفي قمة الاضطراب والشدة كان كأنه يراها رأي عين، يعني تخيلوا يا جماعة هو يبصر الجنة من هناك، ويعلم أن بابها السيوف التي أمامه، باب الجنة، يعني تخيل أن تعرف سيوف الأعداء أنها باب الجنة، هذا ليس مبالغاً فيه لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، فتخيل يا جماعة تعرف السيوف أنها باب الجنة، فكان يعرفها كذلك، فتقدم فقتله المشركون، ومثل به ما بقي شيء يمكن أن يعرف به أنس بن النضر إلا بعض أصابعه، ولم يستطع أحد أن يميز هذه الأصابع أنها لأنس بن النضر إلا أخته، الوجه ما في ملامح.

وبالمناسبة ترى بعض الناس يظن أنه الشهداء أحياناً يحسب الإنسان أنه من علامة القبول أن الشهيد لازم يكون مبتسماً وأن وجهه لازم يكون منوراً وأن هذه دليل الشهادة، هذا مو صحيح، أنس بن النضر شفت الوجه ما في ولا معلم من معالم الوجه موجود، ولا معلم، يعني شفت الوجه الممسوح المطحون الذي كله جراح ومقطع، كان وجه أنس بن النضر الذي له هذه المكانة، لأنه البعض كذا عنده الخيال كمان واسع أن الشهيد لازم يكون بمثابة لا لا ممكن ترى يجدع أنفه ممكن تفقأ عيناه وممكن يقطع وجهه ممكن وممكن ويكون من أفضل الشهداء عند الله. حمزة إيش صار فيه لما قتل رضي الله تعالى عنه أسد الله مثل بجثته صح ولا لا؟ وكذلك جعفر ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم إيش صار فيه؟ قطعت يداه، وكذلك هنا أنس بن النضر لم يعرفه أحد إلا أخته ببنانه، وحتى جعفر ترى في مؤتة ما عرفه يعني كانه عرف بشيء لأنه وجدوا فيه كذلك خمسين ضربة أو شيء.

فهذه قضية ينتبه الإنسان إلى أنها قضية عظيمة جداً، وهي قضية استحضار الآخرة والقدرة على التحكم بالغرائز عند اختلال الأحوال، ولئن كان هذا في مشهد من المشاهد وقتال من المعارك أو معركة من المعارك، فإن هذا الاستحضار قد يكون في مجموع الحياة، ليس بالضرورة أن يكون في معركة، يعني قد يكون في مرحلة وليس في معركة، مرحلة تضطرب فيها الصفوف، تكثر فيها الفتن؛ لأنه الفتن أيضاً مثل الأمواج كما أن القتال فيه مثل الأمواج، كذلك الفتن مثل الأمواج، قد يكون في مرحلة في أمواج، هناك أمواج تأخذ الناس، الذي ينتبه إلى أنها أمواج فتنة، ويثبت ويصبر ويستحضر، ويعكس هذا الموج، ويتقدم إلى حيث الخطر ويثبت وينصر الدين، فهو أيضاً ممن يرجى إن شاء الله له مزيد من الحسنات والدرجات العلية.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبالنبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة، وأن يرزقنا مرافقته في الجنة بفضله ورحمته، وأن يعيننا على كثرة السجود، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونستغفره من ذنوبنا ونسأله العفو والعافية، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.