الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله ذي الجلال والكمال، الحمد لله الذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب. الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. سبحانه وبحمده، لا إله إلا هو.
أما بعد، فنستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار السنة المحمدية، سائلين الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والتمام. وكنا قد توقفنا عند باب تحريم الظلم والأمر برد المظالم، وأخذنا الحديث الأول فقط من هذا الباب، ونستعين بالله ونكمل بقية الأحاديث في الباب في هذا المجلس بما يتيسر، ولا يزال الباب طويلا قد يتطلب مجلسين قادمين أو ثلاثة، والله تعالى أعلم.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى وأعلى منزلته ودرجته: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. رواه مسلم.
هذا الحديث عظيم في بيان مركزية أداء الحقوق في الآخرة. التشريعات الإسلامية والقضايا الدينية عموما التي جاءت في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنيت باعتبار أن هناك يوما آخر مكملا لهذه الحياة الدنيا، وأنه لا يفهم هذا الدين ولا ما فيه، ولا تفهم حكمة الله سبحانه وتعالى تمام الفهم، إلا إذا نظرنا إلى الآخرة مع الدنيا لا إلى الدنيا وحدها. وقد أكثر الله سبحانه وتعالى من ذكر اليوم الآخر في كتابه، وكان من جملة الأوصاف التي ذكرت عن اليوم الآخر في الكتاب العزيز أنه يوم للفصل، ويوم للقضاء. وكم جاء في كتاب الله أن الله سبحانه وتعالى يحكم بين الناس فيما هم فيه يختلفون، مرة جاءت بلفظ يقضي، ومرة جاءت بلفظ يحكم.
فمن مركزيات الوصف لليوم الآخر أنه اليوم الذي تؤدى فيه الحقوق، ويفصل فيه بين الناس، ويقضى فيه بينهم. ولذلك أنتم تعرفون المؤمن إذا ظلم ولم يستوف حقه في الدنيا يقول: الموعد الآخرة عند الله نجتمع، وعند الله تجتمع الخصوم. إذا، اليوم الآخر من أهم صفاته يوم قضاء، يأتي الخصوم ويقضى بينهم. لكن هنا في الدنيا يمكن للإنسان أن يخادع القاضي، بل حتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما أحكم بنحو ما أسمع، بمعنى لو كان هناك إنسان خائن يخبئ بعض الأمور، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ترى أنا أحكم بما يظهر من أمر، فمن قضيت له بمال مسلم فهي جمرة من النار، يعني قضاؤه صلى الله عليه وسلم إذا كان على خلاف ما يعلمه الذي خان والذي كذا، فهي لا تبيح له، هذه جمرة من النار. أما في الآخرة فلا يوجد شيء مخبأ، كل شيء يظهر، والقاضي هو رب العالمين الذي يقضي بين الناس.
من مركزية هذا الوصف في الآخرة أنه حتى البهائم التي هي غير مكلفة سيقتص لبعضها من بعض، وإن كانت غير مكلفة. بمعنى أنه ما الذي نفهمه من ذلك؟ نفهم أكثر من أمر من موضوع البهائم، الأمر الأول نفهم أن يوم القيامة وهو يوم استقصاء الحقوق، حتى البهائم التي هي غير مكلفة ستاخذ حقوقها من بعض في ذلك اليوم، والأمر الآخر الذي نفهمه أن ذلك اليوم هو يوم العدل التام الشامل لكل شيء، الذي يشمل حتى البهائم، فما بالكم بالناس؟ فما بالكم بالمظلومين من أولياء الله الصالحين؟ وكل هذا سيأتي يوم القيامة. ولذلك من ألقاب يوم القيامة أنه يوم الفصل: أَيُّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ.
فهذا الحديث: لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء، التي هي لا قرن لها، من الشاة القرناء، التي هي ذات القرون التي كانت تنطح الشاة الجلحاء، هذه النطحات التي نطحتها الشاة الجلحاء في الدنيا، سيقتص لها يوم القيامة. وبناء على ذلك، ما المستفاد من هذا كله؟ المستفاد من هذا كله أن يحرص المؤمن الذي يؤمن بلقاء الله في الآخرة، والذي يخاف الله سبحانه وتعالى، أن يحرص على أن يتحلل من الحقوق التي عليه في الدنيا، حقوق مالية، حقوق في الأعراض، يتحلل، يتحلل، يتحلل، يرد الحقوق، يؤدي الأمانات، يعني يحاول إذا تخلص من كل شيء إن شاء الله يأتي يوم القيامة خفيفا لا حساب، لأنه إذا لم يفعل ذلك فإن الجزاء عسير.
ومن الجزاء ما سأستعجل بعرضه، يعني سأقفز الآن حديثا بالترتيب حتى يتسق المثال مع الكلام، ثم نرجع إلى الحديث التالي، وهو حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين. متفق عليه.
هذا مثال، من ظلم قيد شبر من الأرض، قيد يعني قدر شبر من الأرض، يعني الأراضي التي في الدنيا، العقارات هذه، يعني مثلا أنت عندك أرض وواحد عنده أرض أخرى بجوارك، أخذت من أرضه ظلما وعدوانا، أخذتها غصبا، بحسب طبعا أحيانا كيف يصير الغصب؟ أحيانا تزوير الأوراق، أحيانا تغيير المعالم، أنه في أصلا معالم للأرض، في ناس يروحوا يغيروا المعالم، لذلك في الحديث الصحيح: لعن الله من غير منار الأرض، يغير المعالم حدود الأرض عشان يكبر أرضه ويصغر أرض غيره، هذا اسمه غصب أرض، أو بقوة السلاح، أيا كان سواء كان هذا الآن اسمه ايش، من ظلم قيد شبر من الأرض ظلم.
طيب شوف حتى نعرف مركزية الحقوق ايش راح يصير: طوقه من سبع أرضين، في لفظ طوقه يوم القيامة من سبع أرضين، كيف يعني؟ هذا الشبر إذا كان شبر، إذا كان متر، إذا كان مترين، بحسب المساحة أو المسافة التي ظلمها من الأرض، ايش ياتي؟ كم المساحة التي تحت هذه الأرض التي تشمل سبع أرضين، يعني لين مركز الأرض ولا نواة الأرض ولا كم؟ هذا يجي كالطوق على الإنسان الذي ظلم القدر، يعني ما يجي من مساحته في التراب فقط، لا منها إلى أعماق أعماق أعماق الأرض، ياتي يوم القيامة هو الإنسان يجي يوم القيامة وهو بلشان بنفسه، يعني هو ما يعرف ايش يسوي بنفسه، يجي وهو حامل معه هذا القدر من الأرض. طب اللي ظلم أرض، أرضين، ثلاثة، أربعة، آلاف الأمتار، هذا كله على ظهره. وهذا ليس خاصا بالأرضين، في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنه مثلا ذكر في الغلول، وأنه الذي يأخذ مالا بغير حق، فإيش يقول النبي صلى الله عليه وسلم معنى الحديث يعني يقول: يجاء بأقوام يوم القيامة، معنى الحديث منهم من يحمل شاة، منهم من يحمل بقرة، اللي غله، اللي أخذه بغير حقه، ياتي يحمل يوم القيامة في ذلك اليوم الشديد. طب كم سنة يحمل؟ كم يبقى؟
لاحظوا الآن، هذا ليس الكفر، هذا الظلم. الظلم! لذلك ممكن الواحد الآن في الدنيا يشوف مظاليم، مظلومين يعني أنواع الظلم وكذا، طيب هو ليش يوم القيامة؟ مو يوم القيامة هو يوم الفصل بين العباد، هو يوم القضاء، هو يوم إعطاء الحقوق لأهلها، كم جاء الوعيد في القرآن للظالمين يوم القيامة؟ ولذلك هنا هذا الحديث: من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين، فهذا حديث مخيف في غصب الحقوق، ولذلك مناسبة هذا الحديث، مناسبة أبي سلمة رضي الله تعالى عنه، رحمه الله من التابعين، كان في خلاف بينه وبين شخص في أرض، فعائشة رضي الله عنها، لأن سلمة من تلاميذ عائشة، كما تعلمون دائما يروي عن عائشة، فهو كانها علمت بهذا الخلاف بينه فقال، قالت له: اجتنب الأرض، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين. يعني كأنه تقول إن أنت غالب ولا مغلوب، لا تظلم، ابعد عن الشبهة والريبة. فسبحان الله كيف أن الله سبحانه وتعالى جعل مركزية العدل ومركزية تحريم الظلم ومركزية الحساب على الظلم يوم القيامة شديد جدا جدا، ولذلك ليس إلا أن يحرص الإنسان في هذه الدنيا على التخفف من الأحمال، أداء الأمانات، رد الحقوق، وكثرة الاستغفار، حتى لا يأتي يوم القيامة وعليه شيء من ذلك، خاصة الأمور المالية هذه، وأمور الدماء، وأمور الدماء والأموال، وكذلك الأعراض بلا شك.
نعود إلى الحديث الذي قبله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نتحدث عن حجة الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ولا ندري ما حجة الوداع، حتى حمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه، ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره، وقال: ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمته، أنذره نوح والنبيون من بعده، وأنه إن يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس بأعور، وأنه أعور عين اليمنى، كأنه كان عينه عنبة طافية. ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد، ثلاثا. ويلكم أو ويحكم، انظروا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. رواه البخاري، وروى مسلم بعضه.
هذا الحديث أورده الإمام النووي للجزء الأخير فيه، الذي فيه أن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وكذلك الجزء الأخير: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، له تعلق بطريقة أو بأخرى. هذا الحديث فيه أيضا بعض الفوائد الأخرى، فنأخذه بجملته.
في البداية قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كنا نتحدث عن حجة الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ولا ندري ما حجة الوداع، حتى حمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه تلقيب حجة النبي صلى الله عليه وسلم بحجة الوداع، يعني كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بعد وفاته، فهو أمر تحدث فيه، قيل في وقت ذلك الوقت حجة الوداع، لكن كان الصحابة ما كانوا يدرون وداع من، يعني أنه هل وداع النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكأنه كانوا مستبعد أو صعب، أو غير متخيل أنه قريب. فتحدث بأن هذه حجة الوداع، وجاء في البخاري أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم ودع الناس في حجة الوداع، فقيل إنه بسبب وداع النبي صلى الله عليه وسلم للناس سمى الناس هذه الحجة بحجة الوداع، وقيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم تحدث بشيء عن أمر الوداع.
طيب لماذا ودع النبي صلى الله عليه وسلم الناس أو قيل حجة الوداع؟ روي في بعض كتب السنة أنه نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ في أيام التشريق، وتعرفون فهم النبي صلى الله عليه وسلم منها وفاته، فودع الناس بناء على ذلك، هذا مما يروى في ذلك، يروى في نزول سورة النصر في هذا المقام.
على أية حال، مما جاء في هذه الحجة من خطبة أو كلام، ذكر المسيح الدجال، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتنيا عناية كبيرة بالغة شديدة بشأن المسيح الدجال، وهذه العناية لابد أن تنعكس على أمته، وكلما تأخر الزمن يجب أن تزداد العناية. ايش الدليل أنه كلما تأخر الزمن يجب أن تزداد العناية؟ هو بنفس المعنى الذي لأجله النبي صلى الله عليه وسلم اهتم بالموضوع، اللي هو أنه لم يأت نبي إلا أنذر أمته المسيح الدجال، وأنه خارج فيكم لا محالة، يعني أنه انتهت الأنبياء وانتهت الأمم قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ما بقي إلا النبي صلى الله عليه وسلم، إذا سيخرج في أمته لا محالة، فهذا من أسباب زيادة الاهتمام بقضية المسيح الدجال. طيب إذا مضى القرن والقرن والقرن والقرن والقرن من أمة النبي صلى الله عليه وسلم معناه ايش؟ معناه أنه مزيد اهتمام. طيب إذا تحققت العلامة، فالعلامة، فالعلامة، فالعلامة، فالعلامة من علامات الساعة، فمعناه ايش؟ يجب أن يزداد الاهتمام بقضية المسيح الدجال؛ لأنه نحن كل ما مر الزمن اقتربنا، وكل ما ظهرت علامة اقتربنا. وقبل يومين تقريبا نشر مقطع بعنوان "هكذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم زماننا"، هذه في عدة أحاديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيها عن أحداث تقع في آخر الزمان، وهذه وقعت في زماننا هذا الحالي، فضلا عما وقع قبل ذلك. وهذا الذي شيء مما وقع في زماننا جاء في بعض الأحاديث المركزية في سياق الساعة، مثل حديث جبريل: ولكن سأحدثكم عن أماراتها، وذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، وهذا وقع في زماننا. وهذا كله ينبغي أن يزيد منا الاهتمام بقضية المسيح الدجال.
يا جماعة، يعني هو شوف المسيح الدجال، خذوها، حاولوا تتصوروا هذا الكلام، بقدر ما تتصور وتتوقع خطورة فتنة المسيح الدجال، فهو أخطر، بقدر ما تتوقع مركزية وأهمية الوقاية من.
فتنة المسيح الدجال، فهي أهم. من وين نعرف إنه أهم وإنه أكبر وإنه من فين نعرف؟ أنا بالنسبة لي عندي مفتاح معين، يعني دائماً أتعجب منه، دائماً أتعجب منه هذا المفتاح؛ أدرك إنه هذا الموضوع استثنائي جداً. إيش هذا المفتاح؟
إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ في كل صلاة من فتنة المسيح الدجال، وأن أمته على مر القرون يستعيذون في كل صلاة من فتنة المسيح الدجال، وأنه ما خرج كل هذه القرون وكل صلاة يستعاذ منه؛ يعني لمن يلتزم بهذه السنة اللي هي واردة في الدعاء في نهاية التشهد، مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إيش؟ أعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال. هذا من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقولها في دبر كل صلاة أو في أواخر الصلاة، وكان أمته على ذلك. فتخيل 14 قرناً وأمة محمد صلى الله عليه وسلم تستعيذ من فتنة المسيح الدجال في كل صلاة، بكل تشهد، والله سبحانه وتعالى يعلم أنه لم يخرج أو لن يخرج في تلك المراحل، ولكن الاستعاذة مشروعة ودائمة وسنة وثابتة، فالأمر عظيم يعني، الأمر كبير والأمر مهول.
وفي الحديث الصحيح أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه ما خلق الله من شيء أو من فتنة منذ خلق آدم إلى قيام الساعة أكبر من المسيح الدجال. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعتني عناية خاصة بهذا الشأن. نحن الآن اقتربنا، اقتربنا من هذه الفتنة لا شك؛ 14 قرناً مرت، علامات كثيرة ظهرت، اقتربنا. هذا الاقتراب يحتاج إلى استعداد، يحتاج إلى وعي، يحتاج إلى فهم، يحتاج إلى إحياء ذكر هذه القضية، ويحتاج إلى وقاية عامة من الفتن المصغرة التي من وقيها فحري به أن يوقى الفتن الكبرى. أما من كان مسترسلاً في الفتن الصغرى غير آبه بها ولا مستعد لها، فيقع ويفتن في فتنة المسيح الدجال.
شوفوا يا جماعة لا تظنوا أن هذه الفتنة سهلة، لا تظنوا أن هذه الفتنة يسيرة، لا تظنوا أن هذه الفتنة عادية، لأنه نحن عندنا أخبار فيها، هي ليست عادية وليست سهلة أبداً. والنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذكرها، وهنا في الحديث الذي في البخاري قال: فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال فأطنب في ذكره؛ ذكر الكلام الكثير المتعدد أو الواسع أو المسترسل في ذكره، في ذكر الدجال. وهذا يذكرنا بحديث النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم، لما قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الدجال فإيش؟ خفض فيه ورفع حتى ظننا أنه في طائفة النخل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما بهم قال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. ثم ذكر شيئاً ثم قال: يا عباد الله فاثبتوا.
فهذه فتنة عظيمة، وليس المقام الآن للاسترسال فيها أكثر من ذلك، وإنما هذا تعليق يسير على هذا المقام أو هذا النص أو هذه الجملة التي ذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم المسيح الدجال في حجة الوداع. وأيضاً سياق ذكرها في هذا المقام يدل على أهميتها؛ لأنها كالوصية لهذه الأمة. وأيضاً لا شك أن من أعظم ما يدل على خطورة هذه الفتنة هو النص نفسه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمته، ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمته. فلك أن تتخيل ما هذه الفتنة؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنذره نوح والنبيون من بعده. تخيل في بداية دعوة الرسل، من نوح عليه السلام وهو يحذر أمته من المسيح الدجال؛ يعني أمر عجيب وأمر عظيم وأمر كبير وأمر هائل، أمر يحتاج إلى استعداد كبير. وأنت ترى اليوم انقلاب المعايير والأفهام، والاسترسال في الفتن، والاغترار بالمظاهر الدنيا الرخيصة، يعني لو كانت مظاهر الدنيا العميقة الكبيرة الثمينة جداً، ها المشكلة الاغترار بالمظاهر الرخيصة يعني، والأشياء التافهة، والأشياء السخيفة والأشياء. فتقول كيف؟ كيف الصمود أمام فتنة المسيح الدجال؟
وإنه إن يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس بأعور. يعني العلامة الأساسية التي ينبغي للمؤمن أن يحفظها ويدركها عندما تأتي فتنة المسيح الدجال أنه سيكون أعور، وهذا العور نقص، والنقص ليس من شأن رب العالمين. شوف تخيل من قوة الفتنة، من قوة الفتنة تخيل النبي صلى الله عليه وسلم يحذر ويعطي العلامات حتى لا يشتبه من قوة الفتنة على بعض الناس؛ لأنه دعوة المسيح الدجال ليست دعوة النبوة، دعوة الألوهية، دعوة الألوهية! فتخيل إلى هذا الحد يكون التحذير؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم يعني من شفقته على أمته يقول: إن خفي عليكم شيء، إذا في شيء خفي عليكم من أمره، التبست الأمور ما عرفتم إيش تسووا أو إيش الحق، إن خفي عليكم فليس يخفى عليكم أنه إيش؟ ليس يخفى عليكم أن ربكم ليس بأعور، وأنه أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية. يعني هذه العين اليمنى فيها جحوظ وخروج وبروز، ها كأنها عنبة طافية، وفي بعض الروايات كأنها كوكب، يعني خارجة بارزة من العين، فيها جحوظ وبروز ظاهر، هذا فضلاً عن أنه مكتوبة كذلك على جبهته كافر أو كفار، يقرأها كل مؤمن قارئاً كان أو غير قارئ.
فتخيلوا يعني كيف الفتنة تكون، طبعاً هذا الأمر هو يعني الدجال يأمر السماء فتمطر، ها وقتها ممكن تجي النصوص اللي فيها أنه إيش؟ لا ينزل الغيث إلا الله وكذا، ها ترى في اشتباهات تصير بوقتها بالفتن، بحسب عاد إيش كيف حتصير وقتها، فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه وكذلك مثلاً أنه إيش، أي مثلاً: وَإِذْ قَالَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، الدجال يقتل الإنسان ويشطره باثنتين، ثم يأمره فيرجع حياً، فيرجع حياً وهذا ثابت في الحديث الصحيح. يعني ليس من باب السحر، مو أنه مثلاً يشتبه على الناس أنه هو يرجع حي، لا يرجع حياً حقيقة، ها يرجع حياً حقيقة، ويأتي إلى القرية تتبعه فيؤمنون به، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، والقرية لا تتبعه فتمسك عنها السماء ولا تنبت الأرض. فيعني لا تحسب أن القضية معرفية، إيش يعني إحنا نأخذها كذا بتصورها، طبعاً أنت تعرف إحنا ذحين لما ننظر الآن لما ننظر إلى بعض الفتن في التاريخ، نقول كيف صارت هذه الفتن؟ واضحة يا أخي، لأنها انتهت وأنت عارف، وأخذها بقضية معرفية، بس هي دائماً أوقات الفتن فيها ملابسات مرتبطة بالواقع، دائماً أوقات الفتن فيها ملابسات مرتبطة بالواقع، لا يعني تكون شديدة إلا على من رأى تلك الملابسات.
فأنت اليوم لما تنظر لبعض الفتن السابقة ما عشت ملابساتها، فتقول يا أخي يعني بسيطة، نفس الشيء إحنا اليوم عندنا فتن، نفس الشيء، لو جاء شخص من التاريخ السابق وقيل له أن أناس من سيأتون بعدكم من المسلمين سيلتبس عليهم كذا وكذا، يقول لا يا أخي مو معقول، يعني مو لهالدرجة يعني تصير فيه، لكننا عايشين بهالزمن ورايين فتن والتباسات وأحوال وناس رايحة واختلافات وناس مشتبهة عليه الأمور واللي يرتد واللي يلحد واللي مو عارف إيش يسوي واللي لكذا وإلى آخره. ليش؟ لأنه في ملابسات في الزمن، يعني اللي يعيش يدرك هذه الملابسات. فأنت الآن نفس الشيء، فتنة المسيح الدجال ممكن تقول إيش يا أخي واضحة، أي بس في ملابسات بذاك الوقت، في ملابسات. يعني مثلاً تعرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنه سيمكث أربعين يوماً، يوم كسنة، يوم كشهر، هذا معناه إيش؟ إيش يكون فيه؟ إيش في معناه تغيرات كونية هائلة، فهمت الفكرة؟ يعني أقصد في مقدمات وفي أحوال ما حتخلي الظرف عادي، ما حتخلي الظرف عادي أنه إحنا جالسين كذا، شوي طلع واحد اسمه مسيح الدجال، فهمت فنقول آه واضحة، لا هي ما حتكون كذا، هي في ملابسات بوقتها.
كيف تعرف أنه هي فعلاً فتنة صعبة؟ كثرة التحذير من النبي صلى الله عليه وسلم، كثرة التحذير، كثرة التحذير، وهذه الجملة عجيبة: إن خفي عليكم شيء من أمره، هذا معناه إيش؟ يعني قد يخفى، وأنه قد يلتبس، وقد يكون في إشكال بالنسبة للناس، وأكيد طبعاً بتفاوت الناس، يعني إن خفي عليكم شيء من أمري فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس بأعور. يعني هذا أحس يعني إيش؟ خلاص آخر شيء كذا ممكن إيش؟ يقف عنده الإنسان.
بعد ذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الجملة التي هي موضع الشاهد؛ لأنه هذا الحديث أخرجه النووي في باب إيش؟ تحريم الظلم والأمر برد المظالم، أخرجه في هذا الباب. فأين موضع الشاهد؟ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا. يزاد على ما ذكرناه قبل قليل في الحديثين السابقين، اللي هو إيش؟ خطورة شأن الأموال والدماء والأعراض، وشدة التحذير النبوي من التجاوز فيها، ومركزية الحساب عليها يوم القيامة ويوم الفصل بين الناس. إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا. كيف هذه الحرمة واضحة للجميع، كيف هي شديدة، كيف هي كذلك حرمة المؤمن في دمه وفي ماله وفي عرضه كما في بعض الروايات الأخرى. لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ثلاثاً. ويحكم أو ويلكم، انظروا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. وهذا أيضاً فيه تأكيد على خطورة موضوع الدماء بين المسلمين، أنه ترى هذا التهاون أو هذا الاعتداء على دماء المسلمين، رحمك الله، يصل إلى أن يوصف بالكفر، وإن كان ليس كفراً مخرجاً من الملة، لكنه لم يوصف بالكفر إلا لشدة ما فيه من الذنب، ولذلك ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، وهنا: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. وهذه من الوصايا المركزية التي أكد النبي صلى الله عليه وسلم عليها وغلظ فيها تغليظاً شديداً، وينبغي على أمته رعاية هذه الوصية والعناية بها، وتقديس دم المسلم ورعاية حرمة دم المسلم، وعدم الاستهانة فيه، وعدم يعني الدخول في شيء من ذلك.
ثم الحديث الأخير وهو عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثم قرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ، متفق عليه. هذا الحديث له علاقة بشأن الباب من تحريم الظلم والأمر برد المظالم؛ لأن فيه أن الله سبحانه وتعالى يعاقب الظالم، ومن عقوبته العقوبة في الدنيا فضلاً عن العقوبة الأخروية التي ذكرت في عدد من الأحاديث، ومنها الحديث الذي عرض قبل قليل: من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين، وهذا ظلم في المال. لكن حتى في الدنيا قد يعاقب الظالم، وعقاب الظالم لا يكون مباشرة، وإنما يملي الله له، يمهل، يعطيه فسحة، ثم بعد ذلك يأخذه. والظالم هنا أولى ما يدخل فيه هو الظالم الذي صورته صورة أقوام الأنبياء، الذين ظلموا الأنبياء أو المصلحين أو الدعاة إلى الله وحاربوهم وكفروا بالله سبحانه وتعالى. وهذا من أهم الأحاديث التي يستدل بها على السنن الإلهية في شأن التدافع بين الحق والباطل، وأن الظالم الذي يحارب الحق ويحارب أهل الحق يملى له ولا يؤخذ مباشرة، ولكنه سيؤخذ. فهذه من أهم الأحاديث على الإطلاق في بيان السنن الإلهية، والسنة الإلهية المذكورة في هذا الحديث هي سنة العقوبة وإهلاك الظالمين الدنيوية، العقوبة الدنيوية وإهلاك الظالمين في الدنيا، وهذا من السنن الإلهية وخاصة في الظلم المذكور في الآية: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ، وهذه الآية في سورة هود، والقرى المقصودة في هذه الآية هي القرى التي قص من نبأها في نفس السورة، وهي قصة قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وقوم لوط إلى آخر ذلك، ثم بعد ذلك ذكر في السورة فرعون، وهي السورة التي ذكر فيها: وَكُلًّا نَقَصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، بعدما ذكر الله القصص وكان في كل قصة في سورة هود يأتي ذكر الإهلاك، الإهلاك، الإهلاك، ولكن الإهلاك دائماً يكون إيش؟ نهاية القصة. ولما نقول نهاية القصة تذهب إلى قصة نوح فيها 950 سنة، جيد؟ وقل ما شئت أو قدر ما شئت من السنوات مع بقية الأنبياء، فدائماً دائماً يأتي الإهلاك، يعني القصة ما تبدأ بالإهلاك، القصة تنتهي بالإهلاك. فلما ذكرت القصص قصة تلو الأخرى في سورة هود ختمت بهذه الآية: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. فالنبي صلى الله عليه وسلم استدل بهذه الآية على هذه السنة، فقال: إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ. إذاً هذه السنة، ثم: فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ. هذا الحديث يتضمن سنتين: سنة الإهلاك وسنة الإملاء والإمهال للظالمين، وقريب من الإملاء والإمهال سنة إيش؟ الاستدراج. أليس كذلك؟ ذكرها الله سبحانه وتعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. فالاستدراج لا يكون إلا مع الإمهال، أليس كذلك؟ استدراج لا بد أن يكون فيه فسحة زمانية حتى يحصل هذا الاستدراج، فهذا الإمهال يعني قد يكون معه استدراج، فالنبي.
صلى الله عليه وسلم استدل بهذه الآية من سورة هود على هذه السنة الإلهية وجعلها في نسق واحد: إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، جعلها في نسق مع قوله سبحانه وتعالى: وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. طيب.
لاجل نعم لاجل أي وجود ظرف أو انشغال بعد الدرس الآن نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله أن تكون فاتحة عودة للدروس أنوار السنة تحديدا وغيرها كذلك، ونستغفر الله من ذنوبنا ونتوب إليه. اللهم اعفُ عنا وعافنا، اللهم يا ربنا أغث أهل غزة وأدركهم برحمتك وأنت أرحم الراحمين، وانصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، ونجِّ المستضعفين من المؤمنين في كل مكان.
اللهم انتقم من الظالمين المجرمين المعتدين، اللهم انتقم من الظالمين المحاربين لدينك وأوليائك في كل مكان، اللهم انتقم منهم أجمعين، اللهم انتقم منهم وأخذهم وزلزلهم واجعل دائرة السوء عليهم، اللهم إنا نسألك أن تنتقم من اليهود الظالمين المجرمين، وتسقط دولتهم وتحرر بيت المقدس منهم، وأن تجعل لنا من تحريره أوفر الحظ والنصيب، يا عزيز يا وهاب يا أرحم الراحمين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك.
الشيخ أحمد السيد