الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، نستعين بالله ونتوكل عليه ونستهدي به ونستغفره من ذنوبنا ونتوب إليه، ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار السنة المحمدية، وهذا هو المجلس الثامن من مجالس التعليق على رياض الصالحين، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والقبول والتمام.
لا يزال الحديث متصلا بباب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم. عند حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه. رواه مسلم.
قال النووي رحمه الله: النجش أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها في السوق ونحوه ولا رغبة له في شرائها، بل يقصد أن يغر غيره، وهذا حرام. قال: والتدابر أن يعرض الإنسان عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر.
هذا حديث عظيم وهو من جوامع الكلم، حديث قصير الكلمات محدود ومعدود الجمل، ولكنه مليء بالتوجيهات والقضايا، وهو برأيي هذا الحديث يمكن أن يسمى مجازا دستور الأخوة، دستور الأخوة الإسلامية، يعني هذا الحديث من الأحاديث التي تؤسس لقوانين الأخوة الإسلامية. النبي صلى الله عليه وسلم دعا دعوة واضحة إلى التآخي بين المسلمين وحفظ الحقوق.
وفي سياق ذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن مجموعة من الأمور، هذه الأمور التي نهى عنها صلى الله عليه وسلم تؤدي إلى عدم تحقيق ذلك المقصد الذي هو الأخوة الإسلامية. هذه الأمور المنهي عنها هي أمور كثيرة فصلها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، فبدأها بقوله: لا تحاسدوا.
طيب، الحسد هل هو شعور في القلب أم هو عمل بالبدن والجوارح؟ هو شعور في القلب ولكنه يؤدي إلى عمل باللسان وبالجوارح. طيب هنا، لا تحاسدوا هل هو نهي عن الشعور الذي في القلب أم نهي عن آثاره؟ هو نهي عن ألا يتمكن ذلك الشعور الذي في القلب، يعني نهي عن تمكنه، نهي عن أن يستحكم في قلب الإنسان، وفي نفس الوقت وبطبيعة الحال نهي عن ماذا؟ عن آثاره العملية. وأيضا يدخل فيه شيء ثالث وهو نهي عن الأسباب التي يمكن أن توصل إلى تحققه في القلب وفي النفس. واضح.
الحسد أيها الكرام هو من أهم مهددات الأخوة الإسلامية، وهو ابتلاء من الابتلاءات التي جعلها الله في نفوس الناس في هذه الحياة الدنيا. لو قلت لك: أين محله، ما سره، كيف ينشأ، لماذا ينشأ، ما طبيعته التي تؤثر في التكوين النفسي الداخلي وفي أداء القلب والنفس والمشاعر؟ لقلت لك إن الأمر عجيب. وهو قد لا يصل الإنسان إلى حقيقة التركيبة الداخلية في النفس التي تحصل أثناء الحسد، لكن هناك أسرار جعلها الله في النفوس.
تعلم هذه الأسرار وتصل إلى شيء من ملامحها حين تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم شق صدره ونزعت منه علقة، طيب ما هي هذه العلقة، ما هي هذه القطعة، ما تعلقها بأحوال النفوس؟ هذا وهو صغير، ثم حين بعد النبوة شق صدره مرة أخرى صلى الله عليه وسلم، وغسل بماء زمزم وملئ حكمة وإيمانا. كيف ملئ حكمة وإيمانا، ما هو الذي ملئ به بالضبط؟ هذا سر من الأسرار.
لذلك أيها الكرام مما يعين على تحقيق ذلك كذلك في التصور أن تعلم أن الله قال، وتتفكر في قوله سبحانه: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ، هذا في الجنة. سؤال: الأسباب التي في العادة تؤدي إلى الحسد في الدنيا هل هي موجودة في الجنة؟ الأسباب الخارجية التي في العادة تؤدي إلى الحسد موجودة. هل سينشأ عنها حسد؟ لا، ليش؟ في سر معين في النفوس سيستخرج منها: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ.
حتى بالمناسبة الحسد وحتى أمور من الغيرة وأمور من، يعني مثلا أكثر ما يسبب مشكلة للنساء في الحياة الدنيا هو موضوع الضرائر، صح ولا لا؟ صح، ولا شك ولا ريب أن هذا الأمر له علاقة بهذا النقص النفسي الموجود في الدنيا. في الجنة لا يمكن أن يحصل ذلك مع أنه ليست خالية بزوجها وحدها في الجنة، هناك الحور العين وهناك غير ذلك، يعني زوجات حور العين إلى آخره، كم تزوج الإنسان في الدنيا، قد تكون زوجاته في الآخرة، فهذا ينتهي، تنتهي آثاره في الجنة. والذي يقيس الجنة على الدنيا يقيسها باعتبار أنه العامل النفسي هو نفسه، لا، وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ.
إذا لازم نفهم أننا في الدنيا جزء من ابتلائنا هو ما أودعه الله في النفوس من هذه الحساسية، من هذه الغيرة، من هذا الحسد. هذا موجود في النفوس، ولكننا كلفنا بأن نقاومه، هذا التكليف هو الابتلاء. لذلك التكليف كله مرتبط بمعنى الابتلاء، ليس معنى ابتلاء معناه أنه مصائب تأتي، لا، من الابتلاء أنك أنت تقاوم ما أودعه الله في النفس من بعض الرغبات. هذه المقاومة هي خلاصة الجهاد الذي كلف الإنسان فيه، أو صورة من صوره، وهي التي بإذن الله إنسان يدخل بسببها الجنة.
طيب حزمة المشاعر السيئة هذه ليست الحسد فقط، هي الحسد وغيره كثير من الأمور، العجب، الكبر، الطمع إلى آخره، في حزمة هذه كلها يجمعها اسم واحد كبير وهو الهوى. هذا الهوى إذا اتبعه الإنسان، إحنا نقول اتباع الهوى صح، اتباع الهوى يكون تارة باتباع موجب الغيرة والحسد، اتباع الهوى يكون تارة باتباع موجب الطمع والفخر، أحيانا يكون اتباع الهوى باتباع موجب الكبر، هذا كله اسمه اتباع هواء.
لما تتذكر كلام الشاطبي خلاصة مقاصد الشريعة، لما ذكر في خلاصتها وهي أن يخرج المرء من داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد له اضطرارا، هذه خلاصة المقاصد التي وصل إليها الشاطبي رحمه الله. الآن نحن في هذه الحياة الدنيا فيها هذه المشاعر وفي هذه الأحوال، أنت الآن أول شيء تستفيده أنك لما تتعامل مع نفسك باعتبار هذا النقص الموجود، فهذه مقدمة مهمة جدا في التزكية، مقدمة في التزكية أن تعرف الأمراض وأسبابها، بحيث إنه إذا جاءك هذا الداعي النفسي أو القلبي تقول: تمام أنا قد عندي وعي أن هذا إشكال معين.
طيب النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول: لا تحاسدوا. الشعور هذا الذي في النفس سيظل موجودا، لكن كيف توجهه، كيف تقضي عليه، كيف تقضي على تمكنه. النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا حسد إلا فتنتين، طبعا هنا لا حسد إلا فتنتين بطبيعة الحال ليس الحسد المذموم، ولكن هذا في تقنين وتوجيه أن ترى ما يستحق أن يغبط عليه الناس هو هذا وهذا، رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها. الله أكبر، هذا الذي يستحق الحسد، الحسد بمعناه الغبطة، هنا المقصود في الحديث ليس الحسد المذموم، وإنما الحسد المقصود هنا الغبطة، هو أن تتمنى أن تصل إلى هذا المستوى وأن يكون عندك هذا الأمر.
طيب الخلاصة يا كرام، هذا الحسد هو فرع من حزمة الهوى، وهذا الحسد سيظل ينخر في قلب الإنسان وجسده إذا لم يقاومه بمعول التزكية. وأهم شيء يقاوم به الحسد هو رؤية القدر، رؤية القدر ما معناها؟ معناها أن تبصر أن هذا الأخ أو أن تبصري أن هذه الأخت التي قسم الله لها، أو الذي أعطاه، إنما هو بقدر الله. فإذا حسدته فأنت تعترض على الله سبحانه وتعالى فيما أعطاه هذا الإنسان، وفي الحقيقة أنت لا تعاديه، أنت تعادي قدر الله فيه، لأنك تكيد له لأنه تميز بشيء، طيب هو ما ذنبه؟ أنت تعادي قدر الله فيه. فلذلك تهذيب النفس في قضية الحسد من أهم أسبابه ملاحظة القدر، ملاحظة القدر تغالب هذا الشعور، خاصة إذا كان الذي أعطيه المحسود هو أمر فيه تميز ديني.
ولا تناجشوا، هذه الآن وسيلة معينة نهي عنها حتى ما تثير البغضاء، النجش، المزادات التي تصير في الأسواق هذا بكم 20، 30، 40، 50، هذا الذي يزيد في السلعة وهو لا يريد أن يشتريها ولكن يريد أن يضر بالمشتري أو أن ينفع البائع. لا تناجشوا، لا تباغضوا، كل ما يؤدي إلى البغضاء. لا تدابروا، طيب لو حصل بعض الأمور لا تدابر، إذا ما استطعت على المقدمات فعلى الأقل لا تصل إلى الآثار، لا تدابر، التدابر نتيجته هو أن يتقاطع المسلم مع أخيه. وبعد ذلك لا يبع بعضكم على بيع بعض، وهذه نفس الشيء، وفي الحديث الآخر: ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه. لا يبع بعضكم على بيع بعض، هذا اتفق مع بائع معين سيشتري منه هذه السلعة، لا تأت أن تعطي أكثر، والبائع نفسه لا يغير بسبب بائع أو مشتر آخر، كلها من الطرفين.
وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، يعني أنت يا أحمد أخي، وأنت يا يوسف أخي، وأنت يا يوسف أخو أحمد، وأنت يا أحمد أخو سعد، هذه أخوة مؤسسة من النبي صلى الله عليه وسلم. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. تكلمنا عن هذه الجمل في الدرس الماضي، التي كانت في الحديثين الماضيين، لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، وهنا الزيادة فيها ولا يحقره.
بعدين شوفوا الجملة العجيبة وليتأملها كل من يعظم كلام النبي صلى الله عليه وسلم، شوف بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم: التقوى ها هنا، وهذه جملة عظيمة جدا، لكن تأملوا في هذه بمناسبة لا يحقره: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. يا جماعة خلونا نتأمل، ركزوا في هذه الجملة العجيبة، شوف ما يحتاج الإنسان عشان يكون شريرا ومن أهل الشر ومن أهل الفساد، ليس بالضرورة أن يكون سارقا، ليس بالضرورة أن يكون زانيا، ليس بالضرورة أن يكون شاربا للخمر، ليس بالضرورة أن يكون قاطع طريق، ليس بالضرورة أن يكون خائنا، وهذه كلها من الشرور العظام، يكفيه من الشر، هذه الجملة معناها يكفيه من الشر أن تكون عنده خصلة واحدة لو كانت فيه فهي كافيته في الشر، هو هذا الشر بعينه.
ما هي يا رسول الله؟ ما هي هذه الخصلة التي لو كانت فهي تكفيه؟ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. تخيل، ممكن ما تصنيف احتقار المسلم في قائمة المحظورات الشرعية بالنسبة لك أيها المسلم؟ ممكن واحد حاط في قائمة المحظورات الشرعية الكبيرة النظر إلى الحرام، الفواحش، أكل الربا، لا، أنا أقول لك أضف في القائمة، أنت احتقار أخيك المسلم ولو واحد، أضفها في قائمة المحظورات الشرعية الكبيرة. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، يحقره لماذا؟ عرق، نسب، مدينة، بلدة، طبقة اجتماعية إلى آخره، عدد ما شئت. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه.
ننتقل للحديث الآخر، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. متفقون.
لو لم نسمع هذا الحديث يا جماعة الخير، قلنا لكم إنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى.. وتفكر كذا، سؤال للتفكير، ما الذي تتوقعه فيما بعد حتى؟ أنه لا يؤمن أحدكم حتى، ممكن واحد يقول مثلا حتى يجاهد في سبيل الله، صح، وهذا وارد أصلا في القرآن، بعد ما ذكر الله قول الأعراب أنهم آمنوا، ثم نفى عنهم الإيمان وبقي لهم الإسلام، قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا، يعني هذا موجود أساس في القرآن صح، وممكن واحد يقول لا يؤمن أحدكم حتى مثلا يخشع في صلاته، ممكن صح، يعني الواحد لما يفكر.
يأتي هذا الحديث: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. الذي جعل هذه القضايا في صميم الإيمان، وبين ذلك، وصنفها في هذه الدرجة العليا من الإيمان، هو النبي صلى الله عليه وسلم. وبعدين يجي واحد يقول: أبواب التعامل، وأبواب الأخوة، وأبواب الكذا ليست من صميم الإيمان، ما فيه. كيف من صميم الإيمان بناءً على هذه الأحاديث الكثيرة؟ ومنها نفي الإيمان: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وهنا حمل كثير من العلماء هذا النفي على نفي شيء من الإيمان الواجب وليس الكمال، وليس مجرد الكمال المستحب.
الحديث التالي قال عنه يعني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. فقال الرجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً، أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره. رواه البخاري.
انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. برأيي هذا حديث من أهم الأحاديث في تصحيح المعايير؛ لأنه "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، نصر المظلوم هو أمر محكم في الشريعة ويعرفه الصحابة، فلما سمعوا "انصر أخاك ظالماً" تعجبوا فاستفسروا، فأوضح لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن من حق أخيك عليك أن إذا كان ظالماً أن تحجزه وتمنعه من هذا الظلم فإن ذلك نصره. هو نصر له لأنك إن تركته ساقطاً في وحل الظلم، إن تركته كذلك فقد خذلته، لأنه سيعاقب على ذلك، يحاسب على ذلك، يسير في طريق لا يحبه الله؛ أخرجه من هذا الطريق، انصره، أبعده عن هذا الظلم، فإن ذلك نصره.
هذا الحديث يصحح معياراً؛ لأنه كان من معايير الجاهلية هو أن ينصر المرء أخاه ظالماً أو مظلوماً، لكن ليس بمعنى أن يمنعه من الظلم، وإنما ايش؟ "وما أنا إلا من غزية، إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد". يعني أنه إحنا معاهم ترى على الحق والباطل، والخير والشر، والظلم والمظلومية، إن غووا غوينا وإن رشدوا رشدنا. وهذا إشكال، النبي صلى الله عليه وسلم لما استعمل هذه العبارة صحح فيها المعيار، صحح فيها المفهوم، وهذا كما قلت من الموضوعات المهمة في الهدي النبوي.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه.
هذا الآن في نفس سياق تأسيس الأخوة الإسلامية، لكن عكس حديث: لا تناجشوا، لا تدابروا، لا تباغضوا، هذاك في النهي يعني لا تفعلوا لا تفعلوا لا تفعلوا، هنا ايش؟ افعلوا وافعلوا وافعلوا. وهذا يا جماعة دائماً يعني لو نلاحظ هذا الموضوع ترى مهم في فهم الشريعة، لما تجي قضية مركزية في الشريعة، لا يؤمر بها وحدها هكذا أو يدعى إليها، أو لا يدعى إليها وتبين أهميتها وتشرع التشريعات الموصلة إليها. واضح؟ فمن التشريعات ما هو أوامر توصل إلى هذه القضية المركزية، ومن التشريعات ما هو نواهي تبعد السالك عن انقطاع أو عن مخالفة الوصول إلى هذه القضية المركزية، وأحياناً يزيد الأمر إلى أن تشرع تشريعات معينة في تصحيح المسار بعد الوقوع في الخطأ في سياق الوصول إلى تلك القضية.
واضح، قضية الأخوة الإسلامية والتناصر بين المؤمنين والولاء بينهم قضية مركزية في الإسلام، قضية كبرى، قضية عظمى مؤكدة في القرآن مؤسسة فيه، مؤكدة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. جاء الأمر بها، جاء بيان أهميتها والدعوة إلى تحقيقها، وجاءت التشريعات التفصيلية في الأمر بما يحققها وفي النهي عما يضادها. يعني لم يكتفَ بالأحاديث العامة فيها، مثل ما مر معنا قبل قليل: لا يبع بعضكم على بيع بعض، هذه نقطة، لا تناجشوا، حتى في المزايدات في السلعة لا تناجشوا، لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، لا كذا، لا تفعل كذا، لا تفعل كذا، لا تفعل، كل هذا في سبيل التحقيق، وهنا في بيان الأشياء الموصلة إليها.
رد السلام. ورد السلام أكد من ايش؟ أكد من البدء به، وإن كان البدء به هو أيضاً مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، لكن رد السلام مؤكد تأكيداً أكثر، ولذلك نص بعض العلماء على وجوبه، فرد السلام من حق المسلم. وعيادة المريض من حق المسلم، وقد اختلف العلماء هل تصل إلى فرض الكفاية أم هي فقط سنة مؤكدة؟ جيد، طبعاً هي ليست واجباً عينياً على الجميع، لكن تخيل من أهميتها في الشريعة أنه بعض العلماء قال هي فرض كفاية، وبعضهم قال سنة مؤكدة، لكن التأكيد فيها عظيم، عيادة المريض حق المسلم على المسلم، غير الأجور الكثيرة المرتبة عليه.
وإذا استنصحك فانصح له، حق للمسلم على المسلم، يعني النصيحة مأمور بها لكن إذا طلب منك النصيحة تتأكد عليك، هذا حق لأخيك عليك. وإجابة الدعوة، إجابة الدعوة إذا دعاك إلى طعام، إلى منزله، وهي عامة وتتأكد أكثر متى؟ في وليمة العرس. وليمة العرس هذه عند الفقهاء وعند العلماء لها قيمة اعتبارية كبيرة، ولذلك أيضاً هي من الواجبات الشرعية، بمعنى أنه من لم يجب الدعوة بلا عذر وبلا مانع فهو عند كثير من العلماء قد ارتكب إثماً وحراماً في دعوة العرس. لذلك أبو هريرة معروف كلامه في البخاري لما قال: شر الطعام طعام الوليمة، وليمة العرس، يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.
يعني أنه هي صعب، يعني أنه الموضوع ما نقدر ما نجيب، خلاص هي. فكثير من العلماء يرون وجوبها، ولو ذهب بعضهم إلى عدم الوجوب فهي مؤكدة تأكيداً شديداً، لا ينبغي على مسلم إذا دعي إلى طعام أخيه في العرس، في الزواج، الوليمة هي المؤكدة تأكيداً أكبر تأكيداً أشد، هي التي نص العلماء عليها وهي التي وردت فيها النصوص المؤكدة أن لا يتأخر عن أخيه، اللهم إلا لعذر، فإذا ما استطاع يعتذر من أخيه: والله ما أقدر أحضر هذا الزواج. طبعاً الزواج هو مناسبة، يعني الدعوة العادية هي دعوة متكررة وكثيرة، لكن الزواج هو دعوة استثنائية فيها ظروف خاصة، ليست هي دائمة وليست مكررة، وفيها قضية الناحية هي حدث اجتماعي، حدث نفسي، تحدث حالة من الترابط حالة من، فلذلك هي مما هو مؤكد، وإن كان الحث النبوي هو على عموم إجابة الدعوة، ولكن لازم الناس اللي يدعوا يقدروا كمان أحوال الناس المشغولة، يعني ما يتعبوهم ويقولوا لهم يعني ايش يعني أنه يعرفوا أنه في حديث زي كذا، فإنه ايش يصيروا يعني كل ما هذا تعالوا وتعال وتعال وكذا، فإنه لازم أيضاً تقدير ومراعاة أحوال الناس يعني.
طيب، الحديث التالي والأخير في هذا الباب وفي هذا المجلس، وفيه الصحابي الذي سنقف عند ترجمته، وهو أبو عمارة. وين أبو عمارة؟ وين صاحبنا أبو عمارة؟ يلا أبو عمارة، يلا خذ لك كنية جديدة الحين وأنت أبو عمارة على حمزة رضي الله تعالى عنه، عارف الثاني مين؟ البراء بن عازب. فعن أبي عمارة البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع. شوف، لاحظتوا اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالأعداد؛ لأنه قال في الحديث الأول: حق المسلم على المسلم خمس، الحديث الآخر: حق المسلم على المسلم ست، وهنا أمرنا بسبع، في حديث آخر: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، حديث آخر: أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً. صح ولا؟
هذه الأرقام والتقسيم هي من أهم ما يعين على الحفظ والتصور وضبط القضية، وهي أسلوب بياني مهم، وذكر هذا العدد لا يعني نفي ما سواه، واضح؟ يعني حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: حق المسلم على المسلم خمس، ليس معنى ذلك أنه لا يوجد حق آخر غير هذه الخمس. طيب، أمرنا بسبع، طبعاً واضح واضح ليس المقصود أنه لم يأمرنا إلا بهذه السبع، لكن هذا التأكيد لما تخيل النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً حديث عبد القيس، وفد عبد القيس ايش قال؟ بس هذا في الوصف، قال: فأمرهم بأربعة صح ونهاهم عن أربعة. هنا أمرنا بسبع ونهانا عن سبع.
طيب ما هي؟ قال: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، شوف لاحظ هذه كلها مكررة في الحديثين الماضيين، هنا واحدة جديدة: وإبرار المقسم، إبرار المقسم، إبرار المقسم يعني إذا أقسم عليك أخوك في شيء فأبر قسمه ولا تحنثه، ونصر المظلوم، هذا مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وإجابة الداعي، هذه مثل الحديث الذي قبل قليل: وإذا دعاك فأجبه، إجابة الداعي، وإفشاء السلام، هذه تكمل من الوارد في الحديث الأول اللي هو ايش؟ رد السلام، هذا إفشاء السلام، إفشاء السلام هو أولى ما يدخل فيه الابتداء به، إفشاء السلام فهنا يأتي الأمر بإفشاء السلام وهناك يأتي الأمر برد السلام.
ونهانا عن خواتيم الذهب أو التختم بالذهب، وعن الشرب بالفضة، وعن المياثر الحمر، وعن القسي، وعن لبس الحرير والاستبرق والديباج. متفق عليه. وفي رواية: وإنشاد الضالة في السبع الأول، يعني مما أمر به. طبعاً الإمام النووي رحمه الله كعادته يشرح الغريب من الكلمات، فقال في شرحها: المياثر هي جمع ميثره، وهي شيء يتخذ من حرير ويحشى قطناً أو غيره، ويجعل في السرج وكور البعير يجلس عليه الراكب. إذاً المياثر هي مثل الفرش أو من حرير تحشى بالحرير تكون مما يجلس عليه. والقسي هي ثياب تنسج من حرير وكتان مختلطين، ولذلك نفس النووي ذكر أنه إذا غلب الحرير يكون باب التحريم، وإذا غلب الكتان يكون باب الكراهية. وإنشاد الضالة تعريفها ايش معنى إنشاد الضالة؟ يعني كيف تعريفها؟ كيف يعني إنشاد الضالة تعريفها؟ يعني إذا وجدت مالاً في الشوارع، في كذا، مما يسقط من المسلمين، فمما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن تنشد هذه الضالة، يعني أن تعرّف، يعني أن يبحث عن صاحبها، أن يقال: هناك مفقود في كذا في مسجد كذا، من فقد شيئاً من كذا. وجاءت تحديد في بعض الأحاديث الصحيحة أن تعرّف سنة في اللقطة، تعرّف سنة هذه اللقطة، والضالة أيضاً تنشد، وهذا مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذه المنهيات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم هي كلها من جنس واحد في هذا الحديث، السبع كلها من جنس واحد، كلها من جنس التنعم المحرم؛ لأنه نهى عن خواتم الذهب، والشرب في الفضة، والمياثر الحمر، والقسي، ولبس الحرير، والاستبرق والديباج، كلها راجعة إلى الذهب والحرير والتنعم المنهي عنه، فكلها من جنس واحد، وهذا مما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه.
أما بالنسبة لترجمة هذا اليوم، فهو ترجمة البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه وعن أبيه، وهو من شباب الأنصار، ومهم جداً أن نقف مع فكرة الشباب؛ لأن هذا البراء رضي الله تعالى عنه أول غزوة ومعركة شهدها كانت الخندق، وقبل ذلك حاول أن يشارك في الغزوات التي قبلها، حاول أن يشارك في أحد وكذلك في بدر، فرد في الغزوتين لأجل صغر سنه. لما صار كبيراً وتجاوز المرتين اللي رد لأجلها لأجل صغر سنه، لما صار كبيراً يوم الخندق، فبلغ 15 سنة سمح له بالمشاركة في الجهاد. تمام؟ إيه، رأيك يا أنس؟ لما صار عمره 15 سنة خلاص تجاوز سن الصغر، هو كان يحاول يحاول، 15 صار كبير ما شاء الله، فسمح له بالجهاد في سبيل الله.
يعني الوقفة هذه صراحة، إحنا تعرف دائماً نتكلم عن موضوع الجيل الصاعد وأنه ما تحتقروا أنفسكم، ما تستصغروا أنفسكم، لكن في نقطة معينة ودي أنبه عليها، أنه يا جماعة الخير أنه اليوم العمر 15 صح أنه الواحد ممكن يكون ما شاء الله فات شنب وطالع 16 و17، لكن القضية هي ليست مجرد العمر، نريد أن نفكر ايش المؤهلات التي كانت تؤهلهم أنه الواحد يكون عمره 15 ويكون على قدر المسؤولية، يا جماعة أنه يجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ترى هي مو أنها ما هي رحلة، ولا هي مجرد شيء حماسي. جماعة الجهاد ترتجف فيه القلوب، تقطع فيه الأيدي، تطير الرؤوس. في نفس هذه المعركة اللي شارك فيها البراء عمره 15 عاماً، نزل قول الله تعالى: إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. وبهالأحداث واحد عمره 15 سنة، شايل سيفه وجالس مع المسلمين يجاهد ويرابط ومع النبي صلى الله عليه وسلم.
عشان نعرف مقدار الجريمة في هذا الزمن المعاصر التي ترتكب في حق الأطفال، بتأخير نضجهم وتمام عقلهم وتمام استعداداتهم النفسية والبدنية والقلبية والروحية والأخلاقية والعقلية، حتى إذا كانوا في عمر 15 عاماً يتحملون المسؤولية، أهم من تحمل إن هو شارك في الجهاد أو لا، أن هو يتحمل مسؤولية النجاة في الآخرة. عمره 15.
يعني يقف بين يدي الله يوم القيامة للحساب: ماذا فعلت؟ هل قمت بكذا أو ما قمت؟ هل أديت هذا الفرض أو ما أديت؟ هل ارتكبت هذا الحرام؟ لماذا ما فعلت كذا؟ ما فعلت كذا؟ حساب، 15 سنة هو مسؤول عن مصيره في الآخرة، هو عمره 15 مسؤول عن مصيره في الآخرة.
فكرة الحياة، نظام الحياة المعاصرة، هذا النظام البائس اللي يعطل طاقات فتيان الأمة وفتياتها بطريقة معينة، يعني ما نبغى الدرس يذهب إليها لأنه إحنا الآن دخلنا في ترجمة البراء، لكن الموضوع حقيقة يستحق الوقوف، يعني يستحق الوقوف والنظر، ومن أعظم ما تحتاجه الأمة وينبغي التجديد فيها والذي ينبغي أن يحصل في الواقع فيصلح به بإذن الله شيء عظيم من أحوال المسلمين، هو أن يعاد الاهتمام بأبناء المسلمين اهتماماً يجعلهم على قدر مسؤولية تحمل رسالة الإسلام.
اليوم يا جماعة حتى في القانون المعاصر في كثير من الدول في بؤس، واحد يقتل عمره 17 سنة، يرتكب جريمة ويغتصب ويقتل بس يصنف أنه قاصر، عقوبة مخففة لأنه قاصر، مش قاصر! كل يوم أقرأ ما أدري في سير أعلام النبلاء، وده من كتب التراجم، أنه أسامة بن زيد طلق امرأته عمره 15 سنة، مو تزوج، طلق! يعني موازين مختلفة، معايير غير، وضع مختلف.
هذا الآن البراء بن عازب يرد يوم بدر، يعني يوم بدر كم كان عمره؟ إذا عمره يوم الخندق 15، يعني يوم بدر كم عمره؟ ها، 12 تقريباً. 12 سنة، تعرفوا لما يقال استصغرت، الحديث وين يا سعد؟ استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، حديث البراء صح ولا لا؟ أكيد، لما لفظ الاستصغار أنه استصغرت أو حتى الحين يذكرون في التراجم أنه استصغر، هذا معناه أنه هو حاول يشارك، فهمت الفكرة؟ يعني إذا هو ما حاول يشارك فما يقال عنه ايش إنه استصغر أو رد يوم بدر، أو هو ما صار كذا إلا أنه راح، وأنه استصغر هو وابن عمر، هو طبعاً هو البراء نفس عمر ابن عمر كانوا ليدات يعني بسن واحد، فهم يستصغروا يوم بدر ويوم أحد، وشاركوا يوم الخندق 15 سنة.
فإحنا لازم نفكر حقيقة، يعني ايش المؤهلات اللي جعلتهم؟ 12 سنة هو رايح بيقاتل بس ردوه النبي صلى الله عليه وسلم، ويوم أحد، وبعدين شاركوا الخندق 15 سنة. فلازم نفكر يا جماعة لأنه مو معقول، مو معقول حتى على مستوى البلادة الفكرية والنضج الفكري وعلى مستوى الوعي وعدم الوعي، والله يا جماعة مصيبة أن يكون كثير من الأبناء المؤهلات هي ألعاب إلكترونية ومسلسلات وشو اسمه، مصيبة والله. خلاصة أنه يا جماعة ترى ممكن الإنسان بعمر 15 عاماً وأمثال هذا العمر أن يكون له شيء، أن يكون له شيء.
طيب هذا البراء رضي الله تعالى عنه شارك في الخندق، طيب الخندق سنة كم؟ خمسة. كم مجموع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم؟ اختلف فيها، قيل 19 وقيل أكثر وقيل أقل. ها، البراء بن عازب شارك في 15 غزوة، جيد، يعني من سنة الخندق إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم شارك في 15، بعمر كم؟ بعمر 15 و16 و17 و18 و19 شارك في الـ 15 غزوة. حدثني عن المؤهلات، حدثني عن شخص يستقبل عمره، مؤهلاته تلميذ عند النبي صلى الله عليه وسلم، استماع، تعلم، حضور كل شيء، مشاركة في 15 معركة أو غزوة، يعني هي الغزوة حتى لو ما صار فيها قتال يعني شارك فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً. هذا لما يصير عمره 20 ولا 21 كيف يكون عقله؟ كيف يكون مستواه؟ النضج النفسي والصلابة النفسية.
إحنا الآن يا جماعة، خليني كمان أرسل رسالة للآباء شوية، تحملونا معليش الآباء والأمهات، لأنه جزء حقيقة مما يسهم في هذه القضية، يعني مما يسهم في صناعة حالة البلادة أحياناً الآباء والأمهات أحياناً، وأحياناً الأصحاب وأحياناً كذا. خليني أقف على صورة معينة أواجهها حتى مع بعض الطلاب، أحياناً بعض الآباء والأمهات يأتون لأولادهم، عمر الولد 18، يبي يدخل الجامعة، يتعامل الأب والأم مع الولد كأنه طفل صغير بالكاد صار يحبي، أنه أنت ما لك أي اختيار في الحياة، أنت غصباً عنك تدخل هذا التخصص، ولا أرضى لك ولا أسمح لك، وسأغضب عليك يوم القيامة، وسأقف بين يدي الله، ويا ويلك ويا سواد ليلك إذا أنت ما دخلت تخصص هندسة ولا ما دخلت تخصص طب! ولا ايش يا جماعة؟ ليش سلب الاختيارات هذه؟ وليش سلب الحريات؟ وليش تخلوا الشباب ذول كأنهم صغار وكأنهم أطفال، لا يعرفوا يقدروا ولا يعرفوا يختاروا لحياتهم، والأب متدخل أو الأم متدخلة بكل شيء، وإذا تبغى رضا الله عليك فادخل هندسة. ايش في يا جماعة؟ ايش دخل رضا الله في الهندسة؟ ايش دخل رضا الله في الطب؟ ليش يعني هذا ترى خطأ تربوي وخطأ نفسي والله العظيم، ليش أنتم تعتبروا؟ ليش ما تعطوهم فرصة أن هم ينظرون في حياتهم، ينظرون ايش اللي يصلح لهم، ايش اللي ما يصلح لهم؟ فكرة أن الإنسان يسلب كل قرار ويسلب كل شيء! إحنا نتكلم عن صحابي يشاركوا في المعارك من عمر 15 و20، تقول لي والله هذاك زمن الصحابة! وإحنا نقول لك لازم نستعيد زمن الصحابة. يعني أنت بتقول لي والله زمن الصحابة، ايش المقصود؟ لما تقول والله هذاك زمن الصحابة، إيه، يعني ايش؟ ينبغي عليك ألا تكون مثلهم؟ لا، مو صحيح، ينبغي عليك أنك تحاول إصلاح بعض الأمور، ومعقول سلب الإرادات والحريات؟ التعامل مع الولد كأنه طفل عمره 18، 19 كأنه طفل صغير! فما يصير هذا.
هذه القضية في الآباء والأمهات يا جماعة تنبهوا، يا جماعة ما في مشكلة، يعني خليه بعد تربوي، قل له أنت اختار بس اتعب في دراسة الاختيارات، خل أعرض عليّ الاختيارات، خليني أتفاهم فيها، خليني أعطيك وجهة نظري كأب أنا أخبر منك في الحياة، كله هذا ممتاز، بس ما تصير القضية أنه غصباً عنك وعن ما أدري ايش تروح، هذا والله أنت ما تعرف مصلحتك، روح يا عم بزر، توك أنت ما أدري ايش، تو فطمناك، تو أنا ما أدري ايش، والحين جاي تقول لي اختيارات في الحياة! ايش يا جماعة؟
طيب أنت لما تسلبوا هذه الاختيارات بهالطريقة هذه، والله جد لما تسلبوا هذه الاختيارات بهالطريقة، لا يعرف يختار ولا يعرف يمشي في مصيره ولا يعرف يحدد، لا دراسة ولا غير دراسة. متى يصير رجال؟ متى يصير رجل؟ يعني الرجولة هي ما هي شنبات والله جد، متى يصير يتخذ قرار؟ متى يصير عنده؟ يا أخي ساعده، ساعده على التفكير، قل له روح شوف هنا، ابحث في هذه المواقع، ابحث في كذا، ساعدوا، أما تسلبوا كل اختيار وقرار، وهي أمور عجيبة حقيقة أمور فيها إشكال.
نرجع للبراء، شارك في 15 غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعمره 15 و16 و17 و18 و19 و20. البراء رضي الله تعالى عنه لم يكتفي بقضية المشاركة والغزوات، بطبيعة الحال خلالها وخلال صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم تعلم الكثير، وبالتالي البراء هو من الرواة الذين لهم روايات غير قليلة. نعم هو ليس بمثل روايات أنس وأبي هريرة وابن عمر وعبد الله بن عمرو وعائشة وأمثالهم من المكثرين وجابر بن عبد الله، ولا حتى بمثل أبي سعيد الخدري وما إلى ذلك، لكنه من الذين مما يذكر في أعداد رواياته قرابة الـ 300 حديث.
وأيضاً طلابه أو خلينا نقول من روى عنه هم ناس من الكبار، منهم الإمام الكبير العظيم عامر بن شراحيل الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، ومجموعة من خاصة من أهل الكوفة؛ لأن البراء نزل الكوفة وكان له مشاركة في الفتوحات في زمن الصحابة في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، كان جهة إيران جهة الري، التي هي تعتبر في طهران الآن، وبتلك المناطق جنوب قزوين وكذا، كان له مشاركات في القتال فيها، وحتى في بعض الروايات أنه كان له إمرة على بعض البلدان هناك في تلك الفتوحات التاريخية. في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، كان قريباً من علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وشارك معه في الأحداث التي حصلت في زمن خلافة علي رضي الله تعالى عنه.
وكان من الصحابة الذين عاشوا إلى زمن متأخر، فتوفي أظن في عام 71 إذا ما نسيت أو نحو ذلك، يعني عاش رضي الله تعالى عنه إلى زمن متأخر من الصحابة الذين ماتوا في زمن متأخر. البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه ممن روى كما قلت عن النبي صلى الله عليه وسلم عشرات الأحاديث، وكان له عناية بنقل العلم، واستفاد منه واستفادت منه طبقة كبيرة من التابعين أو طبقة من كبار التابعين رحمهم الله أجمعين.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بذلوه وما عملوه وما جاهدوا فيه وما بلغوا من دين الله، وما حملوا من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم ومنهاجه ورسالته حتى كانوا الحلقة المهمة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأمة على مر التاريخ عبر توريث هذا العلم ونقله، ومنهم البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. نسأل الله التوفيق والسداد، ونستغفره من ذنوبنا ونتوب إليه، ونسأله أن يفرج عن المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، ونسأله أن يصلي ويسلم ويبارك على عبده ورسوله محمد.
الشيخ أحمد السيد