الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، أما بعد.
نستعين بالله سبحانه وتعالى ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار السنة المحمدية، وهذا هو المجلس الرابع والأربعون في التعليق على رياض الصالحين، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والرشاد.
لا يزال حديثنا متصلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا، هذه الأحاديث الكثيرة الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، كما أشرت في المجلس السابق وغيره، كثرة هذه النصوص واحتشادها وتضافرها يدل على قيمة وعظمة ومركزية وأهمية هذه العبادة وهذه الشعيرة في الإسلام، وأنه لا يتصور فلاح ولا نجاح ولا صلاح لأمة من الأمم تتنكر لهذه الشعيرة، حتى إن الله سبحانه وتعالى ذم بعض الأمم السابقة بتركها لهذه الشعيرة، كما قال سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل: كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ.
وقد مر معنا في المجالس السابقة كثيرا من الأحاديث والآيات المتعلقة بهذه الشعيرة من جهات متعدده ومختلفة ومتنوعة، وبقيت، وبقي ختام هذا الباب في هذا المجلس بإذن الله تعالى بمجموعة من الأحاديث، قال الإامم النووي رحمه الله تعالى فيها: العاشر، عن حذيفه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِّنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هذا الحديث، وإن كان في إسناده شيء يسير من اللين، إلا أنه حديث له ما يعضده وله ما يؤكده، والحديث الذي يعضده ويؤكده حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، واني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب.
وعدم الاخذ على يد الظالم هو ايش؟ عدم، عدم إنكار للمنكر، يعني هذا الحديث الآن اللي معنا، اللي هو لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ايش من أهم ما يدخل في النهي عن المنكر؟ الأخذ على يد الظالم ومنع الظلم، وهناك: أوشك أن يعمهم الله بعقاب، وهنا: ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده.
لكن الزائد في هذا الحديث: ثم تدعونه فلا يستجاب لكم، ولذلك يخشى على الأمم، ويخشى على الشعوب، ويخشى على المجتمعات أن تحرم البركة، بركة الدعاء وبركة الخير، إذا ترسخ فيها تطبيع المنكرات، وهذا المعنى يعني ما الفساد الذي يترتب على تطبيع المنكرات وعلى التعايش معها وعدم إنكارها؟ شر عظيم، منه ما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث.
إذا هي كلها متظافره، قضية الهلاك العقوبة، وأيضا ما ورد هنا في الحديث: ثم تدعونه فلا يستجاب لكم، ولذلك يعني الإنسان وإن كان يرجو رحمة الله ويغلب جانب الرحمة لما يرى اجتماع مثلا الناس على الدعاء والقنوت والضجيج بـ آمين في مثل هذه المقامات، وإن كان الإنسان يغلب جانب الرجاء وجانب الرحمة وجانب حلم الله سبحانه وتعالى، إلا أنه قد يخشى أن ترد الدعوات على بعض الداعين إذا كان حال المجتمعات الداعية هذا الدعاء حالا فيه استهانه بوجود المنكر فيما بينهم وعدم إنكار هذا المنكر، وخاصه ما تكرر في المجالس السابقة: أن تكون ثقافة بعض المجتمعات قائمة على فكرة عدم إنكار المنكر، والأسوأ منها أن تكون الثقافة قائمة على إنكار إنكار المنكر!
يعني في بعض المجتمعات عندها ثقافة إنكار إنكار المنكر، وليس إنكار المنكر، وإنما إنكار إنكار المنكر، يعني إذا وجد إنكار المنكر يجد، تجد مباشرة من يسارع في الإنكار على من ينكر المنكر، بينما لا تجد المسارع على، أو في إنكار المنكر في ذاته.
ولذلك دائما سبحان الله يعني أنت عندك قراءة للأفراد وقراءة للمجتمعات في مفاتيح كذا تمسكها، في قراءة الأفراد إذا وجدت صفات معينة في الأفراد تستبشر لهم، قبل ذلك إذا وجدتها في نفسك، وإذا وجدت عكسها أو خلافها في الأفراد فإنك يعني تخشى، هذه مفاتيح لقراءة صفات الأفراد.
في مفاتيح لقراءة صفات الشعوب والأمم، قراءة سننية، قراءة مرتبطة بالمعنى القدر الإلهي المتعلق بالجماعات والأمم وليس بالأفراد، واحدة من أهم المفاتيح لقراءة صفات الأمม والشعوب من حيث الاتساق مع الفلاح الذي يقدره الله لهذه الأمم أو مع الخسارة والعقوبة التي يقدرها الله على الأمم: أن تنظر من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا وجدت أمة من الأمم أو شعبا من الشعوب أو مجتمعا من المجتمعات يفشوا فيهم المنكر بلا إنكار، فهنا التشاؤم هو المتوقع، والعقوبة هي المتوقعة، ولا يؤخرها إلا حلم الله ورحمته أو مكره سبحانه وتعالى بالظالمين واستدراجه لهم وامهاله للظالمين.
فلذلك دائما الخوف ليس من وجود المنكر، الخوف يا جماعة دائما ليس من وجود المنكر، الخوف هو من عدم إنكار المنكر، هذا الخوف، فلذلك السعي دائما إلى تكثير الصالحين المصلحين، وليس إلى تكثير الصالحين المعتزلين، طبعا المصيبة إذا كانوا أصلا قلة ما في لها صالحين، إذا كان الصالحين المصلحين قلة أصلا، أو الصالحين حتى في ذاتهم قلة، لكن السعي دائما إلى تكثير الصالحين المصلحين، لأن هؤلاء هم صمامات الأمان بإذن الله تعالى في المجتمعات.
إذاً، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِّنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
طبعا كلمة حسن عند الترمذي رحمه الله لا تعني توفر شروط الحسن التي استقرت عند كثير من المتأخرين في الحديث والتي تعني عندهم اتصال إسناد الحديث مع عدالة رواته وضبطهم وسلامته من الشذوذ والعلة، وإنما الترمذي رحمه الله إذا قال: حسن فإنه يعني به أن لا يكون في إسناده متهم بالكذب، وأن لا يكون شاذا، وأن يروى من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لو كان فيه انقطاع يسير فإنه يسميه حسنا، ولو كان فيه ضعف يسير في بعض رواة من غير اتهام فإنه يسميه حسنا، هذا بخلاف ما لو قال: حسن صحيح، فهذا ينبغي أن يعلم بالتعامل مع مصطلحات الترمذي رحمه الله.
ثم قال النووي رحمه الله: الحادي عشر، عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: افضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر. رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
الثاني عشر، عن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي الأحمسي رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر. رواه النسائي بإسناد صحيح.
الغرز -قال النووي-: بغين معجمة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم زاي، وهو ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: لا يختص بجلد ولا خشب.
هذان الحديثان في تحديد أفضلية نوع من أنواع الجهاد، والجهاد في ذاته هو مفضل على كثير من الأعمال الصالحة، وهذا النوع من الجهاد مفضل على سائر أنواع الجهاد، (الآن عندنا نوعان من الفضل) أولا: الجهاد في ذاته هو أفضل من الأعمال الصالحة عموما إلا استثناءات يسيرة، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في الحديث الصحيح: دلني على عمل يعدل الجهاد يا رسول الله؟ قال: لا أجده. قال: لا أجده، رواية: لا تستطيعونه، ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟ قال أبو هريرة: ومن يستطيع ذلك؟ أو قالوا: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات.
والأحاديث المبينة لأفضلية الجهاد على غيره من الأعمال كثر، ومن أعجبها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا وجبت له الجنة.
قال: فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها علي يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا وجبت له الجنة، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم تعجب أبي سعيد من ذلك قال: وأخرى أعجب منها: أعد الله للمجاهدين في سبيل الله، (أو: إن للمجاهدين في سبيل الله) مئة درجات في الجنة ما بين الدرجة والأخرى كما بين السماء والأرض، وهذا في صحيح مسلم، كما يعني أخرجه في صحيحه بلفظه أو بمعناه.
الشاهد أن جنس الجهاد في سبيل الله أفضل من غيره من الأعمال، كما قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: جهادكن الحج.
إذا هذا جنس الجهاد، ثم داخل الجهاد يوجد مجموعة من الأعمال تعد من أفضل الجهاد، منها ما ورد في هذا الحديث اللي هو: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وهناك أيضا أنواع أخرى من الجهاد مفضلة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح الذي تحفظونه: ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر. قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ -طبعا هم ما سألوا عن الجهاد في سبيل الله إلا أنهم يعرفوا أن هو أفضل شيء- قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بماله بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء.
إذا حتى الجهاد في استثناءات في أفضلية داخل ما هو أفضل، وكذلك سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الجهاد أفضل؟ فقال: من عقر جواده وأريق دمه، وغير ذلك.
فواحدة من صور التفضيل الداخلية لدائرة الجهاد في سبيل الله: كلمة الحق التي تقال عند سلطان جائر، وهذا بحد ذاته يبين أن هذا العمل من أفضل الأعمال على الإطلاق، من أفضل الأعمال على الإطلاق، والذي بين ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والذي بين ذلك صلى الله عليه وسلم هو الذي تحدث بأبي هو وأمي عن الأحاديث الأخرى التي فيها ايش؟ أنه أن السلطان أو الحاكم المسلم وإن جار وإن ظلم فانه لا تنزع يد من طاعة، لا تنزع يد من طاعة (يعني من طاعته) ولا يخرج عليه بالسيف إلى آخره.
ولا يكمل إصابة الحق في هذا الباب إلا بالنظر إلى مجموع النصوص، لأن كثيرا من الناس حرفوا هذه النصوص الوارده في طاعة الحاكم المسلم بالنظر إلى النصوص التي أمرت بالطاعة، ولم ينظروا إلى النصوص التي أمرت بقول الحق وإنكار المنكر ولو كان صاحب هذا المنكر هو الحاكم نفسه، ولو كان هو السلطان نفسه! فهذا لا يتعارض مع قضية ومبدا ما ورد في النصوص الأخرى من عدم نزع اليد من الطاعة أو عدم الخروج عليه بالسلاح، وهذا كله طبعا في شأن الحاكم المسلم الذي يدين بالإسلام في الجمله، فقول الحق عند السلطان الجائر لا يمر، الذي يعني يحاول بعض الناس أن يبين أنه يتعارض مع النصوص الشرعية الواردة في الحكام وما إلى ذلك، بل بعكس ذلك يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن مثل هذا القول -قول الحق- هو من أفضل الجهاد، أو أفضل الجهاد في سبيل الله، وهذا لا شك أنه عمل عظيم وفضل كبير جدا.
طيب، الآن لاحظوا الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال، داخل الجهاد: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، طيب لاحظوا أول، يعني ايش بين هذه الأفضلية الجهاد؟ بينت بكلمة، كلمة حق، مع أنه الجهاد أصلا فيه ايش؟ القتال والسفر، كثيرا ما يكون فيه المشقة، وأصلا الجهاد مأخوذ من الجهد والمشقة وبذل، وفيه الاشتباك والسيوف والرماح والدماء والجراح، لكن فضلت عليه كلمة، فضلت عليه، ولكن ليس لمجرد كونها كلمة، وإنما لكونها كلمة عند سلطان جائر!
لانه من المعلوم أن هذه الكلمه عند السلطان الجائر يتبعها ما يتبعها من البلاء ومن الشدة، وأصلا يمكن أن يقدم عليها إلا من تجاوز كثيرا من العوائق النفسية وكثيرا من العوائق الواقعية، ولا يتجاوز ذلك الإنسان إلا بتوكل على الله سبحانه وتعالى وصدق في الإيمان، فهذا البذل للجهد في إخراج الكلمه فضل على الجهاد والقتال إذا كان عند سلطان جائر.
فهذا ليس تفضيل الجهاد باللسان عن الجهاد بالنفس، وإنما تفضيل الجهاد باللسان في حالة معينة مخصصة، وهي عند سلطان جائر.
طيب، من الأمور التي تؤخذ من هذا الحديث: أنه، أليس تعريض النفس للهلكة دائما مذموم؟ لأن كلمة الحق عند السلطان الجائر عادة ما تؤدي إلى إهلاك النفس، أو سواء بالقتل أو بالسجن أو نحو ذلك، والأصل أن المسلم لا يعرض نفسه لمثل ذلك: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَلَا تَقْتُلُو أنفسكم إلى آخره، لكن يستثنى من هذا بعض المقامات التي لا تعد من المقامات المذمومة في إهلاك النفس.
وأصلا باب الجهاد في سبيل الله هو باب في تعريض النفس للتلف، وباب في تعريض النفس للهلكة، ومع ذلك لما تعارضت مصلحة إبقاء النفس مع مصلحة حفظ الدين قدمت مصلحة حفظ الدين على حفظ النفس.
طيب إذا هذا الحديث يؤخذ منه أيضا هذا المعنى، هذا الحديث الآن قاله النبي صلى الله عليه وسلم
الله عليه وسلم، ثم نجد له تطبيقات في التاريخ، ومن أهم التطبيقات التي حصلت في التاريخ هي تطبيقات الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، تطبيقات الصحابة أعني في أنهم ينكرون المنكر على الأمراء ولو كانوا جائرين ولو كانوا ظالمين.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك المثال اللي مر معنا في الدرس الماضي، اللي هو قصة الصحابي رضي الله تعالى عنه عائذ بن عمرو مع عبيد الله بن زياد، وعبيد الله بن زياد أحد الأمراء الظلمة الجائرين الذين كانوا في يعني أدركهم الصحابة أدركوا زمن عبيد الله بن زياد، وكان من الحكام الظلمة، فدخل عليه عائذ بن عمر كما في الحديث الصحيح صحيح مسلم، فقال له: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن شر الرعاء الحطمة, فإياك أن تكون منهم.
هذه الآن كلمة حق ونصيحة لسلطان جائر، فقال له عبد الله عبيد الله بن زياد يقول للصحي يقول له: اجلس، فانما أنت من نخالة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل على جور، دليل على أنه طاغي، ما فكر في أحد، يعني صحابي يقول له سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له: اجلس اجلس، إنما أنت من نخالة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال له عائذ بن عمر: وهل كانت فيهم نخالة؟ إنما النخالة في غيرهم وفي من بعدهم، هذا الآن مثال عملي على تطبيق الحديث، وهناك أمثلة متعددة سواء كانت في سلطان جائر بمعنى الجور التام، أو كانت في الأمراء الذين يقع منهم شيء من المنكرات، وقع الصحابة رضوان الله تعالى كانوا ينكرون مثل هذه المنكرات، وإن كانوا أمراء شرعيين، مثل ما حصل مع أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه مع مروان بن الحكم حين كان أميرا للمدينة، لما أراد أن يخطب قبل الصلاة صلاة العيد، وبرر ذلك مروان بأن الناس لا يجلسون لنا، يقول الناس ما يجلسون لنا، هم الأمراء طبعا اللي كان يخطب هو الأمير، الأمير هو اللي يصلي هو يصلي هو اللي يصلي إمام هذا معروف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، الصحابة اللي كانوا يبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم هم الأئمة، وبعد ذلك أنه الحاكم هو الإام، المسجد هو نفسه هو اللي يخطب وهو يصلي إمام الجماعة وكل شيء إذا صلى يعني إذا وجد في صلاة فهو الإمام.
ومع ذلك كان الناس في المدينة من الناس اللي كانوا في المدينة في ذيك المرحلة صحابة وأبناء الصحابة، يعني كانت مرحلة مبكرة، فمروان بن الحكم يقول: الناس لا يجلسون لنا ما يسمعون خطبتنا، فإيش سوى؟ اجتهد خلى الخطبة قبل الصلاة عشان الناس تنتظر غصبا عنهم عشان الصلاة بيصلوا العيد، فقال لك يا عمي خلينا نحط الخطبة قبل الصلاة والناس ينتظروا ينتظروا الصلاة فيسمعوا الخطبة غصبا عنهم.
فلما أراد أن يخرج إلى المنبر جذبه أبو سعيد بثوبه، فقال له يعني أنكر عليه هذا الفعل، فقال له: قد ذهب ما تعلم يا أبا سعيد، فقال: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، وأيضا حصل إنكار في إمام أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال أبو سعيد: أما هذا فقد أدي ما عليه، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من راى منكم منكرا فليغيره بيده إلى آخره، وحصلت مواقف متعدده في هذه القضية، يعني كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يجمعون بين النصوص عندهم، حتى الحاكم لو كان شرعيا وإن كان عند طبعا الحاكم الشرعي لا يتنافى مع كونه عنده ظلم أو عنده معصية أو عنده فسق أو عنده فجور، طالما أن الجملة العامة هي الإسلام وال يعني خلينا نقول الدينونة العامة في في النظام هي للإسلام، فحتى لو وجد منه ظلم أو جور أو فسق فهذا لا يبرر قضية نزع اليد من الطاعة.
وفي نفس الوقت إكمال الصورة مهم، وهذا لا يعني السكوت عن منكراته بل الانكار عليه، وهذا ليس من الخروج عليه، هذا مجموع النصوص الواضحة التي عمل بها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهذه أمثلتها كثيرة وذكرت في هذا في هذا الباب، يعني قصة عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وغيرها، يعني قصص كثيرة، بل أحيانا حتى الحاكم ما يكون ظالما أصلا، الحاكم قد يكون مسلما عادلا ومع ذلك كانوا ما يسكتون عما يرونه خطأ، أحيانا يكون الصواب مع الحاكم أصلا، ومع ذلك يجي صحابي آخر وينكر بما يظنه صوابا، مثل موقف ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما مع عثمان بن عفان في قضية جمع المصاحف.
عثمان إمام عادل وموقفه أصلا صح عثمان، وهذا موقف عامة الصحابة، ولما أمر عثمان رضي الله عنه بجمع المصاحف قال ابن مسعود لأصحابه: غلوا مصاحفكم، فانه من يغل ياتي بما غل يوم القيامة، وانه ما ما تسلموا المصاحف لعثمان وأبدا ما، فخالف عثمان في هذه القضية، وعثمان عثمان ليس فقط إماما ليس إماما عادلا فقط بل هو منصوص عليه من الخلفاء الراشدين، وجاءت في نصوص بعين يعني مرة في في اعلى شيء يعني، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض وكذا، ومع ذلك لما كانوا يرون خطأ معينا كانوا يتكلمون، فهذه لا تتعارض مع فكرة الطاعة أو الاستقامة.
لانه يعني أحيانا يصير في تشويه للدين وحقائق الدين بطريقه مخيفه جدا، فيقال لمن هم في اقصى أحيانا درجات الجور والبعد والمحاربة وكذا، تؤصل في حقهم تأصيلات فيها إشكال كبير جدا، حتى لو أحيانا تكون المرجعية أصلا لغير لغير الإسلام أصلا المرجعية المعلنة تكون لغير الإسلام، ومع ذلك حتى لو أحد أنكر خطأ ولا منكرا قال لك ها هذا خلاف السلف، هذا خلاف الحق، هذا خلاف الكذا، النصوص وهذا كله من الإشكال والتحريف.
طيب، ختاما ذكر النووي رحمه الله حديثين، أما أولهما فحديث أيضا في اسناده ضعف، لكنه يعني نقرا الحديث وفيه بعض الفوائد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فانه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوبهم ببعض قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: لَعَنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ إلى قوله فَاسِقُونَ.
ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتاخذن على يد الظالم ولتاطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم، رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن، هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علمائهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم، وضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك مما عصوا وكانوا يعتدون.
فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئا فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا، قوله تأطروهم أي تعطفوهم ولتقصرنه أي لتحبسنه.
يعني هذا الحديث كما قلت في إسناده ضعف، لكنه يبعث على مسألة وهي ما حكم مجالسه ومؤاكلة ومصاحبة من يقع في المنكرات؟ وهذه القضية فيها تفصيل، إذا كان الجلوس مع صاحب المنكر والقعود معه إذا كانت الصورة العامة هي صورة أشبه ما تكون بالموافقة على حاله وعدم الاعتراض عليه وعدم الإنكار عليه، فهذه الصورة مذمومة ولا ينبغي أن يفعلها المؤمن، وقد تخشى عاقبتها على من لم يفعل المنكر إذا فعلها.
بينما إذا كانت الصورة العامة هي صورة إنكار المنكر، ثم بعد ذلك قد يوجد بعض الموجبات أو المصالح أو الحاجات التي تدعو إلى الاجتماع بصاحب المنكر في غير لحظة المنكر فهذا لا باس به، واضح الفكرة من دون اتخاذه يعني ايش صاحبا وخليلا يعني على طول الطريق، أعني من كان مجاهرا بمنكر معروفا به واقعا فيه مداوما من عليه، أما وقوع الذنب من الإنسان والخطأ فليس من هذا الباب، فإن وقوع الذنب لا يسلم منه أحد، لكن المقصود مثلا أن يكون شخص مثلا مجاهرا بفجوره أو مجاهرا بكفره أو مجاهرا ب مثلا محاربته لمثلا بعض ال القضايا الشرعية أو نحو ذلك، يعني أو مجاهرا بفحشه أو مجاهرا بأكله للربا وداعيا إليه وكذا، هذا النوع من المنكرات لا ينبغي أن يتخذ صاحبها خليلا ولا أن يتخذ فاعلها صاحبا على طول الطريق، لكن قد تلتقي أحيانا أو قد تدعو حاجة معينة مثلا أحيانا حاجة قرابة، يعني مثلا الله سبحانه وتعالى قال في الوالدين: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا.
هنا الآن في موجب معين آخر غير موجب المنكر أو حتى الشهوة، وإنما هو موجب القرابة وحق الوالدين، أحيانا قد تكون قد يكون هناك موجب عمل معين، أحيانا قد يكون هناك موجب يعني مثلا جيرة معينة، أحيانا قد تكون موجبات معينة لا يستطيع الإنسان أن يقطع كل العلائق بمن كان مجاهرا بالمنكرات، لكن لا ينبغي أن يتخذ المجاهر بالمنكرات صاحبا على طول الطريق أبدا، وانما لو التقت مصلحة معينة أو حاجة معينة خلينا نقول فهذا لا باس به طالما أنه هناك بعض الجوانب فيها إنكار وبعض الجوانب فيها كذا إلى آخره.
طيب، طبعا وهذه فيها تفصيل أيضا بحسب الحال، أحيانا يكون الشخص مثلا عالما أو يعني مرجعا شرعيا، فقد يفهم من مجاملته لبعض أصحاب المنكرات قد يفهم منها مثلا رضاهم بما هم عليه، فهنا يجب التنبه يعني ليس ليس حال العالم والمرجع الشرعي كحال الشخص العادي، ففيها تفاصيل متعدده.
الحديث الاخير قال الامام النووي رحمه الله الرابع عشر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا راوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه، رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة.
هذا الحديث الأخير حديث يبين فضل فضل العلماء في فهم القرآن، وأن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وإن كان في الزمن الاول وإن كان لم يعش بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا سنتين، بمعنى أن عامة من كان حول أبي بكر الصديق هم من الصحابة وفيهم من التابعين، إلا أنه صحح مفهوما لفهم آية فهمها الناس خطأ أو حملها بعض الناس على غير وجهها، وهي قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، إذ فهم منها البعض ترك إنكار المنكر، فصحح أبو بكر الصديق هذا المفهوم، وهذا دليل على فضل العلماء الربانيين الذين يكون لديهم من العلم بآيات الكتاب العزيز ما ليس عند غيرهم، فقال: إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها، هذه الفائدة الأولى.
الفائدة الثانية: أهمية السنة في فهم القرآن وأهمية السنة في استيعاب معاني القرآن، وذلك لأن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إنما وجه هذه الآية بناء على ايش؟ بناء على حديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه أيضا فائدة.
الفائدة الثالثة: هي في أن إنكار الظلم والإنكار على الظالم هو من أولى ما يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاذا كان النهي عن المنكر هو من الشرائع أو العبادات المحكمة في في الدين، فان من أولى ما يدخل فيه هو الإنكار على الظالم ويكون ذلك من أفضله ومن أهمه ومن أولاه.
الفائدة الرابعة: هي في خطورة ترك الظلم بلا نكير، وأن الخطورة لا تقتصر على الظالمين وإنما تعم من سكت على هذا الظلم، وهذا يا جماعة الخير ما أكثر ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية، ونسأل الله الهدى والرشاد، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن أهلنا في غزة وأن يكشف كربتهم وأن يرحمهم برحمته، ونسأله سبحانه وتعالى أن يتم النعمة على إخواننا في في سوريا وعلى إخواننا في السودان وأن يحفظهم بحفظه وأن يصرف عنهم الشر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن على عباده المسلمين في كل مكان بالعافية والخير والنصر والفلاح، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يستر عيوبنا وأن يغفر ذنوبنا، ونسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا وأن يؤلف بين قلوب المؤمنين وأن يجمع كلمتهم على الحق، ونسأل الله العلي العظيم الذي لا إله إلا هو أن يعيننا وييسر أمورنا ويشرح صدورنا ويفرج همومنا، نسأله سبحانه وتعالى أن يؤتينا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
الشيخ أحمد السيد