الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه المصير، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد، نستفتح مجلساً جديداً من مجالس أنوار السنة المحمدية تحت عنوان الاستهداء بالسنة النبوية، هذا المجلس الثالث والعشرون من مجالس التعليق على رياض الصالحين، نسأل الله أن يتمها علينا على خير وعون ومدد وتوفيق وبركة.
اليوم معنا باب جديد، وهو الباب الحادي عشر من أبواب رياض الصالحين، وهو باب المجاهدة، باب المجاهدة، وهو باب طويل، أكثر الإمام النووي رحمه الله فيه من ذكر الأحاديث، حيث ذكر فيه سبعة عشر حديثاً، يمكن أطول باب إلى الآن قد يكون أو نحو ذلك، أو من الأبواب الطويلة عموماً، وهذا الباب سنقف معه وقفة مطولة إن شاء الله، واليوم الوقفة ستكون مع آية من الآيات التي صدر بها الباب، هو صدر الباب بعدة آيات فالآية الأولى إن شاء الله سنقف معها وقفة طويلة، ثم بعد ذلك نأخذ حديثاً واحداً في هذا المجلس ونختم بإذن الله، ثم نكمل الباب في المجالس القادمة إن شاء الله.
قال الإمام النووي رحمه الله: باب في المجاهدة. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ، وقال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، وقال تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، أي انقطع إليه، وقال تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وقال تعالى: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا، وقال تعالى: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ. والآيات في الباب كثيرة معلومة.
وأما الأحاديث، فالأول عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، رواه البخاري. آذنته: أعلمته بأني محارب له، استعاذني: روي بالنون وبالباء، أي استعاذني أو استعاذ بي.
نعم، هذه التي قرأت من الآيات والحديث فيها وقفة أو وقفات مطولة. الوقفة الأولى مع قول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، هذه الآية في أي سورة؟ هذه آخر آية في سورة العنكبوت، وسورة العنكبوت قيل إنها آخر سورة نزلت في مكة، وقيل إنها السورة قبل الأخيرة، وقيل إن بعضها نزل في مكة وبعضها نزل في المدينة، وهي لا شك من يتأمل فيها ويقرأ فيها يجد أنها بالفعل فيها سمات آخر المرحلة المكية، فيها سمات طول مرحلة الابتلاء، فيها سمات صعوبة الطريق وطول هذا الطريق، وفيها سمات طلب المجاهدة ومزيد من الصبر والثبات، والإشارة إلى قضية الهجرة وترك الأهل والوطن في سبيل الحفاظ على المبادئ.
ولأجل ذلك سأقف قليلاً مع هذه السورة باعتبار أن هذه الآية منها، وهي آية مركزية فيها: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، ونعلم ما موقع المجاهدة من طريق المؤمن، يعني حتى الطريق بالنسبة للمراحل، يعني وبالمناسبة أنتم ترون أن الإمام النووي رحمه الله لم يذكر المجاهدة في البداية، وكأنه والله أعلم يرتب الطريق، وليس بالضرورة أن يكون الترتيب يعني أنه قصد إلى الترتيب الدقيق، لكن هو هذا الترتيب الذي سلكه هو فعلاً ترتيب، يعني لما بدأ أول شيء بأيش؟ بالإخلاص، الإخلاص هو البداية، ثم بعد ذلك ماذا؟ التوبة، ثم بعد ذلك الصبر، ثم الصدق، ثم التوكل واليقين، ثم الاستقامة، وبعدين المراقبة، المراقبة والتقوى واليقين والتوكل، ثم الاستقامة، وبعدين التفكر، ثم المبادرة، ثم المجاهدة. المجاهدة هي تأتي بعد البداية، يعني الإنسان يحتاج في البداية إلى قضية الإخلاص، إلى قضية الصبر، إلى قضية اليقين، إلى قضية التوكل، لكن المجاهدة هذه تأتي بعد قطع شيء من الطريق، يعني الاستقامة ثم المجاهدة، يعني هي البداية يبدأ الإنسان بالطريق، ثم بعد ذلك طبعاً ويحمل معه قضية التوبة والصبر واليقين والتوكل، ثم بعد ذلك يستقيم على هذا الطريق، والاستقامة فيها معنى الثبات، ثم بعد ذلك يستصحب قضية المجاهدة.
المجاهدة يقاوم بها الفتور، يقاوم بها العوائق، يقاوم بها أهواء النفوس، يقاوم بها أذى الأعداء وكيدهم، فالمجاهدة كأنها سلاح مدافعة أثناء الطريق، فكلما طال الطريق احتاج الإنسان إلى المجاهدة أكثر، إلى أن تأتي مرحلة تروض النفس ترويضاً، وهذا لا يكون إلا بعد طول طريق، لازم تروض النفس ترويضاً معيناً، لا أقول لا يحتاج الإنسان فيه إلى المجاهدة بعد ذلك، لكن تسهل عليه المجاهدة، حتى تكون كالملكة، ويطبع الإنسان على حقائق الإيمان وعلى كره الفسوق والعصيان بعد المجاهدة، وكأن المجاهدة هي أهم أو من أهم وسائل الهداية، من أهم وسائل الفتح، من أهم وسائل التوفيق، من أهم وسائل البركة، من أهم وسائل أن ينال الإنسان الفتوحات والبركات والخيرات: المجاهدة.
ولذلك إذا تأملنا في نزول هذه السورة، سورة العنكبوت التي وردت فيها هذه الآية، سبحان الله، هذه السورة عجيبة تحتاج إلى تأمل كذا وتفكر، لأنه هي نزلت يقال أنها نزلت في السنة الحادية عشرة من البعثة، يعني قبيل الهجرة، وهذا كما قلت التفكر في سورة العنكبوت ما الذي كان عليه حال المؤمنين بعد أحد عشر سنة أو اثنتي عشرة سنة من بداية البعثة؟ ما الذي كان عليه الحال؟ تعرفوا في جزء من المؤمنين في الحبشة، وفي جزء منهم رجعوا من الحبشة بعد ما جاءت الأنباء بأن النبي صلى الله عليه وسلم أو بأن أهل مكة أسلموا، ورجعوا من الحبشة وبقوا في مكة، ورجع التعذيب ورجع النكال وطال الطريق، هي هذه القضية طال الطريق، ولم يترك المشركون شيئاً إلا عملوه لكي يصدوا المسلمين عن دينهم، وتمايزت الصفوف وصار هناك أهل الإيمان وأهل الكفر.
سبحان الله، هذه السورة هي الوحيدة التي وردت فيها مدة مكث نوح في قومه الوحيدة، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، كم مرة ذكرت قصة نوح في القرآن؟ كثير، أين ذكر أنه لبث ألف سنة؟ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، هنا فقط في سورة العنكبوت. وكذلك سبحان الله في هذه السورة نجد تكرار قضية الهجرة، فلما ذكر الله سبحانه وتعالى إبراهيم، قال: وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي، نحن طبعاً قلنا سابقاً يا جماعة في مقاصد السور وفي التأمل في القرآن، قصص الأنبياء صحيح أنها تتكرر، ولكن ترى تأتي في كل سورة بما يتناسب مع مقصد السورة، هذه مهمة جداً في فهم القرآن، أنه تفهم صحيح التكرار لكن ترى في أشياء معينة ورودها في هذه السورة يكون بارزاً، فيتأمل، لاحظ: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي.
طبعاً أصلاً بداية السورة خلينا بس نكمل قضية الهجرة، كذلك: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ، هذه في ختام السورة. وكذلك الكلام عن الابتلاء والفتنة: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أي لستم وحدكم في الطريق، فالذين من قبلكم أيضاً فتنوا كما فتنتم، طيب والذين سيأتون بعد الصحابة والذين سيأتون في آخر هذه الأمة؟ نفس الشيء: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، لست وحدك في الطريق. لذلك ترى من أعظم ما يثبت الإنسان أن يرزق البصيرة بأن الطريق الذي يسير عليه هو نفسه طريق نوح وطريق إبراهيم وطريق موسى وعيسى ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين.
لما يكون عندك البصيرة والعلم أن هذا الطريق الذي تسير عليه هو نفسه ذاك الطريق، إيش باقي؟ إيش باقي؟ تصبر كما صبروا، وانتهينا، بس هذا الذي باقي، يعني خلاص باقي عليك تكليف أنك تصبر، ماذا تحتاج يعني؟ ذلك الذي تحتاجه هو العلم والبينة أولاً، تعلم يقيناً أنك تسير في طريق الأنبياء، وفي طريق أتباع الأنبياء، فإذا سرت على هذا الطريق على بصيرة، كلهم يقول: إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي، يقول: هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي، البصيرة هذه في البداية لازم، فإذا اطمأن قلبك وانشرح صدرك وعرفت الحق، فهنا يأتي عليك التكليف، الله يعينك، الله يعينك، ماذا تظن؟ أتظن أن طريقك مفارق لطريقهم وقد زعمت أنه هو طريقهم؟ إذا كان هو طريق الأنبياء فما الذي نالهم إذاً؟ وطن نفسك، خلاص وطن نفسك أن تنال كما نالهم، وأن تكون في نفس الطريق المر الذي سلكوه، وفي نفس الوقت إن شاء الله ستجد من الحلاوة والخير والإيمان والسعادة والبركة ما يمن الله به على من سلك هذا الطريق.
لذلك هذه السورة أول شيء فيها: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، هنا ختام المقدمة، أو هذه المقدمة للسورة العجيبة المحكمة، أول ما تنتهي من هذه المقدمة، أو حتى الآية التي بعدها، ثم تنتقل تجد آخر السورة إعادة لختام هذه المقدمة، هنا فيها: وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ، هناك: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ.
العجيب لفت انتباهي ابن عاشور رحمه الله في قوله: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، قال فيها إيماء، فيها إيماء إلى هدايتهم إلى طريق الهجرة إلى المدينة، الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، لنهدينهم إلى طريق الهجرة، كذلك ليس هذا تفسيرها المباشر، لكن فيها إيماء إلى هذا المعنى، ذكر ذلك ابن عاشور رحمه الله تعالى.
الشاهد، ما الذي نال الصحابة بعد كل هذه السنوات؟ وما الذي طلب منهم بعد هذه السنوات؟ تعلم، لنتعلم كل هذا تعليم رب العالمين، بعد كل سنوات الصحابة في السنوات الماضية، ماذا فعلوا؟ صبروا، صبروا، ماذا طلب أو أمرهم الله به وحثهم الله عليه بعد كل هذه السنوات؟ أيضاً المجاهدة والصبر والتوكل، لأنه في ختام السورة أيضاً الصفحة قبل الأخيرة إيش؟ نعم، نعم: أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، صبروا وعلى ربهم يتوكلون، الجمع بين الصبر وبين التوكل، وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا إلى آخر الآيات التي فيها الحث على قضية المجاهدة والصبر والثبات أمام الفتنة، فهذه سورة إيناس للمتأملين، وسورة تكليف لمن صبر بمزيد من الصبر وبمزيد من المجاهدة وبمزيد من الثبات، وبعد ذلك الإنسان سبحان الله هو وما يوفقه الله، وإلا فهذه سورة فيها تكليف عظيم بالثبات، تكليف عظيم بالثبات.
طيب هذه إذاً الآية الأولى التي أردت الوقوف معها في هذا اللقاء، ثم بعد ذلك الآيات أيضاً كلها محل تأمل: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، هذا الذي هو الاستمرار في العمل، والاستمرار في العمل يحتاج إلى مجاهدة، حتى يأتيك اليقين، هذا مثل قول الله سبحانه وتعالى: وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، أي اثبتوا على الإيمان على طول الطريق، فلا يدري الإنسان متى، لا يدري الإنسان متى يموت، فإذا مات يموت على يقين وصلاح.
وكذلك: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، إلى آخر الآيات، ثم ننتقل إلى الحديث، الحديث هذا حديث عظيم، الذي قال فيه ابن تيمية رحمه الله إنه أشرف حديث في الأولياء، أشرف حديث في الأولياء: إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأين أقرب شيء للمجاهد في هذه الأحاديث؟ وما يزال عبدي يتقرب، يعني فيه معنى الاستمرار ومعنى الثبات، ومعنى المواصلة على الخير وعلى النوافل التي هي زائدة على الفرض.
ابن رجب رحمه الله لما شرح الحديث ذكر أن الحديث يحتوي على قسمي المؤمنين، قسمين للمؤمنين وهما القسمان اللذان ذكرهما الله في سورة الواقعة، فقد ذكر الله في سورة الواقعة أصحاب اليمين والسابقين جيد، وفي سورة فاطر ذكر ثلاثة أقسام، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات، وفي سورة الإنسان ذكر الله سبحانه وتعالى الأبرار وذكر عباد الله، بعض العلماء يرون، ومنهم ابن تيمية رحمه الله، أنه هذا أيضاً هذان قسمان له، قال إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً، يعني ممزوجة بكافور، عيناً يشرب بها عباد الله، فعباد الله هنا يفسرها بالسابقين، يشربون من هذه العين صافية بدون شيء، بدون مزج، أما أولئك فإيش؟ يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً، تمزج بشيء منه، وذكر في معنى أنهم حين أخلص أولئك السابقون في الدنيا إخلاصاً تاماً، أخذوا النتيجة خالصة تامة، وأنه الدليل على أنه أولئك يشربون، قال ضمنها أو ضمن معنى يشرب ضمنه معنى يروى، لذلك عداها بالباء بها، لأنه هي أصلاً يشرب في الأساس.
منها صح ولا لا، هي يشرب منها صح ولا لا، لكن لما ضمن الشرب معنى الإرواء عداها بما يعدى به. الإرواء يروى بها إيه؛ فَعَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا. الشاهد أنه هذان القسمان أيضا ذكرا هنا في الحديث؛ فالقسم الأول هو القسم المحافظ على الفرائض فقط، اللي هو وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، ثم بعد ذلك، طبعاً هذه درجة المقتصدين أصحاب اليمين.
ثم بعد ذلك قال: وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ. قال: هذه درجة السابقين المقربين وهم الذين تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات والانكفاء عن دقائق المكروهات بالورع. هذه لو تتذكرون لما أخذنا حقيقة التقوى تكلمنا عن التقوى، قلنا في التقوى وهي تدل بأصلها على الانكفاف عن المحرمات والاتيان بالمأمورات. كلام ابن عمر، أو ابن مسعود قال: لا يبلغ المرء حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر.
طيب، الآن هذا الحديث فيه أيضا إشارة لطيفة ذكرها ابن رجب، وأنا سأكثر من ذكر ابن رجب، وحتى سأقرأ عليكم نصا طويلا نوعا ما، لأن ابن رجب ذكر كلاما جميلا حقيق في شرح هذا الحديث. وأنا عموما أحب ابن رجب كثيرا، يعني ليس فقط في شرح الترمذي وإنما في جامع العلوم والحكم، أعتقد أن هذا الكتاب من الكتب الطيبة جدا جدا والنافعة. أنا على المستوى الشخصي استفدت منه كثيرا، كتاب جامع العلوم والحكم، وأرى أن فيه كنوزا كثيرة؛ يعني يمكن الواحد يقرأه قراءة واحدة ما يستفيد منه كثيرا، لكنه الكتاب يحتوي على كنوز كبيرة جدا.
طيب، أعجبني في لفته، شوفوا أن الله تعالى قال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ. جيد، قال: لما ذكر أن معاداة أوليائه محاربة له، ذكر بعد ذلك وصف أوليائه: وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ، الذين تحرم معاداتهم وتجب موالاتهم، فذكر ما يتقرب به إليه، وأصل الولاية -ها وليا- من عادى لي وليا، وأصل الولاية القرب، وأصل العداوة البعد. هنا ربط بين من عادى لي وليا وبين وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، طيب، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، إلى آخر الحديث. أنا هذا النص الذي سأقرأ عليكم نص يعني جميل وعجيب في التعليق على هذه الجملة التي تدل على رحمة الله وكرمه وجوده وإحسانه.
نعم، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وفي بعض الروايات: وقلبه الذي يعقل به ولسانه الذي ينطق به. قال ابن رجب: المراد بهذا الكلام أن من اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض ثم بالنوافل، قربه إليه ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله ومحبته وعظمته وخوفه ومهابته وإجلاله والأنس به والشوق إليه، حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدا له بعين البصيرة. كما قيل: ساكن في القلب يعمره لست أنساه فأذكره غاب عن سمعي وعن بصري فسوى القلب تبصره
قال الفضيل بن عياض: إن الله تعالى يقول: كذب من ادعى محبتي فإذا جنّه الليل نام عني، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه؟ ها أنا مطلع على أحبابي، قد مثلوا بين أعين، وخاطبوني على المشاهدة، وكلموني بحضور، غدا أقر أعينهم في جناني. ولا يزال هذا -يقول ابن رجب- ولا يزال هذا الذي في قلوب المحبين المقربين يقوى حتى تمتلئ قلوبهم به، فلا يبقى في قلوبهم غيره، ولا تستطيع -شوف- ولا تستطيع جوارحهم أن تنبعث إلا بموافقة ما في قلوبهم. القلب أولا امتلا، امتلا ثم الجوارح لن تنبعث بعمل إلا بما يوافق ما في القلب. ومن كان حاله هذا قيل فيه: ما بقي في قلبه إلا الله. والمراد معرفته ومحبته وذكره.
وفي هذا المعنى الأثر الإسرائيلي المشهور: يقول الله: ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن. وقال بعض العارفين: احذروه فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده غيره. وفي هذا يقول بعضهم: ليس للناس موضع في فؤادي زاد فيه هواك حتى امتلا وقال آخر: قد صيغ قلبي على مقدار حبهم فما لحب سواهم فيهم اتسع
وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته لما قدم المدينة فقال: أحبوا الله من كل قلوبكم، كما ذكره ابن إسحاق في سيرته. فمتى امتلا القلب بعظمة الله تعالى، محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه. فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به. فهذا هو المراد بقوله: كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها. ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول أو الاتحاد، والله ورسوله بريئان منه.
ومن هنا كان بعض السلف كسليمان التيمي يرون أنه لا يحسن أن يعصي الله، ووصت امرأة من السلف أولادها فقالت لهم: تعودوا حب الله وطاعته؛ فإن المتقين ألفوا الطاعة فاستوحشت جوارحهم من غيرها، فإن عرض لهم الملعون بمعصية، مرت المعصية بهم محتشمة فهم لها منكرون. ليش؟ لأنه هذه ترى النتيجة تجي بعد المجاهدة الطويلة، أنه صارت الطاعة ألفا، فالمعصية تكون وحشة أصلا، يعني ما يعني القلب يستوحش المعصية. ما تعرفوا قبل المجاهدة إيش يكون؟ بالعكس، القلب يميل إلى المعصية ويريدها بكل هواه، والإنسان بالتقوى إيش يعمل؟ يبعد، يبعد عن نفسه المعصية. شوف الفرق بين الحالتين؟ بعدين في جسر اسمه المجاهدة، مصحوبا بالصبر والتوكل واليقين، بعدين إيش يصير؟ عكس، يصير ما يقدر يعصي؛ يعني مو يعني ما ياتي في قلبه أنه أعوذ بالله إيش معصية، يعني مو أنه هو لن يسلم من المعصية بالنقص البشري، لكن لن يحب المعصية، لن يميل إليها. قد يغضب ويزل، قد يسب، قد كذا، لكن فكرة أنه قلبه معلق بالشهوات وأنه لا يستطيع أن يدفعه إلى مجاهدة، هذه مرحلة تنتهي، هذه مرحلة تنتهي، على الأقل لا تكون أصلا.
قال ومن هذا المعنى قول علي رضي الله عنه: إن كنا لنرى أن شيطان عمر ليهابه أن يأمره بالخطيئة. وقد أشرنا فيما سبق إلى أن هذا من أسرار التوحيد الخاصة؛ فإن معنى لا إله إلا الله أنه لا يؤله غيره حبا ورجاء وخوفا وطاعة، فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام، لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله. ومن كان كذلك لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله، وإنما تنشأ الذنوب من محبة ما يكرهه الله أو كراهة ما يحبه الله، وذلك ينشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله وخشيته، وذلك يقدح في كمال التوحيد الواجب، فيقع العبد بسبب ذلك في التفريط في بعض الواجبات أو ارتكاب بعض المحظورات. فأما من تحقق قلبه بتوحيد الله فلا يبقى له هم إلا في الله وفيما يرضيه به.
وقد ورد في الحديث مرفوعا: من أصبح وهمه غير الله فليس من الله. طبعا ابن رجب لا يشترط الصحة لمن يذكر مثل هذا، يقول ورد في الحديث وكذا، وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب موقوفا قال: من أصبح وأكبر همه غير الله فليس من الله. قال بعض العارفين: من أخبرك أن وليه له هم في غيره فلا تصدقه. كان داود الطائي ينادي بالليل: همك عطل علي الهموم وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إليك وشوقي إلى النظر إليك أوثق من اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب. وفي هذا يقول بعضهم: قالوا تشاغل عنا واصطفى بدلا منا وذلك فعل الخائن السالي وكيف أشغل قلبي عن محبتكم بغير ذكركم يا كل أشغالي، يا كل أشغالي.
ثم جاءت الرواية الأخيرة في هذا الحديث: ولئن سألني لأعطينه، وإن استعاذ بي لأعيذنه. أولا قبل أن أعلق عليها، كلام ابن رجب هذا العجيب الجميل هو يدلك على أولا نموذج العالم الذي جمع بين العلم والوعظ؛ ابن رجب عالم كبير محقق في الحديث والعلل والأسانيد، في نفس الوقت وعظه جميل وفهمه للدين كذلك كبير جدا، فرضي الله عنهم ورحمهم. ونعوذ بالله من قسوة القلب، ونعوذ بالله من الجفوة، ونعوذ بالله أن يكون الإنسان مجرد مؤدٍ لمعلومات دون أن يحرك القلوب.
هذا أولا، ثانيا: بالنسبة للجملة الختامية هي جملة عظيمة: ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه. هذه الجملة فيها لفت انتباه إلى أمر مهم جدا، وهو أن أسباب إجابة الدعاء لا تقتصر على الأسباب المحددة المرتبطة بالدعاء في وقت معين أو بحال معين، وإنما من أعظم أسباب إجابة الدعاء هو مجموع حال الداعي، وليس حاله عند الدعاء فقط. بل إذا وصل الحال بالعكس، بأن يكون مجموع حال الداعي سيئا ثم دعا وتحرى أسباب إجابة الدعاء عند الدعاء، فقد يرد دعاؤه ولو كانت أسباب إجابة الدعاء متوفرة؛ أسباب مراعاة الآداب وما إلى ذلك. والدليل عليها حديث أبي هريرة، نعم اللي ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟
بينما هنا إيش؟ ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، هذا الآن حاله نفسه، مجموع أحواله، أنه الله يحبه، فإذا أحبّه سمع منه، أو سمع له دعاءه واستجاب له سبحانه وبحمده. فلذلك من كان يبحث عن إجابة الدعاء فلا يبحث عنها في مجرد تحري أوقات الإجابة، ولا يبحث عنها في مجرد آداب الدعاء، وإن كان ذلك كله مطلوبا، وإنما ليبحث عنها في استقامة أحواله، استقامة مجموع قلبه ومجموع حاله. فإذا كان كذلك فليبشر بمعية الله وبإجابة دعائه وبقربه منه.
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا ويسددنا ويصلح أحوالنا ويغفر ذنوبنا، وأن يجعلنا من المنيبين المتقين الثابتين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد