الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس أنوار السنة المحمدية، وتحت عنوان: الاستهداء بالسنة النبوية وبهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، هذا هو المجلس الرابع والعشرون من سلسلة التعليق على رياض الصالحين، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والهداية والسداد والتمام.
الباب الذي في هذا المجلس هو باب المجاهدة، كنا قد أخذنا في المجلس السابق الآيات التي ذكرها الإمام النووي رحمه الله في صدر هذا الباب، وكذلك الحديث الأول القدسي الذي هو حديث الأولياء، ثم الحديث الثاني؛ قال النووي رحمه الله: عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: إذا تقرب العبد إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة. رواه البخاري.
هذا الحديث من أعظم أحاديث الرجاء، ومن أعظم الأحاديث التي تحبب المؤمن في ربه سبحانه وتعالى، والمطلوب أن يحب المؤمن ربه سبحانه وتعالى، بل أن يكون شديد الحب له. وكما تعلمون؛ أصحاب الأهواء وأصحاب الدنيا يتعلقون بمحبوبه، وعباد الأصنام والأوثان، عباد ما يعبد من دون الله، يحبون آلهتهم حباً جماً، لكن الله سبحانه وتعالى قال في سورة البقرة: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ، بداية الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ.
فكيف يحب المؤمن ربه؟ يحب المؤمن ربه بالتعرف عليه، إذا عرفت الله أحببته. التعرف عليه كيف يكون؟ يكون التعرف عليه عن طريق أسمائه وصفاته، وما ذكره عن نفسه سبحانه وبحمده في كتابه، وما ذكره رسوله صلى الله عليه وسلم عنه، أليس كذلك؟ ويكون عبر أبواب العلم به، وسبق أن ذكرتها في سلسلة رياض الصالحين هنا؛ هي أبواب متعددة: العلم بسنن الله، العلم بشريعة الله، كل هذه التفكر في آيات الله ومخلوقات الله، هذه كلها أبواب لمعرفة الله، فإذا عرفت الله أحببته.
ومن جملة الأمور التي تحبب المؤمن في ربه أن يعلم المؤمن كرم ربه وجود ربه وإحسان ربه سبحانه وبحمده مع غناه، ومن جملتها هذا الحديث: إذا تقرب إلي عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً؛ يعني مهما أقبلت على الله سبحانه وتعالى في خير أو بخير، فالله سبحانه وتعالى إليك أقرب، والله سبحانه وتعالى يجازيك فوق ما تتخيل وفوق ما تتوقع. فإذن هذا من كرم الله سبحانه وتعالى؛ الله يعطيك ليس فقط على قدر عملك، وإنما فوق عملك. وهذا إذا كان من إنسان في الدنيا إذا أنت أحسنت إليه زاد في إحسانه إليك أحببته، فكيف وهو الله سبحانه وتعالى الذي إذا أتيته تمشي أتاك هرولة سبحانه وبحمده؟ يعطيك فوق ما تريد من العطاء من الثواب، فوق ما عملت من العمل، يعطيك من الثواب فوق ما تستحق من سبب هذا الثواب.
ولذلك يأتي في الأحاديث أو في الآيات والأحاديث قضية المضاعفة للحسنات: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ. يعني هذا الآن بأي عمل؟ يعني قد يكون مثلاً بصدقة معينة، أنت الصدقة هذه ممكن أنت تسمع الآن عن بعض أغنياء يتبرعون مثلاً؛ واحد يتبرع بمليون دولار، جيد، يتبرع بمبلغ كبير جداً للفقراء، كم فقير استفاد من هذا المبلغ؟ والله عشرة آلاف فقير، وأنت مسكين ما عندك من المال شيء الكثير، بتقول: يا أخي هنيئاً لهذا الغني، عشرة آلاف فقير يستفيدون منه، ثم تذهب وتتبرع بعشر معشار هذا المبلغ، تتصدق به ولكن تتصدق به وأنت صادق مع الله، وأنت مخلص لوجهه الكريم، وأنت محب للفقراء والمساكين، وأنت منكسر لأنك تتمنى أن تنفق أكثر وليس عندك، فتعطي هذا المبلغ تصدق صدقة لله سبحانه وتعالى، تأتي يوم القيامة إذا قبل الله منك وضاعف لك، تأتي يوم القيامة وقد يكون في صحيفتك عشرة آلاف فقير، تقول: يا ربي أنا ما تصدقت لعشرة آلاف، قالوا لك: هذا أو ذاك المبلغ الذي أعطيت وأنت صادق النية كتب لك بأضعاف أضعاف أضعاف ما تصدقت.
وهنا تفهم قول الله سبحانه وتعالى: إذا تقرب إلي عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب مني ذراعاً تقربت. طبعاً هذا ليس في المضاعفة فقط، ولكنه في كرم الله، في رحمة الله، في إحسان الله إلى عباده وإلى خلقه، وقد يدخل في ذلك قضية مضاعفة الحسنات، هذا من جملة ما يحبب الإنسان في ربه سبحانه وبحمده، وهذا الحديث الثاني.
ثم قال النووي رحمه الله: الثالث أي من الباب؛ قال عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ. رواه البخاري. طيب، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ، هذا الحديث جعله البخاري أول حديث في كتاب الرقاق، في كتاب الرقاق من الصحيح، وأنتم تعلمون أن صحيح البخاري عبارة عن كتب: كتاب العلم، كتاب الإيمان، كتاب الرقاق، كتاب الأدب، إلى آخره، أول حديث في كتاب الرقاق هو هذا الحديث. لماذا جعله أول حديث؟ قيل لأنه اتبع في ذلك الإمام عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد، كتاب الزهد كتاب كبير مطبوع معروف، يعني حديث في الزهد وآثار وأقوال يسندها ابن المبارك، فأول حديث بدأ به ابن المبارك كتاب الزهد هو هذا الحديث، والزهد والرقاق هما قرينان، فقيل إن الإمام البخاري اتبع عبد الله بن المبارك في هذا الأمر، وطبعاً هذه قضية مستنبطة، والبخاري عنده هذه الأمور الدقيقة جداً جداً، فترتيب الكتاب عند البخاري واختيار الأبواب وهذه الأمور خطيرة جداً عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
على أية حال؛ هذا الحديث عظيم، وهو حديث كبير وفيه فائدة عظيمة وجليلة، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ. الصحة كثير من الناس يعرفها بأنها نعمة، أليس كذلك؟ لكن الفراغ، بماذا يعرف الفراغ عادة؟ اليوم نعمة أم بلاء؟ أحياناً الإنسان يعرف الفراغ أنه بلاء وليس نعمة، صح ولا لا؟ أنه ما عنده شيء، في ناس يحب أن يكون وقته مليان، فهو عارف حتى لو مليان في اللعب ولا في أي شيء بس إنه فراغ كذا ما عنده شيء، ما في شيء يشغله، فقد ما يعتبر هذه نعمة، لكن هنا يأتي التعريف أنه هذه نعمة، ترى ليست أي نعمة، بل هي نعمة كثير من الناس يغبن فيها، يخسر فيها.
يعني أرأيتم الشخص الذي لديه إمكانات كبيرة جداً في التجارة مثلاً، وعنده محل تجاري كبير، باقي بس يستثمر هذه الإمكانات، يعني مكان الدكان مثلاً على شارع رئيسي وعلى مكان مطروق والناس يجوا للشارع هذا من كل مكان، لكن ما هو مستفيد من المكان، يعني مثلاً الأنوار ضعيفة، لوحة ما هي واضحة، فهمتم الفكرة؟ فأنت تجي لصاحب الدكان تقول له: والله أنت مغبون في هذا المكان، ليش؟ لأنه مكانك هذا نعمة يا أخي، نعمة كبيرة بس أنت ما أنت مستثمر هذا، نفس الحديث: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ. مين اللي يدرك قيمة هذه النعمة؟ الذي يفقدها، فتخيل إنساناً مشلولاً يجتهد في الصلاة وهو مقعد، يجتهد في ذكر الله وهو مقعد، ثم يجد إنساناً يمشي في صحة وعافية ولا يقدر هذه النعمة وبعدين ما يصلي، فيجي يقول له: أنت ما تعرف أنا كم ممكن أدفع من أموالي، ليس لأجل أن أمشي، وإنما لأجل أن أضع جبهتي على الأرض ساجداً، هل تعرف كم أنا محروم من هذه القضية وأنت مغبون فيها؟ أنت عندك صحة، هكذا النبي صلى الله عليه وسلم يشير وينبه: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.
أما الفراغ فهو نعمة، نعمة يعني بإمكانك أن تعمل شيئاً، لست معاقاً بعائق من العمل أو شيء يمنعك عن أن تستثمر هذا الوقت فيما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى. ولاجل ذلك إذا وجدت من يكدح في اليوم 12 ساعة ولا 14 ساعة حتى يحصل لقمة العيش، وأنت وقتك مفسوح وأمورك طيبة والحمد لله رب العالمين، الشغل الأساسي اللي عندك في اليوم مثلاً ست ساعات ولا خمس ساعات ولا أربع ساعات، وعندك يومين ما فيها شيء، وعندك كل يوم من العصر إلى الساعة 11 في الليل ما عندك ولا حاجة، أنت هنا أنت في نعمة، يجب أن تتعامل مع نفسك في هذا المكان على أنه نعمة عظيمة جداً، وعلى أنه هذا الفراغ يجب أن يستثمر ويجب أن يقدر بأعلى ما يمكن من صور التقدير. ولذلك في رواية الدارمي لهذا الحديث؛ هذا الحديث في البخاري، في رواية الدارمي فيها زيادة قال النبي صلى الله عليه وسلم: وإن الصحة والفراغ نعمتان من نعم الله.
ثم قال رحمه الله تعالى: الرابع عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً؟ متفق عليه، هذا لفظ البخاري، ونحوه في الصحيحين من رواية المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه.
طيب، أولاً من نعم الله سبحانه وتعالى علينا أن سخر الله الأسباب لنقل هدي النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وفي شؤونه الخاصة، كما نقل لنا هديه في الأمور العامة، وأنتم تعلمون أن الأصل في حياتنا إذا كنا نجد من نقتدي به من الصالحين أو من المصلحين أو كذا، فإننا نقتدي به فيما هو من شأنه العام، بالقدر الذي نراه فيه، أما في بيته وفي شؤونه الخاصة فكثيراً ما تغيب عنا أحوال من نقتدي بهم ومن نحبهم من أهل العلم والفضل، أليس كذلك؟ يعني ربما نراه في الدرس، ثم بقدر معرفتك به وبقدر رؤيتك له، فإذا عرفت أحوال الإنسان في الغضب والرضا فهذه زيادة، إذا عرفته في السفر والحضر فهذه زيادة مفيدة لك، تعرف كيف يتعامل، كيف يتصرف. النبي صلى الله عليه وسلم ليس فقط نقلت لنا أحواله في السفر والحضر والغضب والرضا وما إلى ذلك، وإنما نقلت لنا أحواله صلى الله عليه وسلم داخل بيوته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عنده عدة بيوت، يعني تعرفوا كان عنده تسع من الزوجات، وكل واحدة منهن تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترى داخل بيتها وداخل بيته صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه فائدة كبيرة جداً.
وأحياناً يا كرام؛ أحياناً أنت تحسن الظن بإنسان وترى أنه قدوة وترى أنه ممتاز، فإذا تعرفت على بعض شؤونه الخاصة قلت: ليتني لم أعرف، يعني خلينا في الصورة الكويسة التي نعرفها، ما نبغى نعرف الشؤون الخاصة، يمكن سبحان الله يكون مو من باب الخصوصيات لا من باب أنك قد تسمع عنه ما يخالف الصورة الجميلة التي رأيتها عنه. فإذا سمعت عن إنسان استقامة أحواله في بيته كما هي في ظاهر حاله فهنا تعلم أنك لم تخطئ الاختيار، وأنه هذا قدوة حقيقية يستحق الاقتداء. النبي صلى الله عليه وسلم كلما تعرفت على أحواله داخل بيته ازددت حباً له وازددت تعظيماً له وازددت إيماناً بكماله صلى الله عليه وسلم، فحدث عن النبي المجاهد، وحدث عن النبي المصلي القائم، وحدث عن النبي الزوج الكريم، وحدث عن النبي الأب الرحيم، وحدث عن النبي الصبور، وحدث ما شئت عن أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم داخل بيته وخارجها، ستجد أن النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله على أكمل ما يكون. فهذه أول فائدة من هذا الحديث الذي فيه أن عائشة نقلت هذا الحدث المهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في لفت الانتباه إلى معنى يحرك لأجل الاجتهاد في قيام الليل.
الأمر الثاني أو الفائدة الثانية: المعنى الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم وذكره في هذا الحديث، أنه سبب لاجتهاده صلى الله عليه وسلم في قيام الليل هو معنى أن يكون عبداً شكوراً. والذي يحرك الإنسان إلى العبادة أحوال؛ قد يحرك الإنسان إلى العبادة الخوف، أليس كذلك؟ الخوف، يعني لماذا تقوم الليل؟ قد يكون السبب والمعنى الذي تستحضره وقت قيام الليل أنه يا ربي والله أنا أخاف من عذابك، وأعلم أن قيام الليل سبب للوقاية من النار، لذلك تجدك تقول: اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك، اللهم قني عذاب النار. هنا المعنى المحرك لك الخوف. أحياناً في نفس الصلاة يأتيك معنى آخر في نفس الصلاة؛ معنى الرجاء فتطمئن، جنتك يا رب قربني إليك، يا رب ارزقني مرافقة نبيك في الجنة يا رب. لاحظ مرّة معنى الخوف، مرة معنى الرجاء، لكن في معنى ثالث غير الخوف وغير الرجاء وهو معنى المحبة؛ محبة، ممكن يقوم الإنسان لأنه يأنس بربه.
لأنه هو يحب أن يتلو كلام الله، يحب أن يذكر الله، يحب أن يعني يناجي الله سبحانه وتعالى، وهذا معنى ثالث. وهناك معنى رابع وهو ايش: أفلا أكون عبدا شكورا؟ شكر الله على ما أنعم، شكر الله على ما أنعم، وهذا الشكر يكون بالعمل، ومن أزكى العمل الذي يكون به الشكر قيام الليل: أفلا أكون عبدا شكورا؟ أشكر الله على النبوة، أشكر الله على ما أعطى، أشكر الله على ما وهب، أشكر الله على كذا وكذا وكذا مما أعطى الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، أفلا أكون عبدا شكورا؟ فهذا حديث عظيم جدا في فقه العبادة وفي فقه السلوك إلى الله سبحانه وتعالى.
ثم قال النووي رحمه الله: الخامس عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر. متفق عليه. قال: والمراد العشر الأواخر من شهر رمضان، والمئزر الإزار، وهو كناية عن اعتزال النساء، وقيل المراد تشمير للعبادة، يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت وتفرغت له. هذا الحديث أيضا يقال فيه ما قيل في سابقه من معرفة أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم داخل بيوته، وأنت ترى كلما تعرفت على أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم داخل بيوته أنه كان أول المسلمين، وأول العاملين، وأول المؤمنين، وأول القائمين، وأول الممتثل لما يأمر به صلى الله عليه وسلم، فكان قدوة عملية لزوجاته ولأولاده ولأصحابه وحتى لأعدائه، إذ يرون فيه صلى الله عليه وسلم الصدق، ولذلك إذا اشتدت الأمور يعرفون أنه لا يغدر وأنه لا يكذب صلى الله عليه وسلم.
ورؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم، رؤية أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم، هي من أعظم ما كان يثبت الصحابة، حين يرونه عمليا على هذه الأعمال يعلمون صدقه؛ الصدق لا يعلم بمجرد الكلام، أو لنقل حتى لو علم بمجرد الكلام فإنه لا يكون له الأثر في القلب بقدر ما يكون حين يرى الإنسان الأحوال العملية. ولذلك لما اشتدت الأحوال في حنين واضطربت الأمور قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، وركض ببغلته صلى الله عليه وسلم إلى الأعداء، فكان أبو سفيان بن الحارث ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم يكف بغلة النبي صلى الله عليه وسلم عن التقدم بينما فر من فر في ذلك الجمع.
فلما كان يبلغ الصحابة موضوع الثبات في القتال ويحذرهم من الفرار كان أول الثابتين، ولما كان يكلمهم عن قيام الليل كان أول المصلين، ولما كان يكلمهم عن الذكر كان أول الذاكرين، ولما كان يكلمهم عن الورع كان سيد الورعين، ولما كان يكلمهم عن الزهد كان سيد الزاهدين، ولما كان يكلمهم عن الخشوع كان أول الخاشعين وخير الخاشعين صلى الله عليه وسلم. وهكذا تجد أن الصحابة تغذوا برؤيتهم لأحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذه الرؤية هي التي أحدثت لهم بفضل الله سبحانه وتعالى حالة الإيمان وحالة اليقين وحالة الفقه في دين الله سبحانه وتعالى.
وأما نحن اليوم وقد فاتنا أن نكون من أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم على وجه الصحب المباشرة، فإن لنا أبوابا في معرفة أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم عن طريق أحاديثه وسيرته ما يجعلنا كأننا نعيش معه صلى الله عليه وسلم، وإن كان الأثر بطبيعة الحال لن يكون كالرؤية، لكن على الأقل من جهة العلم يمكن أن يخلص إلينا من علم النبي صلى الله عليه وسلم، من العلم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم الشيء الكثير. وهنا نقول: جزى الله أصحاب رسول الله عنا خيرا، وجزى الله المحدثين عنا خيرا، وجزى الله ناقدي الحديث عنا خيرا، إذ كانوا سببا في وصول هذا الهدي إلينا. وتخيلوا حياتنا يا جماعة، تخيلوا حياتنا دون أن نعرف أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم، كيف سنعيش؟ كيف سنعيش إذا ما كنت تعرف هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مختلف الأحوال؟ كيف ستعيش؟ فلذلك نحمد الله على ذلك، ونسأله أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد، ونزداد بسبب ذلك حرصا على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى العلم بها، وتكون العين ونحن نتعلم هذه الأحاديث، تكون العين على المعرفة بأحوال المصطفى للامتثال والاتباع والاهتداء.
ثم نختم بهذا الحديث وهو الحديث الذي قال فيه النووي رحمه الله: السادس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا أو لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان، فإن لو تفتح عمل الشيطان. رواه مسلم.
هذا الحديث قاعدة كبرى من قواعد السلوك والعمل، وهو حديث من الحكمة النبوية، وفيه أنوار من هذه الحكمة، وهو مفيد للسالكين وللعاملين وللمتعلمين. هناك مؤمنون ضعفاء وهناك مؤمنون أقوياء، وإن كان في كل منهما خير إلا أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وهنا نستذكر عبارة الإمام النووي رحمه الله تعالى في تفسير المؤمن القوي لأنها من عيون عباراته ومن جميل كتاباته رحمه الله ورضي عنه وأرضاه، فقال في تفسير معنى المؤمن القوي، قال: المراد بالقوة هنا -هذه الجملة يا جماعة تحفظ، هذه الجملة تحفظ- يقول: المراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبا لها ومحافظة عليها، ونحو ذلك، عزيمة النفس وايش والقريحة.
عزيمة النفس والقريحة في كل مكان، في كل خير مبادرا مسرعا؛ مثل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، من شهد منكم اليوم جنازة قال: أنا، من أصبح منكم اليوم صائما قال: أنا، من عاد منكم اليوم مريضا قال: أنا، قال: ما اجتمعن في رجل إلا دخل الجنة، وفي يوم إلا دخل الجنة. خلاص في قريحة في أمر الآخرة، في عزيمة، في قوة نفس دائما في الخير. وفي مؤمن ايش ضعيف؛ إذا جاء الشيطان يوسوس تلقاه يروح مع يمين ويسار، يجي ينصح يا ابن الحلال استعذ بالله من الشيطان وركز فيما أنت فيه تجده ضعيفا، الشيطان يأخذه يمينا ويأخذه شمالا وهو خير ومحب للخير ومحب لله وللرسول لكنه ضعيف، هذا على خير لكنه ليس مثل المؤمن القوي صاحب العزيمة وقوة النفس والمبادرة إلى الخير في كل مجال، فهذه الأولى.
الثانية: احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. الثانية: احرص على ما ينفعك، احرص على ما ينفعك، هذه ينفعك في ايش؟ جاءت مطلقة في أمور الدنيا وفي أمور الآخرة، وأمور الآخرة أولى بلا شك، احرص على ما ينفعك. فإذا وهذه القاعدة ترى تفيد الإنسان، ممكن الإنسان يسأل أنا هل يجوز لي أن أعمل لم يعني أن أحقق بعض الأشياء التي أحتاجها في حياتي ولا أتفرغ للعبادة؟ تقول لله: احرص على ما ينفعك، هذا ينفعك في معيشتك، ينفعك في حياتك، احرص على ما ينفعك، هذا حديث عام قاعدة عامة.
الثالثة: استعن بالله ولا تعجز. من جمع بين الأمرين فاز بالخير كله. البعض يجمع أو البعض يحرص على الأمر الأول دون الثاني، أو الثاني دون الأول. أي أمر تريد تحقيقه اجمع بين الأمرين: استعن بالله هذه هي التوكل، التوكل الاعتصام، الاستمداد من الله سبحانه وتعالى، الدعاء، الاستخارة، كلها تدخل في استعن بالله، والثاني ايش: لا تعجز، شد حيلك يعني شد حيلك، قوي همتك، استعن بالله عرفت الطريق هيا الزم تقدم اصبر اثبت لا تتردد لا تتأخر، اجمع بين الأمرين، وفي نفس الوقت لا تعتمد على قوتك وحدها فقط، لا تعجز ها تعتمد على ذكائك وعلى قدراتك وخبراتك في الحياة لا استعن بالله أيضا، واستعن بالله قبل لا تعجز. فإذا تأملتم في أحوال الناس ستجدون أنهم يؤتون من أحد من نقصان أحد الأمرين، أما من نقصان التوكل أو من نقصان العزيمة والقوة، فإما أن يؤتى الإنسان من نقص استعانته، أو أن يؤتى الإنسان من ضعفه وعجزه، فإذا جمع بين العزيمة والقوة والجد والبذل والصبر وبين التوكل والاستعانة والاستمداد من الله كمل له الفلاح والخير.
طيب استعنت بالله ولم أعجز ولكن حصل لي ما أكره، حصل لي ما أكره، لم يتم لي ما طلبت، تأتي الجملة التالية: وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان. طيب أنت استعنت بالله يا أناس ولم تعجز، بذلت كل ما لكن بذلت كل ما عليك لكن حصل ما تكره، إذا حصل ما تكره لا تفتح صفحة "لو"، لو أني يا ليتني ما سويت، لو أني تركت اللي ما تركت، لو أني فعلت اللي ما فعلت، ها عاد فضلا عن من يسب نفسه ويلعن حظه وحياته وتاريخه واليوم الذي ولد فيه والساعة التي تعرف فيها على الحياة والساعة التي وجد فيها في ها هذا كله داخل من باب أولى في هذا النهي. لا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل ايش: قدر الله وما شاء فعل، أو قدر الله وما شاء فعل، هذه قاعدة عظيمة جدا، إذا جمعت بين هذه الأمور الثلاثة كملت لك السعادة، لأنك تستعين بالله أولا، ثم لا تعجز ثانيا، ثم لو جاء شيء قدري ها بعيد عن الحسابات أو مع الحسابات أو أيا كان، لكنك بذلت ما عليك، هنا تقول قدر الله وما شاء فعل، الحمد لله رب العالمين، وتخرج بإذن الله بسعادة وطمأنينة في هذه الحياة لا يعرفها ضعفاء الإيمان وضعفاء اليقين فضلا عن الملحدين والمنكرين وأمثالهم.
ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والهدى والرشاد، وأن يعفو عنا ويعافينا، ونسأل الله أن يصلي ويسلم ويبارك على عبده ورسوله محمد، وأن يؤتيه الوسيلة، وأن يبعثه مقاما محمودا الذي وعده، وأن يجزيه عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأن يجعلنا من الواردين على حوضه، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يجعلنا من المرافقين له في جنة الخلد. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وارض عن أصحابه وعن خلفائه الراشدين. اللهم وأغث أمته، أغث أمة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وارحم هذه الأمة والطف بها، واكشف كربة المكروبين من أبنائها. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ أحمد السيد