تسجيل الدخول

رياض الصالحين 54 | باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم 1 | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد عبدك ورسولك وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من المجالس التي نتذاكر فيها شيئاً من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونقترب في كل مجلس منها من معالم منهاجه صلى الله عليه وسلم، هذا المنهاج الذي حياتنا متعلقة به. وأشرف شيء نعيش لأجله ونعيش يعني في سبيله في هذه الحياة هو أن نعيش على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، متبعين له ومحيين له ومدافعين عنه، فنسأل الله أن يرزقنا حسن الاتباع للمصطفى صلى الله عليه وسلم بجميع الأبواب: عبادته لربه، وفي دعوته للخلق، وفي جهاده في سبيل الله، وفي كل ما كان عن النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا المجلس الرابع والخمسون من مجالس التعليق على رياض الصالحين، وفيه باب جديد، قال فيه الإمام النووي رحمه الله تعالى وأعلى درجته ومنزلته: باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم. هذا الباب باب جديد، مرتبط بقضايا المسلمين وحقوقهم والواجبات التي يعني فيما بينهم. وهذا الباب ابتدأ فيه النووي رحمه الله بآيات من القرآن الابتداء بها عجيب، يعني لو قلت لك: باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم ورحمتهم، ماذا تختار من الآيات القرآنية على هذا الباب؟ ماذا تختار؟ إنما المؤمنون إخوة، صح؟ أيضاً إيش؟ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، أشداء على الكفار رحماء بينهم، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، أليس كذلك؟ لكن العجيب أنه بدأها بآيتين لا علاقة لهما بالباب من الجهة المباشرة، لكن فيها استنباط وفيها لفتة جميلة.

أما الآية الأولى فقال: قال الله تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ، وقال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ. فهاتان الآيتان طبعاً كلتا الآيتين في سورة الحج، وجاءتا في سياق الحج وشعائر الحج وما ذكر الله سبحانه وتعالى من البدن وما إلى ذلك. فذكر هذه الآية أو هاتين الآيتين في سياق حرمات المسلمين وبيان حقوقهم أمر عجيب من أي جهة؟ يعني وجه الدلالة، وجه الدلالة أنه يرى -فيما يبدو من هذا الاستدلال- أن كلمة حرمات الله وكلمة شعائر الله الواردة في الآيتين لا تختص بالحج، وإنما هي عامة لكل حرمات الله، لأن من العلماء من فسر هذه الآية جعلها خاصة بالحج، وحتى الآية الثانية: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ جعلها أيضاً مختصة بالحج، فقال لك: شعائر الله مثلاً إيش؟ المسجد الحرام والصفا والمروة والمناسك وما إلى ذلك، مثل ما قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ. فَهاتان الآيتان ذكرهما في تعظيم حرمات المسلمين هو استنباط جليل ونفيس في بيان أن هذا الباب هو باب داخل في حرمات الله وداخل في شعائر الله، وأن المطلوب ليس مجرد أداء الحقوق بين المؤمنين، وإنما المطلوب في البداية تعظيم هذا الباب في القلب، ثم بعد ذلك القيام بالحقوق بالبدن وباللسان وما إلى ذلك، واضح؟ إذاً: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ، ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ، هاتان الآيتان ذكرهما في بيان حرمات المسلمين يدلان على أو ذكرهما يدل على أن الإمام النووي رحمه الله يرى أن هذا الباب يدخل في هذه الآية، وأن تعظيم شعائر الله يشمل تعظيم حقوق المسلمين، وأن تعظيم حقوق المسلمين يدخل في تعظيم حرمات الله، فهذه لفتة مهمة.

وهذا يقودني إلى أمر مهم جداً، وهو أن الارتباط بقضايا المسلمين وأداء الحقوق لهم ونصرتهم هو ارتباط له اتصال بالعقيدة، وله اتصال بالقلب، وله اتصال بقضايا الإيمان، وليس مختصاً بالجانب السلوكي أو الجانب الأخلاقي أو غير ذلك، وإنما هو باب مرتبط بالعقيدة ومرتبط بالإيمان. كيف مرتبط بالعقيدة ومرتبط بالإيمان؟ أو ما الأدلة على ذلك؟ أولاً كيف؟ ما الأدلة على أن شيئاً من حقوق المؤمنين والتناصر فيما بينهم له ارتباط بالإيمان سواء باسم الإيمان، أو بزيادة الإيمان، أو بما -لا أبغى أقول الكلمة الثالثة لأنه تأتي بالدليل الواضح يعني- أو بحلاوة الإيمان؟ ما الأدلة التي تدل على أن هذا الباب له ارتباط باسم الإيمان أو بشيء من متعلقات الإيمان؟ جيد، طيب يلا، مثلاً أول شيء: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. الآن أيهما أشد في التأكيد وأشد في ربط القضية بالإيمان؟ هل هو الإتيان بنص أو القول بأن هذا من الإيمان أو نفي الإيمان عمن لم يلتزم به؟ نفي الإيمان عمن لم يلتزم به، لأنه إذا نفي الإيمان عمن لم يلتزم بشيء يدل على أن هذا الشيء من صميم الإيمان ومن واجبات الإيمان، أليس كذلك؟

طيب، الآن اسم الإيمان الذي هو الاسم الشريف المعظم في الدين، على أي شيء ينفى وبأي شيء علق في النصوص الشرعية؟ بقاؤه علق على ماذا ونفيه علق على ماذا؟ الآن بغض النظر عن النفي الذي هو إيش؟ أيوه، بعض النفي هو لكمال الواجب مثلاً أو بعض النفي هو لنفي أصل الإيمان، فكلمة "لا يؤمن" أو "هذا غير مؤمن" أو "ليس من الإيمان"، هذه بحسب العمل الذي علق عليه قد ترجع إلى أساس الدين والإيمان، مثل ترك الصلاة مطلقاً عند كثير من العلماء. طيب، نرجع الآن، إذا كان باب الحقوق بين المؤمنين ونصرة المؤمنين ومحبة المؤمنين فيما بينهم وما إلى ذلك من القضايا يعلق عليها اسم الإيمان من جهة نفيه عمن لم يلتزم بهذه الأعمال، فهذا دليل على أنها مرتبطة بصميم الإيمان، ولا شك أن النفي هنا ليس نفياً لأساس الإيمان، مثلاً: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن". قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من لا يأمن جاره بوائقه" أي شروره وما إلى ذلك، فهذا ليس نفياً لأساس الإيمان بمعنى أنه يصبح كافراً بالله، ولكنه نفي لشيء واجب من الإيمان. فأنت تقول يعني لك أن تتخيل -تخيلوا يا جماعة- المصطفى صلى الله عليه وسلم يقسم هذا القسم وأنت تسمع ولم تسمع الجواب، فأنت تقول تسمع هكذا: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"، فأنت تقول: يا ترى ما الذي سيقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ من هو هذا الذي لا يؤمن؟ من هو هذا الذي لا يؤمن؟ هل هو الذي مثلاً... ما الذي يخطر في بالك؟ والله لا يؤمن، ثم يكون الجواب: "من لا يأمن جاره بوائقه"، أمر عجيب. طيب "لا يؤمن أحدكم حتى"... ما الذي بعد "حتى"؟ ما الذي تنتظره بعد "حتى"؟ "يحب لأخيه ما يحب لنفسه". فهذه نصوص تدل على أن القضية ليست سهلة.

طيب، بعكس ذلك، الولاء للكفار والمسارعة فيهم ونصرة الكفار على باطلهم تجد أنه أيضاً يرتبط بنزع اسم الإيمان أو بتعليق الفعل أو الترك على الإيمان، يعني: "إن كنتم مؤمنين"، التعليق فلا تفعلوا كذا ولا تفعلوا كذا. من يأتي بالدليل على ذلك فيما يتعلق بالولاء؟ أنا الآن التعليق "إن كنتم"... شرط. لا، هذيك: "إن استحبوا الكفر على الإيمان"، لا، "إن كنتم مؤمنين"، معنى "إن كنتم مؤمنين"... طيب، أنا ما أقول اللفظ، المعنى، يعني معلق عليه. أحسنت، لكن خلينا في اللفظ الشرطي أولاً، في سورة المائدة: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ. إذاً هذا تعليق في قضية الإيمان على عدم الولاء للكفار. وأيضاً تأتي الآية في سورة المجادلة: لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

طيب، الآن من هذا المجموع، دعونا ننقض بدعة مخيفة وخطيرة نشأت في هذا العصر من بعض من يزعم إيش؟ الغيرة على السنة والغيرة على العقيدة والغيرة كذا. أرأيتم كل هذا الباب الذي علق بالإيمان: لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ، هذا الباب بما فيه جاء بعض الناس اليوم يقول لك: هذا باب سياسي، ما له دخل بالعقيدة! يعني إذا جاء حتى يرد مثلاً يقول: أنتم فقط تغارون على القضايا السياسية، تتحركون لأجل القضايا السياسية، أما القضايا العقدية فما تتحركون لها، على أساس أنه الذي ذكر هذه النصوص، يعني على أساس كان هذه النصوص ليست في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب من الذي ربط هذه القضايا باسم الإيمان أو بواجبات الإيمان؟ ما الذي ربطها بذلك؟ الله سبحانه وتعالى. وبالتالي حين نربطها بأساس الإيمان أو باسم الإيمان أو بواجبات الإيمان، وحين ينفى الإيمان عمن وقع فيها أو ارتكب شيئاً من محظوراتها -كما قلنا بغض النظر عن درجة هذا النفي- فإن هذا يدل على أنه من صميم العقيدة، كما أنه يدل على أن هذا مستمد من مرجعية الوحي، وليست قضايا -كما يصنفها البعض اليوم- قضايا سياسية أو كذا.

لذلك البعض اليوم الآن يقول لك: أي، هذا ضال سياسياً ولكنه ليس ضالاً عقدياً، أو أخطأ سياسياً لكنه ما أخطأ عقدياً. إيش معنى ما أخطأ عقدياً بالنسبة له؟ إيش معنى طبعاً أخطأ سياسياً ولا أعداء الله ورسوله، ونصرهم على باطلهم، وعادى المؤمنين؟ هذا كله أخطاء سياسية، لكن الحمد لله ما عنده أخطاء عقدية! إيش معنى ما عنده أخطاء عقدية؟ يعني في باب الأسماء والصفات أو في باب... من الذي اختزل العقيدة في هذه الأبواب؟ من الذي اختزل العقيدة في هذه الأبواب؟ اختزال العقيدة في هذه الأبواب وحدها دون أبواب إيش؟ البراءة من أعداء الله ورسوله، وعدم مظاهرتهم على المسلمين، وعدم المسارعة في باطلهم ونصرتهم في مكرهم وكيدهم، اختزال العقيدة في ذلك دون هذا، هذه بدعة ينكر عليها كما ينكر على أصحابها من كان عنده غيرة على السنة، ويعني مسارعة في إنكار البدعة أو رغبة في إنكار البدعة. فهذا من البدع، من جملة البدع التي تنكر، فهذه مصيبة، هذه هذا التصنيف لهذه القضايا من قضايا الأمة بهذه الطريقة مصيبة من المصائب. ولذلك الاستدلال هنا فيه لفتة لطيفة: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ، ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ، فهذا الاستدلال ذكرنا بهذه القضية.

طيب، الآية الثالثة التي ذكرها الإمام النووي رحمه الله تعالى، قال: وقال تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ، هذا توجيه من الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في سورة الشعراء، بعد قوله ماذا؟ الآية التي قبلها: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ... هذه في سورة الحجر، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ في سورة الشعراء، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وفي سورة الحجر هو استدل -عفواً- بسورة الحجر: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذاً هما موضعان، موضع في سورة الحجر وموضع في سورة الشعراء، توجيه من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخفض جناحه للمؤمنين. وخفض الجناح للمؤمنين يعني لين الجانب، حسن الكلام، تحمل، الصبر عليهم، العفو، التواضع، الحلم، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهذا من جملة الآيات القرآنية المكية التي نزلت في الرحمة بالمؤمنين المستضعفين الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم.

وهي جملة من الآيات، ترى فيها يعني معنى الرحمة الإلهية بأولئك الصحابة المستضعفين الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن جملة هذه الآيات قوله سبحانه وتعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، ومن جملتها قوله سبحانه وتعالى: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، إلى غير ذلك من الآيات التي نزلت في تلك المرحلة وفيها الرحمة بأولئك المؤمنين الصابرين المستضعفين اتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم. حتى هنا في إبراز لفظ الاتباع: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. الاستدلال بهذه الآية على الباب واضح، أليس كذلك؟ والشفقة عليهم ورحمتهم. يعني لو أكملها كذلك بآية: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ لكان كمل الاستدلال.

طيب، ثم قال بعد ذلك: وقال تعالى: أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. هذه الآية راجعة إلى الجملة الأولى: تعظيم حرمات المسلمين، وهذه الآية اختلف العلماء هل هي في الجزاء الأخروي أم في القصاص الدنيوي أم في أي أي باب؟ ومنهم من قال إنه يعني هي للزجر والوعيد، مرتبط بمعنى أنه هذا يعني أقصى ما يعمله الإنسان من الشر، سواء قتل نفساً أو قتل الناس جميعاً، فهما سيان فيما ينبغي أن يعني يعظم ويزجر عنه، وأن العقوبة التي ذكرها الله في من قتل نفساً مؤمنة متعمداً لا مزيد عليها، فلو قتل أكثر من ذلك، فاللفظ الذي ذكره الله سبحانه وتعالى ليس معنى ذلك أنه لا مزيد عليها في الدرجة في العذاب، لكن لما ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة النساء إيش: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا...

فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما، فإنه يعني أنه ذكر الله سبحانه وتعالى أي يعني أعلى أنواع العقوبات، فكأنما قتل الناس جميعا. ومنهم من قال غير ذلك، لكن هي في تعظيم دم المسلم وفي تعظيم حق المسلم، وما عظم ذلك إلا لعظم هذا الباب أو هذا المجال أو هذا الموضوع.

نعم، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، كذلك فيها تعظيم هذا الباب، لكن من الجهة الأخرى أنه من أحيا هذه النفس فكأنما أحيا الناس جميعا. طبعا الإحياء كيف؟ بعضهم قال إذا كان مستوجبا للقتل فيعفو عنه، مثل أنه يعني يكون عليه القصاص فيعفو عنه فكأنما أحياه، وبعضهم قال الاستنقاذ من الهلكة؛ مثلا إنسان على وشك الموت فيستنقذ. وبالتالي هذا الباب يشمل، يعني قد يشمل ولو من جهة الدلالة الواسعة؛ يعني مثلا إنسان مريض على وشك الموت فينقذه طبيب مثلا محتسبا، مثل هذا مثلا إنسان غريق ينقذه منقذ معين أيا كان، يعني مثل هذه المعاني. طيب، إذا هذه الآيات التي ابتدأ بها الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الباب، ثم بعد ذلك ننتقل إلى الأحاديث.

ابتداء من هذا الدرس إن شاء الله سنقف عند واحد من الصحابة الذين يعني نأخذ أحاديثهم، إن شاء الله كل درس نأخذ صحابيا، لكن الأصل واحد، يعني لو ذكرنا عددا من الصحابة في الأصل نأخذ واحدا، فبدأ بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، قال: وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. متفق عليه. وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني هذا حديث آخر أيضا في حقوق المؤمنين نأخذه بعد قليل، هذا حديث أبي موسى الأشعري، وأبو موسى هو الذي سنقف عنده إن شاء الله وقفة سريعة.

أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، أحد خيار أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو عبد الله بن قيس الأشعري من اليمن. وكان ممن هاجر إلى الحبشة، ليس طبعا في زمن هجرة المسلمين من مكة وإنما بعد ذلك، ثم أتى مع مهاجري الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر السنة السابعة للهجرة. ومع كونه أتى في السنة السابعة متأخرا، إلا أنه يذكر بأبي هريرة رضي الله عنه كذلك أنهما أدركا خيرا كثيرا مع كونهما أتيا في زمن متأخر، وهذا بحد ذاته فيه من الدروس والعبر ما فيه، أنه الإنسان قد يصل متأخرا، يعني مثلا تخيلوا يا جماعة واحد يجي بعد ما انتهت معركة بدر، أول شيء انتهت الهجرة، بعدين انتهت معركة بدر وانتهت معركة أحد وانتهت معركة الأحزاب، ممكن واحد يقول إيش الحق صح؟ يعني ما الذي سأدركه؟ يعني تخيل واحد عايش بزمن النبي صلى الله عليه وسلم وأتى بعد هذه الأشياء يقول ما الذي سأدركه؟ يعني فاتني كل شيء، انتهى كل شيء، لكن لا، يدرك ويكون له شأن ويكون له مكانة ويكون له قدره وهكذا. لكن الذي أسلم بعد الفتح لا يستوي مع من أنفق من قبل الفتح وقاتل، هذه تفريق واضح من الله سبحانه وتعالى بشكل مباشر، ومع ذلك أدركوا خيرا كثيرا، لكن ليس مثل من أسلم قبل الفتح أو أنفق قبل الفتح وقاتل بطبيعة الحال، لكن إبراز الإنفاق والقتال يعني يدلان على أهم الأعمال التي عملها المؤمنون، أو من أهم ما عمله المؤمنون في كل الأوقات، سواء قبل الفتح أو بعد الفتح، وخاصة قبل الفتح. طيب.

فأبو موسى الأشعري رضي الله عنه طبعا أسلم قبل الفتح، ولكنه ليس ممن جاء مبكرا، وهذا بسبب أنه لم يكن لا في المدينة ولا في مكة، ولم يكن قريبا، فالأصل أن الأسبقية ظفر بها أهل مكة ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقليل من غير أهل مكة، وهذا من قسمة الله لمن شاء من عباده، ثم هناك أسبقية لمن كان من المدينة وهم بنص القرآن من السابقين كما قال الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ. إذا حتى الأنصار فيهم سابقون، والأنصار يعني لم يتفاوت زمن إسلامهم طويلا؛ بمعنى أنه ما تجد مثلا أنصاريا واحدا أسلم بالسنة الأولى وواحد أسلم في الثانية، وواحد في الثالثة، وواحد في الخامسة، وواحد في السابعة، وواحد في التاسعة، يعني خلاص عامة الأنصار دخلوا من البداية، إلا أن منهم من سبق فيما قبل البداية؛ يعني إحنا نعتبر البداية، خلينا نقول متى؟ بعد بيعة العقبة الثانية، أليس كذلك؟ هذه نعتبرها البداية التي بعدها جاءت الهجرة، من أسلم قبل بيعة العقبة الثانية فهذا له أسبقية خاصة، وخاصة من أسلم قبل بيعة العقبة الأولى، ثم هناك من أسلم فيما بينهما، ثم حول بيعة العقبة الأولى، ثم فيما بين البيعتين، ثم بعد ذلك. والعجيب أن من هؤلاء، بل أكثر هؤلاء مجهولون، أو خلينا نقول ليسوا مجهولين في ذواتهم ولا مجهولين في أسمائهم، هم معروفون وكل شيء، لكن يجهلهم كثير من الناس، يجهل أحوالهم كثير من الناس، وأنا أرى أن هؤلاء يجب أن يعتنى بأحوالهم. السابقون، أول ستة أسلموا من الأنصار وبعدين اثنا عشر وبعدين كذا، هؤلاء لهم شأن خاص، ينبغي أن تعرف أحوالهم، خاصة وأن منهم من قتل شهيدا في وقت مبكر، منهم من استشهد يوم أحد، تخيلوا من البداية ثم ذهب شهيدا، ومنهم من استشهد في اليمامة، وهكذا أحوالهم عجيبة سبحان الله وعظيمة ويجهلهم كما قلت يجهل أحوالهم كثير من الناس.

نرجع لأبي موسى رضي الله تعالى عنه، أبو موسى رضي الله تعالى عنه كما قلت من خيار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أتى مهاجرا إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، حصلت له مواقف متعددة مع النبي صلى الله عليه وسلم، منها أنه كان يسير مع المصطفى صلى الله عليه وسلم وكان هناك من يذكر الله بصوت عال، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا وهو معكم، ثم قال: يا عبد الله بن قيس أو يا أبا موسى، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا في الصحيح.

ومن المواقف كذلك أن أبا موسى كان حسن الصوت بكتاب الله بقراءة القرآن، فكان يقرأ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الاستماع إليه، فاستمع إليه ليلة وأبو موسى لم يشعر بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك قيل له إن النبي صلى الله عليه وسلم استمع إلى تلاوتك، فقال: لو كنت أعلم يا رسول الله لحبرته لك تحبيرا. وجاء هذا عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أنهن استمعن إليه وأنه قال نفس الكلام، قال: لو كنت أعلم أنكن تستمعن لحبرته لك تحبيرا وشوقتكن تشويقا. ولذلك جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول لأبي موسى: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، وفي رواية: شوقنا إلى ربنا، وكان ذلك بالتلاوة، فتلا فقال الرجل: الصلاة كأنها حضرت، فقال: أولسنا في صلاة؟ فعمر رضي الله تعالى عنه، فأبو موسى كان حسن الصوت بالقرآن، وكان عمر يقول له: ذكرنا ربنا بتلاوة القرآن. وهذا من الأمور التي ينبغي أن تحيا، يعني تلاوة القرآن في المجالس فيها تذكير، واختيار حسن الصوت أيضا هذا له أصل وهو هذا. فهذا أبو موسى رضي الله تعالى عنه كان رقيقا وحسن الصوت جميل الصوت، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن أبي موسى: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داوود. رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

ومن مواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعد حنين أو أثنائها، حصل أن عم أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه كان قائدا من الصحابة، كان قائدا على سرية أو على فرع من الجيش، يعني ذهب في القتال ثم أصيب في ركبته إصابة مميتة، كان إذا نزع السهم ينفجر الجرح. الشاهد أن طبعا لما رأى أبو موسى كان مع عمه في السرية في فرع الجيش، يعني النبي صلى الله عليه وسلم موجود في أساس الجيش لكن هذا جيش تفرع عن الجيش، فلما رأى الذي رماه قبل أن يذهب ينزع السهم من عمه أخذ يطارد الرامي فهرب ويطرده، فيقول له: توقف، ألست عربيا؟ يقول له: ألست عربيا؟ يعني كيف أنت عربي وتنهزم؟ فتوقف الرجل، يعني أخذته النخوة (ضحك) أخذته النخوة فقتله أبو موسى رضي الله تعالى عنه، ثم رجع فعالج، يعني حاول أن يعالج عمه فعرف أنها الموت، فأوصى أبو عامر الأشعري رضي الله تعالى عنه وهو عم أبي موسى، أبا موسى أن يعني يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وكذا، لعله أوصاه بالدعاء أو شيء. فذهب أبو موسى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة أو توضأ واستقبل القبلة ثم رفع يديه، قال أبو موسى: حتى رأيت بياض إبطيه من شدة ما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه داعيا لأبي عامر الأشعري، فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك أو من الناس. فلما رأى ذلك أبو موسى الأشعري قال: يا رسول الله وادع لي، قال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما. والقصة في الصحيح في صحيح مسلم أو في البخاري، أظنها في مسلم حسب ما أذكر. فهذه من مواقف أبي موسى الأشعري مع النبي صلى الله عليه وسلم، فهو شارك في الجهاد والقتال فيما أدرك، وكان له شأن وكان له قرب وكان له مكانة، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء.

ثم بعد ذلك وهذا حقيقة مما يجهله الكثير، أبو موسى الأشعري كان له دور أساسي في الفتوحات في زمن الصحابة، يعني كان قائدا عسكريا أيضا قاد الجيوش، وهذا ما يجهله الكثير كما قلت عن أبي موسى في هناك فتوح من الفتوحات التي حصلت في زمن الخلفاء الراشدين كانت بقيادة أبي موسى من جهة العراق وشرق، وكذلك بعض الصحابة ممن يجهل تجهل فتوحهم، وذكرت هذا في سلسلة "خير القرون"، منهم حذيفة بن اليمان، يعني تعرف حذيفة بن اليمان أحيانا يذكر له موقف موقفان وتنسى مواقفه الأخرى، فحذيفة كان قائدا أيضا، وتتذكروا وقفنا عند جملة كانت جميلة في ما أدري هو في البلاذري ولا في خليفة بن خياط، لما قال: وهنا انتهت فتوح حذيفة، صار في كذا عنوان اسمه فتوح حذيفة. كذلك أبو موسى له قيادة عسكرية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى له قيادة سياسية، بمعنى أنه كان واليا، ولاه بعض الخلفاء الراشدين على البلاد، فهو والٍ سياسي وأيضا قائد عسكري، وهو من العلماء، وذكره الذهبي في طبقات القراء قراء القرآن، وهو ممن أكثر الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان صاحب رأي حتى إنه ذكر في سيرته قالوا: ما كنا نشبه أبا موسى إلا بالجزار الذي لا يخطئ المفصل. كيف الجزار لما يضرب المفصل وهو يقطع يجيبها عن المفصل بالضبط يفصل، أنه شبه رأيه بالجزار الذي يضرب المفصل؟ تشبيهات العرب جميلة (ضحك) يعني هذا الذي لا يخطئ المفصل، لأنه تخيل أنت الآن عندك ذبيحة وتبغى تقطعها وتجزئها إذا ما أنت جزار ومحترف زي معاذ إيش لو تكلمت الشه تقول يا عمي فكني ريحني (ضحك) يتقطع كل شيء، ولا لكن الجزار لا يخطئ المفصل ضربة واحدة يجيب لك إياها من المفصل. قالوا: فما كنا نشبه رأي أبي موسى إلا كالجزار الذي لا يخطئ المفصل. فكان صاحب رأي، ولذلك اختاره علي رضي الله تعالى عنه في قضية التحكيم لما صارت في صفين حكمين، قضية الحكم اللي هو أبو موسى والحكم الآخر عمرو بن العاص رضي الله عنهما، والرواية المذكورة في كتب الإخباريين في طبيعة التحكيم الذي حصل، أنه يعني أبو موسى قال علي رضي الله تعالى عنه وأنه تخلع عليا وهذا يخلع معاوية، بعدين أبو موسى خلع معاوية خلع رضي الله تعالى عنه، وعمرو قال: لا أنا ما أخلع معاوية. فهذه القصة في ثبوتها إشكال من حيث الإسناد أصلا، وطعن في صحتها عدد من الباحثين، لذلك أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه كان صاحب رأي وصاحب وجاهة.

فهذا شيء من سيرة أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وهي كما ترون سيرة عطرة وعظيمة وعجيبة ومليئة بالخير، فهو من القدوات العظيمة بالنسبة للمسلمين، وكما قلت ربما كثير يجهل الجانب العسكري والسياسي عند أبي موسى رضي الله تعالى عنه بينما يعلم أنه صوته جميل بالقرآن وأنه كذا، لا، جمع هذه الخصال والخلال كلها. هذا بالنسبة للصحابي رضي الله تعالى عنه.

أما بالنسبة للحديث فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. هذا الحديث أصل في التآزر بين المؤمنين، وفي التعاون فيما بينهم، وفي التكاتف فيما بينهم.

وهذا الحديث فيه إبراز لاسم الإيمان، وأن العلاقة التآزرية بين من له اسم الإيمان هي علاقة خاصة وكبيرة وعظيمة، وفيها هذا التآزر وهذا التكاتف وهذا التعاون.

وهذا التشبيه بالبنيان الذي يشد بعضه بعضاً، يشد بعضه بعضاً فيها قدر من الإشارة إلى أنه ترى ليس للمؤمن إلا المؤمن، ليس للمؤمن إلا المؤمن بإذن الله وعونه. يعني ترى البنيان يشد بعضه بعضاً، المؤمن يشد بعضه؛ هناك بناء إيماني، هذا البناء الإيماني أفراده هم الذين يشد بعضهم بعضاً. كما أن الجدار إذا رصت أحجاره بطريقة معينة فإنها تؤدي إلى تماسك الجدار هذا المبني؛ فهذه الحجرة تسند هذه الحجرة، والثالثة والرابعة، والتي فوق الأسفل واليمين، وبمجموع الجدار يصبح متماسكاً. فكذلك المؤمنون هم فيما بينهم من داخلهم، من داخلهم بناء المؤمنين فيما بينهم هو يتآزر، يتصاف، يتراص فيشد بعضه بعضاً.

ولذلك إذا لم يحدث هذا بأن وجد المؤمنون متفرقين مبتعدين عن بعضهم، لا يشد بعضهم بعضاً، ولا يتآزرون ولا يتناصرون، ولا يتعاونون، بل يتدابرون ويتحاسدون ويتقاطعون وإلى آخره؛ فلا شك أن هذا مما يخل بوصف الإيمان بالنسبة إليهم.

ثم قال: وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء. متفق عليه.

هذا الحديث قدمه هنا مع أنه فيه تفصيل جزئي، لأنه من رواية أبي موسى رضي الله عنه؛ لأن النووي رحمه الله يعتني بهذا، فيقول لك عن أبي موسى، بعدين وعنه وعنه، أحياناً مثلاً لما يأتي عدة أحاديث فيقول لك وعنه وعنه. طبعاً هذا ليس بالضرورة أنه هو شيء دائم بالنسبة له رحمه الله، لكن مثلاً الحديث الذي بعده هو أقرب إلى ماذا؟ الحديث الذي بعده أقرب لحديث أبي موسى من الذي بعده؛ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، هناك تشبيه بالبنيان، وهنا تشبيه بالجسد، لكن هنا الحديث الثاني يبدو أنه أتى به هنا لأجل أنه من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه.

وهذا الحديث فيه أن من مر في شيء من الأماكن التي يجتمع فيها الناس ويزدحمون مثل المساجد والأسواق، ومعه نبل، والنبل فيه حديدة قد تؤذي، فليمسك أو ليقبض على نصالها، اللي هو الموضع الحاد هذا والحديد، بكفه؛ أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء. وهذا الحديث يؤخذ منه خطورة الإضرار بالمسلمين ولو عن غير عمد؛ لأن الذي يمر بهذه الهيئة فيصاب أحد من المسلمين بسببه هو أصيب بغير عمد؛ أليس كذلك؟ لأنه مثلاً يكون شايل الرمح ولا أسهم ولا شيء، واضعها مثلاً معلقها ولا كذا، فقد يكون مع الزحام يمر؛ فهنا النبي صلى الله عليه وسلم ينبه على هذه القضية الجزئية المعينة، أنه هذه الهيئة في المرور من المسجد أو من السوق يجب أن تمسك أو تقبض على النصل حتى لا يصاب أحد من المسلمين بضرر.

هنا يقال: فكيف بمن تعمد الإضرار بالمسلمين؟ وكيف بمن تعمد التضييق عليهم؟ وكيف بمن تعمد إلى آخره؟ وهنا ينبغي أن يعلم أن الإضرار بالمسلمين ليس أمراً عادياً، بل هو مغلظ التحريم.

ثم بعد ذلك قال: وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. متفقون عليه.

قبل ندخل في الحديث وتلاحظون أنه أغلب الأحاديث التي تمر علينا في رياض الصالحين متفق عليه، رواه البخاري، رواه مسلم، كذلك في المنهاج متفق عليه، رواه البخاري، رواه مسلم. البخاري ومسلم فيهما علم كبير وعظيم، وفيهما كنوز كثيرة يجهلها كثير من الناس، ولو أن هذين الكتابين أعطي حقهما في الاستنباط والتتبع والاستهداء والفهم؛ لوجد المسلم وطالب العلم فيهما خيراً كثيراً كبيراً، ولكن كم يفوت الناس من الخير بسبب الانشغال عنهما بغيرهما. مثل ما ذكرت في بصر المصلح لا ينبغي لطالب علم أن ينشغل بغيرهما عنهما، وإن كان لا بأس أن ينشغل معهما بغيرهما. أنا ذكرت هذا في ثغور الإصلاح أنه في بعض الثغور الكبرى لا ينبغي لمصلح في هذا الزمن أن ينشغل عن الثغور الكبرى بالثغور الصغرى، لكن لا بأس أن ينشغل مع الثغور الكبرى بغيرهما. أنا برأيي هذا الكلام يقال في الصحيحين بالنسبة لطلاب العلم، لا ينبغي لطالب علم أن ينشغل بغير القرآن والصحيحين عنهما، وإن كان لا بأس أن ينشغل بغيرهما معهما أو بغيرهما معها. أما الكلام عن القرآن فيعني في مواضع أخرى تكلمنا عنه كثيراً في سلاسل مختلفة، الآن إشارة إلى الصحيحين، فيهما علم كبير كثير عظيم، ولا ينبغي الانشغال كما أسلفت عنهما بغيرهما.

طيب، مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، أولاً ضرب الأمثال؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتني بالبيان ويعتني بضرب الأمثال، وضرب الأمثال صورة من صور البيان، وينبغي على من يتبع منهاج النبوة أن يحرص على البيان وتعلم أساليبه، وأن يحرص على إيصال الكلام بأفضل الطرق، وأن يحرص على إيصال الرسالة بأحسن وسيلة وأفضل وسيلة؛ فإن الاتباع ليس في القضايا الإيمانية والعقدية المعينة التي يعتقد بها فقط، والاتباع ليس في الهيئات التعبدية في الصلاة وغيرها فقط، وإنما الاتباع يشمل كذلك القضايا المرتبطة بتبليغ الدين والرسالة والجهاد ونصرة الدين وما إلى ذلك.

وتبليغ الدين أو الإصلاح له مجالان كبيران: المجال الدعوي، والمجال التمكيني. فالمجال الدعوي بابه الأساسي هو البيان والحجة، أليس كذلك؟ ومر معنا هذا كثيراً، لعله في أي سلسلة يا منهاج النبوة وأيضاً في مدارسات سورة الأنعام، يعني أكثر سلسلة أنا أتذكر أني أكدت فيها على هذا المعنى تحديداً معنى البيان وأهميته هي سلسلة مدارسات سورة الأنعام، ومدرسة سورة الأنعام، أظن أنه لا يكاد يخلو درس مما قدم إلى الآن -أظن 15 درساً- لا يخلو منها درس من التأكيد على هذا المعنى، وخاصة الدروس الأخيرة.

البيان هذا أساس في الدين، البيان بالنسبة للمصلح، البيان بالنسبة لمبلغ الرسالة، والقرآن في جملته هو بيان، وهو مليء بالأساليب الحجاجية والبرهانية التي توصل هذا الحق إلى الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم سار على هذا الطريق، يبين للناس ويستعمل أنواع الوسائل وأنواع الطرق، منها التكرار؛ وهذا له أحاديث، ومنها إذا أراد أن يقول شيئاً معيناً له تعظيم خاص أحياناً يغير هيئته حتى تصل القضية، وكان متكئاً فجلس وقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليت سكت. وكذلك أساليب كثيرة، ومن أبرزها ما حصل في قصة جبريل، إذ طلع على الصحابة وهو بهيئة عجيبة لا يعرفه منا أحد ولا يرى عليه أثر السفر، والقصة الطويلة، وبعد أن انتهت قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم.

ومنها ضرب الأمثال كما في هذا الحديث الذي معنا، مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد. أنت الآن هذا ما يمكن تنساه الحديث، حتى لو نسيت لفظاً من ألفاظه لكن ما تنسى الصورة، أنه النبي صلى الله عليه وسلم شبه المؤمنين في التواد والتراحم والتعاطف كالجسد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. عجيب، خلاص هذا المثال ما ينسى.

وأنت تتذكر إذا أصبت بشيء في جسمك عافانا الله وإياكم؛ أحياناً يكون صغيراً، أحياناً مثلاً شيء في الظفر، طرف في الأظفار ولا يلتهب ولا يصير فيه شيء، الأضراس وغير ذلك، يعني ضرس كله على بعضه هو قطعة قد كذا يعني، ولا ظفر ولا وصلة في طب، أنت ودك لما تيجي تنام إيش تقول؟ يعني تتفق مع هذا العضو الصغير تقول له خلاص إحنا الآن نبغى ننام فإنت يعني خليك كذا على جنب والباقي الجسم يبغى ينام، ما يصير؛ يتداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، هكذا يقول المصطفى. فما يصير تقول والله في ناس بعيدين في الأمة مثلاً في بورما، الروهينجا، ولا في تركستان هناك الشرقية، ولا يعني طرف بعيد، ما في طرف بعيد ولا طرف قريب، يتداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وهكذا.

الشاهد، قبل أن ندخل في المثال بالتفصيل، نرجع إلى قضية البيان؛ هذا أسلوب بياني، يعني أنت تريد أن تسير على طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم في حمل رسالة الدين وتبليغها، فلا بد أن تعتني بالبيان. والعناية بالبيان في القسمين، في الابتداء بالتبليغ وفي الرد على الشبهات والإشكالات، وكل واحد من المجالين له بابه وله طرقه، وكلاهما مما يتبع فيه النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أنت تحتسب، يعني تبع السنة في اختيار أفضل الوسائل البيانية لإيصال الرسالة، سواء كانت كتابة أو خطبة أو أياً كان، فلا تستثقل الوقت ولا تستطيل الوقت ولا تستثقل الجهد الذي تبذله في البيان. ومثله البيان في الردود على الشبهات والإشكالات، ولو لم يكن هذا مهماً لما رد الله بنفسه على الشبهات التي أثارها المشركون، ليس في آية ولا آيتين ولا 20 ولا 40، بل أكثر من ذلك، والله تعالى أعلم، سورة الأنعام وحدها فيها 44 مرة قل، وعامتها في خطاب المشركين في رد شبهاتهم أو جزء منها في رد شبهاتهم وإشكالاتهم. وفي سورة الفرقان أيضاً شيء من ذلك، وفيها وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا، وفي سورة الفرقان من الردود المباشرة إيش: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا إلى غير ذلك، فالبيان مطلوب، والحرص عليه هو اتباع لما ذكره الله في القرآن، واتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، هذا مأخوذ من ضرب المثل، أن ضرب المثل أسلوب من أساليب البيان هذا، وأن الاتباع البياني على قسمين؛ اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في البيان على قسمين: الأول اتباع المجمل في أساس القضية، يعني في أساس الحرص على البيان. أساليب البيان هل هي توقيفية أم يمكن الابتكار فيها أو الزيادة فيها؟ لا شك أنها واسعة، المجال فيها مفتوح للزيادة والابتكار وما إلى ذلك، خاصة وأن الأزمنة تتغير، وتتغير معها إدراكات الناس أو الأمور التي تؤثر في بياناتهم أو في أفهامهم.

القسم الثاني في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في البيان هو في الاتباع المفصل، حتى في الأسلوب، يعني الاسترشاد بالبيان النبوي لتحقيق مثل هذا البيان؛ أقصد في أساس الأسلوب المعين، بمعنى مثلاً ضرب الأمثال يجب أن يستمر، ضرب الأمثال يجب أن يستمر فهو أسلوب مهم في البيان لا يتغير مع تغير الزمان، والاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم فيه بعينه هو اتباع يؤجر فيه المبين، ويؤجر فيه الداعي إلى الله، لكن تستعمل من الأمثلة ما يناسب الناس.

قبل قليل ذكرنا المثل الذي شبه به، وإن كان هذا في ذكر التصور؛ لما شبهوا صاحب الرأي الذي كلمته تكون لا تخطئ، قالوا مثل الجزار الذي لا يخطئ المفصل، هذا تمثيل، هذا مثال جميل. اليوم يوجد أشياء كثيرة يمكن أن تمثل بها، يعني مثلاً من الأمثلة ممكن تستعمل اليوم، مثال أنه -معليش هو مثال كذا بعيد شوية لكنه فعلاً الناس تفهمه- يعني في صورة منه مفهومة عند الجميع، وفي صورة بعض الصور خاصة، يعني مثلاً من الصورة العامة المشتركة بين الناس جميعاً أنه ماذا لو رأيت إنساناً في شارع ولا في القطار ولا في أي مكان، مثلاً في شق في ثوبه ما انتبه له، ولا الشنطة مفتوحة تبغى يسقط منها أشياء أو أياً كان مما يكون فيه غضاضة على الإنسان في ماله أو في جماله أو في كذا، أليس التنبيه لهذا الشخص والتدخل في خصوصية حقيبته التي هي شنطته أو أغراضه أو لباسه، أليس هذا من المحمود عند الناس؟ هذا يحمد عند الناس، وغالباً سيقول لك، لن يقول لك أنت تتدخل في حرية الشخصية، وإنما أوه ما انتبهت، جزاك الله خير، شكراً لك، بحسب اللغة طبعاً.

طيب، أليس التدخل لسد الخلل على الإنسان في دينه أو في أخلاقه أولى من التدخل فيما فيه عليه نقص في لباسه ولا في حذائه ولا في شنطته؟ هذا مثلاً ضرب مثل هو مستمر على مر الأزمان؛ يعني ليس خاصاً بزمان، لكن يفهمه أهل زماننا أكثر من غيرهم. هذا المثال العام، الخاصة ما راح أقوله؛ فالشاهد أنه ضرب الأمثال مهم، يستمر لكن يختار له من الأمثلة المناسبة لكل زمان، وإن كانت المعاني العقلية بين البشر على مر الأزمنة متقاربة أو مشتركة، لكن الصور المعينة تختلف.

إذاً هذا كله في قضية البيان، مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم إلى آخر الحديث، هذا بيان، هذا نوع من البيان، فالحرص عليه، طيب الحرص عليه كيف؟ هنا نجي كيفية اكتساب البيان؛ وكيفية اكتساب البيان يحتاج إلى ممارسة وتجربة وخبرة، وبطبيعة الحال قد يكون في بداية طريق الإنسان يتكلف البيان ربما، ويحاول أنه يصطنع شيئاً، ويظن أنه هو صاحب بيان وهو يختار لك كم كلمة من ما أدري وين جايبها، واحدة من الرافعي وواحدة من الطنطاوي وواحدة من...

الجاحظ وواحدة من عارف وبيت من امرئ القيس، وبيت من الشعر الحداثي، مادري الشعر الحديث، مادري، ها، ويظن أنه هو إيش يعني صاحب بيان، يعني بعدين يكتشف أنه البيان ليس في هذا التركيب المتكلف، وإنما البيان هو إيصال الرسالة بأفضل ما يفهمها المتلقي، وأن البيان ليس في تكلف الطرق الصعبة، وليس في تكلف المحسنات.

والمحسنات يا جماعة تخيلوا واحد هذا من الأمثلة يعني يبغى يضيفك، ها، فيحط لك الصحون فيها أجمل البهارات والكاتشب والأشياء المكملات هذه اللي هي توضع على يجيب لك أفضل الأنواع ويقول لك هذا جاي من دولة كذا وهذا أفضل، يقدم لك صحون كلها بهارات وملح وما هي هذه محسنات تأتي فوق فوق الطعام، بس في لازم طعام يعني هو الطعام هو الأساس، بعدين هذه تأتي تكمل، فالبيان ليس هو هذا البهارات، عارف البهارات اللي هو بعض التراكيب وبعض الألفاظ المدري كذا وبعض الأبيات، فواحد واحد أحيانا يركبها ويظن أنه هو كاتب يعني مقال مؤثر في البيان، هو ما هو مؤثر في البيان، هو متكلف ومصطنع وكله مكملات وليس أساس، الأساس في الفكرة نفسها، في ماذا تريد أن تقول، في نفس الطعام، في نفس الموضوع، هذا هو الذي ينبغي أن تعتني به، عندك فكرة، عندك قضية معينة، ثم بعد ذلك دائما يا جماعة فكر، أنا أكلم من؟ أنا أكلم من؟ أحيانا بعض يكتب بأسلوب كأنه شيخ الإسلام لما أرسل رسالة إلى أهل واسط إلى قاضي واسط تمام، لا أنت شيخ الإسلام ولا المستمع قاضي واسط، هو المستمع مجموعة مغردين مثلا جالسين يقرؤوا لك كم تغريدة، هو حسابك كله فيه ١٤٣ واحد فاهم، فيعني اهدأ على نفسك قليلاً، يعني لازم تعرف أنت تخاطب من، دائما ضع نفسك في مكان المستمع، هذا المستمع كيف يفهم وماذا ينظر لي، أنت هو ينظر لك أنك أنت من أو إيش اعتبارك، ها، فمثلاً تقول تبين لي من خلال التجربة، هو مين أنت أصلاً؟ هو ما ينتظر تجربتك، هو ما يعرفك أصلاً، فهمت، فبعد أن تأملت كثيراً، هو لا تقول تأملت كثيراً، أنت الآن حاول أن تبرز الفكرة كقضية وتبرهن عليها، يكون عندك القيمة الآن ليست في اسمك واضح، يعني إنسان في مراحل، في مراحل أخرى بالعكس ينتظر الناس من شخص معين ما الذي يقول بغض النظر ما الذي يقول، وطبعاً حتى هذا خطأ، يعني هو ليس صحيحاً أنه خلاص ما الذي يقول مطلقاً لا، لكن أكيد أن هذا له نسبة من الاعتبار، فالشاهد أنه البيان متى تقول ولمن تقول وما الذي تريد أن تقوله وما الذي تريد أن توصله.

وبعدين تأتي إلى الأشياء المعينة البسيطة، مثلاً واحد يريد مثلاً أنت تريد أن تتكلم عن الزمان اليوم، وعن مشكلة معينة في هذا الزمن، جيد، وعن حل لهذه المشكلة، لازم تفكر بما تبدأ، هذه شوفوا يا جماعة بما تبدأ يمكن فيها نصف البيان؛ لأنه أحيانا أنت برأسك إبراز صعوبة الزمن الذي من تمثلاته هذه المشكلة، وأحيانا إيش العكس، تريد أن توصل أنه هذه مشكلة عظمى مع هذا الزمن الذي فيه مشاكل أخرى، هنا يؤثر لماذا تبدأ، فتُبرز قضية الزمن أم تُبرز قضية المشكلة، يؤثر إيش اللي تبدأ فيه، دائما فكر هكذا، دائما فكر ما الذي تريد إيصاله ثم تأمل من بداية الكتابة التي تكتبها، هل توصل إلى هذا المعنى أو العكس، أحيانا الذي يصل العكس، وهكذا يعني الكلام كثير في هذه القضية، في أساليب البيان كثير يعني كلام كثير جداً، ولكن إنسان مع الدربة كذلك بإذن الله، لكن دائما تفكر أو تذكر أنك لست مطالباً بالتكلف، وأن البيان ليس في اصطناع الأساليب، وإنما البيان في أن توصل ما تريد أن توصله من الحق بأفضل طريقة يفهمها المستمع والمتلقي بحسب فئته، عندك محاضرة لطلاب دراسات عليا غير خطبة جمعة يحضرها عامة الناس، وهكذا كل فئة لها خطابها المناسب لها، وسبحان الذي أنزل القرآن، ها، فجعله إيش لكل الناس، أخص الخاص من الناس يقرأ القرآن فيستفيد منه علماً وإيماناً ويتأثر فيه ويهتز كيانه له، والعامي من الناس يقرأ القرآن فيجد أنه مفهوم له وأنه كذا، وإن كان يتفاوتون في مدى إدراك حقائق القرآن، طيب، إذا هذا مثل وفي أهمية البيان.

مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، هذه الكلمات الثلاث لا تمر عليك هكذا، كل واحدة منها مقصودة، فقف، تواد وتراحم وتعاطف، وإن كانت كلها إيش؟ متقاربة، أليس كذلك؟ لكن بينهما أو بينها فروقات، فقف عند كل واحدة، أحيانا تمتثل هذا الحديث في كلمة التواد، قد يعني يشمل دائرة لا يشملها التعاطف، تراحم وإن كانت ليست يعني مناقضة لها أو بعيدة عنها لكن التواد فيه معنى أخص من بعض الجهات، جيد هم يتوادون المؤمنين يتوادون فيما بينهم، وهذا التواد أصله قلبي وتعبر عنه إيش بعض الأعمال مثل الهدية مثلاً، أي الكلمة الطيبة، الكلمة الطيبة التي تقصد بها ود أخيك، تطلب بها ود أخيك، هذا يشمل حديث مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي إيش تَوَادِّهِمْ، وهناك إيش تراحم، وهناك تعاطف، وكما قلت قف عند كل كلمة منها، فكل كلمة وانظر ما الذي يدخل في كل واحدة، ما الذي يدخل في التواد، ما الذي يدخل في التراحم صور، وما الذي يدخل في تعاطف، لأنه لأن هناك معنى مباشراً لكل كلمة وهناك إيش ما يدخل تحت هذا المعنى من صور عملية، وبالتالي كل صورة من صور التراحم القيام عليها أو القيام بها أو تطبيقها ترى هو دخول في هذا الحديث، وليس فقط المعنى الكلي للتراحم، ولذلك يعني مثلاً يعني الحديث التالي فيه صورة من صور التراحم، صح إن كان هذا بين الأب والابن لكن اللي هو أن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ، إذا صورة من صور التراحم ها، كما قلت هذه في الآباء والأبناء أن الأب يقبل ابنه، شوف هذه رحمة تراحم بين المؤمنين، صور التراحم كثيرة، مثلاً إزالة ما يكدر خاطر أخيك رحمة به، مثلاً حل إشكال معين عنده، مثلاً إلى آخره إلى آخره، الصور كثيرة جداً وهكذا في قضية إيش التعاطف.

طيب، إذا مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى، تشبيه الأمة التي تتكون من المؤمنين لأنه قال مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ، شبههم بكيان واحد الذي هو إيش الجسد، الأعضاء في الجسد هم أبناء الأمة، هم المؤمنون، وكما قلنا لو أن ظفراً من الجسد حصل له التهاب أو إشكال فلن تستطيع إقناع عقلك بالنوم، ها، حتى يعني يخف الألم عن هذا العضو الصغير، فكذلك ينبغي أن يكون المؤمن، بمعنى أنه لا يقر له قرار، بمعنى الاستقرار التام وجزء من جسد الأمة فيه إيش، فيه ما يشكو منه، ولاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل التداعي لإيش لسائر الجسد، فلم يجعل القضية مرتبطة بماذا؟ بجزء منه.

فلأجل ذلك ونحن نعيش اليوم في حالة يعاني جسد الأمة فيها من أعضاء كثيره منه، بل لا يكاد يسلم عضو من أعضاء الجسد اليوم من ألم، أن يعيش الإنسان اليوم حالة من الاستقرار التام وكأنه لا يوجد شيء، وحال من الهم الخاص التجاري والمعيشي وكذا حتى وإن كان قائماً بالواجبات التكليفية اليومية الأساسية المرتبطة بأداء الصلوات في وقتها وبشروطها إلى آخره، فإن هذا لا يتصور في إنسان مؤمن قد حقق واجبات الإيمان، لا يتصور، لماذا؟ لأنه لا يتصور في جسد أن يشتكي منه عضو ويتألم منه عضو ثم نجد الجسد ينام نومة الجسد الآخر الذي ليس فيه شكوى، هذا لا يكون، وكذلك لا يكون بالنسبة للمؤمنين، نعم الإنسان لا يكلف فوق طاقته، والإنسان ليس مطالباً بالحزن، لكن أنا أتكلم عن قضية الاستقرار التام بعيداً عن مشكلات المسلمين وقضاياهم وأمهم، هذا لا يكون، هذا لا يكون ولا يمكن أن يكون.

ولذلك الاهتمام بقضايا المسلمين أيها الكرام ليس اختياراً فكرياً أو يعني منهجياً يقرره بعض العلماء أو المفكرين أو تقرره بعض الدول أو تقرره بعض الجماعات أو أياً كان، أبداً، التعاطف بين المسلمين والتناصر فيما بينهم والاهتمام بقضاياهم هو مقتضى إيمانك بالله وبرسوله، إن كنت تؤمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى، مثل المؤمنين غير مقيدة بالبلد الواحد، مثل المؤمنين معلقة باسم الإيمان، ليست معلقة بالجغرافيا، ليست متعلقة بالنطاق المحدود المكاني أو الزماني، وإن كان يعني أقصد من ناحية المكاني هو الأظهر، يعني الزماني الإنسان قد يتألم تالماً معنوياً لما مضى من الزمان، لكن هو ليس مطالباً بأكثر من زمانه الذي يستطيع أن يقوم فيه بشيء لأن هذا فيه تكليف، هذا المثال يتضمن تكليفاً، هو ليس خبراً مجرداً، هو يتضمن تكليفاً، والعلماء يسيرون على هذا المعنى أن ينظروا إلى بعض ما فيه خبر فيستخرج منه التكليف، بل قد يقول أن هذا خبر يراد به التكليف، ومن لطيف ما وقفت عليه في غير المشهور يعني قول الخطابي رحمه الله في حديث لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ، قال هذا خبر يراد به الأمر، يعني لا ينبغي أن يُلدغ المؤمن ها من جحر واحد مرتين.

إذا تكوين التعاطف والتواد والتراحم بين المؤمنين وعدم الارتياح حتى يشفى هذا الجسد هو تقرير من المصطفى صلى الله عليه وسلم وليس تقريراً محدثاً له بعض الاعتبارات الخاصة، نكتفي بهذا القدر ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والعفو والعافية، اللهم صلِ على عبدك ورسولك.