الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه المصير. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، نستعين بالله ونهتدي به ونستغفره من ذنوبنا ونتوب إليه، ونتوكل عليه في استفتاح مجلس جديد من مجالس أنوار السنة المحمدية، وهذا هو المجلس الخامس من التعليق على رياض الصالحين، نسأل الله التمام والتوفيق والسداد. كان الباب الذي ابتدأنا به في المجلس السابق هو باب في الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها. وذكر مجموعة من الآيات، وفي المجلس الماضي أخذنا حديثين: حديث دعوني ما تركتكم، وحديث العرباض بن سارية: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، والذي فيه: عليكم بسنتي. اليوم إن شاء الله في هذا المجلس سنكمل الباب بإذن الله بمجموعة يعني غير قليلة من الأحاديث.
وحقيقة هذه الأحاديث التي ذكرها النووي رحمه الله في هذا الباب هي أحاديث متنوعة الموضوعات، كلها يعني كلها مرتبطة بالسنة لكنها متنوعة الموضوعات؛ أحيانا يأتي بحديث عن فضل السنة ومكانتها وأهميتها وبركتها، وأحيانا يأتي بنموذج من نماذج السنن النبوية التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم. والغريب أنه يأتي بهذا الحديث، بحديث في فضل السنة وبركتها، ثم يرجع إلى سنة تفصيلية، ثم يرجع إلى حديث عام، ثم إلى سنة تفصيلية، ثم إلى حديث عام، فقد ينظر الناظر في هذا الباب فلا يجد فيه قدرا من الاتساق والترتيب، ولا بأس، لكن أنا أردت أن أقدم بهذه المقدمة حتى نفهم أن الأحاديث التي ستسمعون الآن، إما أن تكون في فضل السنة ومكانتها وأهميتها، وإما أن تكون في ذكر سنة من السنن، سنة تفصيلية من السنن، يعني حتى من الأمور التي تعتبر من المستحبات أو ما إلى ذلك.
طبعا تنوعت وجوه إثبات أهمية السنة فيما أورده الإمام النووي، الوجوه متنوعة؛ تارة يأتي بحديث يدل على خطورة ترك السنة، وتارة يأتي بحديث يدل على بركة السنة وفضلها، وهكذا سيأتينا إن شاء الله. طيب، قال رحمه الله: الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى. رواه البخاري.
هذا الحديث وإن كان في أساسه وأصله متوجها إلى أساس طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى طاعته في أصول ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه يمكن أن يؤخذ بعموم لفظه ليشمل مجموع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، خاصة فيما كان سبيله الطاعة أو المعصية. يعني الآن: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى، هل يمكن أن نأتي بهذا الحديث لننزله على من ترك سنة من السنن؟ كل أمة يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى. طيب، واحد ترك سنة من السنن، لا يقال في من ترك سنة من السنن أنه عصى، وإنما المعصية أو العصيان يكون فيما بابه الأمر أو النهي. فإذا عصى الإنسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنده أنه أمر به أو نهى عنه، فإنه يخشى الدخول في هذا الحديث؛ يعني من أسباب دخول النار ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الرابع عن أبي مسلم، وقيل: أبي إياس سلمة بن عمرو بن الأكوع رضي الله عنه أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال: كل بيمينك. قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر. فما رفعها إلى فيه. رواه مسلم.
طيب، هذا الحديث أولا من حيث القصة: النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده رجل يأكل بشماله، وتعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل بالشمال، أمره أن يأكل بيمينه، قال: لا أستطيع، وذكر الراوي أن قول هذا الرجل: لا أستطيع، كان من باب الكبر، كأنه استنكف واستكبر عن أن يستجيب لهذا الأمر والتوجيه: كل بيمينك لا أستطيع. طيب سؤال: القضية هل هي مرتبطة، هذه العقوبة، أنه هو لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم له: لا استطعت، دعا عليه فشلت يده، ما عاد استطاع أنه يرفع هذه اليد إلى فيه مرة أخرى؟ سؤال: هل هذا لمجرد الأكل بالشمال وترك الأكل باليمين؟ الجواب بلا شك لا، وإنما هذه العقوبة أتت بسبب الاستعلاء والاستكبار على السنة. طيب لاحظوا، هل هذه السنة هي من أصول السنن ومن أصول الأحكام أم هي من الآداب؟ السنن المتعلقة بالآداب، ومع ذلك التكبر على السنة، ولو كان من باب الآداب، سبب أو قد يكون سببا للعقوبة حتى الدنيوية.
وبناء على ذلك نحن نقول: ترى هناك مساحة واسعة للإنسان في أن يلتزم بما تيسر له من السنن، وأن يترك ما لم يتيسر له من السنن، لكن ليس له مساحة في فكرة الانقياد والاستسلام، وأنه حتى لو ترك من جهة الفعل، فلا يتركها من جهة التعظيم. ومن هنا يعلم خطورة التزهيد في السنة النبوية، أو أنه هذه سنة يعني ليست واجبة، أو أنه هذه من الفروع، أو أنه أي أمر ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خير وبركة، وهو من الدين على سبيل الإلزام، على سبيل الاستحباب، على سبيل الآداب، ينبغي على المسلم أن ينظر إلى السنة النبوية نظر معظم ولا يترفع ولا يتكبر عنها.
لاحظوا إذا كانت هذه العقوبة أتت في من ترفع وتكبر على الأكل باليمين، فما بالكم يا كرام فيما نشاهده اليوم عند بعض المنحرفين الذين ينكرون أمورا من السنة النبوية من أصول السنة النبوية التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة؟ وما بالكم بمن يشكك في السنة من أساسها؟ ما بالكم بمن ينكر السنة من أساسها؟ نحن نقول له: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم دعا على ذلك الرجل بقوله: لا استطعت، لتكبره عن سنة من السنن العملية، فكيف بمن يطعن في أساس سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من منكري السنة والمشككين فيها؟ فهذا من جملة ما يرهب به من في قلبه إيمان ممن وقع في شيء من هذه الإشكالات.
إذا من أهم الفوائد المستفادة من هذا الحديث أننا نقول: هناك فرق بين ترك السنة على مستوى العمل، وبين الاستكبار على قضية السنة وعلى ما ورد فيها ولو كان من باب الآداب، فالأمر بين الفرق بين الأمرين عظيم، ويحذر الإنسان من كل ما فيه تهوين من شأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الخامس عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أن قد عقلنا عنه، ثم خرج يوما فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلا باديا صدره، فقال: عباد الله، لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم.
هذا الحديث العظيم فيه فوائد متعددة. الفائدة الأولى هي أن بعض الأعمال التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن في ترك هذه الأعمال مفاسد كثيرة جدا، والمفاسد هذه قد تكون مفاسد في الدين وقد تكون مفاسد في الدنيا. ستأتينا بعض أحاديث بعد قليل إن شاء الله فيها سنن معينة إذا تركت قد تؤدي إلى مفاسد في الدنيا، ومثل هذا الحديث: هذه سنن إذا تركت ستؤدي إلى مفاسد في الدين. ما هي هذه المفسدة؟ الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتسوية الصفوف، وحذر أن الإخلال بالصفوف قد يؤدي إلى الإخلال في القلوب، وأن الاختلاف في تسوية الصف الواحد قد يؤدي إلى الاختلاف في الآراء وفي القلوب وفي الوجوه.
وهذا الأمر في تسوية الصفوف، يؤخذ منه وعلاقته بقضية: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم، يؤخذ منه أن الشريعة حثت وجاءت بالحث على ما فيه من مظاهر اجتماع الكلمة ولو في الصورة الظاهرة، وأن اجتماع الكلمة واتحاد الصفوف في الصورة الظاهرة سيؤدي إلى البركة في ائتلاف القلوب باطنيا، وأنه بعكس ذلك كلما تفرق الناس في الظاهر، فقد يكون من عقوبة ذلك أو من آثار ذلك الاختلاف القلبي في الباطن فيما بين الناس. واضح الفكرة؟ وهذه الآن عكس فكرة أنه إذا صار في ائتلاف قلبي سيتبع اصطفاف ظاهري، نحن نقول يا جماعة: حتى الاصطفاف الظاهري والاتحاد الظاهري هو مقصود لذاته، مقصود، يعني: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، وأن الله كذلك أمر بتسوية الصفوف في الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص غاية الحرص على تسوية الصفوف في الصلاة حتى كأنما يسوي بها القداح، القداح خشبة السهم، خشبة السهم لابد أنها تبرى أو تنحت بطريقة تكون مستوية تماما، لأنه السهم هو اللي سينطلق بحيث إنه ما يصير في خلل، لاحظوا: كأنما يسوي بها القداح، يعني صفوفنا الرسول صلى الله عليه وسلم يسويها تسوية تامة حتى كأنه يريد أن يبري السهم بها، من كثر ما هي مستوية ومتصلة ومستقيمة، كأنه إنما يريد أن يسوي بها القداح، واضح الفكرة؟ يعني هذا أبلغ من التشبيه بمجرد القداح نفسها لأنه يسوى بها القداح.
ويا جماعة الخير شوفوا السنن، كيف تعرف قيمة السنن النبوية؟ من أهم ما تعرف به قيمة السنة النبوية أن ينظر في مقدار حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تطبيقها وعلى أن يطبقها أصحابه. وإذا تأملنا في مجموع النصوص الواردة في تسوية الصفوف سنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص غاية الحرص على تسوية الصفوف في الصلاة. وقد يقول قائل: هذه ممكن كذا برأيه، يقول هذه قضية ثانوية، المقصود الصلاة الوقوف بين يدي الله والسجود والإخلاص والخشوع، أما تسوية الصف يعني لا، نحن نقول القضية ليست بتقديرات شخصية، القضية أنه الذي هو أعلم الناس بالله اعتنى بهذه القضية عناية خاصة، وبناء على ذلك ينبغي أن يكون على المصلي أن يعتني بهذه التسوية عناية خاصة. هذا الآن من جهة، من جهة أخرى نقول سينتج عن هذه العناية الخاصة بتسوية الصفوف ثمرة عظيمة جدا وهي ائتلاف القلوب، وسينتج عن عكسها الذي هو اختلاف الصفوف في الظاهر ثمرة سيئة جدا وهي اختلاف الوجوه واختلاف القلوب.
طيب، طبعا نحن نقول يا جماعة الخير أنه السنة بركة، السنة ترشدنا إلى أسباب قد نغفل عنها، نحن لو أننا لو أخذنا نتباحث في ورشة عمل نقول: ما الأسباب التي تؤدي إلى الألفة أو تنبذ بها الفرقة؟ لربما لا يطرأ على ذهن البال من اجتهاده الشخصي أنه تسوية صفوف الصلاة لها ارتباط بقضية ائتلاف القلوب، وأنه اختلاف صفوف الصلاة لها ارتباط، واضح يعني قد ما تأتي في الاجتهاد الشخصي هذه. هذه بركة السنة، هذه ميزة السنة، أنه هي السنة ترشد إلى أسباب باطنة وأسباب لا يتنبه لها الإنسان يكون لها تأثير في قضية ائتلاف القلوب واجتماع الكلمة.
الحديث السادس عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل، فلما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأنه قال: إن هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم. متفق عليه.
هذا الحديث أيضا مما فيه إرشاد بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض الجوانب التي قد لا يصل إليها الإنسان باجتهاده. ونحن نقول يا جماعة: ترى بركة السنة لا تنحصر في البركة الدينية، بل تتجاوزها إلى البركة الدنيوية، ومن جملتها أن السنة جاءت بما تحفظ به الأرواح وبما تحفظ به الأبدان وبما تحفظ به الأموال. ومن جملة ذلك ما جاء في هذا الحديث في حفظ البيت من النار، ترى هذه ما هي إجراءات السلامة التي تتلقاها من متخصصين في السلامة، ترى هذه سنة نبوية آتية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى ذلك أنه ترى فيه حرص من المصطفى صلى الله عليه وسلم على ما تحفظ به الأموال والبيوت والأنفس. ونحن نأخذها الآن من جهتين، نأخذها من جهة النار نفسها والحرص على السلامة منها، ونأخذها من جهة المعنى الذي هو أنه لا ترى الحرص على السلامة والحرص على المحافظة على البيوت ترى هذا من السنة. ومن هنا جاء بعض العلماء من المعاصرين لما شرحوا هذا الحديث صار يتكلم عن الغاز والالتماس الكهربائي والتنبه للبيت من التهاون في مثل هذه الأشياء، وقياسا على: فإذا نمتم فأطفئوها عنكم، أنه ترى هذا مقصود، أنه في المحافظة على البيت والمحافظة على الأموال والمحافظة على الأنفس، وهذا كله من بركة ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم الحديث السابع، وهو حديث احنا مثل ما ذكرنا، النووي تارة يأتينا بالسنن التفصيلية ثم...
يرجع إلى الأصول ثم يرجع إلى السنن، احنا هذا الحديث السابع هو من أهم الأحاديث في هذا الباب على الإطلاق. قال عنه، أي عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه الله بما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. متفق عليه، فقهاً بضم القاف على المشهور، وقيل بكسرها أي صار فقيهاً.
طيب، هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، الفائدة الأولى: تشبيه الوحي وما جاء في الوحي من الهدى والعلم بالغيث والمطر والماء الذي يسقي الأرض، وأن الله سبحانه وتعالى كما جعل الماء والمطر حياة للأرض فقد جعل الوحي حياة للقلوب والنفوس، وهذا له أصل في القرآن في قوله سبحانه وتعالى: أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ.
بعضهم قال: أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً هذا العلم والوحي، فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا يعني احتملت القلوب من هذا العلم والوحي بقدرها، بقدر ما جعل الله سبحانه وتعالى فيها من الاستعداد للخير، هذا قول من أقوال التفسير لهذه الآية. ولاحظوا هنا في الحديث تشبيه مباشر: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، هل هذا يختص بالقرآن؟ لا يختص بالقرآن، مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم فيدخل فيه القرآن والسنة، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، في رواية هنا: كمثل غيث أصاب أرضاً.
إذاً، الوحي الكتاب والسنة غيث للقلوب، غيث للقلوب، ويجب أن ينظر الإنسان المسلم إلى الوحي بهذا الاعتبار فيتعامل مع الوحي تعامل المزارع والفلاح الذي جعل له أرضاً وسقاها عفواً وحرثها وبذر فيها البذور فهو ينتظر الماء الذي يحييها، هكذا المؤمن مع قلبه، قلبه أرضه، فكما أن المزارع يستعد بالأرض فيحرث هذه الأرض ويبعد عنها، تعرفوا المزارعين، يبعد عنها أصلاً الأذى والزروع الضارة صح ولا لا؟ ويهيئها ويختار أفضل البذور وأفضل الأوقات وكذا وإلى آخره وينتظر الغيث، هكذا قلب المؤمن، وهكذا صاحب قلب المؤمن ينبغي أن ينقي أرضه أي قلبه بحيث إنه يهيئ هذا القلب ليستعد لتلقي الوحي، ومن هنا يأتي حديث: فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً.
ما الفائدة؟ الفائدة أن تعلم الإيمان يهيئ القلب لتلقي القرآن، وأن القرآن ليس كل من يتلقاه ينتفع به بنفس الدرجة من الانتفاع، وإنما قد يتلقى القرآن من لا ينتفع به، وقد يتلقى القرآن من يزداد به إعراضاً وفجوراً، لا للقرآن في ذاته وإنما لما في قلبه من الفساد، كما في قوله سبحانه وتعالى: مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا. نعم، وفيها: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ. إذاً، أول ما على الإنسان أن ينظر فيه هو أن ينظر في استعداد قلبه لتلقي القرآن، استعداد قلبه لتلقي الوحي، وينبغي أن تكون النظرة في هذا التلقي هي نظرة أن هذا الوحي غيث يحيي القلوب، وأنه لا يكون كذلك حتى تستعد الأرض أو تكون الأرض صالحة للسقيا وللزراعة، وحتى يكون القلب صالحاً لذلك. واضح الفكرة يا جماعة؟
إذاً طبعاً هذه الفائدة العملية منها على المستوى الشخصي وعلى المستوى التعليمي والتربوي، فعلى المستوى الشخصي ينبغي على الإنسان أن يعتني بقلبه ويظل ينقي قلبه حتى ينتفع بالقرآن وبالوحي، والمربي أو المعلم أو المصلح مكتفياً بتحفيظ الناس القرآن دون عناية بالقلب الذي يتلقى هذا القرآن، لابد أن يكون هناك قلب، أن يكون القلب صالحاً لهذا التلقي، وهذا كما قلت في السنة: فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن.
الفائدة الثانية: أن الناس في تعاملهم مع هذا الوحي ومع الهدى والعلم الذي في القرآن والسنة على درجات، درجات ثلاث ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، فأما الدرجة الأولى فهي الدرجة العليا وهي أن من القلوب قلوباً، ومن الأراضي أو هناك من الأراضي ما من شأنها أنها تمسك الماء وتعيد معالجة هذا الماء ليخرج بعد ذلك بإذن الله في صورة زرع جيد، وهذه أعلى صور الاستفادة، أعلى صور الاستفادة أن يكون هناك ماء يستفاد منه ويتحول هذا الماء إلى زرع وثمر. طيب، أنت تقول الحين هذا الزرع والثمر هل هو الماء؟ هل هو نفس الماء؟ لا، ليس هو نفس الماء وإنما هو معالجة معينة للماء بإذن الله، تتحول بها الماء مع البذرة إلى شيء آخر، جيد؟ هذا الآن مثال من يتلقى الوحي، يتلقى القرآن والسنة ثم يعيد المعالجة ليخرج منها الفقه والاستنباط والأحكام والتفريعات والآثار التزكية والآثار العلمية والعملية، كما أن الزرع ليس هو نفس الماء، فكذلك القلب المتفقه حين يتلقى الوحي باعتباره مادة هو يتلقاها مادة، ولكن يرجع يخرجها بصورة إنتاجية مختلفة، وفي نفس الوقت هو يعلم الناس من هذا الفقه الذي أخذه، فهذه صورة أولى عظمى.
طيب، هناك نوع ثاني من الأراضي، أو النوع هو الأرض التي تتلقى الماء وتحبس الماء، تحفظه كما هو، فيأتي الناس فيحفروا في هذه الأرض فيستطيعون السقية منه أو الاستفادة من الماء المحبوس في بطن هذه الأرض، جيد؟ سؤال: هل الماء في هذه الصورة هو نفس الماء الذي دخل نفسه هو الماء؟ يعني أقصد ما صار زرع هو ماء جيد، طيب هل استفاد أحد من هذا الماء؟ نعم، استفاد أحد من هذا الماء، هذه الآن صورة أخرى من الاستفادة من الماء ولكنها دون الأولى بكثير، لم تزهر، لم تنبت، لم تعالج، لم يتفقه فيها، وإنما حفظت كما هي.
الصورة الثالثة هي صورة الأرض التي لا تنبت زرعاً ولا تمسك ماء، تعرف في بعض الأراضي مثل الأراضي السبخة مثلاً، تلقاها أرض مثلاً طين على تراب على كذا، إذا حفرت ما في ماء وهي على ظهرها ما في ماء كله طين، وفي نفس الوقت ما تنبت أبداً ما تنبت، هذا النوع الثالث من الأراضي، وهي الأراضي التي لا هي أنبتت ولا هي حفظت الماء. هذه أمثلة ثلاثة لمن ينتفع أو لا ينتفع أو حتى في درجة الانتفاع من الوحي، الدرجة الأولى والعليا هي من لا يتعامل مع الوحي باعتباره فقط مادة تحفظ وإنما يتعامل مع الوحي باعتباره مادة محيية ومادة هي الأصل في إنبات الزرع، وبالتالي الفقه والاستنباط والتفكر والتأمل والتعليم، فهذه أزكى الصور في التعامل مع الوحي، يجتمع فيها العلم مع التعليم والوعي مع الفقه. احنا الفقه هنا ما نتكلم عن تخصص الفقه في التراث، نتكلم عن الفقه في النصوص، الفقه في الشريعة، الفقه في الدين الذي يدخل فيه الفقه في مراتب الحلال والحرام والأمر والنهي، ويدخل فيه الفقه باسمه العام.
طيب، الدرجة الثانية هي درجة الذين أخذوا الدين أو الوحي باعتباره مادة ممكن أن نسميها مثلاً جامدة، ولا مادة يعني لا يفرع عنها ولا يحيا من خلالها، يحفظ ويتلقى العلوم الإسلامية، يتلقى القرآن والسنة، يحفظ ويبلغ غيره هذا المحفوظ فقط، بدون استنباط بدون تأمل بدون تفكر بدون تفقه، هذا مثال على درجة من الاستفادة ليست هي الدرجة الأذكى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم تأتي الدرجة الثالثة وهي من لم ينتفع بذلك أصلاً، ولا انتفع غيره، يعني الأرض الأولى انتفعت في نفسها ونفعت غيرها، الأرض الثانية نفعت غيرها، وتعتبر يعني إذا حفظت الماء ممكن تكون انتفعت في نفسها انتفاعاً يسيراً لكن ما أنبتت. الأرض الثالثة لا هي التي أمسكت الماء ولا هي التي أنبتت ولا هي التي استفاد منها غيره.
طيب سؤال، هل هذه الأرض أعرضت عن الوحي ابتداء ولا ممكن تكون اتصلت به ولم تنتفع به؟ اتصلت به ولم تنتفع به، بمعنى أن الإشكال ليس دائماً في الغفلة العامة والإعراض، وإنما قد تجد من يتصل بعلوم القرآن علوم السنة الوحي ثم بعد ذلك لا ينتفع من هذا الأمر انتفاعاً حقيقياً أو انتفاعاً صحيحاً، فلأجل ذلك يعني يراجع الإنسان قلبه ويراجع نفسه ويراجع طبيعة تعامله مع الوحي ويدرك قيمة وفضل التفقه في دين الله، قيمة وفضل التفقه في دين الله، فهذا يعني بركة عظيمة جداً. هذا الحديث يذكر بحديث آخر، وهو حديث: نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فحفظه أو فبلغه كما سمعه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه. هذا في امتداح ولا ذم لمن يحمل الفقه وليس بفقيه؟ امتداح، والامتداح لمن حمل الفقه وهو فقيه، إذاً هذه ثلاث درجات، طبعاً والدرجة الثالثة لم تذكر في هذا الحديث وهي من لم ينتفع بذلك أصلاً.
الثامن عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأبغاكم يا جماعة كده تتخيلوا معي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قائم بيننا يحدث بهذا الحديث حتى ندرك شفقته علينا صلى الله عليه وسلم وقيمة ما جاء به، اسمعوا ماذا يقول؟ قال المصطفى عليه الصلاة الله وسلامه: مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي. رواه مسلم. الجنادب نحو الجراد، والفراش هذا المعروف الذي يقع في النار، والحجز جمع حجزته وهي معقد الإزار والسراويل.
يعني الآن صاحب النار التي يوقدها ثم تأتي الحشرات والفراش اللي يطير يقع في النار، أنت الآن تطرد لو تطرد عن النار سيخالفك هذا الفراش والجنادب وستقع في النار، لاحظوا صورة حياتية موجودة في حياتنا نراها ونبصرها، وهنا تأتي قيمة الأمثال لأن الأمثال تقرب الحقائق النظرية. طيب هذا الإنسان الذي يبعد الحشرات عن النار والحشرات تخالفه فتقع فيها هو مثال لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع العصاة من الناس الذين لم يقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم في البيان في التحذير في الشفقة في الإرشاد في الأمر في النهي، لا تفعلوا لا تفعلوا، حتى درجة الحرص أنه أنا آخذ بحجزكم كما قال معقد الإزار والسراويل، كانه النبي صلى الله عليه وسلم يمسك الإنسان أنه يبعد عن النار وأنتم تفلتون من يدي، يعني كما تصر تلك الفراشة على أن تقع في النار فكذلك يصر بعضكم أو يعني بعض هذه الأمة على أن يتفلت من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقع في هذه النار، تشبيه بليغ ومثال عجيب وعظيم.
وأول فائدة نستفيدها، نحن قلنا من أهم فوائد أنوار السنة المحمدية تتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، من أهم الفوائد التي نستفيدها فائدة البيان وضرب الأمثال، وأنه يا جماعة الخير المصلح المتبع للنبي صلى الله عليه وسلم سواء ما كان بيانه عن طريق الخطبة أو الكلام الشفهي أو عن طريق الكتابة في مواقع شبكات التواصل أو غيرها يجب أن يعتني بالبيان، يجب أن يعتني بإيصال الرسالة بشكل صحيح، والدلالة من ذلك من هذا الحديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل الأساليب المتنوعة لإيصال الرسالة، ومنها هنا ومنها هاهنا في هذا الحديث استعمال أسلوب الأمثال، وأنت ترى أن هذا المثال إذا سمعته لا يكاد يخرج من رأسك، يعني خلاص يثبت ولو سمعته لمرة واحدة، أنه الصورة التقريبية وصلت، ومن أهم صور البيان هو هذا، أن تستعمل الصور المعينة لتقريب الحقائق النظرية العامة. الحقائق النظرية العامة شيء وتعيينها في صورة معينة أو في مثال محدد شيء آخر، فهذا أدعى للفهم وأدعى للاستجابة والامتثال، أدعى للتصور الأدعى لاستجابة الأمثال. فالخلاصة أنه هذه الفائدة الأولى وهي في أهمية هدي النبي صلى الله عليه وسلم في البيان وفي إيصال الصورة للناس.
الأمر الثاني: أنه كل من كان بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم وله أتبع كان أبعد عن النار، وكل من كان عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد فهو أقرب إلى أن يقع في النار، لأن من وظائف المصطفى صلى الله عليه وسلم الأساسية -أرحمك الله- إنقاذ الناس من النار عبر ما جاء به من الهدى والعلم.
ثم قال التاسع عنه عنه، يعني عن من؟ عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة. رواه مسلم. وفي رواية له: إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامكم البركة. وفي رواية: إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقط من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى فليأكل ولا يدعها للشيطان. هذا الحديث في سنة تفصيلية، وهذه السنة.
التفصيلية متصلة بمعنى كبير جداً غيبي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن لا ندرك طبيعة هذا المعنى إلا كلما سمعنا آية أو حديثاً ازدادت الصورة وضوحاً. فتأتي مثل هذه الأحاديث لتكون صورة حماية في تحقيق هذا المعنى، أو في الحماية من خطورة ما تضمنه هذا المعنى. ما هو هذا المعنى الكلي؟ هو الحرب الشيطانية المفتوحة على الإنسان. تقول لي حتى في اللقمة وفي الأكلة؟ يقول لك نعم، بل الاستدلال يكون كالتالي: إذا كان حضور الشيطان على الإنسان وصراعه معه حتى في الأشياء البسيطة؛ في اللقمة تسقط أثناء الأكل والطعام، فما بالك بحضور الشيطان مع الإنسان فيما هو أكبر من ذلك، وفيما هو أعلى من ذلك، وفيما يمكن الإضرار به على الإنسان أكثر من ذلك؟ وهذه الحقيقة يا جماعة الخير ما أكثر ما يجهلها الناس، وما أكثر ما تغيب عنهم.
الصراع المفتوح مع الشيطان ترى عندك خندق فيه أنت، وخندق آخر في الجهة المقابلة فيه الشيطان وأبناؤه وذريته، ويكيدون بك ليل نهار. وما أكثر ما يسرقون من الإنسان المؤمن من حسناته، من صفاء ذهنه، من استقامته، من سلامته، لأحد أسباب؛ إما للغفلة وإما للجهل. وهنا تأتي بركة السنة، وهنا نقول يا جماعة إن النووي رحمه الله أحسن في اختيار مثل هذه الأحاديث، لأنه ترى بعض مداخل الشيطان سببها ليس الغفلة وإنما سببها الجهل، ولا دواء للجهل إلا بالعلم المتصل بالوحي؛ لأن هذا باب غيبي ما فيه اجتهاد. فأنت تعلم هنا أنه ترى من بركة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم إرشاد الإنسان إلى مداخل الشيطان، وإرشاد الإنسان إلى كيفية التعامل مع هذه المداخل. وهذا الباب يا جماعة الخير والله هو من أبواب الفقه في الدين، من أبواب السلوك إلى الله سبحانه وتعالى. وكلما أتقن الإنسان مداخل الشيطان عرف مداخل الشيطان وأتقن أو كان ذا بصيرة، كان له بصيرة في خطواته واستطاع أن يتعامل مع هذه الأبواب والمنافذ والخطوات بشكل صحيح. صدقوني سيكون يسير إلى الله سبحانه وتعالى إلى طريق الآخرة بدرجة عجيبة من السكينة والطمأنينة والصفاء.
شوفوا يا جماعة الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهر الصحابة وهم يتقلبون معه ذهاباً ومجيئاً إلى الصلوات، إلى المسجد، إلى الجهاد في سبيل الله سفراً وحضراً إلى آخره، ومع ذلك الشيطان كان يشتغل شغلاً عجيباً كبيراً في تلك المرحلة على الصحابة. ويأتون يشتكون للنبي صلى الله عليه وسلم في أشياء لا يعرفونها، فيقدم النبي صلى الله عليه وسلم الذهن ويوجههم إلى أنه ترى هذا من الشيطان. ومن الأمثلة على ذلك ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاءه بعض أصحابه فقال: إن أحدنا يجد في نفسه ما أن يخر من السماء أحب إليه من أن يتحدث به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان، أو تلك محض الإيمان. وفي السنن عن ابن عباس جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه ما أن يكون حممة أحب إليه من أن يتحدث به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر.
شوف واحد جاي عنده وساوس خواطر متعلقة بالدين بالله بالدار الآخرة بأي شيء، تشكك الإنسان وتكدر عليه حياته، ما هو عارف حتى من درجة قبح هذه الوساوس أن الصحابة ما ذكروها للنبي صلى الله عليه وسلم، إيش هي؟ يعني عارف أنه شيء قبيح يؤثر في الإيمان، لدرجة أنه ما نقدر يا رسول الله نقول لك إيش هي، هذا الوساوس بس أنه ترى أكون فحمة مثلاً أو أن أخر من السماء أحب إلي من أن أتحدث في هذه. شوف تخيل أنت الحين إيش تتوقع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول؟ يقول: الله أكبر. فرحان، الله أكبر إيش؟ الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة. شوف الشيء العجيب، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة. ترى هذه الوسوسة هي ترى من علامات الإيمان، وأنه ترى هذا لا شك أنها من الشيطان، وأنه ترى الشيطان بعد أن وجد أن إيقاعك في الكبائر وقبل ذلك في الشرك وما إلى ذلك بعيد، وأن الباب مغلق، فسيشغل الآن في قضية الوساوس والأفكار ويمين وشمال وصح للخطأ، أنا مو أنا، يجوز ما يجوز، يصير ما يصير. إحنا ما نتكلم عن التردد البحثي المتعلق، لا لا، الوساوس الكثيرة التي تحيط بالناس. هذا ولم أرَ ولم أسمع ولم يمر علي في أي كتاب ولا في أي مكان أنه قد انتشر في زمن من الأزمنة الوساوس والأفكار المؤذية من الشيطان كمثل انتشارها في زماننا. ولا أدري ما سر هذا حقيقة، هل هو بسبب انتشار المعازف؟ هل هو بسبب انتشار يعني بعض الأمور التي تصرف بسببها الملائكة؟ وقد مر هذا في قضية التماثيل وقضية بعض المعازف أو شيء الله أعلم، هل هو من هشاشة النفوس؟ هل هو من كثرة الذنوب والمعاصي؟ هل هو الله أعلم إيش السبب، لكن انتشار عجيب وغريب لهذه القضية عند كثير من الناس، ولذلك يتنبه الإنسان له.
الشاهد إحنا نرجع الحديث هو في اللقمة التي تسقط، بس إحنا أخذنا القضية من قوله صلى الله عليه وسلم في هذه الرواية: إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه. كل شيء ضع تحتها دائرة أو حولها دائرة: كل شيء. درس، أي درس، صلاة، تمام، جلسة مع الشباب، أكل، أيوه، سفر، أي نوم، نعم كل شيء من شأنك يحضره الشيطان. كل شيء من شأنك يحضره الشيطان. تمام، ترى بالمناسبة في أحاديث أخرى تفصل أدوار الشيطان في مختلف الأحوال. يعني وقت الصلاة تعرفوا إذا سمع التأذين أدبر وله ضراط ثم يرجع، ثم إذا ثوب للصلاة أدبر، ثم إذا قضي التثويب أتى قال: حتى يخطر بين المرء وبين نفسه، فلا يدري أحدكم كم صلى ثلاثاً أم أربعاً. وفي نفس الحديث في الصحيح قال: يقول له في الصلاة هكذا الشيطان يقول له: اذكر كذا اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى لا يدري أحدكم كم صلى. هذا الآن حضور الشيطان في الصلاة. في النوم أن الشيطان يبيت على خيشومه، إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثاً؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه. طيب لما يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم عن الأحلام والرؤى، فيقول لك والله الرؤيا من الله والحلم من الشيطان. ولما جاء في صحيح مسلم الرجل يتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤيا مفزعة، قال: لا تتحدث بتلاعب الشيطان بك في منامك. يعني الشيطان حاضر في المنامات، حاضر في الأذى في النوم، حاضر في.. طب إذا قرأت القرآن إيش تقول؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أنا أقول لك كذا، أنت لو ما في هذا الحديث أو ما في الآية: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ما تعرف هذه السنة، ممكن يقول لك إيش العلاقة؟ فاهم الفكرة أنه خلاص، أنه قرآن يعني القرآن هو بحد ذاته إيش ممكن يجي في البال أنه هو بحد ذاته طارد للشيطان. لا، قبل ما تقرأ القرآن تقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قبل ما تقرأ القرآن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. تمام، هنا حديث في قضية الأكل، طيب تأكل بيمينك تخالف الشيطان، فإن الشيطان يأكل بشماله.
وهكذا، طبعاً إحنا تكلمنا يمكن عن هذه القضية مراراً ما نبغى نتوسع فيها أكثر، ذكرت أنا حتى هذا الشيطان الحسي ليس فقط للفرد المسلم وإنما في السياقات الإصلاحية؛ ترى ممكن يتدخل الشيطان تدخلاً حسياً مباشراً للإضرار بالعمل الإصلاحي وللإضرار ببعض الخطوات الإصلاحية، وله أمثلة وله أدلة وعليه أدلة واضحة، وبعضها له أصل في القرآن، بل عدة آيات في القرآن تدل على هذا المعنى. تخيل يا جماعة موسى عليه السلام يخرج مع فتاه يرحل رحلة طويلة حتى يلتقي بالخضر في علامة واضحة، يقول للفتاه: هذا الحوت، إذا فقدت الحوت ترى هذه علامة لقاء الخضر في هذا المكان. تمام، واضحة علامة واحدة، هذا الحوت يخرج من المكتل هذا ويدخل البحر أمام نظر الفتى، وموسى عليه السلام كان نائماً، خلاص واضحة، لما استيقظ موسى نسي الفتى أنه الحوت راح ونسي أنه شاف كل هذا المنظر، وراحوا كملوا الطريق: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ. أنا أذكره كذا بس إعاقة لتتميم هذا العمل. وفي قصة يوسف: فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، يعني أنسى الفتى ذكرى ربه، ذكرى هذا الملك أن يذكر يوسف عند ربه. قال ابن كثير: وهذا من مكيدة الشيطان بيوسف حتى يلبث في السجن. وفي يوم بدر لما كان المشركون خائفين من مواجهة المسلمين بسبب قبيلة كنانة أو قبيلة من كنانة اللي حق سراقة بن مالك، إيش صار؟ تمثل لهم بصورة سراقة وقال لهم: أبداً الجماعة عندي ولا تشيلوا هم، روحوا بس قاتلوا المسلمين. هذه مشاركة حسية وهذه ذكرت في القرآن أو أشير إليها في القرآن: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، بعدين: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ، فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ.
ومر معنا قريباً في درس خير القرون في قصة عبادة بن الصامت في قصة العقبة وبيعة العقبة، بعد ما اجتمع الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه، صرخ في الوادي في أهل الوادي وقال: يا أهل الجباجب أو كذا، أنه يتكلم عن أنه هؤلاء الخزرج أو أهل يثرب قد تعاقدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصرته وعلى حربكم. وجاءت قريش سمعوا الصوت هذا الشيطان، وجاؤوا قريش بكرة لأهل يثرب وقالوا: سمعنا أنكم رايحين تسووا حلف مع الرسول صلى الله عليه وسلم، إيش الفكرة؟ إيش كذا؟ وأيضاً في معركة أحد في وسط القتال، وهذا حديث في البخاري أو في مسلم، وسط القتال لما صار في شوية اختلال الصفوف أو قبلها، قام الشيطان وصرخ حسياً بصوت من وراء جيش المسلمين فقال: أي عباد الله أخراكم! أي عباد الله أخراكم! قال فرجعت أولاهم فاجتلدت مع أخراهم أولى المسلمين، وفي ذلك المقام قتل والد حذيفة بن اليمان على أيدي المسلمين دون أن يبصروا بسبب نداء الشيطان، بسبب اختلال الصفوف، بسبب هذه اللخبطة اللي صارت، هذه أخراكم وكذا ما عاد عرفوا، أظن صار الالتفاف وكذا واختلت الصفوف بسبب نداء من الشيطان. وهذا باب خطير يا جماعة، باب خطير، عاد اللي يصدق وهم المؤمنون يصدقون، والذي لا يصدق من أهل التشكيك وممن ليس من أهل اليقين فهذا شيء آخر، وحديثنا ليس معه، إحنا هنا في رياض الصالحين صناعة المحاور، يعني الصورة الخطأ يمكن نتكلم مع، بس نتكلم مع المؤمنين من أهل اليقين، ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ عباده المسلمين من كيد شياطين الإنس والجن.
العاشر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة، وعظنا إنا كنا فاعلين. ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم صلى الله عليه وسلم. ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب، أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ إِلَى قَوْلِهِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. متفق عليه، غرلاً أي غير مختونين.
هذا الحديث قبل ما نذكر بعض الفوائد اللي فيه، إيش علاقته بباب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها؟ أحسنت، في قوله: لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، وهذا الإحداث والذي يعبر عنه بالبدعة، يعني هو في الأخير مخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا وجه الارتباط بين الحديث وبين الباب. وأنا لا أظن أن الإمام النووي رحمه الله قد أتى أو وُفِّق لمثل هذا الحديث في مثل هذا الباب إلا بعد أن يكون استفاد من حفظه بتوفيق الله له، لأنه هذه عارف ما تجي من الكتب المصنفة ومن هذه، الحفظ مع الفهم والفقه والاستنباط، تأتي الأحاديث التي يمكن هذه جملة ضمن حديث من الصعب حقيقة الربط بينها وبين هذا الباب، لكن توفيق الله سبحانه وتعالى له.
طيب هذا الحديث فيه فوائد، أولاً إحنا قلنا دائماً نحاول نركز على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة، واعظ للعاملين، أهمية المواعظ لمن يحمل هذا الدين، تذكير بالآخرة بالحقائق الكبرى، ويا أسف، وما أتعس، وما أبس من تكون المواعظ والمحركات الإيمانية مجرد مرحلة في حياته ثم بعد ذلك يدخل في الأعمال الإسلامية الدعوية الإصلاحية بصورتها المؤسسية الجامدة ويغفل عن أحوال التغذية الإيمانية والمواعظ. الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتعاهد أصحابه بالموعظة، كان يتعاهد أصحابه بالموعظة، مواعظ كثيرة جداً، وفي نفس الباب هذا مر معنا حديث العرباض بن سارية: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وعظنا موعظة شديدة أو بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعاهد أصحابه.
بالموعظة عاهدهم بالموعظة، وهذه قضية مهمة. ولذلك يا شباب يا كرام، إخواني وأخواتي، يعني لنتهِ دوائرنا، طلابنا، نفوسنا بهذه المواعظ. عندك طلاب؟ لا تقل لي والله في برنامج علمي مرتب اليوم عندنا من الصفحة 25 إلى الصفحة 35 وبعد أسبوع عندنا اختبار، وبعد تمام هذا برنامج تعليمي ممتاز، بس في شيء اسمه القلوب تجف والماء ينضب يحتاج إلى إعادة تجديد، يحتاج إلى تذكير بالله، تذكير بالدار الآخرة، فما أهنأ وما أطيب وما يعني أسعد مجموعة أو فئة من فئات أو مجموعة من الناس يكون بينهم من يعظهم دائما ويذكرهم بالله. وكما قال من قال من الصحبة: اجلس بنا نؤمن ساعة، اجلس بنا نؤمن ساعة. فهذه من أهم الموضوعات، هذه من الموضوعات التي اعتنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك الله الله بالعناية بالمواعظ، الله الله بالعناية بالمواعظ.
طيب هذه الفائدة الأولى. الفائدة الثانية في تذكر أحوال الآخرة وأحوال يوم الدين، وهي أحوال مفصلة قد فصلها الله وفصلها رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي من أعظم ما يهابه المؤمن ومن أعظم ما ينبغي أن يخشاه موضوع الدار الآخرة وما جاء فيها، وما جاء فيها من النصوص التي تبين أهوالها وأحوالها. ومن جملة ذلك أن الناس سيحشرون يوم القيامة جميعاً، جميعاً حفاة عراة غرلاً، غرلاً غير مختونين، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ. الكل يوم القيامة، الموازين مختلفة، المشهد عظيم وشديد.
ثم هنا تأتي فضائل الأنبياء وتأتي فضائل معينة لنبي بعينه، وهي الفائدة الثانية أو الثالثة وهي فضل إبراهيم عليه السلام، إبراهيم الخليل هو أول من يكسى يوم القيامة، وكونه أول من يكسى معناه أنه جميع الخلق حتى إبراهيم عليه السلام عند البعث سيبعث عراة حفاة غرلاً، لكن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام. لماذا؟ الله أعلم، ذكر بعض الشراح أسباباً يعني ما أعرف عليها دليلاً واضحاً، بعضهم قال لأنه عري حين ألقي في النار فجوزي بذلك الأذى في سبيل الله بأنه، لكن يعني قد تكون قد يكون وقد يكون لا، لا يوجد يعني دليل واضح إليها، قد يكون اجتهاد من هذا بنقل معين أو شيء، لكن عموماً الذي لا شك فيه أن أول من يكسى من الخلائق يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، ولا شك أن هذا من فضائل الخليل عليه صلاة الله وسلامه.
ثم نأتي بعد ذلك إلى الفائدة الأساسية التي لأجلها ساق النووي هذا الحديث في هذا الباب، وهي أن أناساً ممن يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم سيؤخذ بهم ذات الشمال وسيستشفع لهم أو يشفع لهم النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وهذا وهذا برأيي مما يمكن أن يصنف من دلائل النبوة، فإن من المعلوم أن كثيراً ممن رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه ارتدوا بعد وفاته مباشرة وقاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من القدماء من النخبة كما يقال، فلعل هذا الحديث من دلائل النبوة أنه أنه أناس يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وحين يراهم في الآخرة يستغرب أنهم أبعدوا عنه وهو لا يعلم ما الذي أحدثوه بعده، هنا قال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، منذ فارقتهم.
وها هنا يأتي قوم اتسموا بالجهل وبالكذب وهم الرافضة، فاستدلوا بهذا الحديث للطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نقول لهم بل الأمر بعكس ذلك، هذا الحديث فيه فضيلة للثابتين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قاتلوا المرتدين، يعني هذا الحديث يثبت عن وجود مرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أليس كذلك؟ سؤال تاريخياً وجد مرتدون أو لا؟ كان كثير منهم أو كان كثير منهم ممن رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أو لا؟ والذي رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يسمى صاحباً، جيد، الذي رآه مؤمناً به سمى صاحباً. طيب إذاً تمام، ممتاز، واضح الحديث. طيب من الذين قاتلوهم وردوا إلى الإسلام وردوا إلى الإيمان أو ردوا أناساً منهم للإيمان وقتلوا أناساً منهم فماتوا على الكفر؟ هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أنتم أيها الرافضة تطعنون فيهم، واضحة الفكرة؟ فنحن لو تأملنا في هذا الحديث مع السياق التاريخي الذي حصل سنجد بالعكس أن هذا الحديث يتكلم عن أناس ارتدوا، ها، ونحن نتكلم عن أناس ايش؟ ثبتوا، بل قاتلوا المرتدين، فهذا فيه فضل وليس بعكس ذلك.
ثم قال الحادي عشر عن أبي سعيد عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخذف وقال: إنه لا يقتل الصيد ولا ينكأ العدو، إنه لا يقتل الصيد ولا ينكأ العدو، إنه يفقأ العين ويكسر السن. متفق عليه. وفي رواية أن قريباً لابن مغفل خذف فنهاه، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال: إنها لا تصيد صيداً، ثم عاد، قال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عنه ثم عدت تخذف؟ لا أكلمك أبداً ما أكلمك أبداً.
طيب هذا حديث ما وجه إيراده في باب المحافظة على السنة وآدابها؟ لا أكلمك أبداً، أنه ترى ترى بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تعاملوا بقدر من التعظيم والشدة مع من تهاون في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كأنه رأى في فعل هذا الغلام أو الفتى أو الشاب، كان عبد الله بن مغفل كأنه رأى في فعله استهتاراً بالسنة، هو طبعاً وضع حصىً ها والخذف بها بين السبابة والإبهام بهذه الطريقة ها، وطبعاً يدخل فيها ما في حكمها إذا في بعض ألعاب المسدسات اللي فيها خرز معين ممكن يكون بنفس هذه القوة، ترى داخل في نفس النهي، هو النهي ليس متعلقاً بالسبابة والإبهام ها، وإنما هو متعلق بهذه العلة: أنه لا يصيد صيداً ولكنه يفقأ العين ويكسر السن، فهو داخل في نفس النهي. فلماذا أورده الإمام النووي رحمه الله؟ أورده الإمام النووي حتى يبين أنه ترى الصحابة تعاملوا مع الاعتناء بالسنة بحرص شديد، وتعاملوا بشيء من الشدة مع من يستهتر أو يتهاون بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الإنسان به، فكان هو يعني قال له لا تسوي كذا ترى هذا فيه نهي عنه، بعدين رجع يسوي نفس الشيء، كأنه يقول له: أنت ما تفهم؟ يعني أنت ما تعظم السنة؟ أنت يعني ايش في؟ يعني أنا جالس أقول لك هذه الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنها. طبعاً إحنا الآن قيمة هذا النهي مهما كان ليس مثل قيمة النهي عند عبد الله بن مغفل اللي سمع النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه يقول، فهمت؟ يعني هو سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم قبل ما يجي يقول لولده ولا أحد أقربائي إنه لا تسوي كذا، ترى أنا سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول كذا، فيروح يسوي مرة ثانية، فقال: لا أكلمك أبداً.
ومن هنا استدلوا يعني استدل بعض العلماء أن كان ليس فعلاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو عن صحابي، أنه الهجر حين لا يكون لقضية شخصية وإنما يكون لقضية في الدين، فإنه يجوز أن يتجاوز الثلاثة أيام، تعرفوا منهي عن الهجر أكثر من ثلاثة أيام، هذه تحريم، يعني أنه لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. أقل من ثلاث ترى فيها فسحة، فيها فسحة إنه ترى في مراعاة للنفوس، مراعاة للنفسيات، ممكن أزعل منك ممكن تزعل مني أقاطعك يومين، يومين ونص، يومين وثلاث أرباع، فاهم إيش؟ بس لا يحل أكثر من ثلاثة أيام، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، لكن قالوا إنه إذا كان الهجر في ذات الله وليس لغضب شخصي أو شيء، فإنه يجوز أن يتجاوز هذه الثلاثة، والهجر هو وسيلة أشبه ما يكون بوسيلة التأديب في كثير من الأحيان، تكون وسيلة التأديب، فتستعمل بحسبها وبحسب المصلحة.
ومن الفوائد في هذا الحديث أنه ترى الشريعة جاءت بحفظ الأجساد وعدم الإضرار بها، وأنه جاء التأكيد والنهي في عدم الخذف الذي هو قد يضر بالعين أو يضر بالسن، فإنه ترى هذه الأجساد والمحافظة عليها وعدم الإضرار بها وعدم أذى المسلم كل هذا من جملة ما جاء به الأمر النبوي.
الحديث الأخير في هذا الباب عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقبل الحجر الأسود ويقول: إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. متفق عليه.
هذا الحديث ظاهر في وجه الارتباط بينه وبين الباب، باب في المحافظة على السنة وآدابها، وفيه أن الإنسان يتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يعقل المعنى، ولو لم يعقل المعنى. عمر يقبل الحجر الأسود ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. طيب لماذا يقبل يا عمر؟ ما المعنى؟ ما الحكمة؟ ما الفائدة؟ الله أعلم، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحجر الأسود فسأقبل الحجر الأسود. فهذا الحديث واضح الدلالة في أهمية العناية بالسنة النبوية واتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم ولو لم تكن ولو لم يكن المعنى بالنسبة للممتثل ظاهراً؛ أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ذاته حجة، وتطلب الحكمة بعد ذلك لا بأس فيه، قد يزيد الإيمان، لكن ليس هو الأمر الذي يعلق عليه الامتثال.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد، وأن يغفر لنا ويرحمنا ويهدينا ويسددنا.
الشيخ أحمد السيد