الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: نستعين بالله ونستهديك عليه، ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس أنوار السنة المحمدية، وتحت عنوان الاستهداء بالسنة النبوية، هذا هو المجلس التاسع والعشرون والمتعلق بالتعليق على رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله تعالى، وهذا هو ثاني مجلس في باب كثرة طرق الخير. سبحان الله، باب كثرة طرق الخير، هناك تأمل معين يعني الإنسان يتأمل في عظيم طريق الآخرة وعظيم حق الله سبحانه وتعالى، ولم يتأمل في الجنة ومنزلها والمنازل العالية التي غرسها الله بيده وأرادها لعباده الصالحين، قد يفكر الإنسان فيقول: إن هذه لا تنال إلا بأعمال شاقة شديدة جداً على النفس، ولا شك أن الجنة حُجبت بالمكاره، لكن قد يقول الإنسان: إن الأعمال الصغيرة التي لا تشق على النفس لا تؤثر في الوصول إلى الجنة ولا تؤثر في الطريق إلى الله. يأتي هذا الباب الذي جمع فيه النووي رحمه الله أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تبين أن بعض الأعمال الصغيرة التي لا تشق على النفس هي عند الله بما كان، بل قد تكون هي السبب الذي يدخل به الإنسان الجنة، فلذلك الإنسان لا يعلم مقدار سعة فضل الله وسعة رحمة الله وكرم الله سبحانه وتعالى، وهذا كله إذا حقق شرط الإسلام وإذا أحسن إسلامه، فتكون المضاعفة أيضاً واردة بل وكثيرة جداً، فلذلك أيها الكرام نحن ونحن نقرأ الأحاديث هذه لنتأمل كيف أن بعض الأعمال الصغيرة هي سبب لمغفرة الله، سبب لرحمة الله، سبب للجنة، فالنتيجة النهائية هي ما هي النتيجة النهائية؟ هي ألا يحتقر الإنسان من العمل شيئاً، وألا يكتفي بالكبير من العمل دون الصغير، ولا العكس بطبيعة الحال على أية حال.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: التاسع عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، عنه يعني عن من؟ عن أبي هريرة قال: الإيمان بضع و60 عفواً قال: الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. متفق عليه. البضع من ثلاثة إلى تسعة بكسر الباء وقد تفتح، والشعبة القطعة. هذا الحديث أصل من أصول أبواب الإيمان، هذا الحديث أصل عظيم وفيه فوائد كثيرة ومهمة جداً، منها أن الإيمان يدخل فيه القول ويدخل فيه العمل، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من أجزاء الإيمان هنا القول، قول لا إله إلا الله، وذكر إماطة الأذى عن الطريق فهذه من الإيمان. ومنها من الفوائد أن رتب الإيمان أو شعب الإيمان وأعمال الإيمان متفاوته في المنزلة عند الله، وليست على درجة واحدة ولا على منزلة واحدة.
ولو تتذكرون في متن المنهاج من ميراث النبوة كان هناك باب في أن الدين على مراتب في الأمر والنهي والخبر، وأن الفقه في الدين تبع لإدراك هذه المراتب، وهذا سبحان الله باب يعني من يجهله أو من لا يوفق إليه يكون قد حُرم خيراً كثيراً، ومن يوفق إليه يكون قد أصاب خيراً كثيراً جداً اللي هو إدراك مراتب الدين، والتركيز على المراتب العلية مع عدم إهمال المراتب التي دونها، لكن التقرب إلى الله بأعلى الأعمال وهذا لا يكون إلا بعلم، يعني إصابة أو معرفة المراتب العلية عند الله هذا لا يكون إلا بعلم ما يجب، لا الاستحسان الشخصي، يعني مثلاً دعوني أذكر لكم الآن لو سمعتم حديث الإيمان بضع وسبعون شعبة بدون التتمة وقلت لكم يا جماعة الخير الرسول صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، جيد؟ يلا لنجتهد نعدد خصال الإيمان من الأمور التي ذكر الله في القرآن وفي السنة أنها إيمان، كما فعل العلماء جمعوا الأشياء التي ذكرت أنها من الإيمان كثيرة، يلا ما هو أفضل شيء منها برأيك؟ أفضل شيء ما نقول مثلاً أهم من ناحية العقيدة أو لا، لا، أفضل شيء من الإيمان، أعلى شيء يعني من رتب الإيمان التي يتقرب بها إلى الله، ممكن واحد يفكر في أشق الأعمال صح ولا لا؟ أقول أكيد ما دام أنه أفضل يعني أكيد أنه هو الأكثر مشقة أو صعوبة أو يتطلب وقتاً طويلاً. القضية تحتاج إلى علم، الرسول صلى الله عليه وسلم يختصر عليك الطريق يقول لك: أفضل رتب وشعب الإيمان قول لا إله إلا الله، هذا أعلى شيء، هذا أعلى شيء في الإيمان، أعلى أفضل رتبة، أفضل شعبة، أفضل جزء في إيمان هو قول لا إله إلا الله، إذاً إصابة الرتب العلية لا تكون إلا بعلم، والعلم هذا موروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك من فوائد تعلم السنة النبوية تعلم أفضل الطرق الموصلة إلى الله، لأن الطرق الموصلة إلى الله سبحانه ليست أموراً اجتهادية يطرحها أو يأتي بها العقل من عنده، وإنما هي أمور توقيفية، فكلما ازداد الإنسان علماً بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ازداد علماً بالطريق أو بالطرق الموصلة إلى الله.
إذاً الفائدة الثالثة تبع للثانية: احنا قلنا الثانية أن الإيمان رتب، الفائدة الثالثة أن إدراك التفاوت بين هذه الرتب إنما يعلم من طريق القرآن والسنة، أي عن طريق العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والفائدة الرابعة هي المنصوص عليها في الحديث أن أفضل شعب الإيمان قول لا إله إلا الله، وأن المؤمن بناءً على ذلك ينبغي أن يعظم هذا القول ويعطيه حقه في أمرين، يعطي حقه في أمرين أو من جهتين: الجهة الأولى من جهة كثرة قوله، الجهة الثانية من جهة تحقيق المعاني القلبية أثناء قوله، لأنه قد جاء وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير حديث ذكر بعض الأحوال القلبية المرتبطة بلا إله إلا الله. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله صادقاً من قلبه أو خالصاً من قبل نفسه، إذاً الصدق، وفي حديث عتبان: فإن الله قد حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، ابتغاء وجه الله أثناء قول لا إله إلا الله. إذاً تحقيق هذه الرتبة العلية يكون بأمرين، بنفس الذكر وكثرته، الأمر الثاني بتحقيق المعاني القلبية أثناء قول لا إله إلا الله، فهذا من الأمور العظيمة الكبيرة الشريفة. كم ذكرنا أربعة؟ الخامسة في فضل الحياء وأنه من الإيمان، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحياء لا يأتي إلا بخير، وسبحان الله قد يأتي عند البعض يعني خاطر أو يعني يفكر يقول الحياء يعني قد يكون سمة من سمات الشخصية، لكن هنا يعد من رتب الإيمان الحياء، وأذكر في إحدى مجالس سوية المؤمن لما تحدثت عن الحياء سبحان الله كيف تم الوقوف على بعض المعاني التي تبين حقيقة شرف الحياء وأهمية الحياء، وكما تعلمون ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت.
الفائدة السادسة في فضل إماطة الأذى عن الطريق وأنه من الإيمان، وأنا هنا أريد أن أقول لكم شيئاً، الآن إماطة الأذى عن الطريق جُعل في هذا الحديث جُعلت أدنى شعب الإيمان، أدنى شعب الإيمان. طيب دعونا ننظر في أدنى شعب الإيمان هذه، ما الفضل الوارد فيها؟ فإذا أدركت الفضل الوارد في أدنى شعب الإيمان فلك أن تتصور أو أن تتخيل الفضل الوارد فيما هو أعلى من ذلك، فضلاً عن الفضل الوارد في أعلى شعب الإيمان، وهذا الفضل سيأتي في الحديث الحادي عشر بإذن الله تعالى، وأصلاً قد ذكر لو تتذكرون في الأحاديث الماضية وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، كانت في كثرة طرق الخير ذكرت، لكن هنا أيضاً سيأتي في الحديث الحادي عشر ذكر الفضل الخاص لإماطة الأذى عن الطريق، فإذا كان الفضل في إماطة الأذى عن الطريق وهو أدنى شعب الإيمان فما بالكم في الفضل الوارد أو في الفضل الذي يتحقق على أعلى شعب الإيمان، وما بين أدنى شعب الإيمان وأعلاها بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة.
ثم قال النووي رحمه الله: العاشرة عنه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خُفَّه ماءً ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، فقالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر. متفق عليه. وفي رواية للبخاري: فشكر الله له فأدخله الجنة. وأعجب من هذه الرواية قال النووي: وفي رواية لهما: بينما كلب يطيف بركيَّة قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فاستقت له به فسقته، فغفر لها به. قال النووي: الموق الخف، ويطيف يدور حوله، وركية هي البئر.
طيب بالنسبة لهذا الحديث، هذا الحديث عظيم ودعوني أشرح، منه هو من أهم المعاني التي في هذا الحديث، فمن أدرك هذا المعنى لعله إن شاء الله يدرك السر في هذا الحديث. قد يستقل ناظر من النظار هذا العمل الذي عمله هذا الرجل أو عملت هذه المرأة مع الكلب الذي كاد يقتله العطش، فنزل الرجل إلى البئر فسقى فأخذ من الماء وقبل ذلك قال: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل ما بلغت، ثم نزل ففعل يعني وضع الماء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ملأ خُفَّه ماءً ثم أمسكه بفيه، لاحظوا أمسك الخف بفيه لأنه عشان يصعد من البئر، إلى أن صعد ثم سقى الكلب. قد يستقل مستقِل أو ناظر هذا العمل فيقول يعني سقى كلباً يغفر الله له؟ يعني ما هذا العمل؟ بهيمة وكلب، ويعني إيش العمل هذا؟ قد يقول قائل هذا، لكن انظروا أيها الكرام، هنا السر نريد أن نفهم المعنى، سبحان الله، أصول الصفات الحميدة في الإنسان هي واحدة فقط، تتغير بتغير متعلقها، يعني هي متعلقة بمن؟ يعني مثلاً أعطيكم مثال خارج هذا النص ثم نرجع لهذا النص، مثلاً إنسان أحسن إليه شخص آخر، أحسن إليه بالستر عليه أو أحسن إليه بالإنفاق عليه أو أحسن إليه بأي شيء، فكان هذا الثاني وإن كان مصلياً ومزكياً ومؤدياً للفرائض، إلا أنه جحد فضل هذا المحسن إليه، ولا أقول جحد يعني أنكر يعني قال إنه ليس لك عليَّ فضل، لا، وإنما لم يشكره ولم يقم بأي شيء من حقه ولم يقدر هذا الذي أعطي المعروف الذي أُعطي إليه، ولا كأنه يعرفه، لكنه لم يعتدِ عليه ولم يظلمه ولم يجحد بلسانه. طيب أنت الآن إذا نظرت مجموعة هذه الحال، أقول لك هذا مصلي وصائم ويقول لا إله إلا الله ومزكٍ ويحج وقائم بالفرائض والحمد لله، هو لم يكفر بالله، ولكن واحد مثله من البشر ما شكره ولا جحده، نقول له: لا تستقل هذا الذنب أو هذا العمل السيئ، لأنه هذا دال على أصل هذا الإنسان، هو أصله إن كان شاكراً سيكون شاكراً للناس وشاكراً لله، ولذلك لا يشكر الله من لا يشكر الناس، لأنه هي في الأصل، فإذا لم تكن شاكراً للناس فلن تكون شاكراً لله، لأن هو المعنى في أصل الخلق في الشكر، وهذا نفس الشيء، من لا يرحم هذه البهائم ويكون عنده أصل خُلق الرحمة وأصل خُلق العطف وأصل خُلق الإحسان، فالأمر ليس متعلقاً بالبهيمة، الأمر متعلق بالخلق داخل النفس، فإذا لم يكن عندك من الرحمة ومن العطف ما يجعلك تسقي هذه البهيمة التي تكاد تموت من العطش فتكاد أن تقول: ليس فيك خير، فهمتم الفكرة في النفس؟ ولذلك انتبهوا، إذا وجدنا في الإنسان بعض الصفات السيئة ولو كانت في غير الأمور أو في غير المجالات الكبيرة، فهذه قد تدل على أنه سيكون بنفس الخصلة السيئة في المجالات الكبيرة، واضح؟ مثل ما ذكرت لا يشكر الناس، لا يشكر الله من لا يشكر الناس، طيب هذا كما قلت يدل على أصل في الخلق فيه إشكال، فلاجل ذلك يُذم الإنسان بهذا الأصل. فهمتم الجماعة القضية ولا ما فهمتم؟ مفهومة جيداً؟ فهذه فائدة، وهذه الفائدة الأهم التي يُفهم منها معنى الحديث أو سر الحديث والله أعلم، هذا طبعاً اجتهاد في محاولة تقريب المعنى ومحاولة الوصول إلى المعنى والله تعالى أعلم.
الأمر الثاني في عدم فائدة، يعني الفائدة الثانية في أهمية عدم إغلاق أبواب الرحمة أمام العصاة، وإيانا جميعاً أن نقول عن إنسان إنه هلك لأجل أنه عصى، إنه هلك يعني الهلاك المطلق، وإنما نقول مهما كان الإنسان عاصياً، حتى ولو كان زانياً أو كانت بغياً.
كهذه، فإن رحمة الله واسعة، إذا كان الإنسان مسلماً. نعم، المؤمن يخاف ذنبه، وهي من جهة أن تعرف رحمة الله، وإن كانت من جهة أخرى لا تجعلك تستحقر الذنب؛ لأنك لا تدري بأي ذنب تؤخذ، ولا تدري ما شؤم الذنب عليك، هذه المشكلة. فهمتم الفكرة؟ يعني هي من جهة أنت تفهم رحمة الله، سعة رحمة الله، فلا تيأس الناس من رحمة الله، ولا تعتقد في نفسك أن إنساناً لمعصيته -إن كان مسلماً لكنه من العصاة- تظن أن باب الرحمة قد أغلق أمامه، أو أنه في النار قطعاً، أو أنه هالك تماماً، أو لا، أنت ما تدري بما يرحمه الله وبما يغفر الله له، حتى ولو كان يشرب الخمر، أنت ما تدري بما يغفر الله له.
وهذه البغي، خذوا أرحم قلب منا من الموجودين ومن السامعين، خذوا أرحم قلب منا تمام، وقولوا له امرأة بغي زانية، وبغي كأنها متكرر زناها، وقد تكون مشتهرة به، فسقت كلباً كاد يقتله العطش، وكذا، يلا، من منكم برحمته يتجاوز، وأنت عندك الزنا بذنبه المعروف في الشريعة، من منكم يتجاوز عن هذا الذنب بسبب سقي كلب؟ في أحد منكم يفعل ذلك؟ ما في أحد منا يفعل ذلك، ما في أحد. أنت لا تنظرها في الزنا، أنت مسؤول عن... إذا أنت أب، انظر في أبنائك تمام، خلي واحد من أبنائك يفعل ذنباً ومعصية وأنت مؤكد عليه أنه ما يفعلها، اجتمع فيها، يعني، ومن الأشياء الكبيرة التي أنت مؤكد عليها، لكن ما تصل للزنا، خلينا في ذنوب أخرى، تمام، ثم عمل معروفاً آخر صغيراً، معروفاً صغيراً جداً، ما أقول لك إنه تاب وأقلع وما أدري إيش سوى وعرف ورجع وكل لا لا، لكن عمل معروفاً صغيراً، من منا يستطيع أن يسقط تلك المخالفة الكبيرة الشديدة الصعبة الحرجة بمعروف صغير؟ ما في أحد منا، هذا، هذه رحمة، هذه رحمة الله ليست مثل رحمتنا.
وفي نفس الوقت أنت من جهة كونك عبداً، أنت تخاف الذنوب؛ لماذا؟ لأن الموازنة ليست عندك، أنت لا تعرف بأي ذنب قد تؤخذ، بأي ذنب قد تخذل، بأي ذنب، الله أعلم، ما تعرف. فالإنسان يبتعد عن الذنوب، لكن في نفس الوقت يظل بين الخوف والرجاء، وفي جانب نفسه يغلب الورع ويغلب البعد، وفي جانب الناس يغلب حسن الظن، ويغلب إيش أنه الإنسان تحت رحمة الله، وتحته هذا، طالما أنه مسلم، طالما أنه محافظ على إسلامه، طالما أن عنده لا إله إلا الله، ويحافظ على أصل الدين، يحافظ على صلاته، لكن عنده بعض الذنوب التي ابتلاه الله بها، فلينتبه الإنسان.
وهذا أيضاً يعني مهم بالنسبة للمصلحين للعاملين، ما يحتقرون أصحاب الذنوب، والله إحنا عندنا قسمين في المجتمع، قسم يعني صالحين، وقسم فاسدين، تمام؟ الفاسدين يا أخي ما أدري كذا، صحيح، صحيح. لا شك أن الإخوة تتفاوت، وأن الإنسان مطلوب في أن ينتقي الأصحاب الأفضل، هذا ما في شك، وهذا أمر شرعي: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، ولكن في نفس الوقت ما تقول عن هؤلاء أو عن أولئك أنهم في النار، أو أنهم كذا أو كذا أو كذا، وإنما ترجو لهم الخير، تدعوهم إلى الخير، تدلهم عليه. والناس متفاوتون، وفرق بين الذنوب كذلك، وبعض الذنوب يستحق الإنسان أن يهجر عليها، وبعضها، هذا باب في الفقه عظيم، باب في الفقه عظيم.
على أية حال، هذه إشارة فقط سريعة إلى هذين المعنيين في الحديث. المعنى الأول هو الأساس: أن السر والله أعلم ليس في مجرد سقي البهيمة، وإنما في الملمح الخلقي القلبي الذي أنتج هذه الرحمة أو هذا العمل؛ لأن الذي يكون راحماً بالبهائم أو رحيماً بالبهائم سيكون رحيماً بغيرها. فالخلق القلبي المحرك الذي أنتج هذا المعروف، وقلنا قارناه بحديث: لا يشكر الله من لا يشكر الناس، بمعنى أن الذي يجحد فضل الناس عليه، فسيجحد فضل الله عليه؛ لأنه هو في الأخير خلق معين مرتبط بقلبه بداخله.
ثم قال النووي رحمه الله: الحادي عشر. هنا نأتي الذي قلنا الحديث الذي هو مرتبط بأدنى شعبة من شعب الإيمان، في حديث: الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها أو أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. الآن نرى فضل أدنى شعبة من شعب الإيمان، أدنى شعبة هذه فضلها. قال النووي رحمه الله: الحادي عشر عنه أي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين. رواه مسلم. لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر طريق كانت تؤذي المسلمين، كانت تؤذي المسلمين. رواه مسلم.
وفي رواية: مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذه عن المسلمين لا تؤذيهم، فأدخل الجنة. وفي رواية لهما البخاري ومسلم: بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخره، فشكر الله له، فغفر له. هذا فضل إيش؟ أدنى شعبة من شعب الإيمان، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، دعني أؤخر هذه لا تؤذي المسلمين، أزالها عن طريق المسلمين، فشكر الله له، والله هو الشكور وهو الشاكر سبحانه، فأدخله الجنة. لا ورايته يتقلب في الجنة. الله! يتقلب في الجنة بماذا؟ أي إيش؟ الفوائد كثيرة، حديث ظاهر يعني واضح معناه. لكن من الفوائد العملية أن الإنسان لا يحتقر العمل الصالح؛ فلا يدري أي عمل يدخله الجنة.
سؤال، هل تتوقعون أن هذا الذي قال أنحي عن طريق المسلمين لا تؤذي لم يكن له عمل آخر؟ لم يكن له عمل آخر أبداً؟ لم يعمل ولا شيء أبداً؟ المتوقع أن تكون له أعمال، لكن العمل الذي شكره الله له فأدخله به الجنة هو هذا. الله أعلم، قد تكون أعماله الأخرى يعني لها حسنات معينة تعتبر أصلاً في كونه يثاب، تعتبر موفية لبعض السيئات الأخرى، يعني أسقطت بعض السيئات المهم، أنه الذي صفا له أنه يدخل به الجنة، أو العمل الأهم، أو العمل الأوضح سبباً في دخوله الجنة، خلنا نقول هو إزالة هذا الغصن من طريق المسلمين.
ولاحظوا المعنى: لا تؤذي المسلمين، لا تؤذي المسلمين، لاحظوا المسلمين. وفي هذا فائدة أنه حتى الأعمال بين قوسين الإنسانية، كونها تتعلق بالمسلمين تكون أعظم ثواباً، تكون أعظم ثواباً: لا تؤذي المسلمين. نعم، فالشاهد أن هذا الفضل العظيم يعطي للإنسان نتيجة عملية: أن الإنسان لا يحتقر عمله، لا يحتقر العمل الصالح، لا يدري أي عمل يدخله الجنة، فلذلك ليضرب الإنسان في أبواب الخير في كل باب بسهم، لا تقول أنا عندي الحمد لله دعوة إلى الله، وعندي مثلاً كذا، وعندي، فهذا يكفيني، يقول لك لا، اضرب بسهم، اضرب بسهم، تخسر شيء؟ اضرب بسهم، أحسن إلى هذا، اعمل معروفاً هنا، لا تحتقر هذا العمل، حتى لو مرة واحدة في حياتك تعمل بعض الأعمال الصالحة، لو مرة واحدة، ما تدري لعل الله يبارك لك في هذا العمل يدخلك به الجنة.
لذلك كان العلماء يعني يحرصون على العمل بمختلف الأحاديث، ها ما تدري الذكر الذي يدخلك الجنة، ولا المشي إلى الصلاة، ولا الإحسان إلى ضعيف، ولا تفريج كربة مكروب، ولا الجهاد في سبيل الله، ولا الزكاة، ولا صدقة على كذا، ولا أنت تتقرب إلى الله بمختلف الأعمال الصالحة وترجو ما عند الله، وترجو ما عند الله.
ثم قال الثاني عشر عنه. والله إحنا تكررت عنه عنه عنه، فرضي الله عنه وجزاه خيراً على كل هذا النقل وعلى كل هذا العلم الذي بلغه وأوصله إلينا رضي الله تعالى عنه وأرضاه أبو هريرة، قال الثاني عشر عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا. رواه مسلم.
هذا الحديث أخرجه النووي رحمه الله في باب كثرة طرق الخير، ونحن نقرأ هذه الأحاديث في كل مرة نتدبر أو نزداد بصيرة، ونزداد علماً بطريقة، طريق جديد من طرق الخير. للتو كنا في إزالة الشوك عن طريق المسلمين، وقبلها في سقي البهائم، ها وقبلها في الحياء، وفي قول لا إله إلا الله، وقبلها تعرف في كل تسبيحة صدقة، وتحميدة صدقة، في الدرس الماضي. الآن نحن أمام عمل جديد، طريق من طرق الخير جديد: من توضأ فأحسن الوضوء. أدقق في ألفاظ المصطفى صلى الله عليه وسلم: فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، استمع وأنصت، هذا شرط، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا. ومن هذا الحديث فائدة فقهية أخذها بعض العلماء، وهي من الأدلة على عدم وجوب الغسل يوم الجمعة؛ لأنه قال: من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة. هذا من الأدلة، وهو قول الجمهور، وإن كان بعض العلماء أوجب الغسل يوم الجمعة بحكم الروايات التي في الصحيح: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. على أية حال، ليس هذا محل المسألة، هذا قول الجمهور أنها مستحبة، وهذا من الأدلة على كونها مستحبة: من توضأ فأحسن الوضوء.
لكن في أبواب الخير، يعني الآن كم مكفر للسيئات أمام الإنسان في يومه وفي أسبوعه وفي شهره؟ كم شيء يكفر؟ الآن الإنسان أولاً كم باب من أبواب الذنوب ممكن أن يقع فيه، نسأل الله أن يغفر لنا، كم باب من أبواب تكفير السيئات؟ أبواب كثير، لذلك أنت تحرص على كل الأبواب، شيء منها لعله يكفر سيئات، شيء منها لعله يرفع درجات، شيء منها لعله، ولعله، ولعله، لعله يرضي الله عنك، أنت ما تدري. يعني كل خلاصة الكلام من هذا الباب، الفائدة العملية هي أن تضرب في كل باب من أبواب الخير بسهم، وألا تحتقر شيئاً من المعروف، وألا تكتفي بمعروف دون آخر. توكل على الله، امض، يسر الله لك عملاً هنا، اعمل ولو مرة، مثلاً في بعض الناس مثلاً ما يزور المرضى، الحمد لله أنا عندي طلب علم، وصلاح، وإصلاح، وعمل للدين، يا أخي لا تحتقر زيارة المريض، والله فيها فضل عظيم، ما يدريك لعل الله سبحانه وتعالى برحمتك له، وأنس بمؤانستك إياه، ويغفر الله لك ويرحمك، وفهمتوا الفكرة؟ وهكذا.
نعم طيب، طبعاً هذا إحنا نقول يضرب بسهم، بعدين الملازمة لبعض الأعمال هذه كمان لها فضل آخر، تعرفوا يا بلال ها حدثني بأرجى عمل عندك، فإذا هو يلازم، يلازم إيش؟ أنه لا يتوضأ وضوءاً إلا صلى به ركعتين، وأسألك مرافقتك في الجنة، قال: أعني على نفسك بإيش؟ بكثرة السجود. فإحنا يعني عندنا مقامات، عارف، في مقام تضرب في كل باب باب الخير بسهم، وفي مقام إيش؟ الملازمة لبعض الأعمال، وهذه يعني الحمد لله طريق العبودية عجيب وواسع وكبير. طيب يلا نأخذ باباً أيضاً جديداً الآن، باب تكفير السيئات.
قال الثالث عشر عنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، وركزوا على المسلم المؤمن، هذه هي البداية، هي الأول، هي الأساس. وحتى الإسلام نفسه، هذا الإسلام ها فيه درجات، أنه إذا أحسن المرء إسلامه، في بعض الروايات في حديث المضاعفة للحسنات. طيب، إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه، خرج من يديه كل خطيئة كان بطشت يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه، خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب. رواه مسلم.
هذا بأي عمل؟ الوضوء الذي لا يحتسب كثير من المسلمين، أو ربما أكثرنا، الله أعلم، الأجر فيه يعني، تعرفي توضأ صلاة، يلا بتوضأ، رايح أتوضأ من جهة أنه فرض، ويلا الحق الصلاة، وأرفع الحدث. أنت أين الوضوء؟ هذا باب من أبواب رحمة الله، وباب من أبواب مغفرة الذنوب، يعني مفترض وأنت تتوضأ تستمتع، وأنت تتوضأ تحتسب الله، الحمد لله ها تغسل الوجه، أنت تحتسب ترجو، يعني ترجو يا رب لعل الله يغفر لي إن شاء الله بهذه غسل وجهي في الوضوء. طبعاً أكيد في فرق في الشعور بين من يتوضأ هكذا، وبين من يتوضأ وهو لا يحتسب، صح لا يستحضر، فرق. إذاً هذا فضل عظيم.
ثم قال الرابع عشر عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. رواه مسلم. هذا الحديث فيه كثرة أو تعدد أسباب مغفرة الذنوب كذلك، وهذا في نوع من أنواع الأعمال التي تغفر بها من الأعمال المتكررة التي بينها مسافة زمنية، فأقرب مسافة أو مدى زمنياً الصلوات الخمس، ثم الجمعة، ثم رمضان. الآن يدخل رمضان ها في بالك أن تصوم هذا الشهر، تقوم الليل، تصلي التراويح، في شيء ترى، في في شيء إضافي، ترى إذا صمت هذا الرمضان ما بين هذا الرمضان ورمضان الذي قبله تكفر السيئات، والجمعة إلى الجمعة، أنت تروح صلاة الجمعة، ها هذا شرف الجمعة أيضاً فضل مكانة الجمعة وصلاة الجمعة، أيوه. ولكن الأمر الثاني هو المهم جداً: إذا اجتنبت الكبائر، وهذا فيه فضل وشرف وقيمة ومنزلة اجتناب الكبائر، ترى أحياناً الإنسان قد ما ينتبه.
لعظم هذا الأمر عند الله سبحانه وتعالى، يعني اجتناب الكبائر بحد ذاته هو فضل عظيم عظيم، كون الإنسان يشتري بالكبائر فضل عظيم جداً بمجرد اجتناب الكبائر. لذلك اجتناب الكبائر سبب لأن تأتي هذه الأعمال بثمرتين؛ بمعنى الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، لمن يقع في الكبائر قد لا تكفر عنه سيئاته، لماذا؟ لأنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ثم قال: إذا اجتنب الكبائر أو إذا اجتنبت الكبائر. طيب إذا لم تجتنب، ما دخل في النص واضح، فلذلك لا تسأل عن الفضل في اجتناب الكبائر، ليس فقط أنك اتقيت الله في هذا الأمر الذي نهى الله عنه فلم ترتكبه، لا، الفضل أنه فتح لك باباً من الخير.
وفي نفس الوقت انظر بالعكس، انظر كم باباً من أبواب الخير يغلق في وجهك بسبب الكبائر التي لا يقتصر شؤمها على الذنب المعين المرتبط بنفس الكبيرة، وإنما قد يمتد شؤمها إلى أن تعيق وصول بعض أبواب الخير والمغفرة لك. ومع ذلك لا نقول إن الكبائر تسد باب المغفرة، تسد باب المغفرة بلا توبة ها، ولكن نقول في مثل هذه الأحاديث جاء التقييد فتنبه، يخشى وهذا فيه شؤم كما أسلفت الكبائر.
طيب نكتفي بهذا القدر، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والمغفرة والرحمة والقبول، والعفو والعافية، وأن يجعلنا من الشاكرين، وأن يهدينا ويسددنا، وأن يثبت قلوب المؤمنين، وأن يغفر لنا ولهم. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم اعف عنا وعافنا، ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا يا ربنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم عافنا واعف عنا، اللهم عافنا واعف عنا، اللهم عافنا واعف عنا، لا إله إلا أنت، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد.
الشيخ أحمد السيد