تسجيل الدخول

رياض الصالحين 31 | باب في الاقتصاد في العبادة 1 | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس أنوار السنة المحمدية، وتحت عنوان الاستهداء بالسنة النبوية، هذا هو المجلس رقم 31 من مجالس التعليق على رياض الصالحين. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.

كنا قد انتهينا في المجلس السابق من باب طويل وعظيم وجميل، وأورد فيه الإمام النووي -رحمه الله- 25 حديثاً، فكانت رحلة مع كثرة طرق الخير، فلله الحمد الذي وسع طرق الخير ورحمنا سبحانه، فجعل أبواب التقرب إليه والحسنات كثيرة واسعة، وهذه كانت وقفة لعدة دروس مع الباب السابق.

اليوم في باب جديد، وهو الباب الرابع عشر، وهو باب في الاقتصاد في العبادة. هذا الباب ترتيبه من حيث مجيئه بعد الأبواب السابقة، وترتيبه في مسالك العبودية ومراحل العبودية، ترتيب بديع؛ لأن الإنسان يحتاج في البداية إلى المقدمات، إلى الإخلاص، إلى النية، إلى الكلام على الاستقامة، إلى الكلام على كثير من الأبواب التي مرت سابقاً.

ثم الآن يحتاج إلى شيء بعد أن تشجع على العبادة وتحمس لها، وعرف كثرة طرقها، وعرف مقدار الخير الذي فيها، وعرف عظمة أبواب العبادة؛ يحتاج إلى شيء يضبط بوصلته في العبادة ويقول له: ها، ويقول له: العبادة ليست على هواك، وحتى إذا تحمست في العبادة وكان هواك مع مزيد من العبادة، فإن العبادة منضبطة في الدين ولها حدود معينة، فقف عند الحدود التي أوقفك عندها رب العالمين، وطبقها سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

فكما أنه لا ينبغي التقصير، فلا ينبغي كذلك الإفراط والزيادة، فهذا الباب لضبط بوصلة العبادة، لضبط بوصلة المسير في السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، فيأتي هذا الباب بهذه الطريقة لضبط مسير الإنسان المتعبد، فهو باب إذاً في الأساس للمتعبدين.

وعندي هنا وقفة حقيقة، وهي في ربانية هذا الإسلام من خلال هذا الباب، ربانية الدين من خلال أبواب، باب الاقتصاد في العبادة عجيب سبحان الله، هذا المعنى أو عجيب يعني فكرة أو قضية الاقتصاد في العبادة أنها جاءت في الإسلام؛ ليش؟ لأن السياقات البشرية، السياقات البشرية إذا كان أتى سياق نور بعد ظلام أو إصلاح بعد فساد شديد، فإنه كثيراً أو عادة ما يكون هذا الإصلاح فيه بعض الشطحات وفيه بعض التجاوزات، ثم يأتي مجددون أو مصلحون آخرون فيرمون الزيادات التي أتى بها المصلح الأول؛ عارف لأنه ردة فعل بشرية، تعرف مثلاً حتى في السياقات البشرية غير المسلمة لما تجي مثلاً ثورة على استبداد أو على عصور ظلام ولا على استيلاء كنيسة ولا أي شيء، تجد أنه فيها زيادات فيها غلو فيها مبالغة، بعدين يأتي الفلاسفة ويأتي المنظرون فيقصون أجنحة هذه ويرتبونها ويهذبونها، جيد.

حتى في الحركات الإصلاحية الإسلامية لما تظهر حركة إصلاحية إسلامية أحياناً في واقع ظلام شديد وواقع طغيان، فتجد أن الحركة أحياناً تجنح إلى يعني بعكس ذلك تماماً، فتزيد، تتشدد نوعاً ما، ثم يأتي بعد ذلك من يصلح ويقول: يا جماعة لا، ردات الفعل لا ينبغي أن تكون جداً، مادري صح، أما الإسلام فمختلف، أتى بضوابطه وبملابساته وبحدوده.

فالإسلام أتى كاملاً، بالعكس لما جاء الإسلام جاء هو النموذج الأعلى، كل من جاء من المصلحين في هذه الأمة فهو أقل من النموذج الأول، أما في الحركات الإصلاحية فقد يأتي مصلح ثان أو ثالث أو رابع ويكون أعلى من المصلح الأول صح ولا لا؟ أنت شوف السياقات الإسلامية ممكن يأتي مؤسس لسياق إسلامي يكون عنده خير ويكون عنده فضل، لكن يقول لك والله بس اللي جاء بعدين أضبط علمياً وأضبط في مادري ايش وكذا صح ولا لا، واستفاد من المدري ايش وزاد، أو استفاد من التجارب وزاد فيه صح ولا لا؟

أما في الإسلام ما فيه، الإسلام النموذج الأكمل، النموذج الأعلى، النموذج الأعظم، النموذج الكذا من الناس هو محمد صلى الله عليه وسلم، وكل من يأتي بعد النبي صلى الله عليه وسلم فمقدار صوابه بقدر موافقته للنبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، هو المقياس التام لكل شيء من أمور الدين والعبادة، وهذا لا يمكن أن يكون إلا ربانياً، لا يمكن أن يكون إلا ربانياً، لا يمكن أن يكون إلا من عند الله سبحانه وتعالى.

تعرفوا ليش ما يمكن أن يكون إلا من عند الله؟ غير طبعاً الأدلة الكثيرة الواضحة المعروفة، لكن من هذه الزاوية فقط؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الإله الخالق سبحانه الذي يرى جميع خلقه، والذي يعرف يعلم الماضي ويعلم المستقبل، فهو سبحانه وبحمده ليس مثل البشر الذين عارف تأتيهم ضغط معين فيعملوا ردة فعل معينة، وكما قال بعض العلماء أو المفكرين: إنه ترى الله لما يمهل الظالم هذا في باب آخر، ترى هو لا يخاف فوته؛ لأن نفس الظالم بيد الله، يعني فاهم الفكرة؟ أنت الآن ممكن واحد يظلمك فانت تبغى المصير لأنه تخاف أنه يموت قبل ما يأخذ جزاءه، بس بالنسبة لرب العالمين هو نفس الظالم بيده، لا والذي نفسي بيده، نفس الظالم بيده، فسبحانه وبحمده لا يخاف فوته، لا يخاف فوت هذا الظالم.

فكذلك بالنسبة للإسلام هو ليس مرهوناً لردات الفعل ولا مرهوناً لحالات شعورية ونفسية، وإنما هو من عند رب العالمين الذي يعلم ما مضى ويعلم ما سيأتي، ويعلم أحوال العباد ويعلم ما يصلحهم، ولذلك جاء هذا الدين كاملاً، وبالتالي كل من يريد الإصلاح فيرجع إلى هذا النموذج الأول، إلى هذا النموذج الأكمل، إلى هذا النموذج الأعلى، ونحن اليوم بأشد وبأمس الحاجة لتجديد هذا الواقع بإعادة عرض هذا النموذج مرة أخرى، وإعادة مركزته وأولوياته الكبرى، وهذا ما يكون فيه بإذن الله تعالى الفائدة والنفع العظيمين.

قال الإمام النووي رحمه الله في باب الاقتصاد في العبادة، إذاً هذه مقدمة، أولاً قبل المقدمة السابقة هي مقدمة مهمة، يعني ندخل على باب الاقتصاد في العبادة من نافذة ربانية الإسلام، من نافذة ربانية الإسلام.

طيب، قال الله تعالى: طه. مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى. أي إنسان ترونه يشقى في الدين فاعلم أن ما أشقاه ليس هو الدين وليس هو الكتاب، حين تجد من يغلو في الدين أو من مثلاً يصاب بوسواس معين ويأخذ في الوضوء وفي الحمام وفي التطهر أربع ساعات، ثلاث ساعات، ويعيش في حالة من الشقاء، فاعلم أن هذا ليس هو الدين، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، وإنما لتهتدي ولتطمئن ولترى الطريق الذي يوصل إلى الله سبحانه وتعالى وتهدي الناس بهذا النور، ولذلك أردف الإمام النووي هذه الآية بالآية الأخرى، فقال: وقال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. فما أجمل هذا الانتقاء.

ثم قال: وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، قال: من هذه؟ قالت: فلانة، هذه فلانة تذكر من صلاتها، في رواية مسلم: هذه امرأة لا تنام، تصلي، يعني قليلة النوم جداً، وأغلب أوقاتها في الصلاة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم -الآن لو ذكر لنا حال مثل هذه، امرأة لا تكاد تنام، تجهد نفسها إجهادات لأجل الصلاة، فنحن سنقول ايش ما هذا النموذج العجيب العظيم!- قال بعكس ذلك، قال: مه، مه، يعني توقفوا، تمهلوا، تأنوا، قفوا، الأمر ليس كذلك، مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا. قالت عائشة: وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه. متفق عليه.

قال النووي رحمه الله: ومه كلمة نهي وزجر. طيب، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه أو ما داوم صاحبه عليه. متفق عليه.

انظر يا جماعة الخير، نريد أن نتقرب إلى الله، ليست بمزيد، ليست القضية بمزيد من التعب، وليست القضية باجتهادات شخصية، القضية بالتحديد الربانية بالهدي النبوي، تريد أفضل طريق في العبادة للوصول إلى الله سبحانه وتعالى، اعلم أنه طريق المداومة، وبما أن النفس البشرية من عادتها الملل ومن عادتها التعب وتتغير أحوالها ما بين الصغر والكبر، تتغير الأحوال، فاعلم أن الذي ينبغي عليك هو أن تلتزم بقدر تستطيع أن تداوم عليه، يرحمك الله، تستطيع أن تداوم عليه، أما أن تكون العبادة عندك بمقدار الحماس، سمعت موعظة فتروح تقوم الليل كله واليوم الثاني ما تصلي الوتر، فاعلم أن هذا وإن كان أكثر في عدد ركعاته فليس هو الأحب إلى الله، الأحب إلى الله أن تلتزم عبادة معينة تداوم عليها، هذا هو الأحب إلى الله سبحانه وتعالى.

قال النووي رحمه الله: ومعنى لا يمل الله أي لا يقطع ثوابه عنكم وجزاء أعمالكم ويعامل معاملة الممل فيعامل معاملة الممل حتى تملوا فتتركوه، فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم.

ثم قال النووي رحمه الله: عن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر لا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني. متفق عليه.

هذا الحديث فيه فوائد، ومنها أن طبيعة الدعوة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت دعوة إحيائية، بحيث أن الذي ينتسب إلى هذه الدعوة ويدخل في مجال استماع حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويكون مع جو الصحابة، فالنتيجة المتوقعة له هي أن يقبل على العبادة وعلى القرب من الله إقبالاً شديداً جداً إلى درجة أن كثيراً من المخالفات التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو عدد من المخالفات التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هي مخالفات في الزيادة وليست في النقص، وإن كانت وقعت مخالفات في النقص، ولكن لأن القضية إحياء للقلوب وإحياء للنفوس فالناس كانوا في إقبال شديد.

فهذا الإقبال الشديد كان يحتاج إلى تربية وتحديد بحيث أنه ما يزيد عن حده، اليوم نحن بالعكس طبعاً، اليوم ليست القضية أن الناس مقبلة على العبادة إقبالاً عظيماً بحيث أنك لا تقول لهم يا جماعة: ترى لا تقوموا الليل كله، ناموا شوية ولا تصوموا كل الدهر وإنما أفطروا بعض الأيام، ليست القضية اليوم هكذا، وإنما القضية هي أنه بالعكس تحتاج تقول: خلينا نحافظ على السنن، خلينا نحافظ على الوتر، خلينا نحافظ على شيء من، يعني القضية بالعكس.

طيب، ولذلك إحنا بحاجة إلى ليست القضية مجرد الزيادة ببعض العبادات وإنما نحن بحاجة إلى إحياء، بحاجة إلى أن تحيا هذه الأمة وأن تحيا قضية العبادة فيها، وأن تحيا قضية القنوت إلى الله فيها، بحيث أن يكون الأصل هو الإقبال وبعد ذلك يأتي التهذيب ويأتي الضبط، فهذه من القضايا التي تلاحظ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه هي إحياء، أنه فيها الإحياء الشديد للنفوس بحيث أنها كانت تقبل فيحتاج الأمر إلى تذكير.

طيب، الأمر الثاني أنه من شدة هذا الإحياء الذي حصل للنفوس ومن شدة الإقبال جاء هؤلاء الناس فاستقلوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم أو تقالوها. النبي صلى الله عليه وسلم كم كان يصلي من الليل؟ كان يصلي كثيراً، كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، وقال له عبد الله بن مسعود: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء، قالوا: ما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الآن عبد الله بن مسعود شوف كيف هذا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله يعني كذا؟ قال: لا، أفلا أكون عبداً شكوراً؟ طيب، صيام النبي صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم في الحديث الصحيح كان النبي صلى الله عليه وسلم ما شئت أن تراه صائماً رأيته، وما شئت أن تراه مفطراً رأيته، أو كما جاء في الحديث. وكثرة العبادة، وكنا نعد للنبي صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد كذا وكذا من الذكر 70 أو 100، يعني عبادة النبي صلى الله عليه وسلم شديدة وطويلة وعجيبة، وخاصة صلاة الليل طويلة جداً، الآن هؤلاء النفر الثلاثة من شدة حماسهم وأقوالهم لما جاءوا سألوا زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أو سألوا من حول النبي صلى الله عليه وسلم ممن يدخل بيوته ويعرف أحواله في الليل وفي الصيام، كيف عبادة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأخبروهم بهذه الأشياء ما أعجبهم، شافوا أن...

هذا قليل، بعدين إيش التفسير عندهم أنه هذا قليل؟ ها، تفسير عندهم أنه النبي صلى الله عليه وسلم غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، طيب أنتم إيش تبغوا تسووا يا اللي استقليتم عبادة النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال لك: أنا واحد ما أنام الليل أبداً، يعني من صلاة العشاء إلى الفجر كل ليلة قيام، والثاني قال: أنا ما أفطر أبداً، والثالث قال: أنا ما أتزوج النساء أبداً، طيب.

الآن شوفوا يا جماعة، الآن هذا اللي بيصلي كل ليلة من العشاء إلى الفجر هو يتقلب ما بين قرآن وسجود وركوع وذكر، صح ولا لا؟ يعني الناس في نوم وهو في ذكر وخشوع وأخبار وسجود، ووصفه وهو وحاله كذلك وصفه عند النبي صلى الله عليه وسلم مخالف للسنة، راغب عن السنة، عجيب! أنت عارف لما تجي عندك راغب عن السنة النبي صلى الله عليه وسلم يجي في بالك أنه مين اللي ما عمل بعض السنن، اللي مفرط في بعض السنن، فأنت تقوله: لماذا أنت معرض عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا واحد كل في العبادة والقيام ويقال له: أنت راغب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، عشان تعرف أن الدين ليس بالهوى، وأن الدين ليس بالشدة، وأن الدين ليس لمن هو أكثر شدة فيه، وإنما الدين هو لمن هو أكثر موافقة للمصطفى صلى الله عليه وسلم فيه، فهو النموذج الكامل وهو الهدي وهو صاحب الهدي.

فهذه قصة عظيمة فيها فوائد كثيرة، المشكلة يا جماعة الخير أنه قد يقع الإنسان في حرج في الدين ويقع في إشكال مع أن بابه باب تعبدي، ولذلك الحديث التالي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، قالها ثلاثاً. رواه مسلم، قال النووي رحمه الله: المتنطعون المتعمقون المتشددون في غير موضع التشديد، ولذلك نجد يا جماعة الخير أنه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على هدي عجيب في الاتزان مع النبي بناءً على ما استفادوه من النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم ننتقل إلى هذا الحديث العجيب الجميل من الذي أخرجه، رواه أبو هريرة وأخرجه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدو والروحة وشيء من الدلجة. رواه البخاري، وفي رواية له: سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، القصد القصد تبلغ، القصد القصد تبلغ. هذا الحديث المختصر من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، يأتي الإمام النووي الآن يفسر هذا الحديث، بالمناسبة يا جماعة أنا دائما تعجبني شروحات النووي للألفاظ، ما أدري ما لاحظتم في رياض الصالحين كل ما يجي لفظ يشرحه بعبارات مختصره ودقيقة بحيث أنه أوتي أيضاً هو من البيان ما يكون فيه تبياناً لكثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فاسمعوا أولاً ذكر خلاف في الإعراب ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فيها خلاف في إعرابها، فقال: الدين هو مرفوع يعني ولن يشاد الدين على ما لم يسمى فاعله، وروي منصوباً، يعني ويشاد الدين أحد إلا غلبه، طيب، وقوله صلى الله عليه وسلم الآن يأتي التفسير اسمعوا يا جماعة إلا غلبه، يقول: أي غلبه الدين وعجز ذلك المشاد عن مقاومة الدين لكثرة طرقه، والغدو سير أول النهار، والروحة آخر النهار، والدلجة آخر الليل، الآن النبي صلى الله عليه وسلم إيش يقول لنا؟ يقول: استعينوا بالغدو والروحة وشيء من الدلجة، طيب إيش هي الغدوة؟ الغدوة السير أول النهار، الروحة آخر النهار، الدلجة آخر الليل، طيب إيش المقصود؟ قال: وهذا استعارة وتمثيل، ومعناه استعينوا على طاعة الله بالأعمال في وقت نشاطكم وفراغ قلوبكم بحيث تستلذوا بالعبادة ولا تسأموا وتبلغوا المقصود، كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات ويستريح هو ودابته في غيرها فيصل المقصود بغير تعب، والله أعلم.

ما رأيكم في البيان والشرح والتفسير؟ شيء يعني ما شاء الله من أفضل ما يكون من الشرح والتفسير، النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول لنا؟ يقول لنا: الآن هذا أولاً تشبيه السائر إلى الله بالمسافر، مسافر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في أغلب أزمنة التاريخ يأخذ دابته ويسير، طيب الآن إيش رأيكم لو جاء واحد قال: أنا بدل ما أوصل المسافة في عشرة أيام أبغى أوصلها في يومين، جيد، وفي الرجوع كذلك، وفي أي سفر كذلك، أنا دائماً أريد أن أسافر سفر العشرة أيام في يومين أو في ثلاثة أيام، كيف؟ لا أنام ولا آكل ولا أشرب وإنما كلها ركض بالخيل، الذي سيحصل أنه سيعطل، سيقف، سيحصل لدابته شيء، سيحصل إجهاد، سيحصل تعب معين وسيقف وقد لا يصل أصلاً، صح ولا لا؟ طيب، السير إلى الله هو كالسفر في الدنيا، كيف المسافر يسايس نفسه ودابته؟ يعني متى يسير؟ يسير مثلاً في أول النهار وقت ما الشمس هادية شوية، ويستغل فترة النشاط بعد النوم ويمشي، إلى ما تشتد الشمس يروح يريح في الظل ويريح قليلاً ويشرب الماء ويمكن يأخذ له غفوة وكذا، إذا انكسرت الشمس راح مشى إلى شيء من الليل، ثم ارتاح ونام، ثم يسير شيئاً من الليل في هذا بعد ما يرتاح، كيف الإنسان في سيره في الحياة الدنيا هكذا يسير، فكذلك في سيرك إلى الله لن تستطيع أن تصل إلى الله إذا كنت تريد أن تفعل كل شيء في نفس الوقت بدون أن تراعي السنة في العبادة، أما السنة في العبادة فهي أصلاً أنت لما تشوف السنة ترى هي موزعة لك العبادة على أوقات اليوم، في أذكار للصلاة، في أذكار للصباح، في أذكار للمساء، في سنن بعد الصلوات الخمس، في أذكار للصلوات، في أذكار بعد الصلاة، في أذكار قبل الصلاة، موزعة بطريقة بحيث أن قلبك يظل حياً، يظل متصلاً بالله، وأنت تقدم هذه الأعمال ولا تقدمها باعتبار أنك قدمت كل شيء وختمت كل شيء، لا، تظل عارفاً أنه قد بقيت أشياء وترضى أنه قد بقيت أشياء، لأنه ترى خاصة بعض الشباب اللي يجي توه ملتزم ومتحمس ويريد أن يأخذ الدين، يبغى يسوي كل شيء، فأنت تقول له: يا حبيبي السكينة السكينة، القصد القصد، استعن بالغدو والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغ.

ثم قال رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، حبل لها في الصلاة، رضي الله عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعن ذلك الجيل الذي كان محباً للعبادة، قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد. متفق عليه. والحديث التالي أيضاً عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه. متفق عليه، متفق عليه.

طيب يا جماعة الخير شوفوا، يمكن أكيد مرت عليكم للي قرأ في كتب السير، أكيد مرت عليكم حالات من عبادة بعض السلف، وعبادة من جنس العبادات التي أنكر النبي صلى الله عليه وسلم الوصول إلى هذا الحد فيها، أليس كذلك؟ ولذلك سبحان الله اللي يبدأ أحياناً بكتب السير بدون ضوابط فإنه قد يؤسس منهج التعبد على طريقة ليست منضبطة تماماً، لأن العباد في زمن السلف فيهم وفيهم، يعني أقصد فيهم من زاد عن الحد، احنا ما شاء الله، احنا نتكلم أصلاً عن سمة، وسياتينا في خير القرون بإذن الله أن من أهم سمات خير القرون التعبد، ترى يا جماعة فكرة أنه حالات إسلامية ولا حالة إسلامية بعيدة عن العبادة هذه ترى ما ليس هذا من الأمر المعهود، الأصل سبحان الله، أمس كنت أقرأ في، أو اليوم أمس نعم اليوم كنت أقرأ سبحان الله نسيت الآن إيش كنت أقرأ، كانت عن عدة كتب لكن واحد منها كان الحديث فيه عن أنه، أيوه صح كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام، كنت أقرأ في كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام، لما تقرأ عن بعض الأمور في قيام الصحابة وكذا ترى هو أمر مسلم عندهم، يعني عارف، يعني الأصل هو قيام الليل بس هذا يقول لك كان يفضل أن يقوم أول الليل وهذا كان يفضل أن يقوم آخر الليل، هذا كان حزبه كذا وهذا كان حزبه كذا، ترى عارف خلاص هذا شيء مسلم، هذا شيء مسلم، والورد والحزب شيء مسلم، لكن الفكرة أن الزيادة والنقص هذه تجدها عند بعض من جاء بعد الصحابة، فلذلك أكمل الهدي هو هدي محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك دائماً نقول، طبعاً هذا يا جماعة تخيلوا في العبادة، فما بالكم بالأشياء التي هي مرتبطة بزمانهم، يعني مثلاً يرد عن بعض السلف مثلاً تكفير معين لمخالفات لبدع معينة، هذه المخالفات في البدع المعينة هذه تكون لها ضوابط أو لها قرائن مرتبطة بالزمن، كيف مرتبطة بالزمن؟ يعني مثلاً مقدار العلم مقدار الجهل هذا يؤثر ولا يؤثر؟ طبعاً يؤثر، إذا جاءك الآن شخص للتو أسلم في أدغال أفريقيا في قبيلة لا تعرف شيئاً من أمور الدين ولا سمعت ولا عندهم إنترنت، وبعد ذلك قال لك الخمر حلال أول ما أسلم، إيش تقول له؟ كافر؟ لأنك حتى ما هو معلوم تحريمه من الدين بالضرورة، تقول له يلا ارجع جدد إسلامك ولا إيش تقول له؟ تقول له لا يا أخي المسلم، ترى هذا في ديننا حرام، صح ولا لا؟ خلصنا، صح، طيب لو جاءك واحد الآن في بلاد المسلمين وعايش بينهم وشيء كذا وقال لك الخمر حلال ولا هي حرام في الإسلام ولا شيء، إيش؟ كفر هذا، كفر جيد، ويكفر الإنسان بجحود ما علم من الدين بالضرورة ومما هو مجمع عليه، ليس أي إجماع، وإنما الإجماع على القطع على الضرورات في الإسلام، على ما هو ضروري في الإسلام، جيد، لذلك من يؤسس منهجه من يؤسس معالم فكره على مثل هذه المواقف من السلف ولا يرجع فيها إلى ما هو قبل ذلك من الأصول المتعلقة بالهدي النبوي، فيقيس القضايا والمسائل ثم يعرف اختلاف أحوال الزمن وتأثير ذلك في العلم والجهل ما يتعلق به، يقع في إشكال حتى في العبادة قد يقع في إشكال، مع أن السلف رضوان الله تعالى عليهم كانوا على هدي هدي عظيم ولكنهم يتفاوتون وليسوا معصومين، فيتفاوتون ومجموع أحوالهم لا شك أنه من أفضل ما يمكن أن يكون من الإجماع في تاريخ الأمة الإسلامية، والصحابة خير من التابعين والتابعون خير من تابعي التابعين، كما في حديث خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، الشاهد أن هذه العبادات التي حذر منها، عفواً التي حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن التجاوز في أدائها، هذه تجد بعض عباد السلف تجاوزوا فيها، جيد، فنحن نقول لهم جزاهم الله خيراً وتقبل الله منا ومنهم صالح العمل ولكن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم حتى لو كان من السلف الأوائل، من تابعي التابعين، حتى لو كان من تابعي التابعين لأنهم ليسوا معصومين، وفرق بين من يؤسس منهجه وابتداء طريقه في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وحدوده وبين من يؤسسه في من بعد ذلك، وهذا أصلاً كان هدي السلف، هدي السلف من أبرز معالمه هو تقديم هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا اختلفوا في شيء ردوه إلى الله وإلى الرسول، فلذلك كان ينكر بعضهم على بعض في مسائل وفي قضايا ويعاد فيها النظر بناءً على ما هو مقياس هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسائل.

عن أبي عبد الله جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات، فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً. رواه مسلم، وكعادة النووي في تفسير الألفاظ بألفاظ قصيرة وجميلة وواضحة يقول: قصداً أي بين الطول والقصر، كانت صلاته قصداً أي بين الطول والقصر، وخطبته قصداً أي بين الطول والقصر، أمر مقتصد، ها أمر المقتصد، لذلك زي ما قلت لكم هذه ترى من الأشياء التي تنفع المربين، تنفع الدعاة، تنفع الذين يتعاملون مع الناس، كيف تسوس الناس؟ كيف تخاطبهم بالدين؟ هذه تحتاج إلى حكمة، تحتاج إلى خطاب، تحتاج إلى إنسان واعٍ بالناس، يعرف أحوال الناس، يعرف من يخاطب، يعرف مقامات الناس، ولذلك ما أعظم وزر الذين يفتنون الناس ولا يراعون كل هذه المقامات والأحوال التي رعاها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال عن أبي جحيفة بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال، هذا طبعاً آخر حديث نأخذه في هذا المجلس، كم أخذنا من الوقت؟ 32، هذا آخر حديث عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله رضي الله عنه قال:

آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، آخى بين سلمان وأبي الدرداء. فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فرأى أم الدرداء متبذلة، شرح في الحاشية يقول: متبذلة لابسة ثياب الخدمة في بيتها، تاركة للبس ما يليق بالنساء من الزينة، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ يعني ليش أنت بهذه الملابس وبهذه الهيئة؟ فقالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال له: كل فإني صائم، زيد واضح أنه رضي الله تعالى عنه رايح في العبادة، ها، في كل شيء، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال له سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصلِّ، يا... فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان. أخرجه البخاري، صدق سلمان، أخرجه البخاري.

هذا الحديث فيه فوائد متعددة. أولاً: في المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهذه المؤاخاة قلت لكم سابقاً، لعل... لعل الله يسهل لنا فيها سلسلة، ها، أنا... أنا بالنسبة لي نفسي أعمل فيها سلسلة كذا خاصة عن المؤاخاة؛ أول شيء نتكلم عن فكرتها، وعن قيمتها، وعن معناها، وبعدين نتكلم عن نماذج المؤاخاة. آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين فلان وفلان، بناءً على ايش الاختيارات؟ هذا يعني تحتاج بحث، بس صعب، وتحتاج تأمل، والنتائج فيها تكون ظنية، يعني ما تكون ليش هذا وهذا؟ هل هي أكيد أنه في عوامل اختيار معينة ومبنية على معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه؟ لكن فكرة المؤاخاة عجيبة والله. يعني شوفوا يا جماعة، الآن في مؤاخاة عامة بين المسلمين صح، اللي هي آتية في حديث أو أتت في حديث: كُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الآن هذه تشمل كل المسلمين، صح، كونوا عباد الله إخواناً، والأحاديث الكثيرة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث فيها مع أصحابه في أهمية التألف والتواصي والبعد عن التدابر والبعد عن التحاسد، هذه عامة ومعروفة.

لكن مع ذلك، وفوق ذلك، ووراء ذلك، يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمزيد من الاختصاص في المؤاخاة، فيؤاخي بين اثنين واثنين واثنين واثنين من الصحابة: أنت أخو فلان، أنت أخو فلان. هذه المؤاخاة في بداية الهجرة كانت تصل إلى درجة الميراث، المؤاخاة مع أنها بدون نسب كانت تصل إلى درجة الميراث، إذا مات أخو المؤاخاة يرثه الآخر، إلى أن نزل قوله تعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فنسخ قضية الميراث الذي كان بين المتآخين. لكن هذه المؤاخاة الداخلية أو الخاصة بين اثنين، يعني أولاً هي احنا نفكر فيها، يعني يبغى لها إحياء، يراد لها إحياء، ها، وفيها فوائد تربوية ترى، وفيها أنه يعني ترى من بين المسلمين قد تختص بشخص معين، وهذا الاختصاص يكون يعني لهدف عظيم وسامٍ. ولما هذا يكون بين اثنين واثنين واثنين واثنين واثنين، ويتألف المجتمع المسلم من كتل صغيرة مخية مترابطة، هذا يؤكد لنا حتى قيمة الأسر في الإسلام. يعني هذه مؤاخاة، الآن نفس الشيء ترى لما الزوج والزوجة، ها، بعدين الأبناء، لما تكون الكتل الداخلية للمجتمع المسلم قوية ومترابطة، ينبني عليها مجتمع قوي، ينبني عليها مجتمع متآخي، الكتل الداخلية متآخية ومتراصة، واضح الفكرة؟

وأنا برأيي والله تعالى أعلم أنه إذا كان الاحتياج في كل زمن إلى تآخي الأسر والعوائل المسلمة، فإننا في هذا الزمن بحاجة أشد إلى مزيد من التآخي الداخلي. لماذا؟ لأننا في زمن استهدفت فيه كثير من مساحات الإصلاح العامة، خاصة في بعض البلدان، لا يكاد يبرز فيها داعية إلا ويحيد من أصحاب القوة والنفوذ، فلا تجد... لم يبقَ في بعض البلدان من يدعو إلى الخير، أو من يستطيع أن يدعو إلى الخير، يحارب، يمنع، أياً كان، فأنت تحتاج إلى تقوية الأسر المسلمة، إلى أن يكون داخل الأسر المسلمة مجال للدعوة، مجال للتربية، مجال للإصلاح. فإذا غاب الإصلاح عن المساحات العامة فلا يغيب على الأقل عن المساحات الخاصة والداخلية. وهذا يؤكد أهمية أن يكون الإنسان في بيته نوراً، وأن يكون الإنسان في بيته رحمة، وأن يكون الإنسان في بيته بركة. وأنا حقيقة أحب أن أؤكد للمصلحين، أن يكون المصلحون... يعني أن يكون الميدان الأول للإصلاح بالنسبة للمصلحين هو البيوت، وخاصة في النموذج الأخلاقي، في النموذج أن تكون فعلاً نموذجاً في البيت، الكل يحبك، الكل ينتظر منك كلمة، الكل... الكل إلى آخره. فهذه حقيقة قضية مهمة جداً، وإذا كانت بيئة البيت لا تساعد، فعلى الأقل أنت تكون الصابر، أنت تكون المحتسب، أنت تكون الذي توسع... يعني توسع بالك وتأخذ مساحة من الـ... لا يصلح أبداً أن يكون المصلح هو أقل الناس صبراً في البيت، ها، وأكثرهم غضباً وأكثرهم... يعني والله ما يصلح يا جماعة الخير، ما يصلح، ما يصلح، أنت المفروض تكون أوسع الناس بالاً وأكثرهم حلماً وأكثرهم تعاوناً. معه، والله صلاح البيوت وصلاح الأسر يا جماعة له تأثير كبير على المجتمع، له تأثير كبير على مستوى الأمة. فهذه قضية تحتاج إلى إحياء وتحتاج إلى يعني تأكيد، فهذه القضية الأولى في المؤاخاة: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وبين أبي الدرداء.

الأمر الثاني: في التأكيد على أنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت القضية إحيائية عجيبة، إلى درجة أن الصحابة يعني ايش؟ كانوا يقبلون على العبادة إقبالاً شديداً. لاحظ أبو الدرداء من يوم ما جاء الليل يبغى يصلي، جاءه سلمان أخوه، ها، قدم له الطعام، أما أنا لا أريد أن آكل، أنا صائم، وزوجته أم الدرداء متبذلة، ما هي لابسة، ما كأنه لابسة لباس المتزوجات، متبذلة، ثياب الخدمة، ثياب الكذا، خلاص، ايش؟ أبو الدرداء معتزل، لا يريد، ليس له حاجة في الدنيا. طبعاً هذه ليست هي الهدي الأكمل، لكن نحن نأخذ منها الجانب الجيد، وهو كيف أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أدت إلى هذه الحياة، أدت إلى أنه كيف الناس أحيت بقضية الإيمان والعبادة وأرادوا الإقبال. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يهذبه، يهذبه، يكبح من جماحه. ولذلك في البخاري قال: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم سعداً، يقول: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، رد عليه التبتل، ولو أذن له لاختصينا. لو أذن له في التبتل لاختصينا، خلاص، لا يريدون لا زواج ولا نساء ولا ها، يبغوا يتفرغوا لقضية العبادة. كـ... ترى... ترى كانت كذا في حال الصحابة، عارف؟ يعني... يعني تخيل، رسول الله هنا الحديث عن الآخرة، والنبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم عن الجنة والنار كانها كأنهم يرونها رأي عين، و... عارف، وتعرف النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: إن لو تكونون أو إن لو تدومون كما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة في الطرق. وهذاك يقرأ الليل وتنزل ظلة فيها أنوار، تنزل الملائكة تستمع، يعني ترى حالاً أخروياً عجيباً، يعني كله كان أخروياً أخروياً، ولذلك صبروا وجاهدوا في سبيل الله وبذلوا وضحوا وآمنوا وصبروا، ها، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. ثم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، ها، يحب كل هذا، لكن لما يأتي تجاوز معين، لا، أنت ارجع شوية، أنت افتان أنت؟ تخيلوا يا جماعة صلاة العشاء، صلاة العشاء مو زينا إحنا الآن اللي يسهر واللي كذا، هم صاحين من الفجر، يعني يا الله يا الله توصل للعشاء، ها، ويجيك معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، من الفجر وهو صاحٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويروح يصلي بقومه بعد ما يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ولما راح يصلي بقومه يقرأ بهم سورة البقرة في صلاة العشاء! مستوعب؟ عارف، عايشين مع القرآن، عارف، عايشين مع الصلاة، خلاص هذه حياتهم، هم منغمسون غُذوا على هذه المعاني، فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟

فأقول لكم يا جماعة ترى وقت النبي صلى الله عليه وسلم الأمور غير، الموازين غير، عشان تعرفوا ايش مركزية التزكية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. هذه ما تجي ترى من يعني عارف من دروس علمية كذا، عشان تعرفوا الحالة المفارقة، مشكلة لما يتربى طلاب العلم على بس متون وشروح مسائل علمية منفصلة، لا يا عزيزي، التزكية مركزية، التزكية يجب أن تكون هي الأصل، تبغى منهج النبي صلى الله عليه وسلم؟ انظر إليه، هذه هي التزكية، هذا هو الأساس، أعمال القلوب، مركزية الآخرة، نصرة الدين، التضحية في سبيل الله، الصبر، كلها أيام قلائل والأمر أعجل من ذلك، الأمر أسرع من ذلك: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ ها، وما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة، ثم قام وتركها. والذي نفسي بيده ما أحب أن يكون لي مثل أحد ذهباً ويمضي عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، شفت أحد؟ جبل أحد الكبير هذا، لو كان مثله من الذهب عند النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما أحب أن يمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، ينفقه ويوزعه. أو يأتي أبو ذر للنبي صلى الله عليه وسلم، فيقول صلى الله عليه وسلم: هم الأخسرون ورب الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة. قال أبو ذر -يعني كأنه شك- ايش فيه يا رب ما يكون في شيء؟ فقال: قال يا رسول الله من هم؟ قال -معنى الحديث- يعني: أصحاب الأموال هم الأخسرون ورب الكعبة، إلا من قال بيده هكذا وهكذا، أو قال هكذا وهكذا وهكذا، بين يديه وعن يمينه وعن شماله. مركزية التزكية، مركزية الزهد في الدنيا، مركزية التعلق بالآخرة، كذا، هكذا رباهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك كانت الحالة العادية هي هذه، واحد خلاص ما يبغى يبغى يقوم كل الليل، واحد يبغى ما يبغى يتزوج، واحد ما يبغى، فهمت الفكرة؟ فمع ذلك يجي النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: لا، في هذه لا، لا تزودوها إلى هذا الحد، لكن الأصل هو الحياة.

أما يا جماعة يصير الأصل عكس، لا تنتظر عزاً للأمة ولا إحياءً لمنهج النبوة ولا عوداً لأفضل درجاتها إذا كانت أحوال المصلحين وأحوال الإسلاميين وأحوال طلبة العلم بعيدة كل البعد عن مركزية التزكية وعن حقيقة حقيقة العبادة وعن صميم القنوت والخضوع لله سبحانه وتعالى، ما يكون، ما يكون، ما في، لازم ترجع هناك العبودية لله، العبودية لله. أما فكرة يا جماعة أنه الإنسان الأصل عنده في الوقت الفاضي يروح يلعب، الأصل يروح يلعب، الأصل يشاهد مسلسلات، الأصل ما أدري ايش، مصيبة، كارثة، وين إحنا يا جماعة؟ وين إحنا؟ وين النصر؟ وين وين التمكين؟ وين وين؟ واضح الفكرة؟ فترجع هناك. ومع ذلك مثل ما قلنا لما يتجاوز الحد يتم التهذيب، يتم الضبط. وفي هذا الحديث من الفوائد تفاوت رتب الصحابة في الفقه في الدين، تفاوت رتب الصحابة في الفقه في الدين، وأبو الدرداء لا شك استفاد من هذا الدرس، ولذلك أبو الدرداء من علماء الصحابة الكبار، وهنا مع وجود شمس النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه استفاد من ضوء سلمان، مع وجود شمس النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه استفاد من ضوء سلمان، وهذا يدل على أنه يمكن في ظل وجود الشمس أو في ظل وجود القمر، يمكن الاستفادة من النجوم، يمكن الاستفادة من النجوم، فقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يستفيد بعضهم من بعض مع وجود المصطفى صلى الله عليه وسلم، مثل ما فعل سلمان رضي الله تعالى عنه مع أبي الدرداء، واستفاد أبو الدرداء وذهب يتأكد من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ماذا؟ صدق سلمان، صدق سلمان.

والفوائد والدروس والعبر من هذه الأحاديث أكثر من ذلك، لكننا نحمد الله سبحانه وتعالى أن حفظ لنا ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، بالله كيف كنا حنعيش؟ بالله يا جماعة كيف كنا حنعيش بدون هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ ها، اللهم يا رب يعني ايش الواحد يقول؟ اللهم لا تحرمنا يا ربي، لا تجعلنا نعيش ولا يوماً واحداً في هذه الحياة إذا انقطع عنا ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، نسأل الله أن لا ينقطع. الحمد لله الذي حفظه، الحمد لله الذي حفظ هذا الميراث، وجزى الله من ساهم في حفظ هذا الميراث. بس ما في يعني هذا طريقك، هذا اللي ما تقدر تعيش بدونه، وهذا الكلام يقال أيضاً بل وبأكثر من ذلك في كتاب الله تعالى في القرآن الكريم الذي كان هو النبراس للنبي صلى الله عليه وسلم: وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي، وكان خلقه القرآن حين سئل عنه النبي النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أردنا هدي النبي صلى الله عليه وسلم فمن هديه العلاقة بالقرآن والالتفاف حول القرآن وكثرة تلاوة القرآن وقيام الليل بالقرآن، إلى آخر ذلك من المعاني والتربية على القرآن، التربية العملية على القرآن، وتعرفون وتحفظونها من ميراث النبوة، الباب الثاني: باب في تلقي القرآن، أنتم لسه مجموعتكم لسه ما جاءت، ما حفظت؟ أفا عليكم، طيب باب في تلقي...

القرآن على منهاج النبوة، ها ونجر الأحاديث، كان أحدنا أو كان الرجل منا لا يتجاوز عشر آيات، لا حتى، إيش؟ حتى يعرف معانيها، أو إذا أخذ عشر آيات لا يتجاوزهن حتى يعرف معانيها والعمل بها، وكذلك حدثنا الذين كانوا يقرئوننا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا لا يجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا فيهن من العلم والعمل، وإلى آخره من الأحاديث التي تدل على أهمية التفقه في القرآن، هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

فإحنا يعني مهم جداً التركيز على هذا الهدي، إحياء مركزيات الهدي النبوي، إحياء ما كان حريصاً عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أعظم ذلك ما يتعلق بالتزكية ومركزيتها في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي تربية الناس عليها، وأي تربية فاقدة لهذه المركزية فهي تربية خداج، خداج، خداج، ثلاث مرات.

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.