الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار السنة المحمدية، ومن مجالس الاستهداء بالسنة النبوية، وهو المجلس السادس عشر من التعليق على رياض الصالحين. وهذه المرة مع باب جديد وهو الباب السادس من أبواب هذا الكتاب الشريف، وقد كان الباب الأول هو باب الإخلاص، والباب الثاني أي شيء؟ توبة، ثم الصبر، ثم الصدق، ثم المراقبة، وهذا الباب هو باب التقوى.
وهذه كما قلت مرارا أبواب شريفة من أهم ما يبدأ به في العلم، وهي مما يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو في فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان يعلم الصحابة الإيمان، فهذا من تعليم الإيمان.
قال النووي رحمه الله: باب في التقوى. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ. وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. وهذه الآية مبينة للمراد من الآية الأولى. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة معلومة.
وقال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. وقال تعالى: إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. والآيات في الباب كثيرة معلومة.
بداية أيها الكرام، اسم التقوى ورد في الكتاب والسنة كثيرا أم قليلا؟ كثيرا جدا. أي اسم من الأسماء الشرعية يرد في الكتاب والسنة خاصة إذا ورد كثيرا فيجب العناية به، يعني يجب أن تتعامل مع هذا الاسم بعناية خاصة، وهذه العناية تكون عبر أمور متعددة، منها أن تستقرئ موارد ذكر الاسم في الكتاب والسنة، يعني أين ذكر هذا الاسم؟ تأتي بالآيات، بالأحاديث. لما تجمع هذه الآيات والأحاديث حول اسم معين، حاول تصنف هذه الآيات موضوعيا، كيف تصنفها موضوعيا؟ يعني مثلا الآيات المتعلقة بالتقوى، جيد، أنت اجمع الآيات المتعلقة بالتقوى بعدين تفكر فيها، أيش في آيات متشابهة؟ مثلا آيات تتحدث عن فضل التقوى وعن ثمرة التقوى، بس مثل أيش؟ من الآيات التي أوردها هنا: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، صح ولا لا؟ هذه الآن في بيان أيش؟ ثمرات التقوى. طيب، يلا تجمعها تقول ثمرات التقوى وفضائلها، واحد: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، الآية الثانية: إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا.
طيب، عنوان ثاني طبعا وتجمع الآيات الأخرى، عنوان ثاني: أهمية التقوى. طيب، أنت أصلا من فين جبت العنوان؟ أنت تجيب العنوان من خلال الآيات، يعني لما تقرأ الآيات اتضح لك أنه هذه الآية في أهمية التقوى، فمثلا: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ، هذه في أيش؟ في بيان أهمية التقوى. هذه الطريقة في التعامل مع الأسماء الشرعية المتكررة طريقة مهمة جدا في التفقه في الدين، قل مثل ذلك في اسم الشكر مثلا، ها وهكذا، فهذه من الأمور المهمة جدا.
التقوى اسم وارد كثيرا في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب، ما هي التقوى قبل أن نذكر الآيات والأحاديث؟ أصل التقوى في أي شيء؟ من أي شيء هي مأخوذة؟ من الوقاية صح، والاتقاء أي المحاذير، وأن تنتبه من هذا الشيء فتجعل بينك وبينه وقاية. فلما أقول لك: اتق السيارات المسرعة؛ تمام، يعني إذا مشيت في الشارع فتنبه من السيارات المسرعة واحذر منها وابتعد عنها خشية أن يعني أيش تؤذيك، ممتاز، فإذا أنت فعلت في مرورك أثناء الشارع وأثناء قطع السير، إذا فعلت أنك تنبهت وحاذرت من هذه السيارات المسرعة يقال لك: أنت حققت التقوى من هذه السيارات.
لأنه التقوى ليس اسما خاصا، ليس اسما مضافا إضافة خصوصية إلى الله سبحانه وتعالى، قد يضاف إلى غير الله صح؟ ايش مثلا في القرآن؟ تقوا النار صح، وفي الحديث: اتقوا الدنيا، اتقوا النساء، هذه صارت أيش؟ إضافة التقوى تضاف إلى غير الله سبحانه وتعالى تمام. طيب، إذا هذا الأصل، وهذا معروف يعني يستعمله العرب في غير التقوى الشرعية، جيد اللي هي من أشهر الأبيات الشعرية دائما يأتون بها في يأتي بها العلماء في تعريف التقوى: فسقط الخمار ولم ترد إسقاطه، فتناولته واتقتنا باليد. اتقنا باليد، خلاص هذه عبارات مشهورة أو اسم مشهور عند العرب التقوى.
طيب، لما نقول اتق الله، اتق الله، ما المقصود باتق الله؟ أي ليكن لديك من الخوف من الله والخشية منه ما يحملك على أن تبتعد عما يسخطه، واضح؟ هذه خلاصة تعريف التقوى، اتق الله أي ابتعد وخف واحذر من ما يسخط الله سبحانه وتعالى فتجنبه، واضح يا سعد ولا مو واضح؟ هذا تعريف التقوى، السعدان، طيب. ومن هنا تختلف التعريفات التي يذكرها العلماء، فمن أشهر التعريفات للتقوى أيش؟ أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية. طيب، لما يقال التقوى معناه أن تجتنب ما يسخط الله سبحانه وتعالى، فأساس ما يدخل في التقوى هو الأمور الواجبة أم الأمور المستحبة؟ الواجبة. أساس ما يدخل في التقوى اجتناب المحرمات، أم التنزه عن بعض ما لا يليق وعما قد يؤثر في؟ لا، هو اجتناب المحرمات هذا في الأساس، واضح الفكرة واضح.
بينما ترى في بعض الألفاظ الشرعية لا، إذا سمعتها فقد (قد يفهم منها ما هو زائد) يعني مثلا في فرق بين التقوى والإحسان، في فرق صح ولا لا؟ الإحسان لفظ أعلى من التقوى من جهة أنه ترى لا يؤدي إلى حسن العمل، يدل على حسن العمل: أن تعبد الله كأنك تراه، واضح؟ لكن التقوى كأنها هي إعطاء الأساس، التقوى لما أقولك: اتق الله يا عبد الرحمن، اتق الله يا عبد الرحمن يعني خف الله، ابتعد عن الحرام، ابتعد عما حرم، ابتعد عما نهى، اتق الله يا عبد الرحمن يعني أدِّ الواجبات، يعني لا تتهاون في الصلاة، يعني لا تتهاون في كذا، يعني لا تقع في الظلم، واضح الفكرة؟ فهذه اتق الله، ولذلك اتق الله تستعمل كثيرا، ما تستعمل وقت الحاجة إلى يعني الزجر، ها ولذلك من صفات المؤمنين أنهم إذا قيل لهم اتقوا الله أو اتقي الله يحذر، يقف.
وبعكسه، وبعكس المنافقون: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، لأنه شوف هي جا آتية في هذا السياق، وإذا قيل له اتق الله، معنا هذه استعملت هنا في سياق اتق الله يعني توقف أو احذر، ها ولذلك ماذا قالت مريم عليها السلام لما جاءها جبريل وخافت منه؟ أيش؟ إِن كُنتَ تَقِيًّا، فقف إن كنت تقيا فستقف، واضح الفكرة؟ في ظنها هي أنه جاء يؤذيها فهي التقي سيقف، وهذا من أهم ما يتعلق بمفهوم التقوى.
طيب بعد ذلك، هل يمكن أن يزاد على هذا المفهوم أشياء؟ نعم، بحسب سياق الآيات، يعني مثلا: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، هذه برأيكم آتية فقط في الأساس ولا فيها قدر زائد؟ ها فيها قدر زائد. ليش حق تقاته؟ حق تقاته هذه غير لما أقول لك مجرد اتق الله، لما أقول لك اتق الله حق تقاته فهذه فيها قدر زائد على مجرد الإتيان بالفرائض وعلى مجرد الابتعاد عن المحرمات، واضح؟
إيه، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ من أشهر ما يذكره العلماء فيها هو قول ابن مسعود في تفسيرها رضي الله تعالى عنه، ماذا قال؟ تقوى الله حق تقاته، قال: تقوى الله حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. جيد، أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، صارت التقوى هنا أيش؟ أعلى درجة من مجرد الإتيان بالواجب وابتعاد عن المحرم، واضح.
طيب، وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. هنا أيش قال النووي عن هذه الآية؟ وهذه الآية مبينة للمراد من الأولى، لأنه ممكن يقول واحد: اتقوا الله حق تقاته، ليش أنا أنام مثلا سبع ساعات ولا، اتقوا الله حق تقاته! خلاص، الدنيا قصيرة، أنا ما أنام إلا ساعتين أو ثلاث ساعات حتى اتقي الله حق تقاته، حق الله، ها اتق الله حق تقاته، تعرف ما معنى اتقي الله حق تقاته؟ أيوه، تاتي هذه الآية أيش: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فتكون هذه الآية أيش؟ مبينة للأولى، بحيث أنها نعم اتقوا الله حق تقاته ولكن ما استطعتم، دون أن يكون الأمر خارج نطاق الاستطاعة.
طيب: اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، هذه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا قريبة من قول سبحانه وتعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا، اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، لاحظوا يا جماعة التقوى صايرة أساس، يعني مثلا مثلا إذا رأيتك يا خليل، ها تتكلم ولكن يعني جرت في الكلام قبل ما أقول لك لا تجر في الكلام ها، أو أقول لك قل قولا سديدا، الأساس والقاعدة التي يمكن من خلالها الانطلاق إلى توجيه شرعي آخر هي أيش؟ اتق الله أول شيء يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وأيش؟ وقولوا قولا سديدا، أول شيء اتقوا الله، هذه هذه اتق الله تعرف تعرف كأنها ماذا؟ اتق الله هذه كأنها الجذب، شفت الإنسان الغافل أنت تريد توجه التوجيه في قضية معينة أول شيء هذه اتق الله، كأنك تجره، تجذبه، اتق الله، ينتبه المفترض ينتبه، ها بعدين تقول له قل قولا سديدا، اتق الله لا تفرط في صلاتك، اتق الله غض البصر، وهكذا واضح الفكرة؟ فاتق الله هذه تكون في البداية ليعني تنبيه الإنسان وتحذيره، ومن لا يزعه قول اتق الله فهذا معناه في إيمانه خلل واضح، ومن كان يستمر في الإثم بل وتأخذه العزة بالإثم لو ذكر بالله وقيل له اتق الله، فهذه من سمات المنافقين، نسأل الله العافية.
وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. هذه آيات في فضل التقوى، تجعل الإنسان يحرص غاية الحرص على الابتعاد عن الذنوب والمعاصي، لأنه يا جماعة الخير أحيانا الإنسان لما يريد يتقرب إلى الله ما يأتي في باله التقرب إليه بالكف، بالكف عما يسخطه، أحيانا لما يأتي في بالك أن تتقرب إلى الله أن تتقرب إلى الله أن تأتي ما يحب، لكن ترى من أعظم ما يتقرب به إلى الله التقرب إليه بالكف عما يكره، فأن تغض البصر مثلا هذا ترى قربة عظيمة إلى الله سبحانه وتعالى، ليس فقط أن هي هي أمر، أمرك بأن تغض البصر، لا هو حين تفعل هذا الأمر أنت تأتي بالواجب وفي نفس الوقت أرايت هذه الثمرات التي يخبر الله عنها للمتقين هي تتحقق لمن يفعل مثل ذلك لأن هذه التقوى. واضح.
ثم قال رحمه الله تعالى: وأما الأحاديث فالأول عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قيل يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألونني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. متفق عليه. قال النووي رحمه الله: وفقهوا بضم القاف على المشهور، وحكي كسرها، أي فقهوا أي علموا أحكام الشرع.
هذا الحديث حديث عظيم، وهو يصنف في أيش؟ من الموضوعات المتعلقة بالتقوى، فضل التقوى، يصنف في فضل التقوى. ليش في فضل التقوى؟ من خير الناس؟ من أكرم الناس عفوا، طبعا أكرم الناس هنا أيش المقصود بأكرم؟ السؤال نعم، ليس المقصود أكرم يعني أكثر إنفاقا، أكرم اللي هو الكرم اللي ضد البخل، لا، الكرم اللي هو الأنفس والأعلى والأغلى والأثمن، أكرم الناس من أعلاهم منزلة، من أفضل، السؤال كان متوجها من الصحابة بأي غرض أو عن أي نوع من الكرم؟ يسأل عن أي نوع من كرم المنزلة، يسأل هي كرم المنزلة المتعلقة بالنسب والحسب، من أكرم الناس يا رسول الله؟ ها يعني كانه كأنهم كانوا ينتظرون أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم مثلا قريش مثلا، ها أو بحسب القبيلة كل واحد بحسب ما هو متوقع، لا هنا النبي صلى الله عليه وسلم نقل اهتمامهم إلى قضية أيش؟ تقوى.
وهذا أسلوب نبوي، وإحنا قلنا في هذه السلسلة من أهم الأشياء اللي نريد أن نتبعها بوصلة الهدي النبوي، هذه من الأساليب النبوية أيش؟ أنه يأتي شخص عنده قضية معينة يريد أن يسأل عنها لاهتمامه، أنت تصرف اهتمامه إلى معنى آخر مرتبط بنفس القضية التي يسأل عنها، هو أولى أن يهتم بها، مثلا قال يا رسول الله متى الساعة؟ أيش قال؟ ما أعددت لها؟ وقوم آخرون قالوا يا رسول الله متى الساعة؟ قال نظر إلى قال: فنظر إلى أصغرهم قال: إن يدركه الهرم، ها تقوم عليكم ساعتكم، يعني هم سألوا عن الساعة العظمى وهو أرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى الاهتمام بالساعة الصغرى اللي هي الموت، اللي هو هذا اللي يعنيكم، أما الساعة العظمى متى موعدها هذا عند الله، ما لكم دخل في هذه القضية، يعني ليس من اهتمامكم الذي ينبغي أن تهتم به، هو موعد الساعة العظمى، لكن من الاهتمام الذي ينبغي أن تهتموا به هو ساعتكم الصغرى، واضح؟ فهنا نفس.
الشيء لما قال من أكرم الناس، قيل من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم لله. يا جماعة ترى النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل من أكرم الناس ترى عارف هم إيش قصدهم، يعني لما قال أتقاهم لله مو لأنه النبي صلى الله عليه وسلم لم يفهم المقصود، لا؛ لأنه عدل بهم عن المقصود الذي يريدون إلى المقصود الذي ينبغي أن يسألوا عنه، واضح؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أتقاهم. وفي رواية: أتقاهم لله. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فيوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله. عليكم السلام، يعني تريدون أن تسألوني عن أكرم الناس نسباً؟ تراه يوسف، لماذا؟ لأنه نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله.
يلا أنتم يا السائلين عندكم الأحساب والأنساب، وتعجبكم أنسابكم العربية وكذا، يلا من منكم يأتي بحسب وبنسب كهذا، أن يكون ابن نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله؟ فهو نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله. يلا من من العرب منكم أيها السائلون عنده هذا النسب؟ ما في. وهذا أيضاً من النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يعني لفت انتباه منه إلى زاوية أخرى غير الزاوية التي يسألون، وإن كان اقترب هنا يعني النبي صلى الله عليه وسلم لامس قضية النسب لكن عن غير التي يسألونه، هم ما كان قصدهم فيما مضى ولا كان قصدهم الأنبياء ونسب الأنبياء، هم قصدهم معادن العرب، وهو يعرف ذلك صلى الله عليه وسلم، ولكن أيضاً يعيد تصحيح المعايير صلى الله عليه وسلم فيقول: أكرم الناس تراه يوسف نبي الله ابن نبي الله إلى آخره. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فعن معادن العرب تسألون؟ يعني كأنه هو قال: فعن معادن العرب تسألون؟ بس هو السياق كأنه يعني هذا الذي تريدون، وعن معادن العرب تسألون.
ومع ذلك لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم الجواب الضيق الذي ربما كان يريده بعضهم أو يريدونه، وإنما أجابهم جواباً في قاعدة عامة عظيمة جداً ليست في التفضيل المطلق المتعلق بأنساب معينة، وإنما قال في جملة عظيمة: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. خيارهم في الجاهلية، يعني الجاهلية ومرحلة الجاهلية فيها تفاوت، صح في ناس وناس، هي كلها جاهلية مرحلة جاهلية، لكن حتى داخل الجاهلية ترى في تفاوت، في أخلاق حسنة، في أخلاق حميدة، في ناس عندهم يعني خصال معينة من الخير، أولئك الذين كانوا في الجاهلية من الخيار، ترى هؤلاء هم الخيار في الإسلام أيضاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن أصالة المعدن للإنسان، ترى الحر الشريف الكريم العفيف الصادق الذي كان في الجاهلية هو كذلك سيكون خيراً في الإسلام، وبعكس ذلك قد يكون الإنسان لئيماً في الجاهلية، لئيماً في الإسلام، نعم هو شرف بالإسلام بلا شك، ولكن إذا كان القصد عن الكرم، الكرم اللي هو النفاسة يعني جوهر الإنسان، لا ترى ممكن الإنسان يكون فيه لؤم في جاهليته وفيه لؤم في إسلامه، يعني هو اللؤم مستحكم فيه، والبعض بعكس ذلك، الخيرية مستحكم فيه والكرم مستحكم فيه في جاهليته وفي إسلامه، فالناس معادن، الناس ليسوا سواء.
طيب إحنا الآن بنركز على جملة مهمة وعلى قضية مهمة وهي: إذا فقهوا، نريد أن نركز على هذه القضية تركيزاً يعني نوعاً ما نعطيه قدراً من الأهمية. إذا فقهوا طيب إذا ما فقهوا إيش يصير الآن إيش إذا فقهوا، إيش التقييد اللي صاير فيها؟ يعني إذا ما فقهوا إيش يعني؟ ولو كانوا خياراً في الجاهلية وعندهم نفس الخيرية التي في الجاهلية ترى لن يكونوا الخيار في الإسلام إلا إذا فقهوا، فإذا لم يفقهوا أو يتفقهوا سيبقون على أصل من أصول الخيرية لكنه لن يكون كاملاً. فيه، أنا ما عندي معرفة بالكيمياء بس أنا أتخيلها زي تفاعل المواد، أتخيلها زي تفاعل المواد في الكيمياء أنه فيه شيء معدن قابل أنه يتفاعل أو مادة أو عنصر قابل أنه يتفاعل، فيه شيء كامن لكنه يحتاج إلى أن يخلط بشيء آخر، إذا خلط بشيء آخر سيحدث هذا التفاعل، سيحدث هذا التفاعل، هكذا الناس، فيه معدن خير لكنه يحتاج إلى شيء يخرج هذا المعدن ويزكيه وينميه ويجعله يتفاعل وينتشر، ما هو هذا الخليط؟ الفقه في الدين، الفقه في الدين.
والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها ما كنا نتكلم عنه قبل قليل، أحياناً يكون هناك أناس لديهم قدرات استثنائية، لديهم خصال استثنائية، لديهم تميز استثنائي، الناس الآن بعضهم يسمي مثلاً يدخل فيه اسم الموهوبين، أحياناً اسم القادة، أحياناً تعرف في ناس كذا شخصياتهم أصلاً من ربنا تمام، هؤلاء أحوج الناس إلى الفقه في الدين، أحوج الناس إلى الفقه في الدين، لماذا؟ لأنه سبحان الله هذا الفقه في الدين يوجه هذه الخيرية وينمي هذه الخيرية، وأكثر من تفوح رائحة زكائه هو الذي فيه الخيرية الكامنة هذه إذا سلط عليها الفقه في الدين، إذا سلط عليه الفقه في الدين. ولذلك اللي عنده رعاية موهوبين ورعاية قادة ورعاية ما أدري إيش بدون الفقه في الدين، فمشروع مهما فعله هو مشروع ناقص، مهما فعله فهو مشروع ناقص. وبعكس ذلك إذا عندك أناس من الخيار وعندك أناس من الموهوبين وعندك ناس من ذوي الكرم والحسب وعندك ناس من ذوي الصفات الحميدة، فأولى من ينبغي أن يوجه إليهم التفقه أو قضية تعليم الدين هم هؤلاء. وبعدين شوفوا يا جماعة، الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال أي كلمة، قال: إذا فقهوا، والفقه هنا إياكم أن تظنوا أنه هو الفقه الاصطلاحي فقط، الفقه الاصطلاحي في العلوم الشرعية، من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، هذا أبداً لا يختص بقضية علم الفقه في التراث الإسلامي، وخيارهم في الجاهلية خيار في الإسلام إذا فقهوا، هذا أبداً لا يختص بقضية الفقه، وإن كان داخلاً أو ليس داخلاً، داخل هو داخل بلا شك، لكنه لا يختص به، الفقه في الدين يشمل ما يتعلق بالدين عموماً، في الاعتقاد وفي الآداب وفي التزكية في السلوك وفي فقه الأحكام العملية وغير ذلك، واضح؟ فلا تميز للموهوبين بلا فقه في الدين، ولا تميز للقادة بلا فقه في الدين، وهذه قاعدة عظيمة جداً: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.
الثاني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء. رواه مسلم. هذا الحديث من جملة الأحاديث التي تعرف الإنسان المسلم ببعض الحقائق المحيطة به، الله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان، خلق ما حوله من الزينة والحياة، "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها"، لكن وهذا الأبصار لما حول الإنسان يدرك بالبصر الحسي صح ولا لا؟ الدين ميزته الوحي أنه أتى لإضافة البصيرة المعنوية، البصر المعنوي البصيرة، اللي هو أنه نعم هذه دنيا هذه زينة، تراها تأتي الشريعة لتضيف لها تعريفات أخرى. إيش الأساس لما أنت تبصر شيء من زينة الدنيا في الأساس الفطري، إيش علاقتك؟ فيه علاقة حذر أم علاقة رغبة واندفاع؟ رغبة واندفاع، هذا الطبيعي، هذا اللي يدركه كل الناس، الوحي يأتي يضيف لها، ما يقول لك ترى هذه الرغبة خطأ، لكن يضيف لها تحذيراً، فيقول لك اتقوا الدنيا، اتقوا الدنيا، نحن نعلم بمجموع النصوص أن اتقوا الدنيا ليس ابتعد عن الدنيا، يعني ليس لا تستمتع بشيء من أمور الدنيا، ولكن اتقِ الدنيا، احذر أن تسقطك هذه الدنيا، احذر أن تأسرَك هذه الدنيا، احذر أن إلى آخره، واضح؟ وهذه ميزة عظيمة في الاستنارة بنور الوحي، أنه أنوار الوحي تضيف إلى المعنى الطبيعي الذي بين الإنسان وبين ما حوله من أمور الحياة، تضيف لها التعريفات التوجيهية المتصلة بأنوار الوحي، فتجعل الإنسان يهتدي في سيره: فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء. هذا الخطاب للرجال: اتقوا النساء، وهي من الفتن التي خشيها النبي صلى الله عليه وسلم على رجال أمته. ولا شك أن الإنسان المؤمن المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه إذا كان محباً حقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يبتعد عما حذر، ويضع حساسية وتنبه لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى محل حساسية وانتباه في قلوب أمته، ومن جملة ذلك، ومما حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يبقى هكذا في قلوب أمته أو رجال أمته تحديداً، هو الحذر من فتنة النساء، الحذر من فتنة النساء، لا تتهاون في هذه القضية، لا تتهاون في هذه الفتنة، هذا ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون من رجال أمته، أن يتقوا هذه الفتنة.
الثالث عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. رواه مسلم. في التصنيف الموضوعي الذي قلنا في البداية للآيات والأحاديث هذا نصنف تحت إيش؟ تحت عنوان إيش؟ أحسنت، كيف نحقق التقوى؟ كيف نحقق التقوى؟ واضح يا جماعة، ترى اللي يسأل كيف أحضر موضوعات وكذا، ترى أحياناً بهذه الطريقة تحضر موضوعات كاملة، بالعكس تتعب فيه أحسن من أنك تأخذه جاهز، زي ما قلنا التقوى يلا مع الآيات التي فيها، صنفها موضوعياً، واحد من الموضوعات: وسائل تحقيق التقوى، أو كيف نحقق التقوى، واحدة منها إيش؟ الدعاء، التقوى تستجلب بالدعاء، تستجلب بالدعاء، ومن جملة الأدلة على ذلك هذا الحديث الصحيح الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيه بهذه الدعوة.
الرابع عن أبي طريف عدي بن حاتم الطائي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حلف على يمين ثم رأى أتقى منها فليأتِ التقوى. رواه مسلم. معنى الحديث: من حلف على يمين أي أن يفعل شيئاً أو أن لا يفعل شيئاً جيد، ثم تبين له أن الأتقى لله هو أن يفعل هذا الشيء الذي حلف ألا يفعله، فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تترك هذه اليمين، ومقتضى هذه اليمين، وتكفر عن هذه اليمين وتأتي الأمر الذي حلفت ألا تفعله، مثلاً إخوان مع بعض في البيت، واحد زعل من الثاني، هذا ظلم، هذا ظلم شديد، فقال المظلوم للظالم: أقسم بالله العظيم أني لن أكلمك، لن أكلمك إلى أن تموت، جيد، إيش الأتقى لله؟ كلم، إيش يفعل؟ يكفر ويكلم، واضح؟ هذا معنى الحديث.
الخامس عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم؛ تدخلوا جنة ربكم. رواه الترمذي في آخر كتاب الصلاة، وقال: حديث حسن صحيح. وهذا الحديث أخرجه الترمذي من طريق زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإسناده جيد، إسناد هذا الحديث جيد، والترمذي صححه، وإحنا قلنا غالباً إذا صحح الترمذي فالحديث يكون صحيحاً كذلك، وهذا الحديث في الأمور الأساسية أم في الأمور الزائدة؟ أمور أساسية: اتقوا الله، إحنا قلنا هذه القاعدة، ثم بعدها: وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم؛ تدخلوا جنة ربكم. وهذا الحديث فيه من الأمور الزائدة هنا أن طاعة الأمراء المؤمنين من أئمة المسلمين، ويدخل فيها أصلاً بهذا الأجمع أئمة المسلمين أنفسهم، أئمة المسلمين أنفسهم، أن طاعة الأمراء من تقوى الله سبحانه وتعالى، وهذه الطاعة من مجموع النصوص مقيدة بأمرين: أولاً الأمر الأول أنها لا تكون في معصية الله، وهذه قاعدة محكمة في الشريعة وواضحة، "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، ومن يقول طاعة الأمراء من تقوى الله ولو أمروا بمعصية الله فهو مخالف لشرع الله ومحرف لدين الله، فطاعة الأمراء فيما لا، إيش؟ فيما لا يتعارض مع شرع الله، هذا القيد الأول. القيد الثاني: أن طاعة الأمراء المأمور بها والتي هي من تقوى الله هي ما كان تحت مظلة الشريعة عموماً، واضح؟ ما كان تحت مظلة الشريعة عموماً، أي الأمراء الذين يحكمون بالإسلام ويقودون أمة الإسلام، فإن طاعتهم من تقوى الله، ما يصلح، ما يصلح أنه أنت ما عجبك شيء تروح يعني إيش تخرج السيف وتروح تقاتل لأنه ما عجبك أو لأنك ترى أنه فيه شيء أصلح، أو لأنه عمل بعض الذنوب والمعاصي، طالما بهذين القيدين، بهذين القيدين تمام، وهذان الشرطان والقيد مهمان جداً، الأول: أن لا يكون أمره لك فيه معصية، الأمر الثاني: أن تكون منظومة الإمارة هذه هي منظومة ضمن الشريعة الإسلامية، ضمن الحكم بالإسلام، ضمن تطبيق الإسلام، ولو كان فيها بعض الأخطاء، أما أن تكون منظومة غير إسلامية فهي غير داخلة في هذا النص، والتعامل معها شيء آخر بحسب يعني أبواب أخرى الإنسان يتحدث عن لكن هنا الآن فيما يتعلق بالحديث؛ لأنه البعض، ليش إحنا نذكر هذين القيدين؟ لأنه من تحريف الدين وهذا يحصل، أنه يظن الإنسان أن الطاعة هي مرتبطة باسم الإمارة، باسم الإمارة، أنه ما دام فيه أمير إذاً يجب الطاعة، هو، ما هي ليست مرتبطة باسم الإمارة، مرتبطة باسم الإمارة الذي هو تحت اسم الإسلام، الذي هو تحت اسم الحكم.
بالإسلام، واضح الفكرة هذه قضية مهمة أنه يتنبه لها، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.
وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد