تسجيل الدخول

رياض الصالحين 17 | باب اليقين والتوكل 1 | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه المصير. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار السنة المحمدية ومجالس الاستهداء بالسنة النبوية، وهو المجلس السابع عشر من مجالس التعليق على رياض الصالحين. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والعون والمدد، ونسأله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما يعلمنا وأن يهدينا ويسددنا.

ولو تتذكرون في بداية اللقاءات قلت هذه المجالس يعني هي للاستشفاء بالسنة، وملامسة حاجات القلب وحاجات الروح وضم النفس التي تداوى وتشفى بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبهذه المعاني الإيمانية وبحق العبودية لله سبحانه وتعالى. واليوم عندنا باب هو من صميم هذه الأبواب التي تتصل بمعنى الاستشفاء والهداية، وهو باب اليقين والتوكل.

قال فيه الإمام النووي رحمه الله: باب في اليقين والتوكل. وقد جمع بين أمرين فقال اليقين والتوكل، بينما في الأبواب السابقة كان يأتي بلفظ واحد صحيح، فقط الباب الأول باب الإخلاص وإحضار النية، وهي متقاربة؛ لكن اليقين والتوكل كل واحد منها عمل، صح ولا لا؟ اليقين عمل قلبي والتوكل عمل قلبي، فما العلاقة بينهما؟ طبعا هناك باب أصلا عنوان شريف جدا اسمه العلاقة بين أعمال القلوب، وهذا باب من أبواب الفقه في الدين، أن تكتشف وتفهم وتفقه العلاقة بين هذا العمل القلبي وذاك العمل القلبي الآخر.

فاليقين والتوكل بينهما علاقة، أيهما يعد مقدمة للآخر؟ اليقين مقدمة للتوكل، يعني هل يتصور تحقيق التوكل بلا يقين؟ لا يتصور، صح ولا لا؟ طيب، إذا هنا هذا الباب عن اليقين وعن التوكل، ولما تتأمل في الباب ستجد أن عامة ما فيه عن التوكل.

طيب، قال النووي رحمه الله: قال الله تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا. وقال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ.

وقال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ. وقال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. وقال تعالى: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. والآيات في الأمر بالتوكل كثيرة معلومة. وقال تعالى: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. أي كافيه. وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. والآيات في فضل التوكل كثيرة معروفة.

ما أجمل هذا وما أجمل الاستفتاح بهذه الآيات القرآنية العزيزة عن قضية التوكل وقضية تفويض الأمر لله، وقضية الاطمئنان إلى الله سبحانه وتعالى إذا وكل الإنسان أمره إليه سبحانه وتعالى. وكل آية من هذه الآيات فيها ما فيها من الدروس والعبر والعظات. غير أن مما ينبغي أن يتفكر فيه ويتأمل فيه هو كيف أن الإنسان المؤمن الموقن المتوكل على الله سبحانه وتعالى كيف أنه يزداد حسن ظنه بالله سبحانه وتعالى عند اشتداد الأزمات، مع أن اشتداد الأزمات هو لغيره سبب لأيش لسوء الظن بالله.

يعني الآن حين تحدث الأزمات على الإنسان فإن الناس تجاه الأزمات على قسمين: منهم من يحسن ظنه بالله بسبب الأزمة، ومنهم من يسوء ظنه بالله بسبب الأزمة. نفس الأزمة وأحيانا ليس فقط نفس نوع الأزمة، لا، أحيانا نفس الأزمة في نفس المكان في نفس الموقع الجغرافي بالضبط، يعني موقعة الأحزاب في نفس المكان الذي كان الناس فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، انقسم الناس إلى قسمين: قسم من المنافقين كان حاضرا يوم الأحزاب فقالوا بالنص: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. وآخرون في نفس الموضع وفي نفس المقام ماذا قالوا؟ قالوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.

طيب، ففائدة عبادة يعني مثل ما قال باب اليقين والتوكل، إحنا فينا نقول باب حسن الظن بالله والتوكل، أو باب التوكل وحسن الظن بالله، لأنه من أعظم الأسباب التي تدفعك لحسن الظن بالله هو أن تتوكل عليه. طيب الآيات كما قال النووي رحمه الله كثيرة معلومة، نبدأ بالأحاديث.

قال رحمه الله تعالى: أما الأحاديث، فالأول عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق. فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله صلى الله عليه وسلم، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه، فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة. متفق عليه.

قال النووي رحمه الله: الرهيط بضم الراء تصغير رهط وهم دون عشرة أنفس، والأفق الناحية والجانب، وعكاشة بضم العين وتشديد الكاف وبتخفيفها والتشديد أفصح، يعني عكاشة وعكاشة والتشديد اللي هو عكاشة أفصح.

طيب هذا حديث عظيم وحديث عجيب وحديث فيه فوائد كثيرة وفيه دروس عظيمة، وسنقف معه وقفة يعني فيها بعض التفصيل، هو يعني أكثر حديث سنقف معه اليوم إن شاء الله هو هذا الحديث. هذا الحديث فيه أولا أن يوم القيامة فيه مشاهد، ومن المشاهد التي في يوم القيامة مشهد عرض الأمم، وهذا على قول أن هذا يعني لأن هو اختلف، قيل إنه رآه النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإسراء وقيل.. بغض النظر، لكن هذا من المشاهد التي تكون يوم القيامة.

وهذا مشهد يختلف عن المشهد الذي يعرف النبي صلى الله عليه وسلم فيه أمته غرا محجلين من أثر الوضوء، دائما يا جماعة الخير يوم القيامة يوم طويل جدا، أحيانا الذي لا يدرك تعدد المشاهد يوم القيامة يظن أن هناك تناقضا بين بعض القضايا التي وردت فيه، لكنها مقامات، هناك مقام يعرض فيه عرض عام لا يستبين للنبي صلى الله عليه وسلم من هي أمته في البداية، وأما مقام القرب ورؤية الأعيان والأشخاص فيعرف النبي صلى الله عليه وسلم أمته برؤيتهم غرا محجلين من أثر الوضوء، واضح؟

طيب، هناك ارتباط كثير ووثيق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين موسى عليه السلام، وبين هذه الأمة وبين أمة موسى عليه السلام، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى السماء وفرض الله عليه خمسين صلاة، نزل فوصل إلى موسى عليه السلام، فقال موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فرجع محمد صلى الله عليه وسلم إلى ربه فسأله التخفيف فخفف، ثم نزل إلى موسى فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك فاسأله التخفيف، ثم رجع فسأل التخفيف، وهكذا حتى وصل إلى خمس صلوات، ولما وصل إلى خمس صلوات نزل وقال له موسى أيضا: إن أمتك لا تطيق ذلك.

قال موسى عليه السلام لمحمد صلى الله عليه وسلم: أنا أعلم بالناس منك، عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استحييت من ربي، استحييت من ربي، يعني خلاص ما لن أراجعه مرة أخرى في أن يخفف الصلوات أقل من خمس صلوات، قال الله تعالى: هي خمس وهي خمسون، يعني هي خمس في العمل والتكليف وهي خمسون في الأجر، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى وكرمه. الشاهد دائما نجد الارتباط بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم في القرآن.

ويوم القيامة سيكون أتباع موسى الذين يعني آمنوا به وصدقوا كثر، وحين يراهم النبي صلى الله عليه وسلم أول ما يراهم يظن أنهم أمته لكثرتهم، وطمع النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون أمته كثيره، يعني يطمع في رحمة الله أن يدخل أمته أو أن تكون أمة النبي صلى الله عليه وسلم المستجيبة له كبيرة، فظن النبي صلى الله عليه وسلم أن السواد الأول هو أمته، ثم قيل له هذا موسى وقومه، ثم رفع له سواد آخر وفي رواية سد الأفق، فقيل هذه أمتك، ثم قيل له ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.

كم عدد هذه الأمة؟ طبعا إحنا ترى يمكن ما نتخيل مقدار البشرية، أكيد ما نقدر نتخيل، إحنا نجي في مرحلة معينة نقول مثلا عدد البشرية 7 مليار، إحنا نتكلم الآن عن الحشر بشكل عام، تمام؟ بس 7 مليار هم في هذه اللحظة، لكن إذا رجعت إلى قبل 20 سنة، إذا رجعت إلى قبل 100 سنة ترى في مئات الملايين أو المليارات اللي هم ما هم موجودين أصلا الآن، وإذا رجعت إلى 50 سنة قبلها، ثم إلى 50، ثم إلى 50، ثم إلى 50، ثم إلى 50، إلى أن تصل إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إلى أن تصل إلى زمن عيسى عليه السلام، ثم إلى أن تصل إلى زمن موسى عليه السلام، ثم إلى أن تصل إلى زمن إبراهيم عليه السلام، ثم إلى أن تصل إلى زمن نوح عليه السلام، ثم إلى أن تصل إلى زمن آدم عليه السلام، فأنت تتكلم عن أعداد مهولة لا يستطيع أن يحصيها ولا يعلمها إلا الله.

هؤلاء كلهم سيحشرون يوم القيامة، كلهم سيحشرون يوم القيامة في صعيد واحد، كلهم صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاه، وزيادة على ذلك ستحشر معهم الحيوانات، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ. فيوم الحشر يوم مهيب، يوم مهيب وفيه كما قلت مشاهد كثيرة، فيه شيء يجمع كل الناس، بعدين يأتي الناس الذين استجابوا، أهل النار يؤمر بهم إلى النار، يعني مشاهد كثيرة جدا.

فمن جملة ذلك أنه في ظل هذه الأعداد الكبيرة وفي ظل هذه الأمة المستجيبة الواسعة يبرز السبعون ألفا، 70 ألف من بين الأمة المستجيبة، الأمة المستجيبة كم هذه من وقت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن؟ الله أعلم كم الذين هم من المسلمين، الله أعلم كم، من بين هؤلاء 70 ألف، يعني 70 ألف ترى ولا شيء من ناحية العدد بالنسبة للأمة من وقت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، ولا شيء. هؤلاء السبعون ألفا أمام الجميع سيبرز، وهذا البروز هو بروز يعني لا شرف أعلى منه، بروز مشرف، بروز عجيب أمام هذه الأمم يخرج 70 ألفا.

والعجيب أنه جاء في الرواية أيضا في البخاري وفي الصحيح، قال: متماسك، متماسك، هؤلاء السبعون ألفا أخذ بعضهم بيد بعض، قال: لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، يعني ماسكين يد بعض ويدخلوا الجنة مع بعض. 70 ألف، هؤلاء 70 ألف هؤلاء يعني ايش، شيء مشهد عظيم، مشهد مهيب، مشهد كبير، مشهد مشرف عجيب جدا.

لما دخل النبي، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر، قال لأصحابه، ثم دخل البيت وما أخبرهم من هم هؤلاء السبعون ألفا، شوف أنت عندك معلومة مسبقة الآن سامع الحديث قبل كذا، ومع ذلك ممكن تتعجب تقول يا ربي كذا، يا واحد يفكر في باله الصحابة الآن يسمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ولأول مرة، ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت، فمن الطبيعي أن ماذا يفعلوا؟ يخوضون ويتناقشون من هم السبعون ألفا، وأخذوا يخمنون، فمنهم من قال: هم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، طبعا الذي يقول ذلك هم أيضا من الصحابة، لكن واضح أن هنا من المقصود صحبة خاصة، أي يعني كان ربما الذي قال ذلك هم من أسلم متأخرا مثلا عن الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم صحبة طويلة، وهذا وارد في الأحاديث، يعني مثلا النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: لا تسبوا أصحابي، قالها لأناس من أصحابه أنه صار موقف بين صحابي أسلم مبكرا وصحابي أسلم متأخرا، فالثاني المتأخر سب الأول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابي. جيد.

وقال مرة في مقام آخر: هل أنتم تاركوا لي صاحبي، مع أنه الذي الشخص الآخر هو من أصحابه، لكن الصحبة في صحبة خاصة. فهنا أول شيء قالوا: لعلهم الذين صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني كأنهم الذين صحبوه صحبة خاصة ولهم معه تاريخ، وقال آخرون: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فإنا ولدنا في الجاهلية، في رواية، شوف التفكير، لأنه هذا كل واحد.

جاز يفكر من أين الـ 70 ألف هؤلاء؟ من السبعين ألف هؤلاء؟ ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم خرج إليهم، قال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه. طبعاً جاء أكثر من رواية، الرواية الأصح ليست التي أوردها النووي هنا -رحمه الله- هنا حتى نقل في الحاشية أنه هنا تنبيه أن يعني أن هذه الرواية التي هي لا يرقون أن من مفردات مسلم وليست متفقاً عليها. طيب.

فلم يرد لفظ ايش اللي هو ايش لم يرد لفظ يكتوون، لا ورد يتطيرون لكن لم يرد لفظ يكتوون. فكان الأولى أن يأتي باللفظ الأصح الذي هو هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. أما لفظ لا يرقون فاختلف العلماء في صحته، وإن كان قد أخرجه مسلم في رواية، فمن العلماء من رأى أنه لفظ شاذ لا يصح هذا اللفظ، ومن باب حتى من باب أو خلينا نقول الأساس باعتبار المتن، ومن أبرزهم ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فكان يرى أن هذا اللفظ غير صحيح، وذلك أنه يقول يرقون ليس هناك إشكال في يرقون؛ لأن كونهم يرقون غيرهم فهذا من باب الإحسان إلى الناس ولا يمكن أن يكون الإحسان سبباً في التأخير عن منزلة الـ 70 ألفاً.

طيب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. كم صفة؟ أربع صفات: لا يسترقون، لا يتطيرون، لا يكتوون، على ربهم يتوكلون. أنتم تقولوا أربع صفات صح، هو في خلاف هل هذه أربع صفات ولا ثلاث صفات؟ كيف؟ يعني أحسنت، أنه هل هي أربع صفات أم ثلاث صفات؟ هناك من يرى أنها ثلاث صفات، وأن كل هذه الصفات مجموعة في التوكل، فهم يتوكلون؛ طبعاً هنا قد تكون صفة واحدة، يعني من جهة هي ثلاث صفات ومن جهة ممكن تقول هي صفة واحدة وهي صفة ايش؟ التوكل، ومن أمثلة التوكل الذي يفعلونه أنهم لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون.

واضح؟ ومنهم من قال لا هي أربع صفات، ويكون التوكل من باب عطف ايش على ايش؟ الخاص على العام ولا العام على الخاص؟ من باب عطف العام على الخاص، صح ولا لا؟ لأنه الخاص يسترقون، يتطيرون، يكتوون، يعني لا يكتوون، لا يسترقون، لا يتطيرون، هذا خاص، صح؟ يعني صورة من جزء من التوكل، ثم لا ولا يكتوون فيكون عطف العام على الخاص، واضح يا محمد؟ وقيل لا ليست صفة رابعة، بل هي صفة كاشفة لما مضى، ومبينة لما مضى، ومؤكدة لما مضى، وبناءً على ذلك تكون هي الأصل الصفة هذه، والباقي عبارة عن أمثلة.

طيب، ثم اختلف الشراح في المراد بهذه الصفات، هل هذه الصفات يجمعها شيء واحد أم أنها صفات متفرقة؟ يعني الآن لا يتطيرون واضحة، صح ولا لا؟ التطير أو الطيرة واضحة، وهي التشاؤم بما لم يجعله الله سبحانه وتعالى سبباً لضر أو نفع، وكانت هذه عادة عند العرب وعند الجاهلية، وإلى الآن تراها موجودة عند كثير من الناس، خاصة عند كثير من العوام اللي عندهم جهل، عندهم تطير بأشياء يتشاءمون بأشياء، بعضهم يتشاءم بالغراب، بعضهم يتشاءم بالبومة، بعضهم يتشاءم بشيء طاح سقط، فبعضهم يتشاءم أي شيء، أي شيء رآه يقولك لا خلاص أنا ما أبغى أروح اليوم شفت منظر كذا، مو من ناحية أنه يعني مثلاً رأى دماء وأشلاء فتضايق نفسياً، لا من باب أنه تشاءم أن هذه قد تكون دلالة على وقوع شيء، فما يبغى يروح، ما يبغى يسوي.

طيب، وأما يكتوون فأيضاً هي واضحة من حيث المعنى، اللي هي ايش؟ استعمال الكي في العلاج. ولا يسترقون أيضاً هي واضحة عند كثير على قول كثير من الشراح أن الألف والسين والتاء هنا المقصود بها الطلب؛ لأن الألف والسين والتاء ليست دائماً المقصود بها الطلب، جيد ليست دائماً مقصود بها الطلب، لكن كثيراً ما يكون مقصوداً بها الطلب، أحياناً يكون مقصوداً بها التحقيق؛ تحقيق الأمر. جيد، مثلاً استوفى، يعني حقق هذا الأمر، ليس المقصود أنه طلب، أي ولكن كثيراً ما تكون يراد بها الطلب، فيسترقون، هل المراد بها الطلب أم المراد بها أنهم يرقون؟ يعني يستعملون الرقية.

واضح الفكرة؟ ثم هاهنا خلاف، هل نفي الرقية المذكور هو نفي رقى معينة فيها إشكال أم نفي كل الرقى؟ إذا كان نفي رقى معينة فيها إشكال فيشبه ايش من الجمل؟ يشبه لا يتطيرون، معان ولا لا يا جماعة؟ واضح ولا مو واضح؟ إذا كان نفي شيء معين من الرقى فيه إشكال -يعني مثلاً استغاثة بالشياطين أو السحر أو الجن أو من أشياء غير مفهومة أو كذا- فتكون تشبه ايش لا يتطيرون، هي من عادات الجاهلية التي يكون فيها شيء من الشرك أو نحو ذلك، وإذا كانت لا يرقون لا يطلبون الرقية أو أقصد لا يستعملون الرقية ولو لم تكن فيها إشكال فتصبح قريبة من لا يكتوون، صح ولا لا؟ تصبح قريبة ليست مماثلة لكنها قريبة، لا يكتوون ولا يسترقون، هنا تصبح بمعنى لا يتداوون.

صح، طيب وهاهنا خلاف، هل المقصود نفي التداوي مطلقاً توكلاً على الله، أم المقصود نفي صور معينة من التداوي توكلاً على الله؟ فمن قال المقصود نفي صور معينة قال إن الاكتواء هنا النهي عنه ورد لأجل أنه عذاب من عذاب الله أو تعذيب بعذاب الله، وتعلمون هذا ورد في الحديث أنه ورد النهي عن الكي، والنهي عنه للكراهية، النبي صلى الله عليه وسلم لم يستعمل الكي في نفسه أبداً لم يستعمل الكي في نفسه وإن كان رخص فيه.

طيب، وإن كان المقصود طلب الرقية فايش يكون الباب؟ أي لا بس ايش يعني يصير باباً مستقلاً غير يكتوون وغير يتطيرون، ما أدري يا جماعة، مع ولا الأمور ما هي واضحة؟ ولا واضحة، ايش الباب اللي ممكن يكون غير التطير وغير الاكتواء؟ تمام لا لا غير توكل، يعني شيء معين، أراد الاكتواء بابه إما التداوي عموماً وإما التداوي بالنار، طيب، وصارت التطير واضح، التطير ما عندنا مشكلة، وصارت يسترق قلنا إما أن تكون رقية فيها شرك أو إشكال فتصبح مثل يتطيرون، وإما أن تصبح من باب أنهم يعملون الرقية يعني يستعملونها لأنفسهم فتصبح مثل يكتوون، وإما أن يسترقون يعني يطلبون الرقية فتصبح ايش هذه الثالثة؟ التي قلنا أيوه تصح باب طلب الناس، يعني يصبح المذموم هو معنى طلب الناس ويكون يسترقون هو مثال عليه.

واضحة الفكرة ولا مو واضحة؟ يعني إما أن تكون يسترقون أي يسألون الرقية فيكون المذموم هو طلب الناس، وإما أن تكون يسترقون الألف والسين والتاء لا تكون للطلب وإنما للفعل والتحقيق، فتكون من باب التداوي، فيكون مذموماً إما التداوي عامة أو الرقية تحديداً، وإما أن تكون الرقى التي فيها شرك فتكون من باب يتطيرون، يعني قريباً من جنسها. واضح صار عندنا واضح الاحتمالات، تمام واضحة ولا مو واضحة يا جماعة؟ واضحة سعد، أنهم واضحة، طيب تم واضحة يا عمرو، كم في المئة واضحة؟ طيب كويس، مادام 70 تمام نعمة ما دام ما هي 30 ولا 20.

طيب، أما يكتوون قلنا إما أن تكون لمطلق الدواء، وإما أن تكون لأنها بعذاب الله سبحانه وتعالى، وأما يتطيرون فما فيها إشكال أبداً على كل الجهات. ومن هنا، طبعاً شوف يا جماعة الترجيح القطعي صعب، المسألة معروف فيها الخلاف بين الشراح، لكن دعوني أذكر أشياء ستعين بإذن الله؛ لأنه شوفوا أنا عندي فكرة معينة أريد أن أقولها، هذه أحد أمرين، إما أن تكون أمثلة لمعنى كبير وإما أن تكون أمراً فيه حصر، واضح؟ والذي يبدو والله أعلم أنها ليست للحصر، هنا هذا المعنى الذي أريد أن أنبه عليه، بمعنى أن المقصود هو المعنى.

يعني الآن من يستعمل بعض الأدوات لدفع العين، عين زرقاء تعلق، تعرفوا أحياناً كثير من الناس عندهم يعلقوا عين زرقاء ولا ما أدري ايش يسووا، ولا يلبس شيء معين عشان يدفع الأذى عن نفسه، الآن هل هذا منصوص عليه في هذه الثلاثة؟ هل هو من صميم معناها؟ صح ولا لا؟ واضح أبو خالد؟ صار من صميم معناها، يعني هل لك أن تقول لمن يفعل هذا الفعل تقول له: ألا تريد أن تكون من الـ 70 ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون؟ ممكن يقول لك ما قال هم الذين لا يتعلقون بالأسباب كذا لدفع العين، فأنت تقول له يا أخي مو المقصود ليس المقصود هذه فقط، ترى هذا الذي أنت فيه هذا في معناها، بل في معنى الأشد منها الذي هو يتطيرون ونحوه.

واضح الفكرة؟ طيب، نأتي هنا، إنسان يبذل وجهه للناس، كل ما نزلت به حاجة يذهب إلى الناس، أنا عندي مشكلة كذا وعندي مشكلة كذا، لو تحل لي إياها، طلب شفاعات، طلب لنفسه، طلب أموال طلب كذا، بدون ما هو راح للأموات واستغاث، لا لا هو يروح للناس اللي عندها قدرة على حل المشكلات، هل لك أن تقول له: يا أخي لكي تكون من الـ 70 ألفاً لا تكن ممن يسأل الناس دائماً يسأل الناس حاجاتهم؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يسترقون، أي لا يطلبون من الناس مثل هذا العمل، هل لك أن تقول له ذلك أم لا؟ إذا قلنا أنه المعنى هو سؤال الناس فنعم، واضح الفكرة فنعم تقول له ذلك، وتقول له هذه ترى داخلة في الحديث من جهة معناه، من جهة دلالة هذه الأفعال على ما يماثلها وعلى ما يشابهها، سواء كان هذا القصد ابتداء أو قياساً على المعنى.

واضح الفكرة؟ طيب وبناء على ذلك من يحقق هذه الثلاث ثم يقع في غيرها ويظن أنه سيكون من الـ 70 ألفاً فهو واهم؛ فهمتوا الفكرة؟ لأنه ليست القضية أن تجتنب هذه الثلاث بعينها ثم يكون توكلك على الله ضعيفاً، هي المعنى والسر الأكبر في هذه الجملة هو التوكل، فالذي لا يحقق التوكل تحقيقاً عظيماً وكبيراً وحقيقياً وصادقاً مع الله سبحانه وتعالى فإنه قد لا يكون من الـ 70 ألفاً ولو اجتنب الاكتواء واجتنب الاسترقاء واجتنب التطير؛ لأنه المعنى الأساس هو في تحقيق التوكل على الله سبحانه وتعالى، وهذه الأمور الثلاثة كأنها أمثلة على هذا التوكل، واضح والله تعالى أعلم، هذا طبعاً يعني اجتهاد في التفقه في الحديث.

أيه، طيب باقي 70 ألف هذا السؤال، طيب هل الـ 70 ألف للحصر أم للتكثير؟ طيب هي 70 ألف والله أعلم ليست للتكثير؛ لأنه بعض العلماء في الشراح يرى أن الـ 70 ألف هذه قد تكون من باب التكثير، أنه قد يطلق العرب يقول لك احنا إلى الآن نستعملها 70 مرة قلت لك كذا مثلاً، وليس القصد 70 مرة إنما القصد كثير، وهذا مستعمل كثيراً، ألف مرة أكلمك كذا إلى آخره. لا، الذي يبدو أنه ليس التكثير وإنما العدد، ولكن قد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات متعددة تدل على أن هؤلاء الـ 70 ألفاً ليسوا وحدهم وإنما سيكون معهم غيرهم، وإن كان الـ 70 ألف هؤلاء هم الأساس، سأقرأ عليكم روايتين من روايات الأحاديث التي جوّد ابن حجر -رحمه الله- إسنادها ولها طرق ويبدو أن بعضها إسنادها جيد فعلاً.

سأذكر لكم إن شاء الله، أولاً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: سألت ربي فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي 70 ألفاً على صورة القمر ليلة البدر، فاستزدت فزادني مع كل ألف 70 ألفاً، مو مع كل واحد مع كل ألف من الـ 70 ألفاً 70 ألفاً، أخرجه أحمد، قال ابن حجر عن هذا الحديث إسناده جيد. وعند ابن حبان والطبراني أيضاً ابن حجر يقول بسند جيد عن عتبة بن عبد رضي الله تعالى عنه، وفيه مثل بنحو الأول، وفيه ثم يشفع كل ألف في 70 ألفاً؛ يعني أن الـ 70 ألفاً الذين سيدخلون الـ 70 ألف الأوائل كل ألف منهم يشفعون في 70 ألفاً، قال: ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه، هذا في حديث عتبة بن عبد الذي صححه وجوده ابن حجر. وفي الترمذي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث عن أبي أمامة يبدو لي أنه إسناده جيد أيضاً، وإن كان الترمذي قال حسن غريب ولم ينقل حسن صحيح غريب، ولكنه يبدو إسناده جيد، هو من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامة، وهذا الإسناد جيد، إسماعيل بن عياش معروف من الإمام أحمد قال عن إسماعيل بن عياش: إذا حدث عن الثقات مثل محمد بن زياد.

فحديثه مستقيم، هذا إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد عن أبي أمامة الباهلي، وإسناد جيد. ما هو الحديث؟ هذا حديث أبي أمامة الذي عند الترمذي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثيات من حثيات ربي. كم اللي في الحثيات هذه؟ الله أعلم، كم الله أعلم، كم تصير بالحساب؟ ولا شفت أحد الشراح، كأنه 5 مليون تقريباً.

عموماً فضل الله واسع، هذه الآن بدون الحثيات، ثم ثلاث حثيات من حثيات ربي هذه كم فيها الله أعلم، ولا شك أنه يعني الأصل في السبعين ألف هم الذين يعني هم الذين سيكونون سبباً لغيرهم، خاصة إذا صحت الرواية هذه أنهم يشفعون في من بعدهم.

طيب يا جماعة، الآن إحنا ما ذكرنا فوائد الحديث بشكل عام؛ لأنه الحديث فيه فوائد كثيرة، إحنا ذكرنا بس الفائدة الأساسية، ذكرنا في البداية عرض الأمم، والفوائد تراها كثيرة، الفائدة العظمى من هذا الحديث ما هي؟ فضل التوكل، وفضل الاستغناء عن الناس، وفضل عدم الافتقار إليهم، والافتقار لله وحده فقط. وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض أصحابه: بايعوني على ألا تسألوا الناس شيئاً، على ألا تسألوا الناس شيئاً، بايعوني. شفت بيعة؟ أخذ فيها بيعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه البيعة أسلوب نبوي للتأكيد على القضايا، أسلوب عظيم وجميل من التأكيد على بعض القضايا، أشن ما يكون بالعهد والاتفاق على ألا تسأل الناس شيئاً. قال: فرأيت هؤلاء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يسألوا الناس شيئاً يسقط سوط أحدهم فلا يطلب من أحدهم أن يعطيه إياه.

على أنني أنبه هنا أن سؤال الناس شيئاً هو هو المذموم، هو ما كان فيه ظهور لقضية التذلل والافتقار والاحتياج وما إلى ذلك، أما السؤال العادي، السؤال العادي خاصة من الأعلى للأدنى، فلا يدخل في ذلك. يعني الأب لما يقول لابنه مثلاً جيب لي مويه، أحنا نقول لا، لا تسألوا الناس شيئاً هذا مذموم؟ هذا لا، فهمت الفكرة؟ لا، ليس هو المقصود، ليس هو المقصود؛ لأنه هذا ما فيه، واستدلوا لأنه هذه جماعة فيها فقه، استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: ناوليني الخمرة، ها استدلوا بمثل هذا، فهذا لا يدخل فيها، لكن الذي يدخل هو قضية سؤال الناس والافتقار إليهم وما إلى ذلك، واضح هذا الحديث كما قلنا عظيم الفوائد، كثير الخير والنفع والهدى، ولعله إن شاء الله، إيش لعله؟ يعني يأتي موضع آخر نأخذ فيه أكثر من ذلك إن شاء الله.

طيب نختم بفائدة وهي فائدة مهمة: أولاً هنيئاً لعكاشة رضي الله تعالى عنه هذه المنزلة التي ضمنها، هنيئاً له، وألحقنا الله به، لكن الذي أريد أن أنبه عليه هو أن عكاشة بن محصن الذي ضمن أنه من السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب كان حاله حال الصالحين على مر القرون. شوف سبحان الله، الصالحون دائماً يجمعهم منطق واحد في العبودية، إذا بُشروا الصالحون إذا بُشروا يزدادون عملاً، هذه قاعدة لا يفهمها البطالون، أحياناً الإنسان يفهم بالعكس أنه إذا بُشر إيش يسوي؟ يروح ينام، صح؟ لا، الصالحون بعكس ذلك، إذا بُشروا يزدادون عبادة وشكراً لله سبحانه وتعالى، مع أنه بعض الأحاديث يأتي اللفظ فيها بمعنى لا عليك إلا أن تعمل بعدها، ويعمل بعدها وليس المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا عليك، ألا تعمل، بعد إسقاط التكاليف، بطبيعة الحال هذا معلوم.

عكاشة رضي الله تعالى عنه هو أولاً من أهل بدر، وأهل بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ. ثم هو شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من الأوائل المجاهدين للمرتدين، وذهب مع جيش خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في حرب طليحة الأسدي المرتد الذي أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، لكنه وقتها كان مرتداً عن الدين، وذهب وهو وثابت بن أقرم رضي الله تعالى عنهما أجمعين، ذهبا طليعة لجيش خالد، فتلقاهما طليحة فقتلهما هو ومعه أظن اثنان أو ثلاثة أو نحو ذلك، المهم أنه قُتل عكاشة وقُتل ثابت بن أقرم، فعكاشة بن محصن هذا الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من السبعين ألفاً لما جاء الجهاد في سبيل الله لم يجلس لم يقعد وإنما خرج، ولما جاءت المهمة الخاصة داخل الجهاد لم يتأخر وإنما ذهب، ولما جاءت المواجهة لم يهرب وإنما واجه وقُتل شهيداً رضي الله تعالى عنه. فأي شيء أعظم من ذلك؟ أي شيء أعظم من ذلك؟ هذا حال الصالحين، هذا حال الصالحين، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.