تسجيل الدخول

رياض الصالحين 33 | باب في الاقتصاد في العبادة 3 | أنوار السنة المحمدية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم يا ربنا صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس أنوار السنة المحمدية، وتحت عنوان: الاستهداء بالسنة النبوية، وهذا هو المجلس الثالث والعشرون من التعليق على رياض الصالحين، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لإتمام شرح الكتاب كاملاً والاستنارة به، صلى الله عليه وسلم.

لا زلنا في باب الاقتصاد في العبادة، وبقي في الباب حديثان فقط، الحديث الأول وهو الذي سيأخذ عامة الدرس، قال فيه النووي رحمه الله: عن أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأسيدي الكاتب، أحد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لقيني أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة، نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً. قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة. قال ثلاث مرات: ولكن يا حنظلة ساعة وساعة. رواه مسلم.

قوله: ربعي بكسر الراء، والأسيدي بضم الهمزة وفتح السين وبعدها ياء مشددة مكسورة. قوله: عافسنا هو بالعين والسين المهملتين، أي: عالجنا ولاعبنا، والضيعات: المعايش.

هذا الحديث العظيم فيه فوائد كثيرة، وهو يحكي قصة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأحد كتاب الوحي عن رسول الله، وهو حنظلة، وكان يسمى حنظلة الكاتب. وهذا من باب تأثير العمل على الهوية، فقد يصل العمل بالإنسان إلى أن يوصف به، فيقال حنظلة الكاتب، والكاتب ليس من نسبه، يعني ليس لقب آبائه ولا لقب قبيلته الكاتب، وإنما الكاتب فقط لأنه كان يكتب لرسول الله، ولكن لشرف ذلك العمل فإنه وصف به، كما يقال مثلاً أبو سعيد الخدري الأنصاري، الأنصاري هذا ليس لقب قبيلة في ذلك الوقت، وإنما هو لقب عمل لأنهم نصروا الله ورسوله، فسموا من الأنصار حتى صار اسماً مطبوعاً فيهم: الأنصاري. وهذا فيه فائدة مهمة جداً وهي في شرف الأعمال الكبيرة العظيمة التي يمكن أن تصل إلى أن تكون صفة للإنسان وهوية له، والإنسان ينبغي أن يكون لديه من الأعمال ما يمكن أن يصل إلى هذه الرتبة.

حنظلة هذا أحد كتاب الوحي عن رسول الله، وكان الكتاب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدداً من الصحابة. وقد حصلت قصة لأحدهم، وهذه القصة فيها عبرة كبيرة جداً، وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان أحد الكتاب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك ارتد عن الإسلام. ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة أهدر دمه وأوصى بقتله، ولما جاء المسلمون إلى مكة لجأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى أخيه من أمه عثمان بن عفان، فأخذه عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء عبد الله بن سعد تائباً مبايعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أراد أن يبايعه فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الثالثة فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بأبي هو وأمي برحمته وتسامحه وحلمه قبل منه في المرة الرابعة، ودخل في الإسلام وعفا عنه صلى الله عليه وسلم، ثم قال للصحابة عليه الصلاة والسلام: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا فيقتله حين رأى أني أعرضت عنه؟ أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فقالوا: يا رسول الله، لو أشرت إلينا بعينيك! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين، يعني حتى في هذه الذي هو حكم مستحق وقد صدر سابقاً، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليشير إشارة بعينه إلى تنفيذ القتل في رجل وهو لا يدرك هذه الإشارة، وهذه من الأمور العظيمة والعالية جداً.

الشاهد أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أسلم حسن إسلامه، وكان أحد القادة الفاتحين في زمن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وأحد المجاهدين الكبار، ولم يؤخذ عليه، يعني كان بعد أن رجع للإسلام كان إسلامه حسناً جداً، فكان أحد الفاتحين، وهو الذي فتح أفريقية، وأفريقية المقصود بها ما شمال قارة أفريقيا وغرب مصر، وكانت في ذلك الوقت وقت الصحابة من غرب مصر إلى تقريباً حدود البحر تسمى أفريقية، ثم بعد ذلك انحسرت هذه التسمية إلى منطقة أضيق من ذلك في جهة تونس وما إليها. فجاهد في سبيل الله وقاد الجيوش، وكان الجيش الذي قاتل فيه في أفريقية تحت قيادته كان عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، ولذلك سمي الجيش بجيش العبادلة، وقد أخذنا هذه الأمور بتفصيل في سلسلة خير القرون، ولكن رأيت لأهميتها أن يعاد هذا التنبيه، وهو أن قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح فيها فوائد كثيرة وفيها عبر متعددة.

فمن ذلك أنه يمكن أن يحصل في الواقع أن يرتد عن الإسلام بعض الناس أو ينتكس بعض الناس ولو كانوا قد تعرضوا لأسباب الهداية، فلا تحدثني عن سبب من أسباب الهداية أكثر من أن تكون كاتباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك ارتد عن الإسلام، ليس فقط انتكس يعني بالانتكاس الذي نسميه اليوم أنه ترك الالتزام والتدين بمعناه الخاص، وإنما ارتد عن الإسلام! وهذا معناه أن الإنسان ما يضمن لا نفسه ولا غيره في هذه الناحية، فيسأل الله الثبات ويسأل الله المغفرة.

والأمر الثاني هو كيف أنه وإن كان قد ارتد وإن كان قد أهدر دمه، إلا أنه حين رجع إلى الإسلام وحسن إسلامه لم تؤخذ عليه هذه السوءة، لم تمنعه هذه السوءة عند المجتمع الإسلامي من أن يكون له دور قيادي في نصرة الإسلام وحمل الدين، ويا ليت شعري لو كان مثل عبد الله بن سعد بن أبي سرح في مثل زماننا، فوقع في هذه السوءة ثم رجع وحسن إسلامه، هل ترى يا رب؟ هل ترى يا قوم سيزول عنه أو ستزول عنه وصمة العار هذه؟ أم سيظل يعير بها حتى يموت؟ فهذا من الفروق في المجتمعات ومن الفروق في الثقافة المعيارية التي كانت في ذلك الزمن وبين الثقافة في هذا الزمن.

طيب، إذاً حنظلة كان أحد الكتاب، كتاب الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. حنظلة كان من المؤمنين الصادقين وكان قد تعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحضر مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، كان قد تعلم منه التحذير من شأن النفاق، وكان الذي هو فهمه من النفاق أن يكون الإنسان في خاصة أمره على خلاف حاله في عامة أمره، هذا الذي فهمه من النفاق، تعرف المنافق يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وقد يكون هناك نفاق عملي ليس إلى الكفر، وهذا معروف والنبي صلى الله عليه وسلم تحدث عنه.

حنظلة ماذا فعل؟ حنظلة كان إذا كان في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يرتفع إيمانه ويزداد حتى كأنه يرى الجنة والنار عياناً، وبالله قولوا لي ماذا تظنون حال من يمشي على الأرض وكأنه يرى الجنة والنار بعينيه الآن؟ كيف سيكون حاله؟ ها كيف سيكون حال قلبه وكيف سيكون حال عمله؟ حسناً، هذا حال حنظلة حين يكون في مجلس المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإذا ذهب حنظلة من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته والأهل والأولاد وإلى الضيعات والشغل والعمل، فبطبيعة الحال ذهنه سيستغرق في الماجريات المحيطة به والأعمال المحيطة به، فلما يذهب إلى ذلك الحال لا يجد في قلبه من الحضور ولا يجد في قلبه من الاستحضار الإيماني ما يجده حين يكون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فظن حنظلة أن هذا التغير في حالتي القلب ما بين مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بين البيت أن هذا من النفاق، وهذا من علو إيمانه ومن حساسية شعوره رضي الله تعالى عنه، إذ كان يظن أن الأمر كذلك.

فخاف رضي الله تعالى عنه، وهذا يؤخذ منه أهمية وجود الإحساس والمحاسبة عند الإنسان المؤمن، لأن الإنسان إذا لم يكن لديه محاسبة ذاتية ومحاسبة داخلية لا ينتبه لكثير من الأمور، لا ينتبه، يكون عنده غفلة، وهذه الغفلة هي المشكلة الكبرى التي يعاني منها الإنسان وتعني تضطرب أحواله بسببها، أما إذا كان يحاسب نفسه، إذا كان يحاسب نفسه، فهو بإذن الله تعالى على درجة من الأمان وعلى درجة من الوقاية الإيمانية بإذن الله تعالى.

طيب، لما رأى هذا التغير حنظلة التقى بأبي بكر الصديق فسأله أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن أحواله، فقال له حنظلة: نافق حنظلة، اتهم نفسه بالنفاق، اتهم نفسه بالنفاق، وهذا فيه أنه لم يكن يسعى لتزيين صورته أمام الناس، بل كان صادقاً مع نفسه، وصادقاً كان المهم عنده أن يتخلص من هذه المشكلة، لم يكن الإشكال لديه أنه سيقولون عني كذا أو كذا لا، وإنما الإشكال لديه كان في هذا الشعور، فكان صادقاً مع نفسه فقال لأبي بكر الصديق: نافق حنظلة. أبو بكر يعلم أن حنظلة ليس من المنافقين، لا تظهر عليه علامات المنافقين، فقال: كيف ذاك؟ فذكر له أن تغير الحال هذا. أبو بكر الصديق انتبه هنا إلى هذه القضية، وهذا يدل على دقة هذه المسألة، حتى أبو بكر الصديق خفيت عليه هذه المسألة، يعني خفيت عليه هذه المسألة بحيث إنه استشكلها فعلاً، فقال: وأنا لنلقى مثل ذلك! لكن لم يقل نافق أبو بكر، ولكن استشكلها، يعني هذه فيها إشكال، والله خلينا نذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لنرى كيف يحل هذا الإشكال، فذهب حنظلة وذهب أبو بكر الصديق إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم.

فقال حنظلة: نافق حنظلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ فذكر نفس القصة. طيب الآن حنظلة منافق ولا غير منافق؟ غير منافق. طيب هو قال نافق حنظلة، وهذا معناه أنه قد لا يؤخذ الإنسان أو لا يؤخذ الإنسان بكل ما يقول عن نفسه إذا ظن أنه كذلك، إذا ظن أنه كذلك من باب الاستشكال الشرعي، فهو حين قال نافق حنظلة لم يكتب عليه أنه منافق بسبب قوله هذا، لم يكتب عليه أنه منافق بسبب قول هذا، ومع أن المؤمن منهي عن أن يصف نفسه بصفات الكفر وما إلى ذلك، ولا يجوز أن يحلف على ملة غير الإسلام، ولا يجوز أن يقول عن نفسه أنه يهودي أو نصراني إذا كان كذا أو إذا لم يكن كذا، لكن هذا استشكال شرعي عند حنظلة فلم يؤخذ به بسبب ذلك.

طيب، لما شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية، لكن قبل ما نذكر هذه الشكوى، قبل ما نذكر جواب النبي صلى الله عليه وسلم، إحنا نبغى كذا خلينا نروح رحلة كذا بسيطة إلى مجلس المصطفى صلى الله عليه وسلم، الآن إيش قال حنظلة؟ حنظلة قال: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين. يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، يعني أن من أهم ما كان يتحدث به النبي صلى الله عليه وسلم في مجالسه الحديث، التزكيات والحديث عن الجنة والنار وعن الآخرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتلك من البيان ومن الصدق ما يكون حديثه في القلوب مؤثراً تأثيراً عظيماً، حتى كأنهم يعيشون تلك الحقائق النظرية عياناً، النبي صلى الله عليه وسلم يحدثهم عن الجنة والنار فكأنهم يرون الجنة والنار أمام أعينهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يحدثهم عن الدجال حتى يظنوا أنه في طائفة النخل، حتى يظن أنه في طائفة النخل.

فهذه القضية، هذه القضية مهمة جداً في أن نتذكر، هذه القضية مهمة جداً في أن نتذكر ونتفكر في أن من أعلى وأهم وأعظم ما ينبغي على الدعاة وما ينبغي على المصلحين وما

ينبغي على من يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في التذكير والوعظ أن يعتني بذكر الآخرة، أن يعتني بذكر الجنة والنار، أن يعتني بذكر التزكية. أما الاكتفاء بتدريس المسائل الفقهية والمسائل العقدية والمسائل الحديثية النظرية المجردة دون ذكر المواعظ ودون ذكر الجنة والنار، وكأن ذكر الجنة والنار إنما هو من فضول الأمور أو من الأمور الكمالية أو هذه من الأمور يعني التي هي من شأن الوعاظ ومن شأن القصاص، أما العلماء فلا يذكرونها ولا يعني يذكرون بها، فهذا مخالف لسنة سيد العالمين من البشر كلهم عليه الصلاة والسلام.

فإنه كان كثيراً ما يذكر أصحابه بالجنة والنار وبذكر الآخرة حتى كأنهم يعيشون بأعينهم كأنهم يرون بأعينهم الجنة والنار، وهذا الأمر حافظ عليه كذلك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فكان الصحابة يذكرون التابعين وينشئونهم على مثل هذه المعاني. وقد مر معنا قريباً سيرة عبد الله بن مسعود مع أصحابه وكيف أنه وصفهم بأنهم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، وقد رباهم على مثل هذه المعاني، ولذلك خرجت عندنا طبقة من التابعين العلماء العباد الذين جمعوا بين العلم والعبادة، دعونا الآن من الذين تفرغوا للعبادة فقط وإنما الذين جمعوا بين العلم والعبادة، ومن أهمهم وأشهرهم وأعلاهم وأزكاها وأكثرهم علماً وزكاءً وعبادةً الإمام الحسن البصري رضي الله تعالى عنه ورحمه. واخترت الحسن البصري لأنه وصف بالتالي، قالوا عنه كان إذا حدث عن الجنة والنار يحدث وكأنه قد ذهب فرأى الجنة والنار ثم أتى يحدثنا عنها، يعني يحدثنا عن الجنة والنار حديث المعاين، حديث المعاين لا حديث الذي يتكلم يعني عن بعد أو من وراء وراء، وإنما كان يتحدث حديثاً وكأنه ذهب إلى الجنة والنار فجاء وتحدث عنها.

إذاً الفائدة هي أن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم كان مجلساً مليئاً بالتذكير بالجنة والنار، وكما تعلمون أن الصحابة تعلموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان، فكان يعلمهم الإيمان وكان كما قال الله تعالى عنه أنه يزكيهم، يزكيهم صلى الله عليه وسلم. ولذلك أيها الكرام من كان منكم عنده طلاب أو سيكون بإذن الله في المستقبل من المعلمين ومن الدعاة فلا بد أن يجمع في مجلسه مع العلوم الشرعية الحديث عن الجنة والنار والآخرة والتزكية، فهذا من أهم الأمور.

حسناً، ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم جواباً لكلام حنظلة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم. علاقة الملائكة بالمؤمنين علاقة عجيبة، وقد حصلت بعض المواقف بين الملائكة والصحابة، وكانت هذه المواقف على قسمين؛ في بعض الأقسام أو القسم الأول كانت الملائكة أو كان الملائكة في بعض الأحيان يأتون بصورة بشرية لا يدري الصحابة أن هؤلاء من الملائكة، وذلك مثل ما أتوا إلى إبراهيم عليه السلام قبل ذلك، هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين؟ وكما في قصة عمر المشهورة: إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فهذا من ذاك. وكان جبريل عليه السلام يأتي على صورة دحية الكلبي كذلك، وكان الناس يرونه ولا يعلمون أنه جبريل عليه السلام، وهذا حتى لو كان كذلك فهو شرف، أي شرف أن يروا جبريل عليه السلام ولو كان على غير صورته، ها هو جاء وجلس عندهم في المجلس وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، وشهدوا المجلس وحضروه وكذا وهو جبريل عليه السلام.

جيد، فهذا القسم الأول، القسم الثاني كانت الملائكة تأتي على غير الصور البشرية أيضاً، وكان بينهم وبين بعض الصحابة شيء من يعني شيء من التأثر أو التأثير، وأحياناً بدون ما يعرف الصحابي أنهم الملائكة، وذلك مثل قصة أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه لما قرأ القرآن وكان في مربد، فقرأ وكان ابنه يحيى قريباً منه، فجالت الخيل ثم جالت ثم يعني اضطربت، فخشي على ابنه فأوقفه القرآن، فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه هي الملائكة تنزلت للقرآن وأنه لو استمر على ذلك لأصبح الناس يرونها. وكذلك عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه كانت الملائكة تسلم عليه وكان يسمع تسليمها، وكذلك يعني هذا ربما يكون من القسم الأول، في معركة أحد رأى الصحابة رجلين يلبسان البياض يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالاً شديداً ولم يروهما قبل ذلك، وكان هؤلاء من الملائكة. وكذلك في معركة بدر كان هناك نزول للملائكة وكان الصحابة يرون آثار ضربهم وآثار قتالهم، وهذا ليس خاصاً بالصحابة بمعنى أن هذا من الكرامات التي قد يؤيد الله سبحانه وتعالى بها المؤمنين.

ونحن نعلم أيضاً ونحفظ الحديث الذي زار رجلاً أو أخاً له في الله، فجعل الله سبحانه وتعالى في طريقه ملكاً فحدثه وتكلم معه، وكذلك قصة الثلاثة الأقرع والأبرص والأعمى الذين صور الله لهم ملائكة فجاءوا وحصلت القصة المعروفة، وهذا من جملة علاقة الملائكة بالمؤمنين: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا. وكذلك قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا. وهذا عند الموت، المؤمن يبشر عند موته برضوان الله وكرامته والذي يبشره بذلك هم الملائكة.

طيب، الآن آتي إلى مربط الفرس في موضوع الملائكة، يا جماعة الخير الملائكة هؤلاء الكرام يجب أن نحبهم حباً جماً وعظيماً، وهناك موضع في الصلاة يغفل عنه أكثر الناس فيه علاقة واضحة بالملائكة من جهتنا نحن ويغفل عنه أكثر الناس، وأنا قلت سابقاً إن بودي أن أعمل محاضرة عن التحيات لله عن التشهد، فإنه من أعظم الأذكار، وفي هذا التشهد السلام على الملائكة، وذلك في قوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإنه إذا قال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض. وذلك أنه قبل ذلك كان الصحابة يقولون السلام على جبرائيل، السلام على ميكائيل، في التشهد يقول: السلام على جبرائيل، السلام على ميكائيل، فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فإذا قلت عباد الله الصالحين فأنت تسلم على جبرائيل وميكائيل وبقية الملائكة، وهذا ارتباط شعوري وارتباط نفسي وارتباط إيماني واضح بالملائكة في كل صلاة نصليها. والصلاة إذا استحضر الإنسان ما فيها من الأذكار وما فيها من الأعمال، إذا استحضر بقلبه ذلك فإنه يخرج بقلب غير الذي دخل فيه إلى الصلاة أو الذي دخل به إلى الصلاة، ولو أننا أعطينا الصلاة حقها وأعطيناها قدرها وتفكرنا في ما في مقدماتها وفي ما يتعلق بها في نفس أعمالها وفي الأذكار التي تعقبها، لعالجنا بإذن الله تعالى مشكلة قسوة القلب ومشكلة الغفلة وكثير من المشكلات التي لا تعالج بمثل الصلاة.

الشاهد أيها الكرام أن الملائكة لها علاقة وطيدة بالمؤمنين، ونحن على موعد مع الملائكة عند الموت، نسأل الله أن يجعلنا ممن يكونون من أهل هذا الموعد، وذلك حين تتنزل الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا، وهذا التنزل يكون عند الموت فيبشر الميت المحتضر، يبشر من الملائكة الكرام بهذه البشرى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. والحديث عن الملائكة لا يمل والحديث عن الملائكة لا ينتهي، يعني الواحد وده يسترسل أكثر، مجالس الذكر هذه قصة وحدها في حضور الملائكة لمجالس الذكر وفي تناديهم ودعائهم فيما بينهم ليحضروا مجالس الذكر، ولذلك ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله في من عنده. وفي البخاري ومسلم أن لله ملائكة سيارة يلتمسون مجالس الذكر، ثم ذكر شيئاً ثم قال: يلتمسون مجالس الذكر، يلتمسون مجالس الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. حاجتهم ما هي؟ تتبع مجالس الذكر، مجالس ذكر الله سبحانه وتعالى، ثم يصعدون إلى الله سبحانه وتعالى فيسألهم عن هؤلاء الذين تركهم أولئك الملائكة فيقولون: يا ربي يسبحونك ويحمدونك ويمجدونك. فيقول الله تعالى: هل رأوني؟ فيقول الملائكة: ما رأوك يا ربي. قال: كيف لو رأوني؟ قالوا: لو رأوك كانوا أشد لك خشية وأعظم تحميداً وتسبيحاً وتمجيداً، رأوها قالوا يا رب ما رأوها، قال: كيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة. قال: وما يستعيذون بـ أو قالوا يستعيذون بك من النار، قال: هل رأوها؟ قالوا: لا ما رأوها، قال: كيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أشد منها فراراً أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث.

فالعلاقة مع الملائكة يا جماعة الخير علاقة وطيدة جداً، ويوم الفزع الأكبر يوم يفزع الناس وتضطرب القلوب والأحوال وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، في ذلك اليوم الذي يفزع فيه الناس في ذلك اليوم الذي تضطرب فيه الأحوال والقلوب، في ذلك اليوم للمؤمنين موعد مع الملائكة، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ. عفواً الآيات التي قبلها: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. تتلقاهم الملائكة، الملائكة يوم القيامة تتلقى المؤمنين، وإذا تلقت الملائكة فالملائكة: هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. أأتذكر حين كنتم تغضون البصر عن الحرام؟ وحين كنتم تكابدون الليالي بالقيام؟ وتكابدون ظمأ الهواجر بالصيام؟ وتعملون وتبذلون لدين الله وتنصرون دين الله وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتحسنون من أخلاقكم وتصبرون على الأذى وتحسنون إلى أقاربكم وتصلون الرحم؟ أتذكرون كل ذلك رجاء موعود الله؟ هذا موعود الله، وهذا يومكم الذي كنتم توعدون.

وهذا ليس آخر موعد مع الملائكة، بل في الجنة كما قال الله تعالى: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ، هذا في الجنة، يدخلون عليهم من كل باب: سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ، سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ. ولذلك يا جماعة الخير حين نقول في التشهد السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فلنتذكر أننا نسلم على الملائكة، نسلم على عباد الله الصالحين في السماء وفي الأرض، وهذا مد لحبال الأخوة أو المحبة بين المؤمنين من البشر والمؤمنين والملائكة الذين هم كلهم من المؤمنين، حبل وثيق يمد في هذه الصلاة. ولذلك يا جماعة الخير الصلاة فيها أسرار ولها أحوال وهي عظيمة جداً، وكثير من الناس يغفل عن حقيقة الصلاة وعن حقيقة التزكية التي تحصل من الصلاة، ولذلك لا يستغرب لمن يعطي الصلاة حقها أن يكون أو أن يفهم قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ.

إذاً النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم أو إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، صافحتكم على فرشكم وفي طرقكم. يعني لو دمتم على حالة الاستحضار التي تكونون عندي على مثلها أو في مثلها حين أذكر لكم الجنة والنار، لو استمررتم على هذه الحالة القلبية في الأوقات الأخرى لصافحتكم الملائكة.

جيد، طيب أنت لما تسمع هذا إيش تتوقع النتيجة؟ تتوقع النتيجة فاستمروا، صح ولا لا؟ يعني الآن لو استمريت على هذا المعنى لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، فأنت إيش تتوقع الأمر الذي يأتي بعد ذلك؟ إنه إيش؟ فاستمروا على أن تكونوا على مثل هذا الحال في غير الوقت الذي تكونون معي فيه. عجيب أن الأمر جاء بعكس ذلك، الأمر جاء بعكس ذلك، جاء بأي شيء؟ ساعة وساعة، ساعة وساعة. هذا حكم الحياة الدنيا، طالما أنك في هذه الحياة الدنيا فهذا هو الحكم، لن تكون في قلبك كأنك ترى الجنة والنار في كل أحوالك، هذه هي الدنيا، ومن جملة التكليف الشرعي الذي في الدنيا الذي تأثم إذا لم تقم به؛ التكليف الشرعي المتعلق برعاية الأولاد، برعاية الزوجة، برعاية الأهل، والتكليف الشرعي المتعلق باتخاذ الأسباب لتعيش، لترزق، وبطبيعة الحال هذا قد يضطر الإنسان إلى أن يدخل في شيء من التجارة، وبطبيعة الحال التجارة لها حكمها، فلن يكون حالك وأنت تماكس التاجر لتشتري سلعة معينة، لن يكون حال قلبك حين تشتري هذه السلعة كحال قلبك حين تجلس في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن الجنة وعن النار، وهذا من واقعية الدين.

ويا جماعة والله عجيب هذا، يعني المقدمة والنتيجة عجيبة، أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وعلى طريقكم، فكأنك وأنت تقول يا حبذا، فهيا فماذا أفعل يا رسول الله؟ يقول لك: ولكن ساعة وساعة، ولكن ساعة. فاهم؟ يعني الآن في مقدمة تتوقع أن تكون النتيجة فإيش؟ فطلقوا الدنيا، وطلقوا النساء، وابتعدوا عن الأولاد، وابتعدوا عن الضيعات وعن التجارة، وابتعدوا عن كل شيء وركزوا فقط على ذكر الجنة والنار وعلى الذكر لكي تصافحكم الملائكة، أليس هذا هو المتوقع؟ أنه ممكن يعني واحد يتوقع من هذه الجهة فقط، لكن العجيب أنه مع كل هذه النتيجة تأتي القضية عكسية فيقال: ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، أي ساعة تكون فيها على هذه الأحوال.

القلبية العالية، وعلى هذه الأحوال التعبدية العالية، وساعة تكون فيها في أداء واجبات التي أنت مكلف بها فيما يتعلق بشأن الحياة الدنيا، وفيما يتعلق بشأن رعاية الأهل، وفيما يتعلق بشأن التجارة والتكسب وما إلى ذلك، ورعاية المصالح الدنيوية. وهذا في غاية العجب، وفي غاية التوازن، وفي غاية ما يحتاج إلى التأمل والتفكر في طبيعة هذا الدين، في طبيعة هذا الدين. لذلك كل من يشاد الدين يغلبه، من يريد أن يطوع الدين على غير هذا التوازن سيغلب، سيقهر، سيدخل في وساوس وأفكار ومشكلات، ولن يستقيم له حال. الاستقامة الحقيقية هي الاستقامة التي يكون فيها هذا التوازن.

ولكن يا حنظلة ساعة وساعة. طبعا دعونا من مفهوم بعض العوام لساعة وساعة، الذين يعملون بعض المعاصي ها ويقولون ساعة وساعة؛ يعني ساعة طاعة وساعة معصية. هذا تحريف للدين، وهذا ليس مقصوداً بطبيعة الحال للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا علاقة له بهذا الحديث. ولكن المقصود بساعة وساعة هو ما ذكرت؛ أنه ساعة يكون الإنسان فيها في هذه الحالة المستحضر فيها للإيمان، والمستحضر فيها للجنة والنار، وفي غاية حال الاستحضار، وفي غاية حال الذكر وما إلى ذلك. وساعة يؤدي الواجبات التي علي، والحقوق التي لدي، والتي من شأنها أن تغير شيئاً من الاستحضار القلبي؛ فهذا كله من جملة الأمر المقبول شرعاً، بل المدعو إليه شرعاً. وهذه هي ساعة وساعة، وهذا من واقعية الدين التي لا يخالفها أحد إلا حصل له من العنت والإشكال والمشقة بقدر ما خالف.

ثم قال صلى الله عليه وسلم، عفواً الراوي قال: ثلاث مرار، يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال: ساعة وساعة، ساعة وساعة، ساعة وساعة. والنبي صلى الله عليه وسلم كان من أساليبه في الحديث أنه يكرر الكلام ثلاثاً في بعض الأحيان، وهذا التكرار يثبت المعلومة، ويؤكد على القضايا. التكرار أما أن يثبت، يعني أقصد مقاصد التكرار أما للتثبيت، تثبيت المعلومة، وأما للتأكيد على أهميتها، وأما للأمرين جميعاً. والنبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يستعمل هذه الأساليب ليثبت المعاني في نفوس أصحابه. ولذلك أيها المعلمون، أيها المربون، أيها المصلحون، لا ينبغي لكم وأنتم تتعاملون مع الطلاب أن تسرد الكلام سرداً دون تأكيد على بعض المعاني، دون تنبيه على بعض المعاني. أعادها ثلاثاً. فتكرار الكلام والتأكيد عليه هذا مهم جداً.

وتعلمون لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الكبائر أو أكبر الكبائر، قال، قال الراوي: وكان متكئاً فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، قال: فما زال يكررها حتى ايش؟ ها، حتى تمنينا أنه سكت؛ لتعظيم القضية. القضية عظيمة جداً، يعني أمر عجيب، أمر معظم، أمر يا لطيف، هذا الشعور اللي وصل، يعني يا رب يا الله ما هذا؟ ها، أو حتى قلنا ليته سكت أو نحو ذلك. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر، ومن جملة ما كرر هذا الحديث: ساعة وساعة، ساعة وساعة. تأكيد على هذا المعنى. هذا يبدو أنه ليس من باب الحفظ لأنه سهل، ساعة وساعة هي كلمة واحدة، ولكنه من باب التأكيد، من باب التأكيد. والأساليب النبوية كثيرة جداً في تثبيت مثل هذه المعاني.

على أية حال هذه وقفة مع هذا الحديث العظيم، ومع هذه القصة المهمة، والتي أرجو أن نكون قد انتفعنا بها. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد، ونسأله سبحانه وتعالى أن يؤتيه الوسيلة، وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يحيا على سنته، وممن يدافع عنها، وممن يموت عليها. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يحيي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يرزقنا الفقه فيها. ونسأله أن يجعلنا من الواردين على حوضه، وأن يرزقنا شفاعته صلى الله عليه وسلم، وأن يرزقنا مرافقته عليه صلاة الله وسلامه. هذا ونقول في ختم هذا المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.