الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس أنوار السنة المحمدية تحت عنوان الاستهداء بالسنة النبوية، هذا المجلس الثالث فيما أظن من مجالس رياض الصالحين، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. اليوم عندنا الباب الخامس عشر من أبواب رياض الصالحين، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: الباب الخامس عشر في المحافظة على الأعمال. قال الله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ. وقال تعالى: وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا. وقال تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا. وقال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ. ثم ذكر أربعة أحاديث.
طيب، هذا الباب يعني فيه أربع آيات وأربعة أحاديث، وهو في المحافظة على الأعمال. هذا الباب باب من أبواب الفقه في الدين، يفتح للمتعبد أفقا في أن ينظر إلى شيء مهم جدا، وهو أن لا يكتفي بالنظر إلى إنشاء العبادة والابتداء بها، وإنما أن ينظر دائما إلى نهاية العبادة والاتيان بها والثبات عليها كما يفكر في الابتداء بها. وكثير من الناس إنما يفكر في بداية العبادة، أو يعني يتحمس أو يتشجع في الانطلاق في بداية العبادة والتدين، ولا يفكر كثيرا في كيفية المحافظة عليها وفي كيفية الاستمرار عليها. أما الإسلام وما جاء فيه فمن الفقه التعبدي الذي فيه أنه يفتح للإنسان أفقا في أن يعتني بالحرص على إتمام العبادة كما اعتنى وحرص على البدء بها وإنشائها. وهذه القضية في غاية الأهمية وفي غاية الخطورة، وكثير من الناس داؤه ليس في عدم إقباله على الخير، وإنما داؤه في عدم ثباته على الخير.
وهذه الآيات التي ذكرها النووي رحمه الله هي من فقهه؛ اختياره لهذه الآيات في هذا الباب هذا الاختيار من فقهه، وكما أسلفت فإن الاستفادة من أهل العلم العارفين بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عندهم ما ليس عند المبتدئ، ما ليس عند عامة الناظرين في كتاب الله، الاستنباط أمر دقيق. فإن يأتي بقوله سبحانه وتعالى: وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ. هذه واحدة من الأسباب التي قد يسقط الإنسان بسببها في الطريق. واحدة من الأسباب أو الأعمال أو المؤثرات التي قد يسقط الإنسان بسببها في الطريق، ما هو هذا السبب؟ طول الأمد، وطول العهد بين الإنسان وبين مصدر الهداية. ومصدر الهداية هنا بالنسبة للذين أوتوا الكتاب المذكورين في الآية هو ايش؟ الكتاب والأنبياء والرسل.
طال عليهم الأمد فقست قلوبهم. وكان في الآية إشارة إلى أن الذين ابتدأوا الإسلام أو الدين من أهل الكتاب مع أنبيائهم ورسلهم أنهم كانوا على خير، لكن جاء فيهم من بعدهم من طال عليهم الأمد فقست قلوبهم. وطول الأمد هذا يتضمن أكثر من معنى عند العلماء، منه طول الأمد فيما مضى، يعني طول الأمد، والأمد هو الزمان، طول الأمد بينهم وبين المصدر، بينهم وبين الكتاب، بينهم وبين الأنبياء والرسل. أي أنهم طال عليهم الأمد فلم يلتزموا خلال هذا الأمد الطويل بالمصدر الذي يجعل قلوبهم محافظة على حياتها، فقست قلوبهم. وهذا فيه تنبيه مهم جدا للسالك، للمتعبد، للمصلح، للمؤمن: أنه ترى لا تكفي فورة البدايات، لا تكفي إيمانيات البدايات، لا تكفي المعاني التعبدية التي تلقيتها في بداية الطريق. قد يطول بك الأمد فيقسو قلبك، فإذا قسى القلب لا تسأل عن الإشكال الذي يمكن أن ينشأ، إذا قسى القلب تظهر عليك آثار سلوكية قد لا تختارها أنت ولكن هي نتيجة لقسوة القلب.
هذه إذا واحدة من أهم الأسباب التي تجعل القلب حيا غير قاس، هو أن يظل الإنسان على طول الطريق متصلا بالمصدر الذي يجعل قلبه حيا وهو الكتاب وهدي الأنبياء، لأنهم هم طال عليهم الأمد بالكتاب وطال عليهم الأمد بأنبيائهم ورسلهم. ولذلك من كان يظل أو من ظل محافظا على المصدر وعلاقته بهذا المصدر فسيظل قلبه لينا حيا خاشعا بإذن الله تعالى. وهذا لا يعني أن من لم يطل عليه الأمد من ناحية الزمان فبالضرورة. وبعض المفسرين أشار في طول الأمد هو طول الأمد يعني ليس فقط فيما مضى وإنما حتى فيما سيأتي، وكأنهم قيل لهم لأهل الكتاب: اصبروا على دينكم واثبتوا على دينكم حتى يأتي الرسول المبشر به، فطال عليهم الأمد فلم يثبتوا فقست قلوبهم. طول الأمد هذا يمكن أن حتى بعض العلماء استعمله في طول الأمل كذلك، هذا بالنسبة للزمن المستقبل. على أية حال الفائدة من أهم الفوائد المستفادة من هذه الآية، خاصة مع الربط بالباب الذي بوب به الإمام النووي في المحافظة على الأعمال، هو أن يعلم أن من أهم أسباب المحافظة على الأعمال الارتباط الدائم بكتاب الله سبحانه وتعالى والارتباط الدائم بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يطول علينا الأمد كما طال على أهل الكتاب فتقسو قلوبنا كما قست قلوبهم، هذه فائدة.
الفائدة الثانية هي في أن التشبه بأهل الكتاب والتشبه بالكفار المنهي عنه هو ليس التشبه فقط ببعض الأعمال الظاهرة المتعلقة باللباس والهيئة والهوية، وإنما من أهم ما ينهى عنه من التشبه والذي جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى هو التشبه بهم فيما يتعلق بالأحوال الباطنة والأحوال القلبية، وقد يغفل كثير من المتشبهين بأهل الكتاب واليهود في أحوالهم الباطنة عن هذا النوع من التشبه ويركزون على التشبه في الأعمال الظاهرة. ولذلك ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، وهو كتاب في التشبه وفي الهوية وتعزيزها وتمييز الهوية الإسلامية عن الهوية النصرانية واليهودية، أشار إلى هذا المعنى كثيرا ونبه عليه، وهو لفتة عظيمة ومهمة جدا لا يستغني عنها الإنسان المتفقه، لا يستغني عنها الإنسان طالب العلم. لا بد له أن يتنبه إلى صفات أهل الكتاب المذكورة في الكتاب ويحذر من مشابهتها، فيجتنب ما كانوا عليه، ومن جملة ما كانوا عليه هو ايش؟ قسوة القلوب الناتجة عن طول الأمد. قسوة القلوب الناتجة عن طول الأمد فهذا من أهم ما ينبغي التنبه له.
ثم ذكر قوله سبحانه وتعالى: وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا. وين الشاهد في الآية؟ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا. هم ابتدعوا رهبانية معينة نوع من التنسك الزائد الذي لم يؤمروا به في العزلة وفي اجتناب الملذات وفي اجتناب الزواج وفي إلى آخره، هم ابتدعوا هذه الرهبانية، وليتهم إذ ابتدعوها وألزموا أنفسهم بعبادات معينة لم يؤمروا بها، ليتهم إذ ألزموا أنفسهم بهذه العبادات رعوها، كمن يعني يتعهد أو ينذر أو شيء ثم لا يفي، فليتهم إذ ألزموا أنفسهم بها رعوها، لكنهم ما رعوها حق رعايتها، ما رعوها حق رعايتها. وإذا كانوا قد ذموا على ذلك، فمن باب أولى أن يذم من لم يرع الإسلام حق رعايته في أساس ما أمر الإنسان به أو اجتناب ما نهي عنه.
ثم الآية الثالثة التي ذكرها النووي في بيان المحافظة على الأعمال قوله سبحانه وتعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا. هذه امرأة كانت لها جواري وكانت حمقاء، فكانت تأمرهم -كما يذكر بعض أهل الأثر والتفسير- كانت تأمر جواريها من الصبح إلى الظهر أن يغزل يغزل بالغزل هذه، يعني يعملوا بعض الأمور التي هي تنتج عن طريق الغزل، فالى هذا الوقت يكون قد أنتج في هذا بسبب هذا العمل الدؤوب مجموعة من المغزولات والمنتجات المحكمة، ثم بعد ذلك تأمرهم أن ينقضوا ما غزل، كل الذي غزلوا يفرطوه خيطا خيطا، فهذا مثال ضربه الله سبحانه وتعالى، ونهى الله سبحانه وتعالى به عباده المؤمنين الذين يبرمون العهود والأيمان ثم بعد ذلك ينقضونها، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا. وهذه الآية يمكن أن يستفاد منها في عموم الطريق أيضا، من كان محافظا على الصلاة وعلى عهده مع الله وعلى دعوته وعلى وعلى، وتعب في سبيل ذلك وبذل وقدم ثم بعد ذلك يأتي عليه زمن يترك كل هذا، أو يتدرج في الترك، فقد يقال له: ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.
والآية الرابعة التي ذكرها النووي رحمه الله هي قوله سبحانه وتعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ. اعبد ربك حتى يأتيك اليقين، واليقين المقصود في الآية هو الموت. ولاحظوا كيف أن هذه الآية مع كونها مكية، تنزل لتأمر بالعبادة الدائمة الدائبة المتواصلة إلى الموت. وهذا وإن كان أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه أمر لكل الأمة وأمر لكل المتعبدين، فإن يجعل الإنسان أجل بينه وبين استمراره في العبادة هو الموت، فليست مرحلة هي، يعني الإنسان يتعبد في مرحلة الفراغ مثلا، والله ما قبل أن يدخل الإنسان في الانشغال في الحياة في عجلة الحياة وبعد ذلك لا، وإنما ما ينشئه الإنسان داخل نفسه أمدا، ما يجعله أمدا وعلامة وسبب انتهاء لهذا الدأب في العبادة هو الموت. والذي يستعد في نفسه لمثل هذا العمل إلى الموت لا شك أنه يراعي مبدأ المحافظة على الأعمال.
قال: وأما الأحاديث، فمنها حديث: وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه. وقد سبق في الباب قبله. نعم سبق في الباب السابق أو الذي قبله قضية المداومة على العمل. وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه... إلى آخره، فما نعيد الكلام فيها. ثم قال: وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه، فقرأ ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل. رواه مسلم. هذا الحديث فيه جوانب من التأمل: الجانب الأول أن مبدأ المداومة على العمل هو مبدأ محبوب عند الله سبحانه وتعالى محبوب عند رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك جاءت الشريعة التي تراعي الأحوال وتقلبات النفس والظروف التي تنشأ على الجسد، الشريعة تشوف لمبدأ المداومة على العمل ولمعرفة المشرع سبحانه بأحوال عباده فقد شرع وسائل لتعويض مبدأ المداومة، بحيث أنه يظل الإنسان مداوما حتى لو لم يداوم في بعض الأحيان. هذا الآن من باب التشريع، أما من باب كتب الأجر فإذا حرم الإنسان أو منع بسبب ظرف قاهر عن أن يقوم بالعمل الذي اعتاده من العبادة فإن الله يكتب له أجره مثل ما كان يعمل، كما في البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا. وهذا أصلا يعني من من الله سبحانه وتعالى أنه ترى الله سبحانه وتعالى يحب المداومة على العمل، فما كنت مداوما عليه أو متعودا على العمل عليه ثم منعت عن أن تقوم به بمرض أو سفر فسيتب لك أجر كأنك مقيم أو كأنك صحيح.
طيب ماذا لو كان العارض أقل من ذلك؟ يعني ليس مرضا دائما وليس سفرا وليس شيئا طويلا، وإنما قد يكون عارض من العوارض، انشغال أسري مهم جدا حال بينك وبين العبادة التي أنت متعود عليها في الليل مثلا، جاءت الشريعة ببديل أن يقوم الإنسان به فلا يكون بذلك قد خسر ما اعتاد عليه من العبادة في الليل مثلا، وإنما إذا أدى نفس هذه العبادة في النهار فإنه سيكتب له يعني في هذا الوقت المحدد الذي هو ما بين صلاة الفجر إلى الظهر، سيكتب له كأنما صلاها بالليل. ولكن لاحظ: من نام عن حزبه من الليل أو شيء منه، فكأنه يدل على ايش؟ أنه يعني فيه شيء أصلا محدد فيه مواظبة، في استمرار. يعني البركات التي تنشأ عن المواظبة عن العمل كثيرة، منها مثل ما ذكرنا أنه لو مرض أو سافر يكتب له مثل ما كان يعمل، لو شغل لعارض سريع فعوضه فيما بين الفجر إلى الظهر في موضوع صلاة الليل يكتب له كأنما قرأه من الليل، وهذا كله كما قلت لتشوف الشريعة إلى قضية ومبدأ المداومة على العمل. ثم ذكر حديثين، والثاني منهما ألصق وأقرب إلى هذا الحديث، لكن نقرأ مثل ما قال بالترتيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل. متفق عليه. يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل. طبعا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما كما تعلمون القصة، وهي أصلا مذكورة في الباب الماضي، القصة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يقرأ القرآن في كل ليلة، قرآن كاملا كل ليلة يختم القرآن وكل يوم يصوم، فسمع بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره لما قال له اقرأ القرآن في كل شهر.
نفسك، ثم نزل قليلاً، ثم نزل قليلاً إلى أن وصل إلى الحد الذي هو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأن يقرأ في كل سبع، وأظن في رواية بعد في كل ثلاث، فاقرأ في سبع ولا تزيد على ذلك. الرواية التي ذكرها النووي هنا، فماذا فعل عبد الله بن عمر؟ حافظ على هذا العمل، ولما كبرت سنه تمنى أنه لو كان أخف، لكنه لم يترك. لماذا لم يترك؟ لأمرين: الأمر الأول قال: كرهت أن أترك شيئاً فارقت النبي صلى الله عليه وسلم عليه، الأمر الثاني لأنه أوصاه صلى الله عليه وسلم. هذا هذا الحديث الآن يا عبد الله، هذا حديث له لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل. فهذه وصية خاصة، وهي وإن كانت خاصة في الحديث لعبد الله إلا أنها من حيث دلالتها ومعناها هي عامة لكل المسلمين.
وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره أن يبتدئ الإنسان العمل ثم يتركه، كان يكره أن يبتدئ الإنسان العمل ثم يتركه، ولذلك ضرب مثلاً بهذا المذموم الذي هو كان يقوم الليل ثم ترك قيام الليل.
ثم الحديث التالي والأخير عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة. رواه مسلم. هذا الحديث يوضح شيئاً من أحكام الحديث السابق وهو أن الوتر في الليل يقضى شفعاً في النهار، فإذا كان الإنسان معتاداً على ثلاث ركعات يصليها أربعاً، وإذا كان معتاداً على إحدى عشرة ركعة يصليها اثنتي عشرة ركعة، هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث من الفائدة كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول من يمتثل ما يأمر به، وأول من يطبق ما يدعو إليه صلى الله عليه وسلم، ولذلك عامة العبادات تجد أن المصدر الأساسي فيها النوافل والذكر عامة ما جاء في الشريعة في ذلك يؤخذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك من قوله، وإن كان الفعل كثيراً من هديه صلى الله عليه وسلم.
ثم قال النووي رحمه الله: الباب السادس عشر في الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها. قال الله تعالى: طبعاً هذا الباب طويل، ذكر فيه أحاديث، ذكر فيه آيات كثيرة وذكر فيه أيضاً أحاديث كثيرة، فقال رحمه الله: الباب السادس عشر في الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها. قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا، وقال تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ، وقال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وقال تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، وقال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وقال تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. قال العلماء: معناه إلى الكتاب والسنة، وقال تعالى: مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وقال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، وقال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وقال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ. والآيات في الباب كثيرة.
هذه الآيات الكثيرة التي ذكرها النووي ثم قال بعد أن ذكرها: والآيات في الباب كثيرة؛ تؤكد أن الله سبحانه وتعالى في إنزاله لكتابه العزيز قد ضمن هذا الكتاب في مواضع كثيرة منه وفي أوقات متعددة، وفي السور المكية والمدنية، التأكيد على أهمية اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والصدور عن أمره والابتعاد عما نهى عنه صلى الله عليه وسلم، وهذه القضية المتكررة في كتاب الله؛ ابن تيمية يقول: جاء الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في نحو من 40 موضعاً في كتاب الله سبحانه وتعالى.
هذه الأوامر المتكررة بالأمر بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيم سنته يؤخذ منها أمور: الأمر الأول: مكانة السنة النبوية، أو قبل ذلك مكانة النبي صلى الله عليه وسلم، مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، هذا شرف عظيم للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشرف يا جماعة الخير لا يأتي بمجرد المنزلة الشخصية، الشرف يأتي كذلك باعتبار الأمر والنهي، أن يكون أمرك معتبراً، أن يكون نهيك معتبراً، ثم يبين أن هذا الأمر والنهي إنما هو عن الله سبحانه وتعالى فهذا أمر عظيم.
الأمر الثاني: مكانة وحجية السنة النبوية، وهذه من أعظم الأدلة الدالة على ذلك التي هي الأدلة القرآنية الكثيرة الآمرة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن العجيب أنه مع وضوح دلالتها ومع كثرتها وتضافرها والتأكيد الوارد فيها والتهديد الوارد فيمن يتنكب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو يخالف أمره فيها، مع كل ذلك إلا أن فئة تنتسب إلى الإسلام كثرت في هذا الزمان تنكر وجوب اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي فئة خارجة عن الإسلام؛ من ينكر سنة النبي صلى الله عليه وسلم إنكاراً كاملاً ولا يعتبرها ولا يرى أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم واجب الاتباع، ولا يرى أن نهيه واجب الاجتناب، ولا يعتبر شيئاً ولا يعتد بشيء مما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا أمر خارج عن الإسلام وهذا ضلال عظيم وفساد كبير. وقد بين الإنسان في مواطن كثيرة الاحتجاج العقلي والقرآن ومختلف الوجوه في فساد هذا القول، وهو كما قلت مع الأسف هو واحدة من الاتجاهات الموجودة في هذا الزمن والتي كثرت إلى درجة لم تكثر في أزمنة سابقة. لا يكاد يعرف في تاريخ المسلمين طائفة لا تعتبر السنة أبداً، وإن كان وجدت بعض الطوائف الضالة التي تعرف السنة بطريقتها وتحددها بطريقتها؛ إما باختيار بعض الصحابة دون آخرين، وأما بعض التحديدات، لكن أن توجد طائفة تقول أبداً ولا شيء من السنة لا متواتر لا آحاد لا عن جميع الصحابة ولا عن بعضهم، فهذا من البدع المستحدثة في هذا الزمان، إن وجد لها جذر في التاريخ فهو جذر غير كبير يعني.
الأمر الثالث في هذه الآيات هو أن المأمور تجاه النبي صلى الله عليه وسلم وسنته هو أشياء متعددة؛ ليس فقط المطلوب هو الامتثال، وإنما المطلوب كذلك التعظيم، والمطلوب كذلك العناية والرعاية. يعني ليس فقط الأداء أو اجتناب النهي وإنما العناية والرعاية، هذا يؤخذ من الآية الأخيرة: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ. والحكمة هي السنة، وهو لم يورد هذه الآية إلا لأنه يفسر الحكمة بالسنة؛ لأن هو قال باب المحافظة على السنة، أورد هذه الآية: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ. وبين الشافعي باستدلال مفصل أن الحكمة في كتاب الله إذا جاءت معطوفة على الكتاب فالمقصود بها سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، ثم ذكر الأحاديث، قال: وأما الأحاديث، في الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. متفق عليه. النبي صلى الله عليه وسلم ربى أصحابه على مركزية العمل ومركزية الامتثال والتسليم، وأما القيل والقال وكثرة تشقيق القضايا والمسائل وكثرة الافتراضات وكثرة الاختلافات فالحاجب عن تحقيق حقيقة الامتثال للأمر والاجتناب للنهي فهو مما كرهه النبي صلى الله عليه وسلم، كرهه النبي صلى الله عليه وسلم، بل وربى أصحابه تربية عملية على قضية الامتثال هذه، ولذلك حقيقة أي تربية تقتدي بتربية النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يراعى فيها بشكل واضح التركيز على أداء العمل والإبعاد عن كثرة القيل والقال والخلافات وما إلى ذلك.
ثم قال الثاني عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة. رواه أبو داوود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. والنواجذ بالذال المعجمة: الأنياب، وقيل الأضراس.
هذا الحديث الصحيح العظيم ومن الأحاديث التي تستحق وقفة مطولة؛ أولاً في قول العرباض: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. الفائدة الأولى هي في مركزية الموعظة وأهميتها، وأن تكون في خطاب الدعاة وفي خطاب العلماء، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ أصحابه، وقد سمى الله سبحانه وتعالى الكتاب العزيز بموعظة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ، ويعظهم به، وما إلى ذلك من الآيات والأحاديث التي فيها أهمية الموعظة. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر أصحابه بالجنة والنار كثيراً، ولذلك في حديث حنظلة لما قال: يا رسول الله، أنا نكون عندك فتحدثنا عن الجنة والنار فنكون كأنا رأي عين، فإذا عافسنا الأهل والأولاد اختلفت قلوبنا، أو نحو ذلك. وهذا معناه أن من الموضوعات الأساسية التي كان يحدث بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكلام عن الجنة والنار. فلذلك الموعظة هي قضية مركزية، أما أن يأتي طالب العلم فيدرس العلم عند شيخ أو عالم أو مدرس أو نحو ذلك، يمضي معه الشهور والأعوام وتكون القضية هي عبارة عن دروس علمية وشرح ألفاظ وعبارات وتفكيك لها دون أن تكون هناك مواعظ تهز القلوب، ودون أن يكون هناك تذكير بلقاء الله سبحانه وتعالى، ودون أن يكون هناك تذكير بالجنة والنار وما إلى ذلك؛ فهذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وحتى في خطبة الجمعة، من أهم موضوعات خطبة الجمعة على الإطلاق من أهم الموضوعات الموعظة، ولذلك لما قالت أم الحارث أو نسيت اسمها في صحيح مسلم قالت: ما أخذت سورة ق إلا من فم النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بها في المنبر في يوم الجمعة. سورة ق هي سورة تعرف كلها مواعظ، ذكر الموت والجنة والنار. فالحديث هذا يعني خلينا نقول من الإشكالات الكبيرة التي حصلت في بعض التوجهات الإسلامية هو التركيز إما على الناحية الفكرية المحضة أو التركيز على الناحية العلمية المعلوماتية المحضة واجتناب الوعظ في كلا الخطابين، وهذا خطير ومنبئ بشؤم كبير، الإنسان لا يمكن أن يتعامل مع المعلومات تعاملاً صحيحاً إسلامياً إلا إذا كان قلبه صالحاً، لا يكفي أن يكون عقله سليماً، لا بد أن يكون قلبه صالحاً، والقلب من أهم أسباب صلاحه المواعظ، التذكير بلقاء الله، التذكير بالجنة والنار، فيعني هذه من الأمور المهمة ومن الأمور الواضحة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الأمور المهمة عند كل من يريد الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم من العلماء ومن الدعاة وما إلى ذلك. أما فصل القضية أنه يصير عندنا وعاظ هؤلاء ياتي عندهم العامة، وعندنا علماء يتكلمون في الدروس العلمية هؤلاء يأتي عندهم الخاصة، وعندنا مفكرون يأتي إليهم المثقفون، وما إلى ذلك، وهذه مصيبة عظيمة. الإنسان المسلم سواء كان طالب علم يحفظ المنظومات والشروحات ويحضر الشروحات أو كان يهتم بالفكر أو آخره، الموعظة أساسي له، ومر معنا قبل قليل: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ. هذه الفائدة الأولى.
الفائدة الثانية في قوله صلى الله عليه وسلم: والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد. وقد تكرر في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالسمع والطاعة، وهذا الوصف وإن تأمر عليكم عبد جاء في حديث آخر في صحيح مسلم فيه: وإن تأمر عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، يقودكم بكتاب الله. الذي يحتاج إلى التوصية بالنسبة للصحابة، بالنسبة للناس، بالنسبة للعرب عموماً هو قضية يعني أكثر شيء هو ما يتعلق بأنه تنقاد حتى لو كان هناك مثلاً اختلاف في الشرف، اختلاف في النسب، لو كان الحاكم ليس من أشراف الناس، ليس من أشراف الناس من حيث النسب، ليس من ذوي التاريخ والحسب، ولكن أن تأمر وكان يقودكم بكتاب الله سبحانه وتعالى، فاسمعوا له وأطيعوا، وهذا من أهم أسباب المحافظة على وحدة الأمة وعدم تفرق كلمتها.
وهذا كله طبعاً هو باستصحاب مرجعية الإسلام، يعني هذا كله في ظل مرجعية الإسلام، فالأحاديث هذه لا تنزل على الأمراء أو الحكام الذين القانون المرجعي لهم في الحكم هو شيء فيه اعتراف أو خلينا نقول فيه عدم اعتراف بالإسلام أصلاً، أو عدم اعتراف بمرجعية الشريعة أصلاً، فهذه الأحاديث لا تتناول هذه الصور أصلاً، وهذا من المسلمات والبديهيات في الشريعة، بمعنى أنه لا تحتاج إلى تنبيه، ومع ذلك نبه عليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يقودكم بكتاب الله، وبالحديث الآخر في البخاري ومسلم: إلا أن تروا كفراً بواحاً، أما أن يكون هناك رفض لمرجع الوحي مرجعية كتاب الله سبحانه.
وتعالى، أو حتى المرجعية الفقهية المأخوذة منه، في الأخير مرجعية إسلامية يعني. وفي اعتزاز بالمرجعية القانونية غير الغربية مثلاً، وتحكيم هذه المرجعية وفرضها على الناس، ومحاربة من يعني خلينا نقول يدعو إلى المرجعية الإسلامية، ثم بعد ذلك تأتي الأحاديث تنزل على مثل هذه الصورة؛ فهذا يعني من أعظم الجهل بكتاب الله، ومن أعظم الجهل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
النقطة الثالثة في قوله صلى الله عليه وسلم: فَإِنَّهُ مَن يَعِش مِنكُم بَعدِي فَسَيَرَى اختِلافًا كَثِيرًا. هذا من جملة ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عما سيحدث بعده من تغير الأحوال، فَإِنَّهُ مَن يَعِش مِنكُم فَسَيَرَى اختِلافًا كَثِيرًا، وهذا الاختلاف الكثير هو سواء اختلاف فيما بين المسلمين، أو اختلاف عن أو مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه المخالفة ستكون في أي شيء؟ ستكون في أبواب، في موضوعات، في مجالات مختلفة؛ واحدة منها هو فيما يتعلق بالمجال السياسي، ما يتعلق بمجال الحكم. وقد يكون مما يدل على ذلك هو تتمة الحديث: فَعَلَيكُم بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهدِيِّينَ. سنة الخلفاء الراشدين المهديين ليس المقصود بها فقط قضاؤهم في النوازل الفقهية، وفيما يتعلق بأحكام الميراث أو الأحكام الفقهية وما إلى ذلك، وإنما من أعظم سنة الخلفاء الراشدين هو ما يتعلق بإقامة الدين، وإقامة الجهاد في سبيل الله، والحكم بالإسلام، وجعل الأمر شورى بين المسلمين في من يصلح لمثل هذا الحكم وما إلى ذلك. هذه سنة الخلفاء الراشدين المهديين ليست القضية منحصرة في الأحكام التطبيقية العملية، هذه تنبيه مهم جداً.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: المَهدِيِّينَ؛ دليل على أن، أو يؤخذ منه ويستنبط منه على أن مهدي آخر الزمان هو من هذا الباب، هو من باب الخلفاء الراشدين المهديين؛ فالوصف المهدي لا ينحصر في مهدي آخر الزمان، وإن كان هو ألصق به، كما أن وصف الصديقين لا ينحصر في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وإن كان هو الأحرى به أو الأصدق عليه أحياناً لوجود موقف معين، أو تعرف الصديق خاصاً في حال معين كان الأمر فيه يستوجب من يقوم بذلك التصديق، فيستحق ذلك اللقب، وكان هو كذلك على طول الطريق رضي الله تعالى عنه. فكذلك الخلفاء الراشدون هم مهديون، ومن جملة من يدخل في الخلفاء الراشدين المهديين مهدي آخر الزمان، الذي سيكون بعد أن يأتي وبعد أن يكون من الخلفاء، سيكون ممن يعني يدخل في سلك الخلفاء الراشدين المهديين. هل يدخل في هذا الحديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين؟ الله أعلم، لأنه أصدق ما يصدق عليه الخلفاء الراشدون هم المعروفون الأربعة، وقيل الخمسة، وخامسهم الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه الذي أتم ثلاثين سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خلافة النبوة بعد ثلاثين عاماً، ثم يكون الملك بعد ذلك، وتمام الثلاثين بتمام الستة أشهر التي حكم فيها الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: عَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّواجِذِ؛ فالمطلوب ليس مجرد الأخذ وليس مجرد الاتباع، وإنما المطلوب التمسك، الحرص. وأول ما يدخل في ذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده. ثم قال صلى الله عليه وسلم: وَإِيَّاكُم وَمُحدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ، رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هذا الحديث من أهم الأحاديث في التحذير من البدعة، والبدعة هي ما أحدث في الدين مما لم يكن أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يكن مستنبطاً. مشكلات في الأمة الإسلامية على مر التاريخ هي مشكلة البدعة، من أظهر العلامات مشكلة البدعة. والبدع التي ظهرت في الأمة بدع متنوعة، منها بدع اعتقادية نظرية، ومنها بدع عملية، وهذه البدع أسست عليها طوائف وأسست عليها فرق، ولا بد للمصلحين والعاملين أن يكون من عنايتهم العناية بمقاومة البدع، والعناية بتصفية الدين من البدع، وبمحبتهم فقه في محاربة البدع. ومن أهم الفقه أن يبدأ بالأشد منها، والأعلى خطراً، والأكثر مخالفة لدين الله سبحانه وتعالى ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك يعني تأتي البدع الأخف منها، ولا ينبغي التسوية بين البدع التي فيها مخالفة وإن كانت يعني ضلالة، لكن التي يكون فيها مخالفة يسيرة عن البدع، أو على البدع التي تكون المخالفة فيها شديدة.
وكما قلت هذا باب من أبواب العناية، وقد اعتنى العلماء ببيان البدع، وببيان المحدثات، وببيان تفاصيلها، وكذلك ناقشوا هذه القضية على مر التاريخ، ومن الأمور التي نوقشت خلال الكلام عن البدع هو ضابط البدعة وحد البدعة، وما الذي يدخل في البدعة ومن الذي لا يدخل في البدعة، وهذا باب من أبواب التفقه في الدين ومن أبواب العلمية التي تحتاج إلى عناية وتحتاج إلى تحرير. ولا شك أنه كلما خف نور السنة ظهر أو انتشر ظلام البدعة، البدعة ظلام والسنة نور، ولذلك محاربة البدعة لا تقتصر على مجرد الرد المباشر، وهذا من الخطأ الذي يقع فيه بعض المشتغلين بالعلم الشرعي، يظنون أن القضاء على البدع إنما يكون بالرد عليها فقط، وفي الحقيقة فإن من أهم صور القضاء على البدع هو نشر السنة، نشر الحق، نشر النور، نشر الهدى؛ هذا النشر للخير وللمعاهدات، أحياناً يغني عن تنبيه مباشر ورد مباشر. على أية حال، هذا ما تيسر في هذا المجلس المختصر، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والقبول والعون والمدد، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد