تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله على نعمتي المجالس القرآنية، وعلى نعمة نزول القرآن أصلاً؛ كما قال سبحانه وتعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس سورة يوسف والتأمل في قصتي ذاك النبي الكريم. كنا قد وصلنا عند عند أي موضع؟ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، لا، كنا قد وصلنا عند يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ. خلاص، الْقَى إِلَيْهِ أَخَاهُ أخذناها بما فيها من القصة والفائدة.

لكن الآن لما تولى يعقوب عليه السلام حزينا وقال: إِنَّمَا أَشْكُثُ بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، قال لابنائه: يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ. هذه فيها فائدة مهمة جدا، وهي أن الأمل باعث على العمل، وأن اليأس باعث على القعود والكسل. فلولا أن يعقوب كان لديه الأمل بلقاء يوسف لما قال لهم: اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا، ولولا أنهم كانوا يائسين من لقاء يوسف لما قعدوا عن أن يبادروا بمثل هذا البحث وتصحيح الخطأ.

وهذه قاعدة مهمة جدا، أنه حاول أن تحافظ على الأمل دائما. لا تغلق أمام عينيك أبواب الأمل وإن تراكمت المصاعب، وتكالبت الشدائد، وتكاثرت الكروب؛ فلا تغلق على نفسك باب الأمل. نحن اليوم مثلا في مرحلة من يعني من عمر الأمة الإسلامية هي مرحلة فيها شدائد كثيرة ومصاعب كثيرة، وكثير من طاقات الأمة الإسلامية معطلة بسبب اليأس؛ لأنه كما قلت قبل قليل اليأس باعث على القعود والأمل باعث على العمل. فلذلك تجد أناسا من ذوي القدرات والتجارب، وربما لهم سابقة عمل في الدعوة وفي الإصلاح وما إلى ذلك، ولكن تجدهم اليوم والامه أحوج ما تكون إلى طاقاتهم، تجدهم معطلين. لماذا هم معطلون؟ معطلون لأنهم يائسون، لانهم لا يرون جدوى للعمل الذي يعملوه، لأنهم يرون انهم وإن بذلوا اليوم طاقات فإنها لن تجدي نفعا.

فلذلك قبل أن نقول ما العمل؟ قبل أن نقول ما العمل؟ فلنهتم بقضية الأمل؛ فإذا وجد الأمل وجد العمل أو وجد الباعث على العمل، ثم بعد ذلك يوجه العمل ببوصلة وبأدلة وبأنوار وبراهين وبما إلى ذلك. لكن قبل أن نقول أين الطريق؟ فلنقل من المهم جدا أن ندرك انه يوجد طريق، وهذا لا يكون إلا بالأمل. هنا في يعني في قصة يوسف نفس الشيء، يعقوب عليه السلام كان محافظا على الأمل فحث أبناءه على العمل، وقال لهم: يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ. إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ، هذه فيها أيضا فائدة مهمة، وهي أن اليأس من روح الله معصية خطيرة ومعصية كبيرة. اليأس من روح الله معصية كبيرة، ولذلك نفس الكلام الذي قلته قبل قليل، الذي يظن اليوم أنه لا أمل لهذه الأمة، وانه قد اسودت الدنيا، وأنه لا يمكن أن يصلح الحال؛ فليراجع إيمانه.

يعني النقطة السابقة والفائده السابقة انه ترى لكي يعمل الإنسان يحتاج إلى أمل. الآن نقول له: لا، ليس فقط لكي تعمل، وإنما تحتاج لكي تصحح إيمانك؛ لابد أن تدرك أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يغير هذا الحال، وأنه لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ.

فلما دخلوا عليه قالوا: يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. الآن والدهم ماذا قال لهم؟ تحسسوا من يوسف وأخيه، وهم ماذا قالوا؟ مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا. يعني ايش نقدر نقول؟ أنهم يعني فعلوا ولا لم يفعلوا؟ قال لهم تحسسوا من يوسف وأخيه، وهم قالوها في تصدق علينا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. بعض العلماء قال إنه يعني هذه الجمل التي قالوها هي كتقدمة بين يدي الحاجة. ذكر ذكر الحال والمأساة وما هم فيه من يعني قد يبعث على شيء من، أولا، على شيء من الرقة عليهم بأن يرسل، بأن يرسل يوسف أخاه، لأنه يعني هو بنيامين عند يوسف، هم يعلمون أن هذا يوسف، فعلى الأقل يظفر باخيهم بنيامين عبر، ليس عبر الطلب المباشر، وإنما عبر أنه مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة وأوف لنا الكيل وتصدق علينا.

وهذا يذكر بالبيت المشهور: أذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك أن شيمتك الحياء؟ تعرف إذا أثنى عليه المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء أنه ترى أثنيت عليك يعني، وفي النفس ما فيها، وفي الصدر حاجات، لكني أثنيت عليك وتعرضت بالثناء وان لم أطلب بشكل مباشر. يعني بعضهم ربط بين هذه المعاني وبين هذا الطلب الذي هو مَسَنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ. ولعل هذا قد أجدى نفعا وأثر في نفس يوسف كثيرا على أنه كذلك بأمر الله وبوحيه سبحانه وتعالى، فقال لهم: هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ.

انتباهي في هذا الكلام هو قوله: إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ. يعني جلست أفكر فيها اليوم تفكير جملة عجيبة غريبة فيها كرم نفس لا يصدق. يعني أقل شيء، أقل شيء ممكن يقال في هذا المقام: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخي وأخي يا جاهل، يا جاهلون! أقل شيء. لكنه حتى في هذه نزع عنهم هذا الوصف، ولم يعاتبهم بشكل يعني فيه استعمال ألفاظ جارحة كما يقال، وإنما جعل هذا منسوبا إلى مرحلة سابقه كانوا فيها من الجاهلين. هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ، يعني لما كنتم جاهلين زمان هل علمتم ما فعلتم بيوسف؟ مع أنهم يترقب بالقليل، قالوا: إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ. لكنه غض الطرف وأسرها ومشى، وسياتينا ان شاء الله بعد ذلك لما قال: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ، لما وصف الله يوسف بأنه من المحسنين، فيوسف بلغ الغاية في الاحسان عليه صلاة الله وسلامه. العفو والتسامح والصفح بهذه الطريقه يعني قد أقول إنه لا يقدر عليه إلا الأنبياء، شيء عجيب جدا.

قال: هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ. هنا هم كانوا مستصحبين جملة قالها لهم يعقوب، ربطوا بينها وبين هذه الجمله. ما هي الجمله التي قالها يعقوب؟ تحسسوا من يوسف وأخيه؛ لأنه ذكر اسم يوسف مرة ثانيه الآن أنه ابحثوا عنه. فلما قال لهم: هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ، مين اللي يعرف وهو في هذا المقام يوسف وأخاه؟ وماذا عملوا؟ مين اللي ممكن يعرف؟ ما في إلا يوسف. قالوا: أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ؟ وهذه الجمله تحمل معها كل ما يمكن أن تتخيله من المشاعر والعواطف والتعجب والاستغراب والتاريخ والإنتهاش، مختصرة كلها في هذه الصيغة، أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ، يعني يا الله! معقوله؟ هل بالله يمكن أن تكون أنت يوسف؟ قال: أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.

وهذه الجمله التي قالها لهم فيها اختصار للمسيرة كاملة، وفيها درس وعبرة يعني تغني عن عشرات الدروس، أنه وانتم في هذا الموقف من الدهشة، وانتم في هذا الموقف من العجب، وانتم لا تكادون تصدقون أعينكم إذ رأيتموني بعد كل هذه السنوات، وكل ما فعلتم، واخر اخر ما رايتموني قبل هذا المقام هو حين القيتموني في البئر. اخر مرة راوه فيها قبل أن يروه على كرسي الملك كانت حين القوه في البئر، ولذلك عبروا بهذا الدهشه، بهذه الدهشة. فهو اختصر عليهم المسافة، وكانهم يحملون في صدرهم السؤال: كيف؟ كيف يا يوسف صار هذا؟ احنا القيناك هناك، ايش اللي وصلك هنا هنا؟ كيف كيف حصل هذا؟ بدل أن القصة بتفاصيلها، أعطاهم العنوان الذي أوصل الله يوسف بسببه إلى هذا المقام اختصارا لكل شيء، أنه مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.

ولذلك هذا المقام ترى ممكن هذه الجمله ممكن تستعمل، مثلا قد ترى انسان حقق نتائج عظيمه مثلا في العلم الشرعي أو في امور في مقامات دينية وشرعية معينة وكذا، فتجي تقول له يعني انت كيف وصلت إلى هذا؟ فبدل ما يقول لك ترى قبل 15 سنة بدات بطلب العلم وما ادري ايش سويت وقرات وكذا، انت اعطيني العنوان الأساسي، انه مثلا ممكن تقول له مثلا لا يستطاع العلم براحة الجسم. وفي بطن هذه الجمله تراني تعبت، وترى سهرت، وترى مدري ايش. فيوسف عليه السلام لخص لهم المشهد وقال لهم: إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.

قالوا: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ. قال: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. أبعد كل ما فعلوا يا يوسف؟ أبعد أن القوك وتسببوا في ان تباع وتشتري، وتسبب في ان تسجن كل هذه السنوات، وتسببوا في ان تكون بعيدا عن والديك كل هذه المدة، وبعد ما تسببوا لأبيك بما تسببوا، هكذا بكل بساطة، وفي موقف واحد، وفي نفس المكان، ودون أن تعيد التفكير والحسابات تقول: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ؟!

إن هذا لشيء عجيب! وان هذا لمقام كريم! وان هذه لنفوس عظيمة غاية العظمة! وفي السنن النسائي لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا قال: ما تظنون اني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال: أقول لكم كما قال اخي يوسف لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. وهذا هذه هي انوار الأنبياء؛ يعني أولا أن يستفيد النبي من هدي النبي، ثم يستفيد اتباع الأنبياء، يستفيدوا اتباع الأنبياء من هدي الأنبياء. النبي صلى الله عليه وسلم يقتدي بيوسف عليه السلام، إذ عفا عن إخوته، فيعفو النبي صلى الله عليه وسلم عن قرابته وعن أهل بلده وعن من يشترك معهم في النسب، وقد فعلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم كما فعل اخوه يوسف يوسف، فطردوه من بلده وهم ابناء بلده، وكذبوه وهو الصادق الأمين، وتسببوا في مقتل اخوانه وأصحابه، وتسببوا في خروجه من بيته ومن ماله، وتسببوا في ضربه وتسببوا وفي إلى آخره، وقابلوه بكل قبيح، وهو لم يقابلهم إلا بالجميل.

وبعد ذلك، وبعد صولات وجولات، وبعد ان تدور الأيام والليالي، ثم يخرج، يدخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحا عزيزا منتصرا، وبيده القرار، قرار رقاب هؤلاء الذين أمضوا السنوات في معاداته، رقابهم الآن بيد النبي صلى الله عليه وسلم! ان قال: مِل عليهم ميلة واحدة، لم ترى في ساحات مكة إلا الدماء، ولن ترى إلا الدماء، والصحابة كانوا جاهزين. والنبي، والله سبحانه وتعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله أحل لي مكة ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي. يعني كل شيء باليد الآن! ثم بعد ذلك يقول لهم: أقول لكم كما قال اخي يوسف لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

والمؤمن بحاجة إلى تجديد هذه المعاني في نفسه؛ يعني نحن في زمن تكثر فيه، خلنا نقول أول شيء طبيعة العلاقات مع الناس اليوم في هذا الزمن كثيرة جدا؛ يعني أنت عندك مدرسة وجامعة، وعندك عمل وظيفه، وعندك جيران، وعندك أقارب، وعندك فدوائر الالتقاء بالناس والخلطة كثيرة جدا، وطبيعة الضغط المعاصر اليوم ان النفوس طبيعة الحال النفوس ضيقة، نفوس ضيقة؛ يعني إذا قلنا سابقا الناس في قرية أو في مدينة صغيرة الأعداد محدودة، عندك شغل ثابت، وبعدين في مساحات يعني من المشي ومن الهدوء ومن الرخاء وما في ضغط ليل نهار. وبعدين احنا ترى المتابعة للأحداث اللي في كل مكان وشبكات التواصل اللي تنقل لك كل يعني تفصيلة في كل مكان، هذه ضغط مستمر وحال مستمر. بالإضافة إلى يعني طبيعة الضغط الحياة المعاصر، فهذا يجعل في النفس، لياقة النفس على الصبر والتحمل والعفو بطبيعة الحال ستكون أقل من لياقة من مضى. كيف يمكن أن يتسع الصدر ويعني يزداد الحلم بالمبادئ والايمان بمعنى أن يستجلب الإنسان هذه المعاني، ويكون صابرا محتسبا متبعا سبيل الأنبياء والمرسلين؟

اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ. ما شأن القميص مع يوسف عليه السلام؟ إن له لسان. وذلك في أول القصة: وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، ثم في وسط القصة: وَقَدَّت قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ، ثم في نهاية القصة: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا. فالله أعلم ايش السر في هذا؛ يعني هو قصة يوسف فيها يعني كذا مجموعة من الأشياء العجيبة. فالقميص مرتبط بيوسف في بداية القصة وفي وسطها وفي نهايتها. طبعا المفسرون ذهبوا في كل يعني أو إلى كل اتجاه لمحاوله معرفة ما السر في القميص؛ إذ قال يوسف: ألقوه على وجه أبي ياتي بصيرا. اللقاء هذا من الجنة واللقاء جبريل، ما ادري ايش عمل فيه، واللقاء كذا واللقاء.

وأتى بعض المفسرين قال: ولا حاجة، مثلا السعدي يستفسر، لا حاجة لكل هذا، وإنما يعني من أهم ما في الأمر أنه قابل السبب الذي لاجله فقد يعقوب بصره، وهو هذا الحزن. ولما أن كان هذا القميص فيه ريح يوسف وطيب يوسف وأثر يوسف، فقوبلا أساس المرض بما يضاده، قبل هذا الغم والفقدان بما يضاده من الفرح وبواكير وعلامات الاجتماع. فيعني

حدث هذا بإذن الله تعالى، ارتداد البصر ليعقوب القوة على وجه أبيه يأتِ بصيرًا. وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ. وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ -فصَلت العير يعني خرجت من مصر متوجهة إلى الشام- وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ.

لولا أن تفندون يعني لولا أن تسفهون، لولا أن تقولوا يا ابن الحلال أنت وين ويوسف وين أنت إيش بك يعني عشان كبرت سنك بدات تفكر بأشياء غير واقعية، وهذه لا تفندون، لولا أن تفندون. طيب، فندوه أو لم يفندوا؟ قالوا صح مباشرة إيش قالوا؟ قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم.

والذين قالوا ليسوا هم إخوة يوسف، صح؟ ليسوا إخوة يوسف لأنه إخوة يوسف لسه ما وصلوا راجعين من مصر للتو فصلت العير، لكن قد يكونوا أبناء أبناء إخوة يوسف، ويعني الذين في البيت العائلة وكذا، فيبدو أنه القضية يعني تم توريث موقف فيه قدر من السلبية تجاه هذه المصيبة. قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم.

ولا شك أن هذه الجمله لا تنبغي ولا تليق في حق أبيهم حتى لو لم يكن نبيًّا، فضلاً عن أن يكون يعقوب عليه صلاة الله وسلامه. قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم. فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا، أول شيء قال يعقوب: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

وهذه تشعر أنها يعني كلمة البارد على صدري يعقوب، يعني أولاً القميص هذا عمل العلاج الخارجي وحتى الداخلي، ثم أتت مثل هذه الجملة لترد الاعتبار كل الاعتبار ليعقوب عليه السلام، للتوقير له تالله إنك لفي ضلالك القديم. فبين لهم من الذي هو في ضلاله فعلاً، ومن الذي كان يعيش الأوهام، ومن الذي كان يقيس بالأمور المادية فقط، ومن الذي كان يعتمد على رحمة الله وعلى علمه بالله وكان يبصر الأمل ويبصر الفرج بعينه بصيرته وبإيمانه ويقينه بالله سبحانه وتعالى.

فقال لهم أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. المقام هنا ليس مقام أن يقولوا شيئًا إلا أن يعترفوا بخطأهم وأن يطلبوا العفو والمغفرة. قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ. وإذا كان يوسف عليه السلام حليمًا واسع الصدر كريم النفس فهو ابن يعقوب، ويعقوب عليه السلام لم يقابلهم إلا بالكلام الحسن وبالوعد الحسن، فقال لهم سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ. وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ -من قبل، قيل أربعين سنة، قيل أربعين سنة- هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ.

مع أن الخروج من السجن بين هذا الكلام وبين الخروج من السجن ثلاث سنوات طويلة، اليس كذلك؟ لأنه كان فيها سبع سنوات حقت... لا قبل الإعجاب، كانت فيها سبع سنوات فيها أمطار والأمور طيبة وبعدين جاءت سنوات العجاف، ويبدو أنهم في هذه الظرف ظرف السبع سنوات هذه لأنه قالوا جئنا بضاعة أو فلان الكيل وتصدق علينا، فالله أعلم، قد يكون بين هذا الكلام وبين الخروج من السجن 14 سنة أو عشر سنوات، يعني في هذه الحدود ربما 12 13 سنة، قديم تاريخ.

ولكن هي نعمة عظيمة لا تنسى، فتذكرها يوسف هنا مباشرة وقال وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ. وهكذا هم المؤمنون لا ينسون نعم الله عليهم في اوقات الضعف حين كانوا ضعفاء، ثم يبدلهم الله بالضعف قوة، لا تنسيهم القوة أيام الضعف التي كانوا فيها. وهذه من أهم صفات المؤمنين ومن أهم ما ينبغي على حملة الدين أن يتذكروه، أنه ترى أيام الضعف التي كنت فيها ضعيفًا محتاجًا والتي أبدلك الله بها قوة إذا صرت في يعني خلينا نقول وسط هذه القوه، فلا تنسى تلك الأيام.

مثلا، أعطيكم دليل على هذا مهم جدا جدا. الله سبحانه وتعالى أحسنت، الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة الأنفال سورة الأنفال أتت بعد النصر المؤزر المبين يوم الفرقان، يوم جندل أبو جهل وجند عتبة وجند شيبة أمية والسادات أولئك الذين كانوا يتكبرون جندلوا في يوم واحد، كما قال حسان: فغادرنا أبا جهل صريعًا، وعتبة قد تركنا في الجبوب، وشيبة قد تركنا في رجال ذوي حسب إذا نسبوا حسيب، يخاطبهم رسول الله لما قذفناهم كباكب في القليب، ألم تجدوا كلامي كان حقًّا وأمر الله يأخذ بالقلوب؟ فما نطقوا ولو نطقوا قالوا صدقت وكنت ذا رأي مصيبي.

ففي ذلك اليوم يوم الفرقان وبعد أن عز الله أعز الإسلام، قال لهم سبحانه وتعالى في سورة الأنفال وَاذْكُرُوا لَا تَنسَوْا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وهكذا يوسف لم ينسَ الملك ولا عز الملك ولا هيبة الملك ولا المال الذي حوله ولا الخدم الذين حوله ولا هذا العرش الذي يجلس عليه وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ، لم ينسه إذ كان في السجن إذ كان مسكينًا وحيدًا فنجاه الله، فتذكر وهو في مقام العز وفي مقام التتمام وفي مقام اجتماع الشمل تذكر أيام الضعف وأيام القلة.

ولذلك لا تنسى، لا تنسى، قد تكون مرت عليك أيام خرجت من بلدك شريدًا طريدًا لا تجد مكانًا تأوي إليه، في اللي كان ينام في مطعم واللي كان ينام في حديقة واللي كان ينام في مدري وين، واللي ها، لا تنسى إذا الله سبحانه وتعالى أكرمك بالبيت وبالاستقرار وبالزوجة الصالحة وبالأبناء أو بالذرية، لا تنسى تلك الأيام، لا تنسى تلك الأيام. وهذا حقيقة أمر حقيقة يجب أن الإنسان دائمًا يتذكر أيام الضعف وأيام الفقر وأيام الاحتياج، ثم إذا أبدله الله سبحانه وتعالى بذلك ما ينسى.

طيب، وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي. أنا أعترف أني لا استطيع أن أقول مثل هذه الكلمة بعد كل هذا التاريخ من الأذى والكيد، يأتي يوسف عليه السلام فيعبر عن القضية بهذا المشهد الناعم فيقول مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي.

كأنه يعني أنه الشيطان نزغ بيننا، وفي أنا بالنسبة لي أنا أعترف لا أستطيع أن أقول مثل هذا شيء عجيب يعني. مين يقدر كذا؟ يعني لو كانت لو كانت مشكلة عادية وأنت مظلوم فيها مشكلة عادية صغيرة يعني خلينا نفترض أنه خلاف عادي بس أنت أنت يعني اللي ظلمت فيها، صعب تجي تصف المشهد تقول والله إلا إلى ايش ممكن يعني في لياقة عالية وبرد، والمشكلة شوية وصار فيه شوية فجوة زمنية فممكن تجي تقول والله نزع الشيطان بيننا، لكن تعيش تاريخ من الظلم، تاريخ من الظلم ومن القهر ومن الاستضعاف ومن السجن ومن ومن ومن وأنت ما لك أي ذنب ولا سويت ولا شيء، طفل غلام ما سويت ولا شيء، يجي إخوانك اللي من لحمك ودمك، من لحمك ودمك يأخذونك يضعونك ومع السلامة تباع وشروه بثمن بخس.

وبعد ما ينتهي هذا المشهد كله تدور الأيام يجي يقول مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ لابتدا بيني كمان يقول بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي، مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي. يعني أنت لو ما تعرف القصة وتسمع هذه الجملة وحدها مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي، قطعًا قطعًا ستتخيل قصة أخرى صح ولا لا؟ قطعًا ستتخيل قصة أخرى، لكن وأنت تعرف القصة ثم ترى أن يوسف عليه السلام يعني قصة بهذه الطريقة، وهذا فيه أن الإنسان ينبغي أن يكون له عزاء في النعمة التي أعطاه الله إياها، يعني يوسف عليه السلام أعطاه الله الملك وأعز شأنه وجعله في ذلك المقام، فكانه يقول في نفسه قد استغنيت بنعمه الله علي عن أن أنزل إلى ماض وإلى تاريخ وإلى مشكلات وإن كنت فيها مظلومًا.

ولذلك هذه الفائدة العملية فيها أنه حاول أن تبحث عن مواطن النعم عليك، في مواطن النعم غنية عن مواطن النقم، مواطن النعم فيها غنية يتمسك الإنسان فيها يجد فيها أنسى، يجد فيها عزاء مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.

وهذه أيضًا تكررت في قصة يوسف، فجاءت في بداية السورة في قول الله سبحانه وتعالى وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وجاءت في موضع سابق في قوله سبحانه وتعالى ما قال يعقوب عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، ثم ختمت القصة أيضًا بهذين الاسمين عسى الله أن رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.

ومن الفوائد في ذلك أن تلحظ في مسيرتك وفي حياتك وفي مواقفك الأسماء الحسنى وتختار منها ما يناسب الحال وما يناسب المقام. فقصة يوسف عليه السلام كانت مكتنفة بهذين الاسمين العليم والحكيم، وفي ذلك عبرة عظيمة لمن يتفكر في علاقة الأحداث بأسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته.

ثم وبعد أن تم الأمر وتمت النعمة وزال البلاء واستجمع الشمل وزالت الوحشة التي كانت موجودة لم يبقَ الآن شيء، يعني كل ما كان ينتظر تحقق، كل ما كان ينتظر تحقق الآن إيش اللي باقي بعد هذا؟ إيش اللي باقي؟ التطلع لآخرة خلاص. تم الأمر في الدنيا، ولذلك قال يوسف رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا، هذه الدعوة الآن هذا الطلب تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.

وهكذا هي الحياة، تفرق، كربات، أهوال، شدائد إذا كانت مصحوبة بالصبر والتقوى فإنها تكون معقوبة باجتماع الشمل وتفريج الكربات وزوال العسر ودخول اليسر، وبعد ذلك كله ينبغي على الإنسان أن يكون شاكرًا. ثم بعد ذلك يعلم أن الأمر وإن تم وإن صار إلى اجتماع وتمام، فانه ما بعد التمام إلا النقص، ولذلك هذه هي الدنيا لا خلود فيها، وإنما بعدها خلص لم يبقَ إلا تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.

بعد هذه القصة وما فيها وقد صرنا فيها من الرؤيا التي راها يوسف وهو غلام: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ، وكل هذه التفاصيل وأنت تعيش أحداثها وعظمتها وتفاصيلها لا تنسى أن الذي بلغ هذه القصة هو محمد صلى الله عليه وسلم.

والسؤال الذي يأتي: ومن أين لمحمد صلى الله عليه وسلم علم كل ذلك وهو النبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب وكان معروفًا في بلده في مكة، فمن أين أتى كل ذلك؟ تأتي الآية الأخيرة في القصة ليذكر الله فيها نبيه محمدًا بنعمته عليه بهذا العلم، فقال له ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ.

من أين لك؟ لم تكن يا محمد مع إخوة يوسف إذ أجمعوا أمرهم. أجمعوا أمرهم أين مرت معنا في السورة؟ إيش الآية؟ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا في تلك اللحظة حين أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ويتامرون على أن يلقوا يوسف، من أين لك يا محمد هذا وأنت لم تكن معهم؟ هذا من أنباء الغيب نوحيه إليك.

وهذا النوع من الخطاب القراني مكرر في القصص القرآنية، ففيه قوله سبحانه وتعالى وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ. وفي قصة موسى وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا، وفيها كذلك وَمَا كُنْتَ بِالْجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، إلى آخر الآيات التي في هذا المعنى، وهي من أعظم المعاني.

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ.

ثم تأتي الآية التي فيها القاعدة العامة بعد هذه القصة العظيمة العجيبة حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.

نحمد الله سبحانه وتعالى على التمام، تمام هذه القصة وتمام الوقفة مع هذه السورة الكريمة، والحديث مع أنوار الأنبياء لم ينتهِ، إن شاء الله في رمضان القادم إن يسر الله نقف مع قصص أخرى من أنوار الأنبياء، وإن يسر الله قبل ذلك فالحمد لله بقي كثير من قصص أنوار الأنبياء، باقي نوح عليه السلام وهود وصالح وشعيب وداود وسليمان، وهذه كلها فيها قصص وفيها آيات وفيها يعني، فإن شاء الله أما ما بقي من هذا الشهر الكريم فإن شاء الله سنكمل فيه السيرة النبوية للمصلحين التي توقفنا فيها السنة الماضية عند قبل غزوة الأحزاب، قبل غزوة كانت آخر كان آخر مجلس فيها.

كان في آثار غزوة أحد ثم بعدها مجلس نسيت إيش الموضوع بالضبط، إن شاء الله نكمل من حيث انتهينا. على أي حال، لو انتهينا من السيرة النبوية للمصلحين قبل نهاية هذا الشهر، فسنرجع إلى أنوار الأنبياء بإذن الله مع نبي آخر، جيد. يعني لو انتهينا مثلا، يعني أنا أتصور أنه السيرة النبوية يعني أقل من عشر مجالس اللي باقي في السيرة، فإذا انتهينا منها إن شاء الله فيصير ناخذ نرجع إلى أنوار الأنبياء إن شاء الله فيما بقي من الشهر الكريم، ثم نكمل السنة القادمة إن شاء الله.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا وأن يهدينا ويسددنا. اللهم لك الحمد ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وجهلنا وإسرافنا في أمرنا كله وما أنت أعلم به منا، اللهم اغفر لنا خطانا وعمدنا وهزلنا وجدنا وكل ذلك عندنا. اللهم إنا نسألك أن ترزقنا الفقه في كتابك وأن تعلملنا ما ينفعنا وأن تنفعنا بما علمتنا يا رب العالمين، اللهم زدنا علما واغفر لنا ذنوبنا ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.