الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. يا أهلاً وسهلاً، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في هذه المجالس.
هذا هو اللقاء الرابع من لقاءات سلسلة أنوار الأنبياء في هذا العام، في رمضان هذا العام، نسأل الله أن يتمم لنا هذه المجالس على خير. هذه المجالس متعلقة بسورة يوسف، وكنا قد أخذنا الآيات الأولى في هذه السورة. اليوم عندنا البداية بقول الله سبحانه وتعالى: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ. قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ.
ثم ذكر الله سبحانه وتعالى أنهم ذهبوا إلى أبيهم وبقية ما هو معلوم. سنصل اليوم إن شاء الله إلى: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. طيب، أول معنى مهم جدا نستفيده من هذه الآيات، هو أن من الموضوعات القرآنية المهمة موضوع شرح الأحوال النفسية للبشر. القرآن مصدر أساسي، بل هو أهم مصدر على الإطلاق لفهم النفوس البشرية، أهم مصدر على الإطلاق لفهم النفوس البشرية.
من ميزة القرآن أنه تناول مختلف النفوس البشرية، النفس الصالحة والنفس الفاسدة، النفس الكريمة والنفس الدنيئة، النفس المؤمنة المنقادة والنفس المنافقة. إن تناول أنواع النفوس بالتفصيل وحين يتناول القرآن موضوعات النفوس البشرية فإن الذي يتحدث عن ذلك هو الله خالق النفوس، هو الله خالق النفوس. هناك محاولات بشرية كثيرة لفهم النفوس البشرية، علوم مختلفة لفهم النفس، ولكن هذه المحاولات تتسم بالنقص، ليست كاملة على يعني ما فيها من الصواب والخطأ، لكنها ليست كاملة، لا يمكن أن تكون أكمل من حديث الخالق نفسه عن نفوس من خلق.
ولذلك من يظن أنه يفهم النفس البشرية وهو لا يعتبر كلام الخالق في ذكر أحوال النفوس فقد أعرض عن باب مهم من أبواب فهم النفوس وأحوالهم، وهذا الباب هو باب من العلم الشريف، يعني باب شريف من أبواب العلم، علم أحوال النفوس. تعرفوا احنا الآن نقول لك مثلاً والله إنسان مجرب في الحياة، خذ منه رأيه في الناس، رأيه في كذا، بعد تجربة إيش يعني ستين سنة ولا خمسين ولا سبعين سنة يقول لك هذا عنده خبرة بالناس.
فالناس تشاوروا، تقول لك مثلاً كذا إلى آخره، تمام؟ ممكن إذا هو كان موجود في العيلة جاء إنسان مثلاً يتقدم للزواج فيروح يراجعه كبير السن هذا، فلان كذا، هذا ليش؟ الناس تستفيد من رأي صاحب الخبرة. الله سبحانه وتعالى هو الحكيم الخبير، وهو خالق النفوس، فإذا تحدث عن النفوس البشرية فلابد للإنسان أن يخضع وأن يتعلم ما الذي يقوله الله عن النفوس.
طيب، الحديث هنا في هذه الآيات عن نوع من النفوس، أو عن حال من أحوال النفس، وهي حال إيش؟ حال النفس حين تملأ بالحسد. ما الذي يحصل؟ ما الذي يحصل في النفس البشرية حين تملأ بالحسد؟ طيب، ما الفائدة أن نتعلم هذا؟ إيش الفائدة في الأخير؟ الإنسان يجتنب مثل هذه المزالق العظيمة. شف يعني الآن سنقف مع مجموعة من الإشكالات التي وقع فيها إخوة يوسف بسبب الحسد، هذا المعنى يجب أن يكون درسا لنا فنبتعد عن هذه الخصلة اللي هي من أسوأ الخصال.
انظروا ما الذي فعله الآن، أول إشكال وقع فيه الحساد، أول إشكال هو أن الحسد تضخم أمامهم فعمى عنهم الحقائق التي ينبغي أن ينظروا إليها وتوهموا حقائق معينة. إذا أول إشكال في قضية الحسد هو أن يعيش الحاسد في وهم لا يعيش في حقيقة الحال. أول وهم ما هو؟ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ. يعني هم يفترضون إيش؟ أنه المفترض بما أنهم عصبة جماعة ويعني أصحاب قوة، ها، بما أنهم بهذه الحال المفروض أن وجه أبيهم لا يكون أكثر التفاتا إلينا من يوسف.
طيب، من الذي يقول إن هذا المعيار صحيح؟ بالعكس، أليس الأولى بالعناية والاهتمام والالتفات هو الطفل الصغير الذي لا يقوم بنفسه؟ أليس كذلك؟ يعني أليس أولى هذا بغض النظر عن كونه يوسف الآن؟ يعني من الذي أولى بالاهتمام من الأب؟ هو من استقل بنفسه صارت له القوة وله من الإخوان من يدعمونه، أو الطفل الصغير الذي لا يقوم بنفسه؟ الطفل الصغير الذي لا يقوم بنفسه. إذا أول إشكال يقع فيه الحاسد هو أنه يقع في قضية وهم المعايير الخاطئة.
طيب، إذا هذا أول إشكال: أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ، المفترض أنه يحبنا أكثر. هذا واحد. اثنين، لأنهم بنوا على قاعدة فاسدة، حكموا على الأشخاص بناء على المعيار الفاسد الذي توهموه. فالمفسدة الثانية هي أن الحاسد يقيم الناس تقييمات فاسدة بناء على معاييره الفاسدة، لما قالوا: أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ، حكموا على أبيهم فقالوا: إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، أي في هذا المعنى، فهو ضال عن إصابة الحق في قضية المحبة، فأعطى يوسف ما لا يستحقه وترك عنا أو أبعد عنا ما نستحقه. هذه المفسدة الثانية.
المفسدة الثالثة في الحسد هي أنه يعمي الحاسد عن إبصار بقية فضائل الشخص المنتقد أو من يتعلق به. الآن يعقوب عليه السلام النبي ابن النبي ابن الخليل، ها، تقولون عنه في ضلال مبين ليش؟ لأنه أحب يوسف أكثر منهم. شف هي مترتبة هي ورا بعض، هي أول شيء المعيار فاسد، ثاني شيء حكم على الأشخاص فاسد، ثالث شيء، من يعني هم أعرف الناس بيعقوب، يعني ما تعرفون أبوكم يعقوب؟ ما تعرفون أباكم؟ حكموا عليه بأنه في ضلال مبين.
لاحظوا الآن، لا تظنوا أن هذا خاصاً بأبناء يعقوب، وأخوة يوسف، لا تظنوا أن هذا خاص، هذا يقع فيه الحساد سابقاً وحالياً ومستقبلاً، لذلك إذا أردت أن لا تكون معاييرك فاسدة وحكمك على الناس فاسداً فاجتنب هذا المزلق الكبير الذي هو الحسد. المفسدة الرابعة التي ترتبت على الحسد هو السعي في الكيد والإضرار بالمحسود دون اعتبار أي موانع يمكن أن تمنع أو روازع يمكن أن تردع عن هذا العمل: اقْتُلُوا يُوسُفَ!
يا لطيف، أنت الآن ما تتكلم عن أعداء ولا تتكلم عن ملك متجبر، أنت تتكلم عن إخوانه، إخوانه! تمام؟ وبعدين لاحظوا، يوسف ما جاء منه أي أذى، يعني الآن يوسف عليه السلام طفل صغير لم يعمل أي شيء، ما عمل هو ما عمل أي شيء. هم ما قالوا روحوا اذهبوا ليعقوب وافعلوا وافعلوا، يوسف الصغير، الطفل هذا: اقْتُلُوا يُوسُفَ! يا لطيف، ليه؟ آآ هذا هذه هي النتائج وراء بعضها نتيجة قضية الحسد.
اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا، اتركوه في أرض من الأراضي، ها، أي أرض من الأراضي، يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ. شف مطالب الحاسد، مطالب الحاسد مطالب غير عادلة، يعني هما لو قالوا إنه يعني لو سعوا إلى أن يكونوا بالتساوي، إنه يعني اهتمام يعقوب بهم أو محبة يعقوب لهم تصير مثل يوسف، هم لا، هم ما طلبوا أنه يصير في تساوي، هم إيش؟ إيش قالوا؟ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ. طب ما كان هدتوها شوية لين ما يصير على الأقل أنه يصير في نفس المحبة؟ لا، يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ، يريدون وجه أبيهم ومحبة أبيهم خالصة لهم.
المفسدة السادسة التي يقع فيها الحاسد هو أنه يعيش على الأماني الفاسدة في صلاح الحال في المستقبل: وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ. يعني احنا خلينا نعمل هذه ونشفي اللي في صدورنا، ها، ويخلو لنا وجه أبينا، وبعدين بإذن الله تعالى الأمور طيبة ورحمة الله واسعة وترجع الأمور طيبة.
طيب، الآن الآن في حياتنا اليوم، ثقوا تماماً أن هذا الأنموذج موجود. هذا النموذج طبعا موجود، من ينسى نعمة الله وأقداره، أن الله هو الذي وزع الأقدار والأرزاق، ها، وهو الذي قد قضى الأقدار ووزع الأرزاق، و آآ يبنون على معايير فاسدة وتوهمات، ثم يبنون النتائج الفاسدة بناء على هذه المعايير حتى يصلوا إلى نتائج لا تعقل. أنت الآن لما تنظر للقصة تقول: معقول يعمل في أخيهم هكذا؟ ليه؟
نفس هذا الذي تقوله أنت الآن إذا تأملت في أحوال الحاسدين ستجد أنهم كلهم يقال فيهم مثل ما قيل في إخوة يوسف، لأنه لم يعد يرى من الدنيا إلا القضية التي أكلت قلبه في قضية الحسد. ولذلك الحسد من المزالق الشديدة على الصالحين، يعني يكون الإنسان صالح أموره تمام وماشية لين ما يبدأ يحسد، إذا بدأ في الحسد أنت أحيانا تتساءل تقول: يا اخي والله فلان، يا زينه، كان محافظ على الصلاة وأموره وطلب العلم وداعي إلى الله، إيش اللي خلاه ينحرف؟ ليش تغيرت بوصلته؟ ليش راح هنا؟
أحيانا يكون السبب هو الحسد، يرى من فضله عليه في نفس السياق الذي هو فيه، تعرفوا كل واحد يحسد في الطريق اللي هو فيه، اللي يشتغل في العلم والدعوة يحسد الناس اللي فتح عليهم في نفس المجال، اللي فتح عليه في التجارة يحسد الناس اللي معاه في نفس المجال، اللي كذا إلى آخره. هؤلاء إخوة اشتركوا مع أخيهم في أب، وهكذا، فالانسان ينتبه وخاصة طلاب العلم والدعاة إلى الله والمصلحين ينتبهوا انتباها شديدا من قضية الحسد، إذا رأيت من فضله الله عليك في العلم أو في أسلوب مخاطبة الناس أو في التأثير على الخلق فاسأل الله أن يعطيه مثل ما أعطاك، أن يعطيك مثل ما أعطاه، ولا يكن عملك تجاه هذه النعمة هو الكيد لإزالتها عنه.
هذا هذه هي يعني خلنا نقول هاتان فائدتان أو درسان من هذه الآيات. الدرس الأول كان ايش؟ الدخول في الحسد؟ لا، معرفة أحوال الناس أو النفوس البشرية من خلال القرآن. ثانيا، معرفة أشكال الحسد وما الذي يمكن أن يؤديه من الفساد.
طيب، بس خلينا نكمل قليل في في موضوع الآثار التي يمكن أن تنتج الحسد، احنا ذكرنا ستة صح؟ نعم. طب خلينا نشوف الآيات اللي بعدها: انطلقوا فقالوا: قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ. من إشكالات الحسد والحاسد أنه يحاول أن يظهر جميله وحرصه ويخبئ ما يريد من الكيد، وهذا يدفعه إلى الكذب والغش والخيانة. الناصح عادة يكون أميناً، أليس كذلك؟ مثل في الصورة الأخرى: وَإِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ. هنا: وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أي نحن إنما نريد له الخير، وهم كاذبون في ذلك، وقد أجمعوا الكيد والمكر، وهذه أيضا من مفاسد الحسد.
قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ. لاحظتم إيش أجابوا هم؟ إيش قالوا؟ لا، أي أكل الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون. ردوا على على المعنى الثاني لكن تركوا المعنى الأول. يعقوب ماذا قال لهم؟ أو قال لهم معنيين، قال: إيش؟ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ، بغض النظر يأكله الذئب ما يأكله الذئب، يحزنني أن تذهبوا به. هذا واحد. اثنين: وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ. المعنى الأول هو الذي لأجله حسدوه أصلا، هم هم مجهولون من فكرة أني لا يحزنني أن تذهبوا به جيد؟ لذلك ما ردوا عليها أصلا: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، قالوا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ.
قبل أن أنتقل للدرس الأخير فقط أريد أن أعلّق على أن من ما ينبغي على المؤمن أن يكون يقظا تجاه كيد الذي يمكن أن يكيده، يعني خل نقول يتظاهر بالصلاح وهو يبطن شيئا آخر ولو في باب معين مثل هذا الباب، وذلك أن كلام إخوة يوسف يدل على أن يعقوب عليه السلام كان حذرا منهم، لأنهم ما قالوا أرسله مباشرة وإنما قالوا ايش؟ مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا، يعني واضح أنه في سابقا من يعقوب عليه السلام في توجس من من أبنائه بحيث أنه هم لمن جو ما قالوا أرسله، قالوا: ما ما لك لا تأمنا، يعني يا أبانا ليش أنت منت مواثق فينا؟ مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ. أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
طيب، ننتقل إلى الدرس الأخير، يعني هذا المقطع فيه من العبر والفوائد فيما يتعلق بالحسد وإشكالية الحسد وما الذي يؤديه الحسد وما الذي ينبغي تجاه الحسد؟ الأمر العظيم. لكن ننتقل للآية التي بعدها والتي أختم بها وهي الدرس الأخير في هذا المجلس. ما هي هذه الآية؟ قال الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.
الآن لما أجمعوا على هذا الأمر وذهبوا مع يوسف عليه السلام ليلقوه في غيابة الجب، لما وصلوا إلى مرحلة انتبه فيها يوسف عليه السلام إلى أن القضية ليست نرتع ونلعب أو يرتع ويلعب وإنما هي مرحلة الكيد. انتبه يوسف عليه السلام إلى هذا، لما وصل إلى هذه المرحلة أوحى الله إليه أنه سينبأهم بأمرهم هذا بكيدهم الذي كادوه وهم لا يشعرون. والعلماء قالوا فيه وهم لا يشعرون حملوها على أحد معنيين: أما أنه وهم لا يشعرون راجعة إلى الإيحاء، يعني الله أوحى إليه بهذا وهم لا يشعرون أن الله أوحى إليه.
وأما وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أي وهم لا يشعرون في المستقبل حين يدخلون على يوسف أن الذي دخلوا عليه هو يوسف، فلتنبأنهم بأمرهم هذا في يوم من الأيام وهم لا يشعرون أنك أنت يوسف. وهذا الذي حصل بعد ذلك لما قالوا أإنك لأنت يوسف؟ قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا.
وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. أين الدرس المستفاد من هذه الآية؟ الدرس المستفاد هو مهم بالنسبة للإنسان المصلح، هو أن من أعظم ما يصبر المؤمن في طريقه والمصلح في طريقه هو المبشرات المستقبلية المبشرات المستقبلية.
فالله قد بشر يوسف عليه السلام في بداية أمره بأكثر من بشرى كانت له زاداً أمام الابتلاءات التي تعرض لها. البشرى الأولى كانت إيش الرؤيا، والبشرى الثانية كانت أن هذا الأمر وهذا الكيد سينتهي لا إلى ما يحبون، فلن يقضى عليك، وإنما سينتهي إلى ما تحب، وسيأتي اليوم الذي تخبرهم فيه بهذا الكيد الذي كادوه لك، وصيغة الخطاب تدل على أن الإخبار سيكون في حالة أنت فيها عزيز، لأنه وَلَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.
يوسف عليه السلام بعد هذا الحدث تعرض لأنواع من الابتلاءات، أليس كذلك؟ أنواع من الابتلاءات. في تلك الابتلاءات التي تعرض لها يوسف، كان من أهم ما صبره فيها هو ما بشره الله به من النهاية والعاقبة وحسن العاقبة. ولأجل ذلك، الإنسان المصلح في طريقه ستعترضه أنواع من الشدائد والابتلاءات، فمما يصبره ويكون زاداً له في مواجهة هذه الشدائد هو ما يرجوه من حسن العاقبة، ما يرجوه من حسن العاقبة سواء أكانت حسن أو كان حسن العاقبة في الدنيا أم في الآخرة.
إيش اللي ممكن يصبرك على أنواع وأنت تسير في طريق لا ترجو فيه الدنيا؟ ما الذي يمكن أن يصبرك؟ هو ما تريده من الله سبحانه وتعالى من الفضل والخير والثواب في الدنيا وفي الآخرة، ولأجل ذلك نجد أن السحرة لما هددهم فرعون لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ، كان الذي صبرهم في ذلك الموقف المهيب هو فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضِ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، أي أنا نؤمن ما هو أبعد مما ترمي إليه، وهو ما عند الله سبحانه وتعالى في آه الآخرة.
طيب، إذا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، هذا هو الدرس الأخير في هذا اللقاء. ختاماً، يوسف عليه السلام في ختام الأحداث قال: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ، هذي التي ذيل بها يوسف قصته كاملة فقال إن ربي لطيف لما يشاء. أرجع إلى القصة من البداية وانظر مظاهر هذا اللطف الإلهي آه على يوسف عليه السلام في المقطع الذي قرأناه.
هناك مظهران أو أكثر من مظاهر هذا اللطف. المظهر الأول لما اجتمعوا وقالوا اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحوهُ أَرْضاً، هدأ الله سبحانه وتعالى بال أحدهم فقال لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ، حتى بعض العلماء أشار إلى أنه الله سبحانه وتعالى ما قال من هو هذا الذي قال لأنه ليس مهم من الذي قال، المهم أن الله سخر له من يبعد عنه الشر الأكبر بلاء أدنى. لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ها؟ هذا واحد.
اللطف الثاني هو ما أوحى الله إليه من أنه سينبأهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون، هذا لطف من الله سبحانه وتعالى الإنسان المؤمن. لا ننسى أن هذه القصة فيها آيات قد أثبت الله لنا فيها أن هذا صنيعه بأوليائه وبمن يسير على بعض المعاني التي يحبها وليس خاصاً بيوسف، لأنه قال سبحانه وتعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وفي آخر القصة: أَنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
وهذا كله يجعلنا أن نتعامل مع هذه القصة ومع هذه السورة لا على أنها قصة وقعت ولا على أنها الخاصة باولئك الأشخاص، وإنما باعتبار أنها عامة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من اتباع الأنبياء ومن السائرين على طريق المرسلين، ونسأله أن يغفر لنا ويرحمنا وأن يهدينا ويسددنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة. اللهم إنا نسألك العلم والعمل الصالح. اللهم إنا نسألك أن تتقبل منا صالح العمل.
اللهم تقبل من تقبل منا صالح عملنا في هذا الشهر الكريم، تقبل منا الصيام وتقبل منا القيام، ونسألك ألا تحول بيننا وبين القبول بذنوبنا. اللهم إنا نسألك ألا تحول بيننا وبين القبول بذنوبنا، اللهم اجعل أحب أعمالنا إلينا أن نسلم الوجه إليك وأن نخلص القول لك يا رب العالمين. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
الشيخ أحمد السيد