مقاصد متن المنهاج | الشرح المختصر 01 | 1-3

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه المصير. اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

نستعين بالله ونستفتح هذا المجلس الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله مباركًا ومقبولاً.

وهذا المجلس فيه التعليق المختصر على متن المنهاج من ميراث النبوة، وقبل أن أبدأ التعليق عندي مقدمة مهمة في وضع متن المنهاج في السياق؛ يعني لماذا أُلف هذا المتن، وما سياقه، وما يعني المرجو من تأليفه؟ حقيقة هذا المتن يأتي ضمن مجموعة من المؤلفات ومجموعة من المواد التي أقدمها لهدف معين ولغايات محددة، وهي تأتي ضمن قضية المنهج الإصلاحي واحتياج المسلمين اليوم واحتياج العاملين اليوم إلى الاستمداد من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكون معينًا لهم على تحديد خارطة الطريق فيما ينبغي أن نعمله في الواقع من جهة الإصلاح والانتهاض بحال أمتنا.

نعم، وذلك أن من المسلمات أن في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجواب والهداية في هذا الباب، أعني في باب الإصلاح في كل زمن من الأزمنة. فلا يمكن أن يأتي على الأمة زمان تأتي عليها فيها أزمات ومشكلات ولا يكون في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المخرج والهداية تجاه هذه الأزمات والمشكلات. ومن أعظم أنواع الهداية أن يُهدى الإنسان لمعرفة ما الذي ينبغي عليه في العمل والإصلاح والدعوة من جهة كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونحن نعلم أن في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأتِ النص على كل زمان من الأزمنة التي بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أليس كذلك؟ يعني لا يوجد إرشادات في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من عام كذا إلى عام كذا فأولوياته لا يوجد فيها في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ومن تطلب منها مثل هذه الأمور المحددة فقد تكلف. ولكن في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الهداية الكافية والتامة لمن يريد أن يعرف ما المطلوب وما الواجب ومن الأولويات في الإصلاح في كل زمن من خلال القواعد العامة التي في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن خلال ضرب الأمثال وذكر النماذج التي تشابه حالنا وتشابه واقع كل مرحلة من التاريخ. يعني ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في سنته قصصًا وأمثالاً، هذه القصص والأمثال بمجموعها يمكن للفقيه، للمتدبر، لمن يفتح الله عليه أن يقيس حالة زمانه بالأحوال التي ذكرها الله سبحانه وتعالى، وبالتالي يمكنه أن ينزل على واقعه.

حسنًا، أين موقع المنهاج من ميراث النبوة؟ المنهاج من ميراث النبوة فيه مجموعة من الأبواب من كتاب الله، يعني مضمونها من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمعتها للمسترشد المستهدي فيما ينبغي عليه أن يفعله وما ينبغي عليه أن يراعيه في بناء نفسه ليكون: أولاً ثابتًا مستقيمًا على أمر الله سبحانه وتعالى في مثل هذا الزمان بمراعاة فتن هذا الزمان، الأمر الثاني ليكون مصلحًا ويعني مؤثرًا من جهة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والعمل الإصلاحي بما يمكنه وأيضًا بمراعاة هذا الزمان. يعني خلاصة الكلام أن هذا المتن جمعت آياته وأحاديثه بالنظر إلى مشكلات هذا الزمان؛ إما المشكلات الخاصة بالشاب أو بالإنسان المستقيم، وإما المشكلات العامة المتعلقة بالواقع.

فهذه آيات وأحاديث للمسترشد المستهدي، لمن يسأل عن الثبات، لمن يسأل عن المنهج، من يسأل عن الاستقامة، لمن يسأل عن... لمن يسأل حتى عن الهداية الإصلاحية فيما يتعلق بالواقع بشكل عام. هذا تسييق للكتاب أو للمتن، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.

بالنسبة لهذا طبعًا أنا شرحته في تقريبًا 30 مجلسًا أو 30 درسًا، وهي مطولة ومتوسعة ويمكن أن يُشرح بما هو أوسع من ذلك، ولكن نظرًا لأهمية المتن وأهمية الأحاديث والآيات والأحاديث المجموعات فيه من هذه الجهة الكلية، فهذا مجلس للمرور السريع على هذه الأبواب ومحاولة استخلاص الفوائد الكلية للأبواب خاصة، يعني هذا يوافق أنه إحنا عندنا الآن برنامج، عندنا برنامج واسع في حفظ وشرح المنهاج تحت عنوان "نمير الحفاظ"، وهذه فرصة للمشاركين في نمير الحفاظ أن يراجعوا أو يمروا على المتن مرورًا كليًا من جهة مقاصده ومن جهة كلياته.

وستكون الطريقة كالتالي: سيقرأ الأخ معاذ إن شاء الله، وسأقف مع كل باب ثلاث وقفات سريعة، الوقفة الأولى مع عنوان الباب، فثلاث وقفات بإذن الله تعالى. ولن نقف عند كل آية وعند كل حديث وإنما وقف مجمل، إلا إن كان هناك احتياج إلى الوقوف عند بعض الآيات بعينها ستكون في الوقفة الثانية، وإن كان هناك احتياج للوقوف على بعض الأحاديث بعينها ستكون في الوقفة الثالثة، لكن أنبه مرة أخرى أن هذا المجلس مقاصدي وليس مجلسًا تفصيليًا.

فالقصد هو الإلمام بمقاصد المنهاج، القصد هو الإلمام بمقاصد المنهاج ومراعاة هذا السياق الذي ذكرته وأعيده مرة ثانية أو ثالثة باختصار شديد: وهو أن متن المنهاج جمع للإنسان المؤمن المستهدي المسترشد الطالبي أحد أمرين: الثبات والاستقامة باستصحاب مشكلات الواقع وفتنها وفتانه، الأمر الثاني المتطلب للهداية الإصلاحية أولويات الإصلاح باستصحاب أيضًا مشكلات الواقع الذي نعيش فيه، فهو متن موضوع لهذا الغرض، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. استعن بالله وابدأ بالمقدمة.

بسم الله الرحمن الرحيم، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المصنف حفظه الله: توطئة: الحمد لله الذي أنعم علينا ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأكرمنا بأن جعلنا من أمته، وحفظ علينا ميراثه وأبقى لنا أنوار العلم والرحمة التي بعث بها، فكان صلى الله عليه وسلم كما أخبر الله عنه: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. وكان كذلك كما أخبر عن نفسه صلى الله عليه وسلم بقوله: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلا، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. فصلى الله عليه وسلم وبارك وجعلنا من أهل سنته واتباع رسالته وحماة ميراثه والسائرين على دربه. ثم أما بعد: فهذا متن يجمع قبسًا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

طيب، أول شيء بالنسبة للمقدمة الأولى فيها بيان أن الغرض والقصد هو الهداية، الهداية من مجموع ما في هذه الآيات وما في هذه الأحاديث، وأن الوحي إنما جاء لهذا المعنى. وهذا المعنى على بساطته وعلى يسره وعلى وضوحه إلا أنه من أعظم ما يمكن أن يستفيد منه طالب العلم في طلبه للعلم، أن يكون دائمًا... أن تكون عينه دائمًا في الطلب متوجهة إلى الثمرة التي هي الهداية في... الهداية في الأساس. يعني كل من طلب العلم وقصد بطلبه العلم أن يهتدي به كان قد أخذ بسبَبٍ من أعظم أسباب التوفيق في العلم، ومن غاب عنه معنى وثمرة الهداية وهو يطلب العلم فربما يتيه في أودية العلم دون أن يصل إلى النتيجة وإلى الثمرة.

ثم أما بعد: فهذا متن يجمع قبسًا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية انتقيته من صحيح الأحاديث وصالحها.

طيب، انتقيت من صحيح الأحاديث وصالحها: الأصل في الأحاديث الموجودة في المنهاج هي الصحة، يعني مقصود أن تكون الأحاديث صحيحة، ولكن يوجد بعض الأحاديث اليسيرة جدًا يصدق عليها كلمة "وصالحها"، أنها من صالح الحديث وليست من صحيحه. وصالح الحديث كلمة عند المحدثين تدل على ما يُقبل على سبيل الاحتجاج أو ما يُقبل على سبيل الاعتبار، وما يُقبل على سبيل الاعتبار ربما يكون فيه شيء من الضعف ولكنه ليس ضعفًا شديدًا يؤدي إلى رد الحديث بالكلية.

وهذا المعنى الذي أراده الإمام أبو داود في سننه لما قال: "وكل حديث سكت عنه فهو صالح". ماذا يقصد بصالح أبو داود حين يقول "كل حديث سكت عنه فهو صالح"؟ طبعًا هذا ذكره أبو داود في رسالته هو إلى أهل مكة، هو بنفسه يتكلم عن منهجه. طيب، وفي الحقيقة في سنن أبي داود، أبو داود سكت عن أكثر الأحاديث التي أخرجها، أكثر الأحاديث التي أخرجها سكت عنها لم يتكلم عنها بشيء، معناه أن عامة أحاديث أبي داود صالحة. ماذا يقصد بصالح هنا؟ وقع الخلل عند البعض، بعضهم ظن بكلمة "صالح" أنها تساوي كلمة "حسن" عند المتأخرين، ولذلك يقولون: "حسنه أبو داود، حسنه أبو داود"، ويقصدون أنه حسنه يعني توفرت فيه الشروط الخمسة اللي هو ما اتصل إسناده برواية العدل الذي خف ضبطه عن مثله من غير شذوذ ولا علة. وأبو داود لم يقصد ذلك، بل قصده بالصالح ما كان صالحًا للاحتجاج وما كان صالحًا للاعتبار. فأصح الأحاديث عند أبي داود يسكت عنها، وحتى ما كان فيه ضعف يسير يسكت عنه.

فالمقصود هنا "انتقيته من صحيح الأحاديث"، الصحيح معروف ما يحتاج توضيح، "وصالحها" المقصود ما كان صالحًا للاعتبار، وهي أحاديث قليلة قد يكون فيها يعني شيء من اللين ولكنها يسيرة جدًا ستأتي إن شاء الله. وأهمها يعني أوضحها حديث وهو واضح عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر فعل كذا، فهذا بلاغ بين مالك وعبد الله بن عمر ولم يسمع مالك من عبد الله بن عمر، ولكن هذا من جملة الأمور اليسيرة خاصة أنه أثر موقوف، وفي نفس الوقت هو في موطأ مالك، ومراسيل مالك تعتبر عند العلماء قوية. وأما عامة الأحاديث المرفوعة في الكتاب فهي صحيحة أو حسنة بالاعتبار الأخص.

وانتخبت موضوعاته على نسق منهجي يراعي جوانب متنوعة مما يحتاجه المسلم في طريقه الدعوي والإصلاحي من التزكية والأخلاق والمرجعية والدعوة والمسؤولية والعلم والعمل. وقد حرصت في انتقاء الأحاديث على إبراز مركزيات الشريعة وأولوياتها، كما حرصت على أن يكون هذا المتن مناسبًا للحفظ ميسرًا على من يقرؤه، ولذلك تجنبت إخراج طوال الأحاديث وابتعدت فيها عن التكرار في الغالب، وانتقيت جل احاديثه من الصحيحين وتحريت جودة أسانيد عامة ما كان خارجهما. ولم أقتصر على سرد الأحاديث في الأبواب وإنما سرت على طريقة الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في الابتداء ببعض الآيات القرآنية مما يوافق الحديث المختار ويعزز معناه. والآيات في هذا المتن مقصودة لذاتها، ولا يتم بناء معنى الأبواب بالأحاديث وحدها وإنما بالآيات المسوقة معها.

نعم، وهذا منهج مهم في الاستهداء بالشريعة وفي التعامل مع الأحاديث النبوية، أنه ما يُكتفى في الباب بالأحاديث. كثير ممن جمع الأحاديث اعتنى بجمع الأحاديث وحدها خاصة في المتون المتأخرة التي أُخذت من الكتب المسندة. ومن المهم جدًا في باب... حتى بالمناسبة في أبواب أدلة الأحكام، أحاديث الأحكام، من المهم أن يُجمع معها الآيات، فلا تكتمل صورة الباب إلا بالجمع بين الأحاديث والآيات.

والإمام البخاري رحمه الله من أهم من عمل هذا العمل، فقد حرص في صحيحه على أن يأتي بالآيات وبالأحاديث، وإن كانت الأحاديث هي المقصودة لكنه يأتي بالآيات، وكذلك يأتي بالآثار الموقوفة والمقطوعة عن أولاً الصحابة ثم التابعين. وبهذا التكامل يعني يكتمل... تكتمل صورة الباب، وهذا من أفضل ما يمكن أن يُجمع في أي باب من أبواب الدين من جهة الآثار.

وفي هذا المتن فيه هذه الثلاثة: أولاً الآيات ثم الأحاديث وفيها أيضًا الآثار الموقوفة عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وطبعًا ليست بالترتيب، يعني قد يأتي مثلاً أثر موقوف ثم حديث مرفوع بعده، ولكن البداية دائمًا بالآيات. نعم.

وأسأل الله سبحانه في علاه أن يبارك في هذا المتن وينفع به ويسهله على من يريد حفظه ويتقبل منا جميعًا صالح العمل إنه حميد مجيد.

الباب الأول: باب في مرجعية الوحي وشموليته ومركزية التسليم لله ولرسوله.

بداية، باب في مرجعية الوحي وشموليته ومركزية التسليم لله ورسوله. أهم منطلق ينطلق منه من بينت أنه مقصود في هذا الكتاب -وهو الشاب المستهدي الطالب الثبات والطالب المنهج الإصلاحي- أن ينطلق من مرجعية الوحي وأن تكون مرجعية الوحي عنده معظمة، وأن يقابل هذه المرجعية بالتسليم والانقياد.

ومرجعية الوحي أول ما يدخل فيها كتاب الله سبحانه وتعالى، ثم يدخل فيها هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُوحى إليه كما هو معلوم القرآن، وأيضًا يُوحى إليه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن جملة ذلك مثلاً كدلالة مباشرة الأحاديث القدسية التي يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيها: قال الله تعالى كذا وكذا... إلى آخره. ليس هذا موضع الاستطراد في إثبات كون الوحي لا ينحصر في النص القرآني. نعم.

قال الله تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. وقال سبحانه: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ، لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ. وقال سبحانه: وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا. وقال سبحانه: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. وقال سبحانه وتعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. وقال سبحانه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.

هذه الآيات القرآنية فيها دلالة واضحة على تعظيم هذه المرجعية وأهمية التسليم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهي متنوعة في طرق الإثبات والتأكيد؛ شيء منها في بيان المرجعية بشكل واضح، وأن الفصل في النزاع هو في الرد إلى الله وإلى رسوله. وقد أجمع العلماء كما نقله ابن حزم ونقله ابن القيم رحمه الله أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، وأن الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه في حياته والرد إلى شخصه في حياته والرد إلى سنته بعد مماته.

عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن القرآن: كتاب الله عز وجل هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة. أخرجه مسلم.

الحديث الثاني: عن أبي رافع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه. أخرجه أبو داود والترمذي.

الحديث الثالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله. أخرجه البخاري ومسلم.

الحديث الرابع: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الخطبة: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة. أخرجه مسلم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله عز وجل: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قال: نعم، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا قال: نعم، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قال: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ قال: نعم. أخرجه مسلم.

هذه الأحاديث هي مؤكدة لهذا الباب ومبينة لما ينبغي أن نتعامل أو أن نصل من خلال مرجعية الوحي إليه.

الآن، ما المطلوب منا تجاه هذه المرجعية؟ أولاً المطلوب أن نعتبرها هي المرجعية، أن نعتبرها هي الأصل المعصوم، صاحب الحق الثابت الذي لا يمكن أن يقع فيه الخلل والخطأ، كما في الآية الثانية في هذا الباب: لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ. هذا أول مطلوب: المطلوب أن نؤمن بكونها مرجعية صحيحة صالحة ثابتة. ولذلك من كان عنده إشكال في مرجعية الوحي فأول مطلوب عليه هو أن يعني يُخاطَب أو أن يبحث عن ما يثبت هذه المرجعية في نفسه. ومع الأسف نحن نعيش في زمن حصل في هذا إشكال حتى بين كثير من المنتسبين للإسلام؛ أنه يقع في نفسه شيء من الشك أو الإشكال في اعتبار مثلاً السنة مرجعية، أو في اعتبار السنة من الحق الثابت -السنة الصحيحة طبعًا بلا شك-.

فهنا يمكن لنا أن نقول إن أول مطلوب في مرجعية الوحي -إذا كان هناك إشكال أو شك عند الإنسان- هو تثبيت مرجعية الوحي وذكر دلائل صحتها، وهذا المطلوب الأول. طيب، من لم يكن عنده شك في ذلك، هل يدخل في مثل ذلك؟ الدخول في تطلب البراهين المثبتة التي تزيد الإيمان واليقين لا إشكال فيه بل هو أمر محمود.

في الحديث الثاني بيان أو إشارة إلى قضية التثبيت، اللي هو: لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، لهم منكرو السنة، الذين ينكرون ما لم يأتِ في كتاب الله سبحانه وتعالى، هذا الحديث الثاني يشير إلى قضية التثبيت. هذا أولاً.

الأمر الثاني بعد التثبيت بعد القناعة واليقين بأن هذه المرجعية هي الحق، هو أهمية الإيمان بأنها شاملة بالشمولية، الإيمان بأن مرجعية الكتاب والسنة ليست مرجعية في باب من الأبواب، وإنما هي مرجعية شمولية، مرجعية شمولية طبعًا فيما جاء الدين لأجله، ليست مرجعية شمولية في الطبيعيات مثلاً ولا في التخصصات العلمية الدنيوية، فالقرآن والسنة لم يأتيا لذلك، وإنما فيهما ما جاء لأجله من مقاصد هداية الخلق وإرشادهم.

فأهمية الإيمان بشمولية مرجعية الوحي، ومن الأدلة التي يُستدل بها على الشمولية من هذه الآيات المذكورة والأحاديث اللي هو: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. ووجه الشمولية... وجه الشمولية ما هو؟ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ جيد. جيد، هو هذا من حيث اللفظ، من حيث المعنى أن... أيوه، أنه موضوعات التنازع التي تحصل بين الناس هي موضوعات شاملة ومتنوعة وواسعة. التنازع هذا هو، مطلوب أن يرد المتنازعون الأمر إلى الله وإلى الرسول. وسياق الآية طبعًا أتى في قضية الأمراء: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ أنتم وهم يعني فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. وهذا دليل على أن مرجعية الكتاب والسنة أعلى من أي مرجعية أخرى سواء كانت الأمراء أو حتى من أهل العلم، دائمًا المرجعية هي كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هي نفس الآية هذه التي فيها: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.

طبعًا هذه الآية من باب آخر من أكثر إن لم تكن أكثر آية يستدل بها الشيعه على عصمة الأئمة وطاعتهم وما إلى ذلك، وفي هذه الآية الرد عليهم، في هذه الآية نفسها التي يستدلون بها ويكثرونها الرد عليهم: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ أنتم وهم، سواء فسرتموها على الأئمة ولا على غيرهم في الأخير الآية تقول: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. وهذا دليل أن هذه هي المرجعية المطلقة، وأن ما سواها من المرجعيات مرجعيتهم ذلك.

فأول شيء التثبيت، ثم الإيمان بشموليتها، ثم التعظيم، وهذا التعظيم يوجب إلى الثمرة الرابعة التي هي ايش؟ التسليم والانقياد، التسليم والانقياد. وهذه فيها آية: ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. والآية الأخيرة: أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.

ثم بعد ذلك طبعًا الاهتداء الواسع بهذه المرجعية في مختلف الأبواب، وفيها حديث: من اتبعه كان على هدى، من اتبع القرآن كان على هدى. وكذلك في بيان الهدى في الشق الآخر الذي هو السنة: وخير الهدي هدي محمد وبعضهم قرأها "وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم".

الحديث الأخير في الباب هو حديث عجيب وعظيم في طبيعة تلقي الصحابة للوحي وتعظيمهم له، وأن الآية لم تكن تمر عليهم مرورًا عاديًا، ولاجل ذلك لما نزلت هذه الآية التي فيها: وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ اشتد ذلك عليهم، ولم يكن ليشتد عليهم إلا لماذا؟ أيوه، إلا لأنهم أصلاً يتلقون هذا القرآن تلقي من يؤمن به إيمانًا تامًا، يعني يؤمن بكل شيء فيه ويأخذه على أنه الحق المطلق التام. فلما قرؤوا هذه الآية خافوا من أن يكون هناك شيء مما في صدورهم على غير مراد الله فيُحاسبوا عليه، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا، وجثوا على الركب واشتد ذلك عليهم، وقالوا: أُمرنا بالجهاد وبالصلاة وبالصيام وبالصدقة -أو أُمرنا بالصلاة والصيام والجهاد والصدقة- وهذه نطيقها، لاحظ فيها الجهاد الذي فيه إزهاق الأنفس، قالوا هذه نطيقها، ولكن اشتد عليهم ما يحيك في الصدور وما يتردد في النفوس، قالوا: هذه لا نطيق، وإذا حُوسبنا على ما في النفوس مما قد يخطر أو يمر لا نطيقه.

فأراد الله سبحانه وتعالى أن يختبرهم بذلك وأن ينقادوا له انقياد المؤمن. سؤال الآن: هل الانقياد هنا انقياد في تطبيق شيء عملي أو انقياد في تسليم شيء قلبي؟ تسليم شيء قلبي؛ لأن الآية ليس فيها أمر أو نهي، الآية فيها أنه: وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ، هذا اللي في الآية صح؟ هم قالوا: يا رسول الله ما نطيق هذا، صعب يعني شيء. فأراد الله أن يختبرهم بذلك فقط، ليسلموا قلبيًا بهذا المعنى.

فلما سلموا بذلك نزل التخفيف، وأن الله لن يحاسبهم على هذا الذي في الصدور. وهذا الهتان أو هذه الآيات بقيت، مع أن الآية الأولى منها منسوخة تعتبر به... يعني طبعًا هي النسخ باعتبار العام ليس باعتبار أنه رُفعت يعني، وإنما النسخ باعتبار التقييد أو رفع دلالة بعض اللفظ. فعلى أي حال بقيت هاتان الآيتان من آخر سورة البقرة من أعظم آيات القرآن، وفيها من الفضل والمكانة الأمر العظيم. ومن يقرأ الحديث في صحيح مسلم الذي فيه أن بابًا من أبواب السماء فُتح لم يُفتح قبل ذلك، وأنه نزل منه ملك كذا، وكان من جملة ما فُتح الباب لأجله ونزل هذا الملك لأجله هو أنه نزل بهاتين الآيتين من ختام سورة البقرة؛ مما يدل على عظمتهما.

ما المعنى فيها؟ ما خلاصة المعنى فيها؟ هو ايش؟ التسليم والانقياد. إذاً خلاصة من أعظم خلاصات الدين والإسلام وهو الموافق لاسم الإسلام؛ هذا هو قضية التسليم والانقياد. ولذلك من أراد أن يكون متقربًا إلى الله بشيء فلن يتقرب إلى الله بشيء أعظم من تسليم القلب له. وهذا هو المعنى الذي فاز به الصحابة. وبالمناسبة ترى كثير من العبادات التي تُذكر عن العباد فيما بعد زمن الصحابة أكثر من زمن الصحابة من حيث العبادة الظاهرة، أليس كذلك؟ يعني لما تسمع عن اللي كان يصلي 200 ركعة ولا 300 مدري 400 ركعة ولا كم في اليوم، واللي 60 ختمة واللي كذا واللي... بينما الصحابة كثير منهم لم يُنقل عنهم هذه الكثرة في العمل، ولكنهم سبقوا بأمور من أهمها ما في القلب. نعم، "وإنما شيء وقر في قلبه". نعم.

باب في تلقي القرآن على منهاج النبوة، وتقديم مقصد العمل به وتدبره والاستهداء به والاستغناء به وتحكيمه وزيادة الإيمان به على غير ذلك من المقاصد الشريفة.

هذا الآن الباب باب يأتي في الترتيب المباشر بعد باب مرجعية الوحي. وكان هذا الباب أتى هنا ليُقال فيه ما يلي: هذه مرجعية الوحي وتكلمنا عنها، ما المطلوب تجاهها؟ تكلمنا عن امور من أهمها ما يستحق أن يُفرد في باب مستقل. وهو إحنا ذكرنا في البداية أنه المتن مراعٍ أمورًا متعلقة بالواقع، أليس كذلك؟ من المشكلات الموجودة في الواقع أنه حصل قدر من الاختلال في الرجوع إلى مرجعية الوحي بتقديم شيء من الأشياء المحمودة على غيره وغيره أولى منه. ما هو هذا الشيء المحمود الذي قُدم في الواقع؟ اللي هو الحفظ. وغيره أولى منه وهو قضية ايش؟ الاستهداء والتدبر والتفكر والاتعاظ وزيادة الإيمان به.

القرآن نزل لمقاصد معينة، هذه المقاصد ليست مستنتجة من اجتهاد أحد من الناس، وإنما هي مقاصد مبينة في القرآن، والآيات التي ستُقرأ بعد قليل فيها بيان. وهذه المقاصد يعني الله سبحانه وتعالى حين أنزل القرآن بين لنا مقاصد ما أنزل القرآن لأجله. حسناً، هذا الباب أتى لضبط البوصلة، لضبط المعيار ليقول: إن التعامل مع القرآن ينبغي أن يكون على ضوء هذه المقاصد التي ذكرها الله تعالى. وإذا جاءت الأحاديث والأثار ستبين بشكل واضح هذه المقاصد وكيف قام الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ببناء علاقتهم بالقرآن بناء عليها أو على ضوئها.

فهذا الباب أتى لضبط إشكال موجود في الواقع، هذا الإشكال ما هو؟ تقديم حفظ القرآن على غيره من المقاصد المتعلقة بالقرآن نفسه. ما المطلوب؟ ليس المطلوب بطبيعة الحال إلغاء الحفظ، بل هو أمر محمود وجاء مدحه في الوحي، ولكن المطلوب أن يُرفع الاهتمام ببقية المقاصد القرآنية التي أهمها: الاستهداء والتذكر والتفكر والتدبر، وهذا له وسائل كثيرة. لكن هنا التأصيل لهذه القضية، نعم.

الآن تأتي الآيات التي تبين المقاصد القرآنية، ولاحظوا وتأملوا في كل آية منها ستجد أنها تدل على مقصد من المقاصد.

قال الله سبحانه وتعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. وقال سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وقال سبحانه: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وقال سبحانه في أربعة مواضع من سورة القمر: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مَُّدَّكِرٍ. والذكر المقصود هنا هو التذكر والاعتبار والاتعاظ كما قال الطبري رحمه الله: للذكر، لمن أراد أن يتذكر ويعتبر ويتعظ. وقال سبحانه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ.

وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ. وَقَالَ سُبحَانَهُ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ. وَقَالَ سُبحَانَهُ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ. وَقَالَ سُبحَانَهُ: إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ.

كثيراً رحمه الله أي إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم لبلاغاً لمنفعة وكفاية لقوم عابدين، وقال ابن سعد رحمة الله: أن يتبلغون به في الوصول إلى ربهم، وقال سبحانه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وقال سبحانه: فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ، وقال سبحانه: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ، وقال سبحانه: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا.

به أي بالقرآن، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ. هذه الآيات القرآنية العظيمة فيها بيان كاف وشاف فيما يتعلق بمقاصد القرآن، المقاصد التي أنزل الله لأجلها القرآن، وهي آيات أخرى كثيرة لم تذكر هذا فقط على سبيل الاختصار. الآية الأولى المقصد المذكور هو ما هو؟ التدبر والتذكر، جيد.

والآية الثانية زيادة الإيمان، إِذا وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا. والآية الثالثة نفس الشيء زيادة الإيمان فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً، والأربع آيات التالية اللي هي في سورة القمر للذكر الذي هو الاتعاظ والاعتبار، لاحظوا هذه مقاصد قرآنية لبيان لبيان ما أنزل القرآن لأجله وهي في غاية الأهمية.

والتي بعدها ما هو؟ ما هي؟ ما هو المعنى أو المقصد؟ الخشية والخشوع، مِثْلُ: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، والتي بعدها نفس الشيء: أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ، والتي بعدها الاستغناء بالقرآن والاكتفاء به من حيث كونه زاداً إلى الآخرة: إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ، وتفسير بلاغاً طبعا هو أحد الأقوال في تفسير بلاغاً ومن أشهرها لمنفعة وكفاية كما قال ابن كثير وككما قال السعدي أي تبلغون به، طيب.

والتي بعدها مقصد ايش؟ الهدايه: قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي، والتي بعدها لا لا قبل: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، أيوه أنه التعلم والدراسة، التعلم والدراسة وهذا معنى أكثر من مجرد التلاوة والقراءة والتعليم كذلك: بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ، في الدراسة دراسة الآيات القرآنية وتدارسها، طيب.

والتي بعدها المجاهدة به ودفع أعداء الباطل وشبه المشبهين وأصحاب الزيغ والإنحراف والالحاد به بالقرآن، واللي بعدها الاتعاظ وأنه شفاء لما في الصدور. لاحظوا يا جماعة كم مقصد أن أن قرآني ذكره الله سبحانه وتعالى نفسه عن القرآن الكريم، كم مقصداً قرآنياً؟ مقاصد كثيرة وعظيمة جداً ومهمة.

طب تخيلوا أن يعني تختزل هذه المقاصد في أنه يكون حظ الإنسان من القرآن كثرة القراءه والحفظ وانتهينا، فهذا هذا يعني لا شك أن فيه نقصاً كبيراً. تأتي الأحاديث النبوية الآن لتكون كذلك مؤكّدة ومعزّزة ومفصّلة ومبيّنة لحال الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كيف تلقوا القرآن على زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون هذا موافقاً للباب الذي هو تلقي القرآن على منهاج النبوة.

نعم، الحديث السادس عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تعلمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد لقد رايت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرا ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينشره نثر الدقل اخرجه الحاكم والبيهقي واللفظ له.

الحديث السابع عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان الحزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً، أخرجه ابن ماجه. الحزاورة جمع الحزور وهو الغلام الذي قارب البلوغ. الحديث الثامن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، أخرجه مسلم.

الحديث التاسع عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن بعث معنا رجالاً يعلمون القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار وقالوا لهم القراء فيهم، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد يحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، أخرجه مسلم.

الحديث العاشر عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله قال: حدثنا من كان يقرؤنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقرئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا فعلمنا العلم والعمل، أخرجه أحمد.

الحديث الحادي عشر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن، أخرجه الحاكم والبيهقي في الكبرى وأخرجه الطبري في تفسيره واللفظ له. الحديث الثاني عشر عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها، أخرجه مالك.

الحديث الثالث عشر عن أنس رضي الله عنه قال: كان رجل يكتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران يعد فينا عظيماً، أخرجه أحمد. هذه الأحاديث المهمة جداً في بيان تلقي القرآن على منهاج النبوة. الحديث الأول منها حديث عبد الله بن عمر وحديث أو الحديث التالي حديث جندب رضي الله تعالى عنهما هي في بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتني بتهيئة القلوب لتلقي القرآن فيعزز فيها الإيمان واليقين، ثم ينزل القرآن على هذه القلوب وهي قلوب مهيأة لهذا التلقي.

وقد فاتني أن أذكر حديثاً هنا وهو حديث مهم موافق لهذا المعنى موافقة تامة وهو حديث حذيفة في البخاري أيضاً وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم، حذيفة قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نزول الأمانة وحدثنا عن رفعها، فذكر أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال -طبعاً ايش مقصود بالأمانة؟ الأمانة المقصود بها الإيمان، جيد-.

قال: حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن نزول الأمانة في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة -جيد، أو ثم علموا من القرآن وعلموا من السنة-. فلاحظ ترتيب قضية الإيمان ثم تعلم القرآن والسنة، وهكذا في الحديث: كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن، وحديث جندب: فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن.

وهذا المعنى معنى مركزي وينبغي أن يعتني به المربون الدعاة الآباء والأمهات، معنى مركزي وأساسي ومهم. أي صاحب مشروع يريد أن يستصلح في النفوس ويستصلح في حتى سواء أجيال صاعدة ذكوراً إناثاً أياً كان، مهم جداً أن يكون من أعظم الموضوعات وأولها تعزيز الإيمان واليقين في القلوب. وهذا التعزيز من أولى ما يدخل فيه قضية أعمال القلوب، وبيان مركزية الآخرة وعظمة الخالق سبحانه وتعالى وانه المستحق وحده للعبادة وما إلى ذلك من المعاني الإيمانية الكبرى التي تدخل تحت قول: فتعلمنا الإيمان.

وتعلم الإيمان هو هذا ترى هذا تعليم الإيمان هو ليس منعزلاً عن القرآن، ليس هذا تعليم الإيمان، أصلاً من أهم ما يدخل فيه هو معاني القرآن، يعني تشرب معاني القرآن. ومن الأدلة على ذلك حديث ابن عمر نفسه الأول لأنه ايش اللي يقول؟ يقول فيه يقول: واحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وامرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، هذا جزء من تعلم الإيمان أصلاً، جيد.

فتعلم الإيمان ليس بمعزل عن معاني القرآن، وفي نفس الوقت تعلم الإيمان الثمرة منه تهيئة القلب بأن يكون قلباً مؤمناً صالحاً خاشعاً معظماً لله ولحدوده ومعظماً لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءت الآيات نزلت على قلب منقاد معظم مسلم، مثل ما مر معنا قبل قليل في الصحابه تاتيهم الآية: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فلَن تُنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.

فيقفون عندها ويخافون ويهابون، وتنزل: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ. تخيل لن تنال آية كذا أنت تمر عليها، يأتي أبو طلحة أحسن وأثمن شيء يملكه هو مزرعة اسمها بيرحا، يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم فيقول يا رسول الله إن الله يقول: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وأنا أحب أموالي إلي بيرحا، واني جعلتها صدقة لله ورسوله. يعني هي قلوب مؤمنة معظمة حين تاتي الآية تاتي لقلب متلقي مستعد للامتثال.

أما قضية أنه اقرأ اقرأ واتلو يعني في أسرع وقت أو في أكثر مرات تكرر أو في يعني مجرد الحفظ والضبط فليس هذا هو القصد الأعظم، ليس هذا هو القصد الأعظم وهذه القضية ليست تكميلية، هذه القضية من جوهر ما ينبغي لإصلاح فيه اليوم، من جوهر ما ينبغي فيه الإصلاح اليوم خاصة وأن مشاريع تحفيظ القرآن هي الأكثر انتشاراً في الواقع، ولذلك فإن من أعظم صور الإصلاح الذي ينبغي أن يبدأ به اليوم هو الاستصلاح في داخل المعاهد القرآنية وحلقات التحفيظ بأن يزاد في مفرداتها ما يتعلق بالتدبر والاستهداء والخشية والدروس الإيمانية التزكية التي تؤول إلى تعظيم القرآن والانقياد له والاستجابه له وتدارس آياته. هذا بالنسبة للحديث الأول والتالي والثاني وحديث حذيفة الذي لم أذكره.

حديث أبي هريرة الثالث هو حديث ايش ايش المعنى الموجود فيه؟ تجاه القرآن تلاوة فلا ياخذون في العشر الأخرى حتى يتعلمون حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل. ودائماً احنا نقول يا جماعه في مجالس الاستهداء القرآن يجب التركيز على قضية ما العمل المطلوب في هذه الآيات؟ يتعلم العلم والعمل، قال: فعلمنا العلم والعمل. هكذا تربوا عند النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم يأتي عبد الله بن مسعود فيؤكد هذا في حديثه: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. وهذا الأثر عن مالك رضي الله تعالى عنه ورحمه الذي ذكرته في البداية أنه بلغه أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين، أخرج الإمام مالك هذا الأثر بعد حديث الخوارج وفيه: يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ثم قال: بلغني أن ابن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين. يريد الإمام مالك ماذا أن يقول؟ يقول يا جماعة القضية ليست بكثره القراءة، ترى الخوارج قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ثم يقول لك: أما ابن عمر فأخذ سورة البقرة في ثمان سنوات.

الان لو أحد عندنا يأخذ البقرة في صلاة ما هذا الانسان الفاشل البليد الذي يعني يأخذ البقرة في ثمان سنوات، لكن هي تأخذ البقرة في ثمان سنوات لما فيها من الوقوف عند حلالها وحرامها وأمرها وزاجرها والأحكام والعبر والتفاصيل والى آخره، ويؤكد ذلك الحديث الأخير اللي هو الثالث عشر حديث أنس: أنه كان الرجل إذا أخذ البقرة وآل عمران يعد فينا عظيماً. وهذا ليس لمجرد أنه يعني حفظ حفظاً عادياً وإنما لما كانت تقتضيه من اللوازم.

طيب الباب التالي: الباب الثالث: باب تعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. نعم، هذا الباب يأتي مرتبطاً بمرجعيه الوحي، أليس كذلك؟ يعني لا زلنا إلى الآن هذه الأواب الثلاثة كلها مرتبطة بمرجعيه الوحي.

في الباب الأول شمولي في مرجعيه الوحي، والباب الثاني في العلاقة بالقرآن وطبيعة المقاصد القرآنية التي ينبغي أن تراعى، والباب الثالث في قضية التعظيم تحديداً، وأن من لوازم مرجعيه الوحي أن تكون أن يكون الإنسان معظماً لها ولما جاء فيها، فهذا الباب في تعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمره. وهذا مقتضى الإيمان بمرجعيه الوحي.

قال الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا. وقال سبحانه: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ. وقال سبحانه: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

هذه الآيات واضحة في بيان أو في العلاقة بالباب، فلننتقل الأحاديث وفيها يعني العلاقة المباشرة في قضية التعظيم، وأن من أعظم المقاصد أن يكون القلب شديد التعظيم لما في كتاب الله ولما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم. هذه الآيات فيها حتى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ، أي أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن الآيات في سياق أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم في سياق ختام سورة النور.

نعم الحديث الرابع عشر عن عائشة رضي الله عنه ابن أخيه هي ابن أخي هل لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه؟ قال: ساستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر، فلما دخله عليه قال: هي يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال

لنبيه صلى الله عليه وسلم: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ، واللهِ ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله؛ أخرجه البخاري.

هذه الأحاديث الشريفة هي في تأكيد معنى التعظيم لحدود الله، والخوف من المخالفة. يعني كيف كيف يكون الإنسان معظماً؟ يكون الإنسان معظماً أولاً بما يقع في قلبه عندما يسمع آيات الله ويتلقى الأمر. ثانياً في سرعته وامتثاله للاستجابة، خاصة عند مخالفة الهوى. رابعاً أو ثالثاً في الخوف والخشية من المخالفة؛ يعني أن التعظيم ليس فقط يقود إلى الامتثال، وإنما يقود إلى الخوف من المخالفة، فأنا أمتثل أمر الله وأمر رسوله، وأخاف إن لم أمتثل، وهذا أمر زائد على مجرد الامتثال.

الأحاديث تقريبا كلها في هذا المعنى. فالحديث الأول: أتشفَع في حد من حدود الله؟ يعني تعظيم القضية إلى درجة أنه يعني هل يمكن أن يخطر ببالك أنني يمكن أن أترك حداً من حدود الله؟ هذا لا يمكن. ثم التالي كلام أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وهو كلام أبي بكر وهو كلام عظيم جداً: إني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ، وهذا معناه أن أبا بكر رضي الله تعالى كان يستحضر أي آية: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يخاف أن يخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولو في قضية من القضايا فيؤدي ذلك به إلى أن يزيغ، وهذا غريب وعجيب، ويدل على ما تكلمنا عنه قبل قليل قلوب الصحابه رضوان الله تعالى عليهم معنى مختلف.

يعني آحياناً الإنسان يفكر بالعكس، أنه كلما ازداد من الطاعات فانه يعني عنده فرصة أنه لو أخطأ أو زل، فالله غفور رحيم، والحمد لله، والحسنات يذهبن السيئات وكذا، لكن قلوب أهل العلم بالله وأهل الخشية لها منطق مختلف، لا تفكر بهذا المنطق ولا تحسب هذا الحساب، وإنما تفكر بعكس ذلك. فهذا مثال مباشر في القضية. ثم حديث ابن عباس هو موقف عمر رضي الله تعالى عنه، وفيه تطويع النفس وترويضها وقمعها عن هواها بسبب آية أو بسبب حديث صحيح للنبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضاً فاتني هنا أن أذكر حديثاً آخر، وحبذا لو أحد منكم سجل هذه الملاحظات محمود ممكن نزيده بعدين يعني، فذكرت في الباب السابق يعني حديثاً أو الذي قبله، وهنا أيضاً، وهو حديث معقل بن يسار، حديث مناسب جداً مشابه لقصة عمر في الوقوف عند حدود الله، وهو أيضاً حديث في البخاري، وذلك أن معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه كان زوج أخته لأحد الصحابه، ثم طلقها ذلك الرجل، ثم تراضيا للرجوع فأبى معقل بن يسار، وقال: أنا يعني زوجتك وأكرمتك هذا ثم طلقتها ثم تريد مني أن أزوجها؟ لا، ما أزوجك، ما أزوجك. فنزل قول الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ إِيشْ؟ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ. فمباشرة نزلت الآية، معقل بن يسار سحب كلامه كما نعبر، تراجع عن قوله: والله لا أزوج كذا، وزوج أخته. فهذا مناسب أن يذكر في هذا الباب في أن يقف الإنسان عند حدود الله، وكان وقافاً عند كتاب الله كما قيل عمر، كما قيل عن عمر في هذا الحديث. وهذا أيضاً هذه قصة أخرى، نعم. أي نعم، جيد، أحسنت، وهذا مثال أيضاً صالح. تفضل.

الباب الرابع: باب ضبط الأفهام على معيار الوحي، وتصحيح النبي صلى الله عليه وسلم لمخاييس النظر، وأن من أسباب الضلال رد الحق بمعايير نظر خاطئة. هذا أيضاً متصل، باب متصل بماذا؟ باب متصل بمرجعيه الوحي. والمطلوب هنا أو المعنى المتصل بمرجعية الوحي هنا، أن مرجعيه الوحي ليس فقط الموقف منها هو التعظيم والتسليم والانقياد والخوف من المخالفة وكل المقاصد التي ذكرت، لا، وانما هذا المعنى الآن معنى منهجي، معنى معرفي منهجي، وهو أن مرجعيه الوحي ينبغي أن تصل إلى درجة أن تكون هي المعيار، وأن تحاكم المعايير إليها، فتؤسس المعايير بناء على معايير مرجعيه الوحي، أو لنقل على الأقل نلاحظ أن مما جاء به الوحي أنه يؤسس لمعايير صحيحة ويبطل المعايير الزائفة، فيتنبه لذلك المعنى. وسيذكر الآن من الآيات المعاني المختلفة المعايير الخاطئة. تذكر كيف أن القرآن نبه إليها، أنه نبه إلى بعض المعايير الخاطئة في سياق أنه هذا ترى كلام من المشركين وكلام أهل الباطل، وكيف تبنى المعايير الصحيحة في القرآن وكذلك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

نعم، الآيات: قال قوم نوح: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ، وقال قوم شعيب: وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا، وقالت بنو إسرائيل قالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ، وقال مشرق قريش وقالوا: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، وقال الله تعالى: وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ، وقال سبحانه: مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ، وقال عز وجل: قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ.

الآيات الأربعة الأولى هي في أي شيء؟ في ذكر المعايير الخاطئة، صح؟ أنؤمن لك واتبعك الأرذلون. طيب، يعني عندهم طبقة اجتماعية معينة ليست هي، طيب فكان ماذا؟ أين أين العلاقة بين اتباع الضعفاء للقضية وبين كونها باطلاً؟ ما في علاقة. وإنا لنراك فينا ضعيفاً. حسناً، إذا كنت ضعيفاً فما علاقة هذا بين كون ما أتي به باطلاً؟ ونفس الشيء اليهود: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال. وكذلك: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. كلها ينبه القرآن إلى أن المشركين والكفار عندهم معايير باطلة.

المطلوب هذا اليوم في زماننا أيضاً أن يكون المصلح المؤمن، طالب العلم، الفقيه، العالم متنبهاً للمعايير الزائفة للمعايير الباطلة. مثلاً من المعايير المنتشره اليوم، وهو معيار جداً منتشر، وهو معيار امتداد لمعايير المشركين المذكورة في القرآن اللي هو الربط بين القوة وبين الحق، بين القوة، يعني انسان عنده منصب معين، انسان عنده قوة أياً كانت سياسية، اقتصادية، أياً كان، أنه الربط بين ما يقوله وبين كون ما يقوله هو الحق، بأي بأي ربط؟ هذا دائماً المنطق الذي يبطله القرآن دائماً، أنه صاحب مكان دنيوي معينة، إذاً فإذا قال عن شيء أنه حق فهو حق، وإذا كان شيء أنه باطل فهو باطل، وإذا قال عن أناس أنهم صالحون فهم صالحون، وعن الناس أنهم فاسدون، بأي معيار يكون هناك ربط بين القوة والحقيقة؟ لا، لا علاقة بين القوة الحقيقة، بالعكس، القوة ترى تجلب الباطل والكبر، وأن الإنسان ما يرى إلا نفسه، وقد يكون الإنسان الضعيف المشرد المسكين هو هو صاحب الحق. وهذا مبين من المعايير التي تذكر في القرآن، يبين القرآن أنه القضية دائماً يأتي التنبيه إلى قضية أنه: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي بالأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً. أو إيش الآية اللي بعدها؟ أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها. ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت ساعة من المال. قال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ.

طيب، هذه الآيات الأربعة الأولى ثم الآيات الثلاثة أو الثلاثة نعم في إيش؟ في ماذا؟ أيوه في تأسيس معايير صحيحة، والعبد مؤمن خير من مشرك ولا أعجبكم، ما عندكم ينفذ وما عند الله باق، قل ما عند الله خير من الله. طبعا آيات كثيرة لو تتبعها الإنسان في هذا الباب كثيراً، لكن هذا على سبيل الاختصار.

نعم، الأحاديث، الحديث السابع عشر: عن عمر رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير فجلست، فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه. فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظاً في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق قال: فابتدرت عيناي. فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أراه، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والانهار، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته وهذه خزانتك؟ فقال: يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى؛ أخرجه البخاري ومسلم.

الحديث الثامن عشر: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدنيا سجن المؤمن وجنه الكافر؛ أخرجه مسلم.

الحديث التاسع عشر: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب؛ أخرجه البخاري ومسلم. بالسكون السرعة؟ لا، هي بالسرعة لكنها في الطبع مكتوب بالسكون على الراوي بالفتح.

يقولون في هذا، قالوا: حري أن خطب ألا ينكح وأن شفع ألا يشفع، وأن قال ألا يستمع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا؛ أخرجه البخاري.

الحديث الرابع والعشرون: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع؛ أخرجه البخاري.

هذه الأحاديث العظيمة كذلك في بيان المعايير التي شيء من المعايير التي كانوا يؤسسها النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلح بها أو من خلالها بعض ما قد يلتبس عند اصحابه.

ففي الحديث الأول حديث عمر رضي الله تعالى عنه، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم على تلك الحال، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقله إلى معيار مختلف، فقال له: أاما ترضى يا ابن الخطاب؟ أو ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ وهذا معيار عام، يعني يصحح الإنسان في كثير وكثيراً من الأمور. وهذا يذكر بالحديث، ويمكن أن يضاف أيضاً هنا في هذا الباب، وهو حديث في صحيح مسلم حين مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاتم أو بجدي أسك وميت، فقال: أيكم يشتري هذا بدرهم؟ قالوا يا رسول الله، ما نحب أنه لنا بشيء. فقال: لهوان الدنيا على الله أهون من هذا أو أشد من أهون من هذا عليكم. لاحظ كيف التصحيح وضرب الامثلة وتصحيح المعيار.

الدنيا الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، هذا من اعظم وأكبر وأنفع المعايير التي من نظر إليها، فانه يعني يفيد ذلك كثيراً في الاستقامة في حياته، فان يعرف الإنسان المؤمن الدنيا بأنها سجن، فهذا يعني يجعله يصبر على كثير من الأمور، ويعني خاصة إذا راى أن أن أكمل الحديث وجنة الكافر، فلا يمدن عينيه عائلة ما متع به الكفار أو الفساق أو اهل الفجور. فهذا معيار مهم.

وكذلك التالي: ليس الشديد بالسرعة، هذا الحديث والذي يليه تصحيح مباشر واعطاء معنى بخلاف ما يدل عليه اللفظ، بخلاف ما يدل عليه اللفظ في صورته يعني اللفظية اللغويه المنحصره في هذا المعنى. يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يضيف إلى اللفظ معنى مختلفاً، وإن كان هو متصلاً باساس اللفظ من الجهة التي يريدها النبي صلى الله عليه وسلم. فالشديد من هو طبيعي الشديد؟ والذي لا يسرع القوي الذي يغالب الناس، انسان شديد يعني شديد في بدنه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن ينبه إلى أن من استطاع أن يغلب نفسه فهو اشد ممن كان قويا في جسده يغلب الجميع ولا يغلب. ليس الشديد بالسرعة الذي يصرع الناس ويغلبه، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، هذا الذي يستحق أن يسمى شديداً. طبعا هذا ناخذ منه منهجاً في التعامل مع الالفاظ، وأنه متى ما حصر الناس ولفظاً شريفاً في معنى معين، يعني نقول مادي أو دنيوي، فاننا ننبه إلى بعض الصور الشريفة التي تدخل في هذا اللفظ والتي ينبغي أن التفت إليها.

مثلاً مثلاً لفظ الحرية، جيد، حين يختزل هذا اللفظ في الحرية خلينا نقول باختصار بمعناها الليبرالي مثلاً، على صور من الحرية لا توجد إلا في العبودية لله سبحانه وتعالى، وهي متصلة بتعس عبد الدينار وعبد الدرهم، وأن بعض ما تعرفونه بأنه حرية ترى نحن نعرفه بعكس هذا، نعرفه أن عبودية، وأن صوره صورا من صور الحرية بل من أزكى صور الحرية تدخل تحت ما تعرفونه أنتم بأنه مناقض الحرية، وهو العبودية لله والذل له سبحانه وتعالى، وأن الإنسان ليس فقط من باب اللفظ العام بل من باب الحقيقة، أنه يرى حريته العظيمة الحقيقة الحقيقية الواسعة بمقدار عبوديته لله سبحانه وتعالى، وانه يتحرر بذلك من سطوه النفس وسلطتها، ويتحرر بذلك من سطوه الناس وسلطتهم. فكلما ازداد بالله تعلقاً وعليه توكلاً وبه اعتصاماً، ازداد تحرراً من واستغناء عن الناس، بينما كثير ممن يظن أنه حر، وفي الحقيقة عبد، أما عبد لمعشوقه أو عبد لثروته أو عبد لكذا ولكذا. فالاسلام يوسع من مفهوم العبودية، ويوسع من مفهوم الحرية.

هذا الآن نموذج على الاقتداء بهذا، بما جاء في هذا الباب من الأحاديث في تصحيح المعايير المتعلقة بالالفاظ. نفس الشيء الارهاب جيد، ترى من أولى ما يدخل في الارهاب صور كثيرة لناس هم الذين يطلقون هذا المصطلح.

ولكن ترى يمارس الإرهاب تحت أسماء وأسماء وأسماء، دول تدمر وتحتل وكذا ثم يعني يبرئ أصحابها من مثل هذا اللفظ وهذا تزوير للألفاظ وقلب لمعايير غير صح، بينما تصحح المعايير بمثل ذلك الحديث التالي، هو حديث حذيفة الذي أشرت إليه في أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال وفيه تصحيح المعيار خاطئ اللي هو ايش؟ وين اللفظة اللي في قضية المعيار؟

اللي هو يقال للرجل ما أعقله، ما أظرفه وما أجلده وهذا التعلق بالصورة الظاهرة، بينما المعيار في قضية الإيمان، وكذلك رُبَّ أششعَ ذي طِمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره وهذا في تنبيه إلى قضية عدم عدم خلينا نقول استصغار الإنسان لأجل كونه يعني رث الهيئة وغير بهي المنظر.

فقد يكون ليس فقط من المؤمنين الصالحين من عامتهم، وإنما لو أقسم على الله سبحانه وتعالى لأبره، والحديث التالي فيه كذلك اختبار لمعيار النبي صلى الله عليه وسلم لما يقول لأصحابه ما تقولون في هذا؟ فقال وكذا وكذا فيعكس القضية، يقول: هذا خير من ملء الأرض من هذا.

ثم يأتي الحديث العظيم في قضية تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، هذا فيه كذلك المثال الذي ذكرت أنه ترى العبودية ليست هي العبودية المتصله بالرق فقط، أن يكون الإنسان يعني عبودية هي مناقضة للحرية بالمعنى المعروف، وإنما العبودية قد تكون لمن يظن نفسه حراً، بل قد يظن نفسه يعني صاحب يعني سيداً من سادات الحرية بينما هو في الحقيقة عبد لهواه وعبد لدنانيره ودراهمه. نعم.