الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضاه. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس "حملة العلم حفظة الشريعة".
وللتذكير، المجالس -آه- السابقة كان الاهتمام، يعني جزء من الاهتمام فيها متوجهاً للنقل الحديثي، ما يتعلق بالنقل الائتماني للسنة النبوية والتصنيف في السنة، وإن كان لم يكتمل بعد، لكن -يعني- تم تسليط الضوء على نسبة لا بأس بها من هذا الموضوع.
ثم انتقلنا من الحلقة السابقة إلى "حملة العلم حفظة الشريعة" فيما يتعلق بالفقه والفتيا والتأسيس العلمي المتعلق بالمذاهب الإسلامية، ما يمكن أن نقول النسب العلمي إلى أهم أئمة الفقه والدين، وعلى رأسهم الأئمة الأربعة بطبيعة الحال. فكان الحديث في المجلس السابق عن المدرسة المدنية، والتي تنتهي إلى الإمام مالك رحمه الله. وذكرت أن الإشكال أن البعض يظن أن هؤلاء الأئمة الأربعة هم الذين بدأوا العلم الإسلامي، في الحقيقة إنما أخذوا مجموع ما قبلهم وبنوا عليه، فنحن نريد أن ننظر فيما قبلهم، وفهم هذه القضية يؤدي إلى فهم كثير من الأمور في الدين وفي نقل الإسلام وفي نقل الشريعة وما إلى ذلك.
طبعاً الكتاب المعتمد الذي سنسير عليه هو كتاب الأمصار ذوات الآثار للإمام الذهبي رحمه الله. وإن كان الكتاب مختصراً جداً، لكن -مثل ما ذكرت في اللقاء السابق- سنعتبر أن الكتاب أصل، سنعتبره أصلاً، يعني بعد ذلك نفرع من خلال الكتاب والأسماء المذكورة فيه وما إلى ذلك.
كان الحديث في اللقاء السابق عن المدينة؛ مميزات فقه المدينة، وعن الفقهاء السبعة، وعن علاقة الفقهاء السبعة بالإمام مالك رحمه الله تعالى، وعن مركزية المدينة في العلم الإسلامي في القرن الأول للهجرة وكذلك في القرن الثاني. اليوم إلى مكة.
والذهبي رحمه الله تعالى... أولاً سنقرأ كلام الذهبي، قال الذهبي رحمه الله تعالى: مكة كان العلم بها يسيراً في زمن الصحابة، ثم كثر في أواخر عصر الصحابة، وكذلك في أيام التابعين؛ كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وابن أبي مليكة، وزمن أصحابهم؛ كعبد الله بن أبي نجيح، وابن كثير المقرئ، وحنظلة بن أبي سفيان، وابن جريج ونحوهم، وفي زمن الرشيد؛ كمسلم بن خالد الزنجي، والفضيل بن عياض، وابن عيينة، ثم أبي عبد الرحمن المقرئ، والأزرق، والحميدي، وسعيد ابني منصور، ثم في أثناء المئة الثالثة تناقص علم الحرمين وكثر بغيرهما.
يعني الآن كل هذه "ثم"، "ثم"، واصلة إلى أين؟ واصلة إلى أين من ناحية الزمان؟ لا، هو واصلة إلى منتصف الثالث تقريباً، وصلت إلى منتصف الثالث.
لو تلاحظ: أول شيء قال "كان العلم يسيراً بها في زمن الصحابة"، وإيش الطبقة الثانية؟ أواخر عصر الصحابة، نحن نتكلم عن صغار الصحابة طبقة ثانية. طبقة ثالثة: التابعين. الطبقة التي بعدها: أصحابهم، طبقة أصحابهم كابن جريج وأمثاله. ثم طبقة كانت في زمن الرشيد، ومن أهمهم ابن عيينة. ثم طبقة أبي عبد الرحمن المقرئ والأزرق والحميدي. نتكلم عن ست أو سبع طبقات.
في الطبقة السادسة هذه الأخيرة يأتي الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. لاحظ كيف النسب العلمي قبله طبقات وطبقات ومراحل. وبطبيعة الحال الشافعي لا يحسب متمحضاً على مكة، الشافعي رحمه الله كان له نسب كبير بمكة ولكنه انتقل طبعاً إلى غيرها. طبعاً هي مجمل تنقلات الشافعي سريعاً: ولد بغزة، ثم إلى مكة، ثم إلى المدينة، ثم إلى مكة واليمن، ثم إلى العراق، ثم إلى مكة، ثم إلى بغداد، ثم إلى مكة، ثم إلى بغداد، ثم إلى مصر. هذه انتقالات الشافعي رحمه الله تعالى. فمكة واضح أنها طويلة في حياة الشافعي، لكن يعني لا يحسب متمحضاً على مكة.
أين الشافعي من هذه الطبقات؟ الشافعي في الطبقة الأخيرة هنا. أنت لاحظ كيف لما نتكلم عن العلم وتناقل العلم وسلسلة العلم ونسب العلم، يأتي إمام من الأئمة الأربعة ليكون في آخر طبقة مذكورة في مثل هذا الترتيب، وذلك قريب مما ذكر في المدينة لما تكلمنا في الدرس السابق. الإمام مالك كان في طبقة يعني كانت متأخرة نوعاً ما.
طيب، نحن سنتحدث عن مكة وبناء على ما ذكره الإمام الذهبي رحمه الله، ولكن عندنا عين أخرى تنظر إلى نهاية الطريق وخاصة إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، باعتبار أن هناك علاقة وطيدة بين الشافعي وبين هذه الطبقات وبين هذا النسب. وبالمناسبة، أئمة الشافعية مدركون لهذا الارتباط، وسأقرأ عليكم نصين لإمامين من أئمة الشافعية يبينون هذا الارتباط.
مثلاً النووي رحمه الله تعالى يقول: واعلم أن ابن جريج -ابن جريج أين مذكور؟ الذي هو زمن أصحاب التابعين، تمام- قال: واعلم أن ابن جريج أحد شيوخنا وأئمتنا في سلسلة الفقه، فإن الشافعي أخذ الفقه عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. الآن هذه نافذة فقهية مجردة الآن.
الإمام الآخر الذهبي نفسه -والذهبي شافعي طبعاً- قال: وقد كان شيخ الحرم بعد الصحابة عطاء ومجاهد، وخلفهما قيس بن سعد وابن جريج، ثم تفرد بالإمامة ابن جريج فدون العلم وحمل عنه الناس، وعليه تفقه مسلم بن خالد الزنجي، وتفقه بالزنجي الإمام أبو عبد الله الشافعي، وكان الشافعي بصيراً بعلم ابن جريج عالماً بدقائقه وبعلم سفيان بن عيينة.
طيب، إذاً نحن نتحدث عن علاقة واضح بين الإمام الشافعي وبين هذا النسب العلمي المكي. وتسكّر الباب بس عشان الهواء، طيب.
أولاً: زمن الصحابة. قال الذهبي: كان العلم بمكة يسيراً في زمن الصحابة. زمن الصحابة إيش المقصود فيه؟ ثم كثر في أواخر عصر الصحابة، ذكر عصرين للصحابة. هو فعلاً مكة كان فيها عدد لا بأس به من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولكن لم يكونوا مشهورين بنقل العلم وتداوله وما إلى ذلك، وعدد منهم أصلاً توفي مبكراً؛ هناك من توفي في خلافة أبي بكر الصديق، هناك من توفي في العشرين سنة الأولى، وكثير من الصحابة الذين كانوا بمكة من طبقة الكبار هؤلاء كانوا قرشيين، كثير منهم كانوا قرشيين.
متى بدأ العلم في مكة؟ يعني خلنا نقول هو حتى البداية لم تكن متدرجة، وإنما تفجر العلم في مكة مع مجيء ابن عباس إليها. متى جاء ابن عباس إليها؟ أظن في حدود عام أربعين للهجرة تقريباً أو نحو ذلك، هناك من قال غيره. بنتكلم عن زمن متأخر، لماذا تأخر مقدم ابن عباس إلى مكة؟ لأنه كان مع علي بن أبي طالب. ابن عباس رضي الله تعالى عنه أحد أقرب المقربين إلى علي رضي الله تعالى عنه، وكان معه في مختلف قضاياه وشؤونه وأموره. وتعرفون هو المشهور أنه ناظر الخوارج لما كان بجيش علي رضي الله تعالى عنه، كان مع علي رضي الله تعالى عنه، فابن عباس أحد أصحاب علي والملازمين له.
وكان بطبيعة الحال قبل ذلك -كما هو مشهور ومعروف- من الملازمين لمن؟ لا، أكيد النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أكيد، لكن قبل ذلك لمن؟ عمر بن الخطاب. وتعرفون أن عمر رضي الله عنه كان يأتي بابن عباس إلى مجلسه، وكلمة ابن عباس المشهورة: كان القراء أصحاب مجلس عمر، كهولاً كانوا أو فتياناً. والقصة التي حصلت لما قالوا: يعني كيف تأتي بابن عباس في مجلس فيه شيوخ، فيه أهل بدر وفيه الناس الكبار؟ ها! ابن عباس كان فتى، يعني تعرفون لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان عمر ابن عباس بضع عشرة سنة، ما وصل العشرين حتى! أبو بكر الصديق فقط تولى سنتين، وبعد ذلك عمر، يعني نحن نتكلم عن ممكن ابن عباس في بداية خلافة عمر يمكن في بداية العشرين أو على مشارف العشرين أو نحو ذلك، نتكلم عن واحد الآن توه داخل الجامعة يعني! ومع ذلك كان مقرباً جداً من عمر رضي الله تعالى عنه.
إذاً مكة بدأ فيها العلم بمعنى العلم ونشره -يعني تفريعه- متى؟ مع ابن عباس رضي الله تعالى عنه. إذاً نحن نتكلم عن أواخر عصر الصحابة ولا نتكلم عن بداية عصر الصحابة، يعني فيما بعد الخلفاء الراشدين.
ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مشهور بماذا من ناحية المجالات التي اشتهر بها الصحابة؟ لا أقصد ليس المجالات العلمية، لا، يعني أقصد في أساس المجالات: الجهاد أم العلم؟ العلم! يعني ابن عباس إذا ذكر يذكر العلم، وأبرز علم اشتهر فيه ابن عباس بطبيعة الحال هو التفسير، وإن كان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا يختص علمه بالتفسير، وقد كان عالماً موسوعياً كما يقال، وكان عالماً حتى بالشعر وأحوال الناس، وكان عالماً بالفقه فكان يفتي، وإلى آخره، ابن عباس إمام عالم كبير فذ.
طيب، ابن عباس رضي الله تعالى عنه ممن اشتهر أن له أصحاباً يأخذون بعلمه ويذهبون مذهبه. ولو تتذكرون الكلام الذي ذكرناه يوم أمس عن علي بن المديني رحمه الله لما قال: لم يكن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من له عصابة يأخذون بقوله ويذهبون مذهبه إلا ثلاثة. بينما الذين اشتهروا بالعلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يسألهم الناس أكثر من ذلك؛ فمن أبرزهم في الدائرة الواسعة عمر رضي الله تعالى عنه، وعلي، وأبو موسى الأشعري، وأبي بن كعب، لكن هؤلاء لم يكن لهم أصحاب -لا أقول أصحاب ينقلون عنهم العلم، نقلوا، لكن لم يكن لهم أصحاب بمعنى التلاميذ الملازمين الذين تمذهبوا على مذهب هذا الصحابي-. على كلام ابن المديني أن الصحابة الذين اتصفوا بهذه الصفة أو توفرت فيهم هذه الصفة هم ثلاثة فقط، هم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
أمس كان الحديث عمن؟ زيد بن ثابت، وهو الذي في المدرسة المدنية وهو الذي ينتهي إلى الإمام مالك وإلى الفقهاء السبعة، وكان يعني الفقهاء السبعة بشكل مباشر لهم علاقة بزيد بن ثابت رضي الله عنه من ناحية التكون العلمي. ولو تتذكرون أمس لما ذكر علي بن المديني من هم... كم كانوا؟ كم الذين أخذوا عن زيد ولازموه؟ كانوا اثني عشر، صح ولا لا؟ تتذكرون اثني عشر، منهم كل الفقهاء السبعة، كلهم كانوا من الاثني عشر الذين أخذوا عن زيد واتبعوا مذهبه، سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر كما ذكر علي بن المديني.
الآن نذهب إلى ابن عباس، نرجع إلى كلام علي بن المديني بنفس الطريقة. إيش يقول علي بن المديني رحمه الله تعالى؟ يقول: وأصحاب ابن عباس الذين يذهبون مذهبه ويسلكون طريقه...، لاحظ هذه، هذه أخص من قضية نقل العلم، يعني كل الصحابة المشهورين بالعلم أو مشهورين بشيء من العلم لهم أصحاب نقلوا علمهم، لكن هنا لا يتحدث عن أنه نقلوا العلم، لا: الذين يذهبون مذهبه ويسلكون طريقه. من هم أصحاب ابن عباس الذين يذهبون مذهبه ويسلكون طريقه؟ عطاء، وطاووس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وعكرمة، وسعيد بن جبير.
طيب، هؤلاء نفس الذين ذكرهم الذهبي ولكن في زيادة، من الزيادة؟ أولئك ما ذكروا هنا؛ سعيد بن جبير تذكرونه في البداية، نعم ما ذكر عكرمة ولا ذكر جابر بن زيد ولا طاووس، نعم، جيد، نحن نفس الملاحظة التي ذكرناها أمس أن الذهبي رحمه الله في هذا الكتاب اختصر جداً ولا يستقصي الأسماء، يشير إشارات.
قال علي بن المديني: فأعلم هؤلاء سعيد بن جبير وأثبتهم في ابن عباس. ثم قال كلمة مهمة، قال: وكان أعلم الناس بهؤلاء...، فرق بين أعلم هؤلاء وبين أعلم الناس بهؤلاء، صح؟ نفس الكلام الذي أمس كذلك. الآن ذكر أسماء أصحاب ابن عباس، من أعلمهم على كلام المديني؟ سعيد بن جبير.
طيب، هؤلاء يوجد من استخلص علمهم، أعلم واحد بهؤلاء ليس بواحد منهم وإنما بهم جميعاً، يعني الذي خلص إليه علم هؤلاء، قال: وكان أعلم الناس بهؤلاء عمرو بن دينار. عمرو بن دينار لم يذكر هنا أيضاً في الكتاب. عمرو بن دينار تتذكرون أين مذكور؟ دائماً نذكره في الحديث أين؟ أحد الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث. نتذكر الستة: واحد بالمدينة الذي هو الزهري، وواحد بمكة الذي هو عمرو بن دينار، واثنان بالكوفة وهما أبو إسحاق والأعمش، واثنان بالبصرة وهما قتادة ويحيى بن أبي كثير. عمرو بن دينار في طبقة الزهري، وعمرو بن دينار ترى بالمناسبة يروي عن ابن عباس مباشرة، صحيح هو تابعي، لكنه تابعي أتى متأخراً. وبالتالي أعلم الناس بهؤلاء التابعين -الذين هم من؟ عطاء، وطاووس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وعكرمة، وسعيد بن جبير- أعلم واحد بهم جميعاً عمرو بن دينار.
طيب، قال: وكان أعلم الناس بهؤلاء عمرو بن دينار، وكان يحب ابن عباس ويحب أصحاب ابن عباس. قال: ثم كان ابن جريج وسفيان بن عيينة يحبان أصحاب ابن عباس ويحبان طريقه، فسمع ابن جريج من طاووس ومجاهد ولم يلقَ منهم جابر بن زيد ولا عكرمة ولا سعيد بن جبير. جيد.
إذاً الآن نحن... سكر هذا كمان معليش. نحن الآن أمام كلام ابن المديني، كم طبقة؟ أول شيء عندنا ابن عباس، ثم الذين هم من؟ كم ذكر؟ ستة: عطاء، وطاووس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وجابر بن زيد، ستة. بعدهم مباشرة من؟ عمرو بن دينار. بعدهم ابن جريج وسفيان. جميل هذا، الآن ضاقت الصورة شوية.
لاحظوا هو الآن هنا لا يتكلم -وهذا التنبيه الذي دائما أكرره- لا يتكلم عن مجرد الرواية، وإنما يتكلم عن الذين يذهبون مذهبه ويسلكون طريقه. طيب، علي بن المديني كرر الكلام في ابن عباس وأظن أنه ذكر بعض الأسماء الأخرى التي لم يذكرها هنا في موضع آخر سريعاً، ما أدري والله أنذكره، لكن... طيب، مو مشكلة خلينا الآن نكمل ما نحن فيه. طيب الآن صارت الطبقة انتهت بمَنْ؟ ابن جريج وسفيان بن عيينة، جيد.
شوفوا يا جماعة، نحن الآن نريد أن نفهم القرن الأول والقرن الثاني الهجري من ناحية نقل الدين والعلم. شوف طبقة سفيان بن عيينة تحديداً؛ لو تريد أن تعمل نظرة كلية بعيدة في منتصف القرن الثاني للهجرة تحديداً، عندك طبعاً مناطق في العلم: عندك الحجاز، الحجاز تشمل مكة والمدينة، هذه المناطق الكبرى عندك الحجاز وعندك العراق، هذان أهم منطقتين، العراق تشمل بغداد والبصرة والكوفة. مصر فيها شيء خاصة في تلك المرحلة كان الليث قد برز، فنقدر أن نقول أيضاً: ومصر والشام وخراسان، هذه خمسة.
بالنسبة للحجاز، أهم اسمين على الإطلاق في جمع علوم الحجاز وفي الإبقاء عليها وفي المحافظة عليها خلال القرن الثاني للهجرة أو في منتصف القرن الثاني للهجرة اسمان، وكلا الاسمين مرتبطان بالإمام الشافعي رحمه الله تعالى، الاسمان هما: سفيان بن عيينة ومالك بن أنس، وكلاهما أخذ عنه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
طيب، من الذي قال هذه الجملة؟ الشافعي نفسه يقول: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. وقال الشافعي أيضاً: مالك وسفيان قرينان.
ممتاز، إذاً نحن في "حملة العلم حفظة الشريعة" عندنا في القرن الثاني للهجرة نقدر أن نقول أنه كان هناك موارد من الأنهار العلمية تحفر خلال القرن الأول والقرن الثاني. في الحجاز -التي هي أهم مركز علمي على الإطلاق في القرن والنصف الأول في الإسلام، الحجاز تحديداً، بعد ذلك انتقلت المركزية العلمية- هذه أنهار الحجاز اجتمعت في سفيان بن عيينة واجتمعت في مالك بن أنس رحمهما الله تعالى ورضي عنهما.
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، إحدى محطات الإمام الشافعي كانت المدينة، ماذا كان يعمل في المدينة؟ كان يلازم الإمام مالك إلى أن توفي، لما توفي الإمام مالك سنة مئة وتسع وسبعين للهجرة الشافعي غادر المدينة، وكانت هذه مرحلة مبكرة في تكوين الشافعي؛ الشافعي ولد سنة مئة وخمسين، نحن نتكلم يوم توفي الإمام مالك كان دون الثلاثين. والشافعي مشهور في سيرته أنه حفظ الموطأ في بداية تكوينه، الرواية المشهورة أنه كان عمره ثلاثة عشر عاماً حفظ موطأ الإمام مالك. وبالتالي نحن نتكلم عن شق مدني -حجازي طبعاً بطبيعة الحال- تكوّن منه الإمام الشافعي، وشق مكي، الشق المكي من أين أخذه الشافعي رحمه الله؟ أخذه من مصادر متعددة، واحد منها سفيان بن عيينة.
الآن لاحظوا الحجاز عندها إمامان كبيران في منتصف القرن الثاني للهجرة اجتمعت إليهما العلوم. طيب، على مستوى الصورة الكلية للأقطار الأخرى ستجد كل مصر فيه أسماء بارزة مثل هذين الاثنين.
دعونا نرجع بالزمن قليلاً، الزمن في نهاية القرن الأول الهجري؛ يوجد ما يمكن أن يسمى "الأئمة الأربعة المتقدمين" قبل الأئمة الأربعة المشهورين، يعني كل مصر كان فيه إمام من الأئمة الكبار. نحن يهمنا الآن أن نذكر مكة لكن سنذكر الأربعة. هؤلاء ذكرهم قتادة رحمه الله تعالى -نُقل عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة- أنه قال ما يلي، وهذه مهمة جداً، قال قتادة: إذا اجتمع لي أربعة لم ألتفت إلى غيرهم، ولم أبالِ من خالفهم. قال قتادة: هؤلاء الأربعة أئمة الأمصار.
من هم هؤلاء الأربعة؟ الحسن، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح. الحسن البصري طبعاً في البصرة، وسعيد في المدينة، وإبراهيم في الكوفة، وعطاء في مكة. يعني إذا أنت تتكلم عن آخر القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني الهجري -خاصة أواخر القرن الأول- هؤلاء هم أئمة الإسلام. طبعاً سعيد بن المسيب وفاته سنة أربع وتسعين تقريباً للهجرة، والحسن وإبراهيم وعطاء كلهم بعد المئة.
طيب، واحد من هؤلاء الأربعة كان في مكة، إذاً مكة كان لها شأن من أواخر القرن الأول، أو نقدر أن نقول من منتصف القرن الأول مع ابن عباس، ثم تعاظم شأن المدرسة المكية مع نهايات القرن الأول الهجري مع هؤلاء الأصحاب؛ أصحاب ابن عباس: عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد... إلى آخره. ثم بعد ذلك استمر النسب العلمي في مكة عبر عمرو بن دينار، ثم ابن جريج وابن عيينة، ثم بعد ذلك الطبقات الأخرى التي ذكرها الذهبي رحمه الله تعالى.
طيب تمام كذا، المعالم شبه واضحة. نحن لسه ترى كلنا الآن في الصورة البعيدة ما قربنا، نريد أن نتصور؛ يعني مرة نأتي بها من زاوية علي بن المديني، ومرة نأتي بها من زاوية قتادة، ومرة نأتي بها من زاوية الذهبي، بحيث تلتقط الصورة كل مرة من بعيد من زاوية أحد العلماء حتى تفهم جزءاً من المشهد. طبعاً هذه الأسماء لما تكون بالنسبة لك غير جديدة عليك وتكون عارفاً شيئاً من علومهم وأخبارهم ستدرك قيمة هذا التصنيف وهذا الترتيب، مهم جداً جداً يعني يفرق كثيراً في تصور علوم الإسلام.
طيب، نحن سنرجع الآن نقترب من هذه الأسماء، لكن بشوف إذا كان باقي شيء في الصورة الكلية. نرجع لكلام الذهبي؛ قال: وزمن أصحابهم كعبد الله بن أبي نجيح -عبد الله بن أبي نجيح أيضاً مهم من تلاميذ مجاهد-، وابن كثير المقرئ -هذا أحد القراء السبعة، أخذ القراءة عن مجاهد عن ابن عباس-. طيب، ابن جريج؛ ابن جريج عاد قصته قصة، لأنه هو المسار المركزي حق مكة، ومسلم بن خالد الزنجي... هذا كله سيأتي بالتفصيل.
طيب، إذاً خلينا نتوكل على الله ونبدأ. لا، خليني بس آخذ آخر شيء بعدين نرجع ندخل الآن في التفصيل. الشافعي عنده كلمة -نحن قلنا: عين على المدرسة بطبقاتها، وعين على الشافعي كنهاية-. أول شيء الشافعي رحمه الله تعالى واضح تماماً أن تكوينه الأساسي وحفاوته العلمية الأساسية هي حفاوة حجازية واضحة تماماً، حجازية تحديداً، ليست مختصة لا بالمدينة وحدها ولا بمكة وحدها، وإنما حجازية. وهذه الحفاوة وصلت إلى درجة أنه يعتبر أن أصل العلم، أصل الإسلام، أصل تداول العلوم الإسلامية حتى في الحديث هو في الحجاز؛ فما لا يُعرف من العلم بالحجاز عند الشافعي فيه إشكال.
ولذلك صح عنه في كتاب ابن أبي حاتم "آداب الشافعي ومناقبه" قال جملتين؛ قال الشافعي: والله لو صح الإسناد -وهذه الكلمة قوية جداً من إمام معظم جداً للسنة، تعرفون لما الشافعي روى حديثاً وقال له رجل: أَتَأْخُذُ به؟ مشهور هذا أيضاً حتى في كتاب الرازي، قال: أتراني على وسطي زناراً أو رأيتني خارجاً من كنيسة أروي لك حديثاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم بعدين تقول لي تأخذ به؟ طبعاً آخذ به يعني!- لكن شوف هو نفسه يقول هذه الجملة، يقول: والله لو صح الإسناد من حديث العراق غاية ما يكون من الصحة، ثم لم أجد له أصلاً عندنا -يعني بمكة والمدينة- على أي وجه كان، لم أكن أُعْنَى بذلك الحديث على أي صحة كان. معناه أنه كان يرى أن ما لا يُعرف من الأحاديث النبوية، أو على الأقل من أصوله -لأنه قال على أي وجه كان- ففيه إشكال حتى لو كان ظاهر الإسناد الصحة. هذه جملة في كتاب الرازي.
ثم الجملة الأخرى وهي صحيحة عنه أيضاً، قال: إذا جاوز الحديث الحرمين فقد ضعف نخاعه.
عبارة الشافعي هذه نستطيع أن نقول إنها كانت تمثل مرحلة معينة في نقل العلم ونقل الحديث، وليست في كل مرحلة، لأنه مثل ما ذكر الذهبي: ثم تناقص العلم... وبالفعل اختلفت المركزية.
هل هذا الكلام الذي ذكره الشافعي رحمه الله تعالى قابل للنقاش العلمي؟ نعم، قابل للنقاش العلمي، يعني قابل أن يقال: ألا يمكن أن يكون هناك أحاديث بالشام تفردوا بها عن بعض الصحابة الذين بالشام وكذا؟ يمكن أن يقال، يمكن أن نناقشها، لكن ليس هذا هو الغرض، الغرض ما هو واضح من حفاوة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بحديث الحجاز، ورؤيته الواضحة أن أساس الدين وأساس نقل العلم يجب أن يكون له أصل في الحجاز. طبعاً نحن في الدرس الماضي لما تكلمنا عن المدينة تكلمنا عن أنه لا يوجد قِطْر من الأقطار في بداية الإسلام -في زمن الخلفاء الراشدين وما بعده- اجتمعت فيه علوم الإسلام وحملة العلم مثل المدينة، هذا قطعا، بعد ذلك طبعاً تغيرت المعادلة.
خلاص كذا انتهينا من الصورة الكلية، ننتقل الآن للصور الجزئية المتعلقة بالأسماء.
أولاً بالنسبة لابن عباس رضي الله تعالى عنه، فمما يعني يوقف الإنسان ويجعله يتأمل، أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لم يصاحب النبي صلى الله عليه وسلم إلا قليلاً، أو لنقل حين صاحبه لم يصاحبه إلا وهو صغير؛ لما كان في حجة الوداع تقريباً قال: كنت غلاماً قد ناهزت الاحتلام، يعني كان على سن البلوغ؛ أربعطعش، ثلاثطعش، خمسطعش. فكل ما نعرفه عن ابن عباس وقصص ابن عباس كانت في سن اثني عشر، ثلاثة عشر، أحد عشر، عشرة.
من أشهر الأحاديث بطبيعة الحال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك... "يا غلام" يعني كان صغيراً. من الواضح كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتفي بابن عباس، وفي البخاري قال ابن عباس: ضمّني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: اللهم علمه الكتاب، أو اللهم علمه الحكمة، أو كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن المعلوم كذلك أن إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كانت خالة ابن عباس، وأُتيحت له نافذة داخل بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ليتعرف على شيء من هديه، ولذلك من أشهر وأصح أحاديث ابن عباس -والتي أكثر أصحاب الكتب من ذكر الطرق إليها- قصة مبيت ابن عباس عند خالته ميمونة، يوم أن قام النبي صلى الله عليه وسلم الليل، القصة المشهورة الذي تظاهر بالنوم، بعدين النبي صلى الله عليه وسلم لما قام يصلي قال: فقمت فتمطيت كراهية أن يعرف أني كنت أتقيه، ثم قام فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ووصف الوصف تاماً، قال: فقمت عن يساره، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذني فإدارني فجعلني عن يمينه، ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم كذا، وذكر صفة صلاة الليل، وهي من أشهر وأصح الأحاديث عن ابن عباس، ومن أشهر وأصح الأحاديث في قيام الليل.
إذاً ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من الواضح أنه وإن كان صغيراً إلا أنه كان حريصاً، هذه المبادرة هي مبادرة منه هو، هو الذي راح بات عند ميمونة حتى يدرك شيئاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يعني يحاول أن يكون قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم يأتي له بالماء أو كذا وإلى آخره بحيث أنه يعني يدرك شيئاً من النبي صلى الله عليه وسلم.
طبعاً فيها فوائد ودروس وعبر: أولاً ما يكرره الإنسان دائماً من عدم احتقار قضية الفتيان ووجود الفتيان والغلمان في المجالس العلمية. ثانياً أنه يمكن أن يكون الفتى -وإن كان فتى وإن كان غلاماً وإن كان دون البلوغ- يمكن أن يحمل حرصاً داخلياً واهتماماً داخلياً في قضية العلم، هذا وارد وممكن. ثالثاً أهمية التنبه لميزاتهم وجوانب التفوق فيهم والنبيهين منهم، ومن ثم أن يخصوا بشيء، كما خص النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس بقوله: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك... إلى آخره. رابعاً أن من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يعلمها هؤلاء الفتيان هو قضية الإيمان، المتمثل في: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وكأنه كالمفسر لحديث جندب.
كُنَّا غِلْمَانًا حَزَاوِرَةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ. فلو قال قائلٌ: ما تعلُّمُهم للإيمان؟ واحدةٌ من أمثلة تعلُّم الإيمان حديثُ ابن عباس: يا غلامُ، إني أُعلِّمُك كلماتٍ...، هذا نموذجٌ على فتعلَّمنا الإيمانَ.
طيب، إذاً نستطيع أن نقول إن تلك المرحلة التي كان فيها فتىً وغلاماً هي المرحلة الأساسية في توجُّهِ ابن عباس رضي الله تعالى عنه للعلم، ولاهتمامه به والعناية به، ولحَمْلٍ أصوليٍّ. ثم بعد ذلك ابن عباس كان حريصاً، وكان أيضاً الحديث المشهور كما قال: كنت أنا وواحدٌ من الأنصار، كما قلنا: هلمَّ فلنسأل أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكانوا متوافرين-، فقال له الأنصاري: يا ابن عباس، أترى الناسَ يحتاجون إليَّ وإليك؟ يعني، هذا عمر، وهذا علي، وهذا عثمان، وهذا زيد بن ثابت، وهذا... الناس الكبار من الصحابة أصحاب العلم وأصحاب... أترى الناس يحتاجون إليك؟ إليَّ وإليك؟ تقاعد الأنصاري وذهب ابن عباس. قال: فكنتُ أسمع بالرجل عنده الحديث، فيذهب إليه ابن عباس ويستمع، ويجلس عند الباب وإلى آخره، حتى أدرك وبلغ. وكان من أعظم، من أهم مَن يعظِّمُهم ابن عباس ويعتني بأحاديثهم وعلمهم وإلى آخره: عمرُ رضي الله تعالى عنه، وكانت العلاقة واضحة. على كل حال الكلام كثير.
الشاهد أن ذلك التكوين المبكر الذي ابتدأ به ابن عباس ولَّد بعد ذلك علماً عظيماً غزيراً، وحمَلَه حَمَلَةٌ من أصحابه، وهؤلاء الحملة نقلوه إلى غيرهم، ثم استمر العلم حتى كان من أهم مكونات علم أحد الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم. جيد؟ طيب.
بالنسبة لأصحابه، أه مجاهد، أول من بدأ به الذهبي مجاهد. مجاهد أه يتميز عن بقية أصحاب ابن عباس أنه أعلم أصحاب ابن عباس بالتفسير، هذه مهمة طبعاً. قال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد. قال مجاهد: استفرغ علميَ القرآنُ. قال قتادة: أعلم من بقي بالحلال والحرام الزهري، وأعلم من بقي بالقرآن مجاهد. قال الذهبي في السير: مات مجاهدٌ ساجداً عام مئة واثنين للهجرة. طبعاً قيل مئة وأربعة، قيل مئة وثلاثة، قيل غير ذلك. أه الإمام سفيان الثوري يقول: خذوا التفسير من أربعة: مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والضحاك. كنا نلاحظ أنه -يعني- علم التفسير في الإسلام لا شك أنه تأسس في مدرسة ابن عباس، هذا يعني... يعني استعرض كتب التفسير التي تنقل كلام المتقدمين لتفسيرهم القرآن ستجد أنه عكرمة، مجاهد، سعيد بن جبير الأغلب يعني، وتجد من غيرهم طبعاً بلا شك. طيب.
مجاهد مشهورٌ عنه أنه قال: عرضتُ القرآن على ابن عباس -بعض الروايات ثلاث مرات، بعضها أكثر من ذلك، مشهورة جداً هذه-، أنا عرضتُ القرآن على ابن عباس أستوقفه عند كل آية أسأله عنها فيما نزلت وكيف كانت. طبعاً هذه ميزة عظيمة وكبيرة جداً، كل آية من القرآن سأل مجاهدٌ عنها ابن عباس.
طيب، هذا الأول اللي هو من؟ الثاني وعطاء بن أبي رباح، عطاء بن أبي رباح. يعني مين اللي قال أعلمهم سعيد بن جبير؟ علي بن المديني. آه قد يكون أعلمهم، يعني قد يكون المقصود بأعلمهم أو قد يكون أعلمهم من جهة آه علمه بابن عباس بمجموع ما جاء به ابن عباس رضي الله تعالى عنه. لكن لو أراد شخص أن يقارن أو أن يعني يوازن بين اثنين أيهما أعلم من مجموع أصحاب ابن عباس، كان عطاءٌ أحدَ الاثنين بلا شك. عطاءٌ أكثرُ ما اشتهر به أنه مفتٍ، وخاصةً في باب الحج، ولك أن تقول -وقد قيل ذلك- إن أعلم التابعين بالحج وأعلم أهل مكة بالحج هو عطاء بن أبي رباح، كان فقيهاً في قضية الحج جداً، وهو عموماً فقيه. ولك أن تقول إن أفقه أصحاب ابن عباس عطاء بن أبي رباح رضي الله تعالى عنه. لكن لا يمكن أن تقول مثلاً علي بن المديني قال أعلمهم وكان أعلمهم سعيد بن جبير، يمكن يقول على المستوى العام الشمولي، لكن على مستوى الفقه والفتيا والهذا فعطاء بن أبي رباح. جيد؟ عطاءٌ مفتٍ رضي الله تعالى عنه ورحمَه، وكان من الصالحين ومن العُبَّاد. عطاء بن أبي رباح يعني قصته سيرته عظيمة، يعني مم اقرأوا سيرته، قد تكون أعظم سيرة من سير أصحاب ابن عباس سيرة عطاء. عطاءٌ عجيب يعني في عبادته، في زهده، في علمه، كان له شأنٌ جداً في العلم، يعني كان له قيمة، كل من يتحدث عن عطاء إذا تكلم عن الناحية العلمية كذا يتوقف، يعني عطاء كان له شأنٌ عظيمٌ جداً وخاص.
آه من اللطائف والأشياء الجميلة والمهمة جداً أن ما كان يتداول ويتناقل من العلم في هذه السلسلة لم يكن العلم النظري فقط، وإنما كان العلم العملي أيضاً. ولذلك لما نأتي لابن جريج -ابن جريج تعرفون الطبقة اللي بعدها- ابن جريج مشهور عنه أنه كان حسن الصلاة، ثم ذكر -نسيت مَن هو الذي ذكر آه أحد الأئمة الحفاظ أظنهم المتقدمين- أنه ما أحسنَ صلاةً من ابن جريج وكذا أخذها عن عطاء، فأخذ، تلقَّى الصلاة عملياً -ها- من عطاء، وأخذها عطاء -هذه ما أدري تجيبوها ولا لا؟ وأخذها عطاء- أيوه، عبد الله بن الزبير، والبقية ها قد تكون اجتهادية ما أدري، لكن إنه عبد الله بن الزبير أخذها من أبي بكر، وأبو بكر أخذها من النبي صلى الله عليه وسلم، هذا جائز أيضاً. عطاء أخذ هذه الصلاة من عبد الله بن الزبير، عبد الله بن الزبير كان معروفاً طبعاً بصلاته وتعبده، وعطاء عنه. طيب، طبعاً عبد الله بن الزبير مكي.
طيب، قال: كمجاهدٍ وعطاءِ بن أبي رباحٍ وسعيدِ بن جبيرٍ. سعيد بن جبير أيضاً يعني هو سعيد بن جبير فيه إشكال، مو إشكال يعني، هو في قضية أنه لم يكن مكياً خالصاً، سعيد بن جبير حتى في النسبة العامة يُنسَب أنه كوفي، ولكنه أخذ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كثيراً. آه سعيد بن جبير طبعاً مر معنا كلام علي بن المديني ويكفيه فيه رحمه الله تعالى، طبعاً تعلمون مَن قتَله: الحجاجُ. وابن أبي مليكة، ابن أبي مليكة هذا قرشي، قرشي، ترى إحنا عندك عطاء من الموالي، مجاهد من الموالي، ابن أبي مليكة لا، هذا قرشي صميم، في صميم القرشية، تيمي من بني تيم، وكان قد ولي القضاء لابن الزبير. ابن الزبير كان حاكم مكة، حتى كان يعني آه كان أغلب أمصار الإسلام في زمنٍ ما كانت تحت ابن الزبير، مَن كان قاضي ابن الزبير؟ أو قاضي ابن الزبير هو ابن أبي مليكة الذي ذكره الذهبي هنا، وولي الأذان والقضاء لابن الزبير رحمه الله تعالى. طيب مين اللي ما ذكرهم هنا وذكرهم آه علي بن المديني من الستة؟ يُذكَر عكرمة، جابر بن زيد، طاووس، الطاووس اليماني. ها، أيوة طاووس، كنا نتكلم، طاووس يعني نقدر نقول إن هو أهم شخصية يعني في زمن التابعين يمنية في قضية العلم، حتى اللي ذكرناهم أمس اللي هم وهب بن منبه، ابن منبه ما في مقارنة بينه وبين طاووس يعني. هو عموماً واضح في ارتباط بين المدرسة المكية والمدرسة اليمنية، هذا ارتباط يحتاج بعدين إلى آه يعني كذا التوضيح بشكل أكبر. إحنا عندنا مثلاً رمز المدرسة المكية ابن جريج، ها تلميذه المباشر مثلاً عبد الرزاق الصنعاني إن شاء الله، وطاووس اليماني تلميذ ابن عباس المكي، وطبعاً عبد الله بن طاووس أيضاً، فإن شاء الله يأتي بعدين العلاقة بين المدرسة المكية والمدرسة اليمنية في العلم.
آه طيب، طاووس كان له شأن عند أصحاب ابن عباس، مين اللي أحدهم -سبحان الله أيضاً المتقدمين- قال: إني لأحسب طاووساً من أهل الجنة. كان مشهوراً بالعبادة والعلم، وحج أربعين حجة رحمه الله تعالى ورضي عنه، توفي طبعاً في مكة. طيب، عكرمة أيضاً مشهور، عكرمة عكرمة كان صاحب علم، صاحب ابن عباس الذي ذكره، وجابر بن زيد كذلك كان مشهوراً بالعلم، على أن جابراً يعني الشهرة بعد ذلك في البصرة.
ثم قال: وزمَنِ أصحابِهم كعبدِ اللهِ بنِ أبي نجيحٍ، وابنِ كثيرٍ المقرئ، وحنظلةَ بنِ أبي سفيانَ، وابنِ جريجٍ. هنا نقول: فات عمرو بن دينار، وهو من أهمهم على الإطلاق، وكان من المهم أن يُذكَر في الأسماء القليلة هذه. عمرو بن دينار نضعه من أي طبقة؟ هو طبقة التابعين، ولكنه من صغارهم، يعني الترتيب الأول إذا قلنا الصحابة، وبعدين صغار الصحابة، بعدين التابعين... الرابعة، جيد، على أنه كأنه بين الثالثة والرابعة؛ لأنه هؤلاء أصحاب ابن عباس وهو أيضاً من أصحاب ابن عباس، ولكن أخذه أكثر ما يكون من أصحاب ابن عباس وليس من ابن عباس نفسه. عمرو بن دينار تابعي. طيب، قال ابن أبي نجيح -اللي هو هييجي بعد شوية-: قالوا ما كان عندنا أحدٌ أفقه ولا أعلم من عمرو بن دينار. قال عمرو... قال الإمام أحمد: عمروٌ أثبتُ الناس في عطاء. هذا من جهة حديثية، أثبت الناس في عطاء. طب مين أثبت الناس في عمرو؟ على الإطلاق، عمرو بن دينار أحد الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث، فروى عنه الكثير. مين أثبت الناس في آه عمرو بن دينار على الإطلاق؟ سفيان بن عيينة. طيب، إذاً عمرو بن دينار يُضاف ضرورةً إلى طبقة أصحاب ابن عباس أو طبقة اللي بعدهم؛ لأنه عبارة علي بن المديني تُضاف أيضاً هنا مهمة جداً، قال: وكان أعلمَ الناس بهم عمرو بن دينار، أعلم الناس بأصحاب ابن عباس عمرو بن دينار، وجمع بين الفقه والحديث؛ لأنه هو كان مفتياً أيضاً، عمرو بن دينار كان مفتي أهل مكة بعد من؟ بعد عطاء. جيد.
طيب، وزمَنِ أصحابِهم كعبدِ اللهِ بنِ أبي نجيحٍ، عبد الله بن أبي نجيح هذا أيضاً مشهور جداً مكي، مشهور بالعلم، أشهر ما اشتهر به عبد الله بن أبي نجيح التفسير، المشهور به التفسير ولا غرابة، فهو ابن هذه المدرسة. طيب، هنا في ملاحظة، في ملاحظة مهمة، تذكروا أمس مميزات المدرسة المدنية، مميزات المدرسة المدنية في نفس هذه المرحلة كل هذه الطبقات، إيش كان من أهم مميزاتها؟ خلوها من البدع، هذه ميزة تكاد تكون صافية لأهل المدينة، مكة أيضاً فيها قدر من القلة، لكن كان فيها عبد الله بن أبي نجيح كان يقول بالقدر، وقال الإمام أحمد: كان أصحاب ابن أبي نجيح قدريين كلهم. لكنه في نفس الوقت ابن أبي نجيح كان عالماً مفتياً فقيهاً ومفسراً، ولذلك قال سفيان: لما مات عمرو بن دينار كان يفتي بعده ابن أبي نجيح. طيب، ابن أبي نجيح آه لا، يُعتَبَر قبل سفيان، هو اشترك المتقدم والمتأخر أحياناً في الرواية عن شخص معين، لكن اشتراكهم في الرواية عن شخص معين لا يعني أنهما طبقة واحدة، مثل عمرو بن دينار وعطاء كلهم يروون عن ابن عباس، لكن من أثبت الناس في عطاء؟ عمرو بن دينار، فهمت الفكرة؟ ففَرقٌ في الطبقة، طبعاً خاصة إنه ابن عيينة أصلاً عُمِّرَ من جهة وطلب العلم صغيراً من جهة ثانية، يعني جمع بين الحُسنَيين، عُمِّرَ سفيانُ توفي في آخر القرن الثاني، آخره، في آخر التسعينات، ابن أبي نجيح توفي مئة وواحد وثلاثين، فرق كبير جداً في الوفاة.
طيب، وابنِ كثيرٍ المقرئ -قرأ على مجاهد-، وحنظلةَ بنِ أبي سفيانَ، حنظلة بن أبي سفيان روى عن مَن؟ عن عطاء، طاووس، مجاهد. روى عنه الثوري، ابن المبارك. قال الإمام أحمد عن حنظلة بن أبي سفيان: ثقةٌ ثقة. قال عنه ابن معين: ثقةٌ حجة. وابنِ جريجٍ، طبعاً لما نأتي لابن جريج -أه مثل ما ذكرت عبد الملك بن جريج- يعني لما تسمي هذه الأسماء ابن أبي نجيح كذا، حنظلة بن سفيان كلهم شيء من جهة وابن جريج شيء آخر، شيء آخر من جهة مركزيته في المدرسة المكية، وكما ذكرنا كلام النووي رحمه الله تعالى قال: واعلم أن ابن جريج أحد شيوخنا وأئمتنا في سلسلة الفقه، فإن الشافعي أخذ عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء. ابن جريج من أين تكوَّن علمياً؟ ابن جريج أهم، من أهم تكوينه العلمي عطاء، معروف ابن جريج تلميذ عطاء، أخذ عن غيره طبعاً، أخذ عن غيره كثيراً، لكن من أهم مَن آه يعني تكوَّن عنه ابن جريج هو عطاء، آه ابن أبي رباح، رحم الله الجميع. طبعاً روى ابن جريج عن نافع عن طاووس عن غيرهما. ابن جريج من ميزاته العلمية المشهورة جداً أنه من أوائل من صنف العلم، صنف في العلم، ترى هذا الآن ما له دخل بمكة وحدها، هذا الآن في تاريخ العلوم الإسلامية، فكرة التصنيف فكرةٌ نقطةٌ ومحطةٌ مهمة في تاريخ العلم في الإسلام، من أول من صنف، هو مجموعة صنفوا مع بعض، حتى آه يعني أحياناً أحياناً تأتي إطلاقات يقول لك: أول من صنف فلان، وأحياناً: أول من صنف بالبصرة فلان، وأول من صنف بمكة فلان، وأول من صنف... لأنهم صنفوا في وقت متقارب، اللي هو قريب من وقت الإمام مالك في التصنيف. طب إيش كانت الكتابات قبل التصنيف؟ إيش معنى التصنيف؟ التصنيف أن يجمع كتاباً مرتباً على الأبواب، إيش الكتابات قبله؟ الكتابات قبله كانت غير مرتبة على الأبواب، يجمع، فلان يروي عن جابر رضي الله تعالى عنه، ها فخلاص يدون حديث جابر، تروح تفتح الصحيفة إيش فيها؟ قال جابر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث في الجنة والنار، حديث في الطهارة، حديث في كذا، حديث في كذا. التصنيف هذا معناه أنه صار في قدر من المعالجة في هذه المرويات بالترتيب وكذا وضم النظير إلى نظيره بحيث إنه يعني يرتب العلم نفسه، من، واحد من أوائل من صنف في الإسلام ابن جريج. طبعاً أيضاً من الآخرين، من الآخرين اللي هم من أوائل من صنف: حماد بن سلمة، سعيد بن أبي عروبة، هؤلاء من أوائل من صنف في الإسلام. طيب، تمام يا جماعة ولا مو تمام؟ طيب، ابن جريج توفي في السنة التي ولد فيها الإمام الشافعي، مئة وخمسين للهجرة.
قال الذهبي: وفي زَمَنِ الرَّشِيدِ كَمُسْلِمِ بنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ. مسلم بن خالد الزنجي رحمه الله تعالى هذا أخص واحد في المدرسة المكية في العلاقة مع مَن؟ مع الشافعي تحديداً، يعني وين أثبت نسب للشافعي من ناحية البناء العلمي الفقهي المكي؟ مسلم بن خالد الزنجي، وكذلك ابن عيينة، لكن يعني الزنجي أساس يعني. نأخذ كلمة لابن حبان، واحد من الكبار طبعاً ابن حبان، قال عن مسلم بن خالد الزنجي، قال: كان من فقهاء الحجاز، هكذا يقول، ومنه تعلم الشافعي الفقه. ومنه تعلم الشافعي الفقه، غير أنه قال كلمة -ابن حبان- تحتاج إلى وقفة، قال: ومنه تعلم الشافعي الفقه قبل أن يلقى مالكاً. إحنا نتكلم عن تعلُّم قديم جداً جداً؛ لأنه الإمام الشافعي لما رحل إلى مالك رحل إليه وهو شاب يعني، طبعاً هم اختلفوا هل أصلاً يعني هل لما خرج من مكة راح مباشرة المدينة ولا جلس إيش اسمه، لكن عموماً رحل إليه مبكراً في سن مبكرة، جلساته عند الإمام مالك كثيرة. طيب، قبل ذلك يقول لك تعلم عند آه مسلم بن خالد الزنجي. قال عنه إبراهيم الحربي -من أصحاب الإمام أحمد المشهورين-: كان فقيه أهل مكة. زين.
طيب، هذا فقيه أهل مكة واللي هو تعلم عنه الشافعي في رواية الحديث تحديداً فيه ضعفٌ واضحٌ من ناحية الحديث، وهذه طبعاً تجيك ميزة المحدثين وحياديتهم خلنا نقول، وأنه عدم المجاملة، ماشي أنت عالم أهل مكة، فقيه أهل مكة وكذا، تمام؟ لكن في الرواية عندنا موازين خاصة، اختلف المحدثون في توثيقه وتضعيفه من ناحية الضبط، فيعني اللي جود... ممن جود حاله ابن معين رحمه الله تعالى، والدارقطني، وابن عدي. لكن آه ابن المديني ضعفه جداً، والإمام البخاري يقول عنه: منكر الحديث، نعم، والنسائي يقول: ليس بالقوي، وأبو حاتم الرازي كذلك يعني يلينه. هو من ناحية الضبط والإتقان في الرواية... هذا طبعاً كثير من العلماء زي كذا، يكونون علماء وفقهاء مشهوداً لهم، يروون حتى الأحاديث الكثيرة ويخرج لهم أصحاب الحديث، لكن عند التحقيق يقول لك: والله من ناحية الضبط أنا عندي إشكال في الضبط، ضبط النقل تحديداً. أمثلة كثيرة، يعني قاضي أهل الكوفة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قاضي أهل الكوفة أصلاً في زمن من الأزمان، نتكلم عن قاضٍ ما نتكلم عن قاضٍ في محكمة، قاضي أهل الكوفة، قاضي البلد، مَن قاضي البلد؟ يعني كأنك تقول شخصية من الشخصيات الكبرى، هذا عند المحدثين مضطرب الحديث. شريك النخعي نفس الشيء. هو عندهم ثقة تعني ضابط، الثقة تساوي عدلاً ضابطاً، هم يقول لك مثلاً: صدوق، حتى صدوق ترى لا تساوي العدالة وحدها، إنما تساوي قدراً من الضبط، عموماً ما ندخل فيها. الشاهد أنه هذا مسلم بن خالد الزنجي رحمه الله تعالى.
والفضيل بن عياض هو المشهور الإمام، واشتهر كثيراً طبعاً بالعبادة وآه التفرغ لها. وابن عيينة، ابن عيينة طبعاً، ابن عيينة ذكرنا قبل قليل أنه -لولا- كلام الشافعي: لولا مالكٌ وسفيان لذهب علم الحجاز. آه الشافعي يذكر، قال: أنا ما رأيت -أيضاً هذه ثابتة عن الشافعي أنه- ما رأيتُ أحداً -أذكرها بالمعنى- ما رأيت أحداً عنده آلة الفتوى -في رواية: آلة العلم- مثل سفيان بن عيينة أكَفَّ عن الفتوى، ما رأيت أحداً أصلاً عنده من آلته وهو أكف الناس عن الفتوى. طبعاً سفيان بن عيينة مع أنه من أكف الناس عن الفتوى والعلم إلا أن العلم المنقول عنه كثير، والعلم المنقول عنه ليس في الحديث فقط، وسفيان بن عيينة كان كان إماماً، يعني تستطيع أن تصفه بالإمام، آه واقرأ سيرته أيضاً، سفيان بن عيينة سيرته عطرة وعظيمة، وله شأن كبير عند الأئمة، والذي يدخل له من نافذة الحديث سيرى أنه من أكبر المحدثين ومن أحفظهم ومن أضبطهم ومن أهمهم ومن أجمعهم، ولكن في الحقيقة هو ليس محدثاً فقط، وكان له علم بالتفسير وله علم بالفقه، على أن الشافعي مرة زعل عليه شوية يعني، نتناقش معاه في مسألة دخل في الاجتهاد في هذا، فقال له الشافعي: أليس هذا من بابك يا سفيان؟ هذا باب فقه الحديث وكذا وإلى آخره. آه لكن عموماً هو كان حتى الشافعي نفسه زكاه، قال: وكان من أحسن الناس في تفسير الحديث. سفيان بن عيينة إمام إمام عظيم جداً رحمه الله تعالى عن الزهري، هو عن الزهري تحديداً، أي هو مشهور طبعاً، وهذه ميزة كمان سفيان بن عيينة. سفيان بن عيينة جمع العلم المكي والعلم المدني، جمع العلم المدني عن طريق الزهري، وجمع العلم المكي عن طريق عمرو بن دينار وأصحاب المدرسة المكية، وأثبت الناس في عمرو بن دينار على الإطلاق، وفي نفس الوقت من أثبت الناس عن الزهري، واختلف الحفاظ مَن أثبت الناس على الإطلاق عن الزهري، فبعضهم رجح ابن عيينة، لكن الأرجح والأثبت أنه مالك أثبت الناس. والعجيب أن ابن عيينة توفي أظن مئة وثمانية وتسعين، ومن أثبت الناس في الزهري توفي مئة واربعة وعشرين، متخيلين يا جماعة؟ الزهري توفي مئة واربعة وعشرين، ابن عيينة توفي مئة وثمانية وتسعين تقريباً، ها وهو من أثبت الناس في الزهري، روى عنه وهو صغير. طيب.
قال: ثمَّ أَبُو عَبْدِ ثم أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَقْرِئِ، مكة اشتهرت بالقراءة أيضاً، أبو عبد الرحمن المقرئ هذا من القراء الكبار في مكة، أقرأ القرآن بمكة خمساً وثلاثين سنة، وهو يقرأ القرآن كذا معروف المقرئ، هو محدث من أصحاب... من رجال الكتب الستة أحدثه، لكنه مقرئ أيضاً عبد الله بن يزيد المقرئ، أه شيخ البخاري، طبعاً يسمى المقرئ. قال: ثم أه مَن؟ قال: المَقْرِئِ، وَالأَزْرَقِيِّ، الأزرقي هذا محمد بن عبد الله الأزرقي، الأزرقي صاحب أشهر كتاب في تاريخ مكة من الكتب المتقدمة، وهو كتاب مطبوع، أشهر كتاب في تاريخ مكة هو تاريخ الأزرقي، حتى كذا يقال: تاريخ الأزرقي، هذا متقدم الأزرقي، اسم الكتاب: أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار.
قال: ثمَّ المَقْرِئِ، وَالأَزْرَقِيِّ، وَالحُمَيْدِيِّ، وَسَعِيدِ بنِ مَنْصُورٍ. الحميدي اللي هو مين حميدي؟ شيخ البخاري، اللي هو يروي عنه أول حديث في صحيح البخاري، أول شيخ في صحيح البخاري، ولأن البخاري عوَّد الناس على الدقة والاختيارات الدقيقة وغير العشوائية، فقالوا: ليش أول واحد روى عنه؟ بعضهم قال: من باب قَدِّمُوا قُرَيْشاً؛ لأن عبد الله بن الزبير الحميدي... فإنه أول شيء اختاره البخاري يكون في صحيحه أنه شخصٌ قرشي، إنه هذا هذا هو السبب. عبد الله بن الزبير اسمه عبد الله بن الزبير الحميدي، آه طيب، عبد الله بن الزبير الحميدي قال عنه أبو حاتم الرازي المعروف، قال: أثبتُ الناس في ابن عيينة الحميدي، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة، وهو ثقةٌ إمام. قال الحميدي: جالستُ ابنَ عيينة تسع عشرة سنة. الحميدي مكي عبد الله بن الزبير، مكي قرشي من أهم وأثبت أصحاب ابن عيينة.
وقال وسعيد بن منصور، مشهور سعيد بن منصور، معروف له كتاب مطبوع اللي هو السنن، يعني تجد أخرجه سعيد بن منصور، ويروي حديث أولي العلم بالإسناد. سعيد بن منصور أيضاً من علماء مكة، أصله خراساني، ولكنه سكن مكة ومات بها، روى عن ابن عيينة وروى عنه الإمام مسلم وأبو داوود وغيرهم.
قال الذهبي: ثُمَّ فِي أَثْنَاءِ المِائَةِ الثَّالِثَةِ تَنَاقَصَ عِلْمُ الحَرَمَيْنِ وَكَثُرَ بِغَيْرِهِمَا. في شخصية مهمة قبل ما نختم أه ما ذكرها الذهبي اللي هي عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، هذا مكي مهم جداً عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد مكي، هذا آه أيضاً الشافعي رحمه الله تعالى أخذ علم ابن جريج عن طريق ابن أبي رواد، لو تذكرون كلام النووي إيش إيش نسب الشافعي العلمي؟ كما قال آه الشافعي عن مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، صح؟ هو في الأخيرة لابن جريج. طب الشافعي أخذ عن مَن عن ابن جريج؟ واحد: مسلم بن خالد، اثنين: ابن أبي رواد. ابن أبي رواد هذا كان من أعلم الناس بابن جريج، وشيخاً للشافعي، كان شيخاً للشافعي، شاهدٌ مهم. قال الدارقطني عنه: كان أثبتَ الناس في ابن جريج. طيب، قال يحيى القطان: كان عالماً بابن جريج. طبعاً هذا بابن جريج، ولكن في غير ابن جريج ليس بالمتين. وهذا عند المحدثين أيضاً أنه ممكن يعني يُوصَف الراوي بأنه عالمٌ بحديث فلان أو ثَبْتٌ في فلان وليس بالضرورة أن يكون كذلك في غيره. وكذلك هذه من مميزات المدرسة المدنية المكية... هذا ابن أبي رواد اللي هو تلميذ ابن جريج وشيخ الشافعي رحمه الله تعالى مشهور جداً بالإرجاء، الإرجاء نعم. أبو داوود يقول عنه: كان داعيةً أصلاً في الإرجاء. مشهور عنه، في سيرة عبد المجيد تفتح سيرته، هذه من سماته الواضحة أنه كان مُرْجِئاً. هذا طبعاً يجعل ميزة للمدرسة المدنية التي كانت صافية تقريباً يعني خلنا نقول، أه أو على الأقل شخصياتها الكبرى الأساسية كانت بعيدة عن آه هذه القضية. طيب.
ثم فِي أَثْنَاءِ المِائَةِ الثَّالِثَةِ تَنَاقَصَ عِلْمُ الحَرَمَيْنِ وَكَثُرَ بِغَيْرِهِمَا، غيرهما اللي هي إيش؟ غيرهما هذه كمان ترى توسعت وتمددت، دخل علينا -كما يقال- لاعبٌ جديد في الساحة. لا، إيش اللاعب الجديد اللي في الساحة ما كان موجوداً قبل كذا؟ ها؟ لا، فارس وخراسان موجودة، الشام موجودة... الأندلس! في القرن الثالث، ثالث بدري يعني، صارت منافسة. ليش؟ أنت عندك مين؟ عندك أمس تكلمنا عنه يحيى بن يحيى الليثي، الليثي تلميذ الإمام مالك، الليثي مو أنه مجرد روى الموطأ -هو طبعاً معروف الموطأ روايات، أشهرها رواية يحيى بن يحيى- ونقل علم مالك للأندلس، وقبله شيخه طبعاً، لكن هو اللي فتق علم مالك في الأندلس، كانت قصة طويلة يعني. وكذلك مصر، الشام، يعني الشام بس ليست... يعني ليست مثل القرن الثاني، القرن الثاني الشام كانت فيها علم كبير مع الأوزاعي، لا، بقي بن مخلد بعده، بقي بن مخلد مثلاً نتيجة من نتائج يحيى بن يحيى، بقي بن مخلد طبعاً أه من أشهر علماء الأندلس، جمع مسنداً كبيراً أكبر من مسند الإمام أحمد في الحديث، ورحل إلى الإمام أحمد بقي بن مخلد. أه فانتقل العلم، عموماً انتقل العلم، ضَمُرَ العلم في الحجاز، العلم في الحجاز يعني بهؤلاء، في هؤلاء يعني بابن عيينة من جهة، وأصحاب ابن عيينة قليلاً، بمالك رحمه الله تعالى، بعض أصحاب مالك، ثم العلم في الحجاز في مكة والمدينة ضَمُرَ، انتقل بعد ذلك طبعاً العراق أه استمر فيها العلم، في بغداد، في أه... أصلاً هو ترى تغير وجهُ العالم الإسلامي بعد ذلك، في نهاية القرن الثالث دخلت المكونات الباطنية، وبعدها على طول دخلت قضية الفاطميين، الباطنية قبل ذلك اللي هو القرامطة وما القرامطة والناس، ثم استولت الشيعة على العالم الإسلامي، أكثر أو كثير من دول العالم الإسلامي. أه طبعاً في أه المشرق الإسلامي استمر العلم، استمر العلم كبيراً جداً أو عالياً، عندك وقت إلى وقت أه الطبري، وقت أه ابن خزيمة. عموماً كل هذا سنأتي عليه إن شاء الله، والمدن هذه موجودة هنا.
العجيب إيش؟ أنه هنا يقول لك: ثم تلاشى، ثم تلاشى. تأتي لبعض المدن في كتاب الذهبي هذا ما بدأ فيها إلا من القرن الثاني، يعني هذا يقول لك: بدأ بالصحابة وكذا ثم تلاشى، لكن هنا شوف مثلاً نأخذ واحداً مثلاً... شوف مثلاً بغداد: أول من بث الحديث فيها هشام بن عروة، هشام بن عروة بن الزبير. مثلاً بغداد هي أصلاً بُنِيَت بعدين يعني، لكن في بعض المدن في... طيب، شوف مثلاً الأندلس: فُتِحَت في أيام الوليد وجُلِبَ العلم إليها، لكن اشتهر بها العلم والحديث في المئة الثالثة بابن حبيب ويحيى بن يحيى وأصحابهما، ثم ببقي بن مخلد ومحمد بن وضاح إلى آخره. المغرب، الجزيرة، الدينور، همذان... الدينور ممكن يكون فيها... ما أعرف بعضها، كثير من هذه الأشياء تُلفَظ بحركتين فما أعرف، هذه في إيران، مم، هي اللي فيها بنقطتين بالمشهور. شوف مثلاً الري: صارت دارَ علمٍ بجرير بن عبد الحميد، والله بس كلمة فخمة يعني! صارت دار علم بجرير بن عبد الحميد، جرير بن عبد الحميد في مئة وثمانية وثمانين، الري اللي هي قريبة من طهران الآن ذُكِرَت في المئة الثانية، هذه البدايات الآن. جرجان صارت بها أحاديث كثيرة في المئة الثالثة، هذه البدايات أول شيء. نيسابور: دار السنة والأعوالي، صارت بإبراهيم بن الطهمان... هذا إبراهيم توفي كم؟ مئة وثلاثة وستين. قومس: صارت دار علم بعد المائتين. فرق بين مكة والمدينة التي هي أصلاً صارت مع الصحابة مع التابعين ثم تلاشى فيها العلم ثم انزاح إلى تلك البلاد. نعم، صحيح. طيب، وصَلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد