الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله لا نحصي ثناء عليه، هو سبحانه كما أثنى على نفسه.
استعينوا بالله، نستفتح مجلسًا جديدًا من مجالس مدارس العلماء في الأمصار، اللي هي ضمن العنوان الكبير اللي هو إيش؟ حملة العلم وحفظة الشريعة. في المجلسين السابقين أخذنا أي مدرسة؟ المدرسة المدنية والمكية، وكان الحديث في المدرسة المدنية منتهيًا إلى من؟ مالك بن أنس رضي الله عنه ورحمه، والحديث في المدرسة المكية منتهيًا إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
اليوم عندنا المدرسة الشامية، والمدرسة الشامية مدرسة كبيرة أيضًا وواسعة، ولكنها في القرن الأول لا تقارن بالمدرسة المدنية والمدرسة المكية من حيث الأهمية والقيمة، ولكن لها أهمية ولها قيمة كذلك. ثم بعد ذلك في القرن الثاني للهجرة لا، المدرسة الشامية بدأت تأخذ تميزًا أقوى وأكبر من حيث وجود بعض الشخصيات الكبرى في، خلنا نقول، في الصورة الكلية للسياق العلمي في القرن الثاني للهجرة.
الإمام الذهبي رحمه الله، ونحن نسير في كتابه هذا اللي هو الأمصار ذوات الآثار، الإمام الذهبي رحمه الله في الشام اختصر، يعني اختصر الطبقات الأولى. هو طبعًا مثل ما ذكرنا، هذا الكتاب أنا أتصور والله أعلم أنه كتبه تعليقة من حفظه سريعًا، ليس الباب باب استقصائي ولا حتى إنه منهج مطرد؛ ففي بعض البلدان يبدأ من البداية ويبين، في بعضها يجمل في البداية بعدين يفصل، لكن كما تعودنا نقرأ كلامه ثم بعد ذلك إن شاء الله يكون فيه تبيين، ونحاول بعد ذلك نستخلص الصورة الكلية من حيث طبقات العلماء.
الذهبي جعل الشام ثلاثة بلدان، يعني كل بلدة تناولها وحدها: الأولى بيت المقدس، والثانية دمشق، والثالثة حمص. فأما بيت المقدس فقال: نزلها جماعة من الصحابة كعبادة بن الصامت وشداد بن أوس، وما زال بها علم ليس بالكثير، ثم نقص جدًّا، ثم ملكها النصارى تسعين عامًا، ثم أخذها المسلمون. اختصار شديد، يعني الأسماء ما سمى إلا من؟ عبادة وشداد.
دمشق، قال: من بلاد الشام، القطر المتسع المشتمل على عدة بلاد ومدن وقرى، نزلها عدة من الصحابة، منهم بلال الصحابي المؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وكثر بها العلم في زمن معاوية، ثم في زمن عبد الملك وأولاده، وما زال بها الفقهاء والمقرئون والمحدثون في زمن التابعين وتابعيهم. لاحظ الآن ما في أسماء، فقط بلاد. ثم إلى أيام أبي مسهر، هنا بدأت الأسماء، ثم إلى أيام أبي مسهر ومروان بن محمد الطاطري وهشام ودحيم، إحنا الآن نتكلم عن القرن الثالث، بدأ بالأسماء، وهشام ودحيم وسليمان بن بنت شرحبيل، وهي دار قرآن وحديث وفقه. وتناقص العلم بها في المئة الرابعة والخامسة، وكثر بعد ذلك، ولا سيما في دولة نور الدين، وأيام محدثها ابن عساكر، والمقادسة النازلين بسفحها، ثم تكاثر بعد ذلك بابن تيمية والمزي وأصحابهما، ولله الحمد.
طيب، ثم ننتقل إلى حمص، قال: حمص نزلها خلق من الصحابة، وانتشر بها الحديث في زمن التابعين، وإلى أيام حريز بن عثمان، وشعيب بن أبي حمزة، ثم إسماعيل بن عياش، وبقية، وأبي المغيرة، وأبي اليمان، ثم أصحابهم، ثم تناقص ذلك في المئة الرابعة وتلاشى، ثم عُدم بالكلية.
طيب، هذا الآن هذا ما ذكره الذهبي رحمه الله في هذه البلدان الثلاثة، واضح أيهما أو أي هذه البلدان الثلاثة أكثر حظوة: دمشق.
طيب، إحنا الآن في الطريق في المجلس لن نعتمد فكرة البلدان، نعتمد فكرة إيش؟ تشمل فلسطين والأردن وسوريا ولبنان، كل هذه بلاد الشام. طبعًا تشمل حتى جنوب تركيا، بعض البلدان في أقصى الجنوب التركي تعتبر من بلاد الشام. طيب، الآن هذه يعني تعتبر اللي هي البلدان اللي في شمال حلب، اللي ضمن الحدود التركية.
طيب، الآن إحنا نريد أن نتناول بلاد الشام بجملتها بعمومها بدون التفصيل بين حمص وبين دمشق وبين بيت المقدس، إلا إذا جاءك شيء عرضًا.
طيب، أولًا بلاد الشام، لاحظوا إحنا أخذنا المدرسة المدنية، لما أخذنا المدرسة المدنية كان من أهم السمات في المدرسة المدنية أنها مليئة بالصحابة، أصلًا هي بلاد الصحابة، ثم كان الجيل الذي يلي الصحابة، الأساس الأصل أنه هو أبناء الصحابة، وهم جيل يعني متدلٍّ من شجرة العلم والإيمان، وبالتالي كانت المدينة أرضيتها كانت مهيأة تمامًا لأن تكون بلدًا من بلاد العلم الكبيرة.
أما بلاد الشام فبعكس ذلك، بلاد الشام العلم يأتيها من الخارج، يعني يأتي أناس من الخارج يستقرون بها فيبدأون بها العلم. والذين أتوا من الخارج فبدأوا العلم بالشام هم الصحابة، وهناك عدد من أسماء الصحابة من الأسماء البارزة التي كان لها دور في إحياء العلم بالشام. والذي له الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في هذا التأسيس هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ لأنه هو الذي أرسل الصحابة لتعليم أهل الشام، فهو الذي أرسل معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبا الدرداء رضي الله تعالى عنهم، وهؤلاء أهم الشخصيات العلمية من الصحابة في بلاد الشام.
هل هناك صحابة آخرون؟ نعم هناك صحابة آخرون، هم ذهبوا بأنفسهم، سواء من أنهم ذهبوا إلى القتال والفتوحات وبقوا هناك، أو بعد ذلك انتقلوا أيًّا كان، هناك كان عدد من الصحابة، لكن هؤلاء الصحابة أرسلهم عمر. بل وإن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لم يكتفِ بإرسال الصحابة، بل أرسل بعض كبار التابعين. يوجد طبقة من الشاميين من كبار التابعين الذين أدركوا عمر. طبعًا أنت أي أحد من التابعين يدرك عمر وهو كبير، يعني عاقل واعٍ بالغ، فهذا مباشرة من طبقة كبار التابعين؛ لأنه عمر رضي الله تعالى عنه كان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوات. هؤلاء كبار في السن وكثير منهم أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
منهم مثلًا عبد الرحمن بن غنم الأشعري، عبد الرحمن بن غنم الأشعري هذا أرسله عمر بن الخطاب لتعليم أهل الشام وهو ليس صحابيًّا، طبعًا مختلف في صحبته لكنه الأغلب ليس صحابيًّا يعني. عبد الرحمن بن غنم الأشعري أبوه أتى مع أبي موسى الأشعري في السفينة، أتوا مهاجرين من بلاد اليمن إلى المدينة. من الذي أرسل عبد الرحمن بن غنم الأشعري؟ عمر بن الخطاب، ولذلك كان له قيمة كبيرة في بلاد الشام، وهو تابعي من كبار التابعين.
إذن عمر رضي الله تعالى عنه كان له فضل واضح على بلاد الشام في أن أرسل إليهم الصحابة بغرض التعليم، والذين أرسلهم هم من خيار الصحابة إذا يعني أخذت صورة للصحابة بشكل كلي، الثلاثة الذين أرسلوا للشام هم من خيار الصحابة ومن أفاضلهم: معاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعبادة بن الصامت، كل واحد أفضل من الآخر، وكلهم من أهل العلم وكلهم من خيار الصحابة كما هو معلوم وكما هو معروف.
أول من تولى قضاء فلسطين هو عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، طبعًا توفي عبادة في فلسطين أيضًا في بيت المقدس، وكذلك شداد بن أوس الذي ذكره الذهبي هنا، هنا الذهبي ذكر اثنين صح؟ عبادة وشداد بن أوس، شداد بن أوس أيضًا في بيت المقدس وتوفي بها رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
يوجد جملة جمعت بين عبادة وشداد الذين ذكرهما الذهبي هنا في سياق واحد، قالها خالد بن معدان، خالد بن معدان أيضًا أحد علماء الشام من طبقة التابعين، بعد شوي تأتينا الطبقات بشكل أدق، لكن الجميل أنه هو جمع بين عبادة وشداد في نفس السياق كما جمع بينهما الذهبي، فقال خالد بن معدان: لم يبقَ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشام أحد كان أوثق ولا أفقه ولا أرضى من عبادة بن الصامت وشداد بن أوس.
طيب، إذن إحنا نقول بداية العلم بالشام كانت مع مجيء هؤلاء الصحابة الذين أتوا بغرض التعليم أصلًا. كيف كانوا يعلمون؟ التعليم عمومًا في زمن الصحابة لم يكن خلنا نقول لم يكن له صورة واحدة، ولم يكن الصحابة كلهم يعتمدون مبدأ الحلقات مثلًا في المساجد أو شيء، لا. بعض الصحابة كان تعليمه عبارة عن إجابة عن أسئلة، عن مخالطة للناس ومن ثم المشاركة العلمية بما يقتضيه الواقع. مثلًا عبد الله بن عمر كان كثير من علمه هو عبارة عن تعليق على الأحداث أو إجابة عن أسئلة، وحتى إحنا ما نتكلم بس عن الفتوى، لا، حتى الحديث نفسه رواية الحديث؛ في صحابة كان لهم مجالس لرواية الحديث، في صحابة ما كان لهم مجالس وإنما يروي الحديث بحسب الحاجة.
معاذ بن جبل كان ممن يجلس في المسجد، يعني يكون له، الناس يرجعون إليه ويعني إما يستفتونه ويسألونه، وكذلك أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه كان ممن له، هم عمومًا هؤلاء الصحابة أتوا بغرض التعليم وبالتالي نسبة مشاركتهم في التعليم عالية، واضحة الفكرة؟ والصحابة كان من منهجهم أنهم يحيل بعضهم إلى بعض، ويعني خلنا نقول يتخلص بعضهم من الفتوى بالإحالة إلى الآخر تنزهًا تورعًا كذا، لكن بطبيعة الحال في بلاد مثل الشام لما ما يكون العدد فيها إلا قليل فبالتالي الصحابي يتحمل مسؤولية العلم والفتوى، لكن في البلدان اللي تكثر فيها الصحابة لا، يعني يحيل بعضهم إلى بعض.
طيب، إذن الطبقة الأولى في العلم في بلاد الشام هي طبقة الصحابة، ومن أبرزهم معاذ بن جبل، أبو الدرداء، عبادة بن الصامت، شداد بن أوس، يمكن أن نقول أيضًا ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وثوبان كان له دار بدمشق وكان له دار بحمص وتوفي بحمص، أبو ثعلبة الخشني، مجموعة من الصحابة، جيد، لكن هؤلاء أبرزهم.
طيب، بعد ذلك الطبقة التالية، طبعًا من جملة، عفوًا خلنا نرجع للصحابة، من جملة الأدوار التي يقوم بها الصحابة في الأساس اللي هو دور قضية إقراء القرآن، ليس مجرد رواية الحديث ولا مجرد تعليم الأحكام ولا مجرد القضاء، وإنما كذلك إيش؟ إقراء القرآن. ومن أبرز هؤلاء الصحابة الذين اعتنوا بإقراء القرآن، بطبيعة الحال، أبو الدرداء، طبعًا هو أيضًا من المذكورين الذين جمعوا القرآن على زمن النبي صلى الله عليه وسلم. أبو الدرداء هو بقي في دمشق، هو في دمشق وحتى في السير مذكور أنه بقي بها إلى أن مات، وما أظن مات بغير دمشق.
أبو الدرداء كان يقرئ القرآن، أيضًا من الأشياء التي فاتت في أبي الدرداء أنه هو كان تولى قضاء دمشق في زمن معاوية رضي الله تعالى عنه حين كان أميرًا على الشام في زمن عثمان، من الذي تولى لمعاوية قضاء دمشق؟ أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه، جيد. الذهبي في السير يلقب أبا الدرداء بحكيم هذه الأمة، وقال الذهبي عنه: ما خلّف بالشام كلها بعده مثله، أبي الدرداء اللي هو توفي عام اثنين وثلاثين للهجرة.
طيب، كذا أخذنا لمحة سريعة عن الصحابة، تمام؟ جميل، في الشام هم الذين ابتدأوا، هذا شرف عظيم طبعًا أن يبتدأ، أن تأتي إلى بلد فتكون ممن يبتدئ العلم فيها، وهذا أمر عظيم جدًّا يعني، وفيه بركة التعلم عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم بعد ذلك نشر هذا الدين. فالدين نشر، أولًا نُشر عبر الفتوحات الإسلامية، ثم بعد ذلك ثَبَت دين الناس بعد هذه الفتوحات، من جهة السياسة في جهة، ومن جهة العلم في جهة أخرى، وكانت جهة العلم أوثق، جهة السياسة دخلها ما دخلها من الدَّخَن خلال السنوات في القرون الثلاثة الأولى.
ننتقل بعد ذلك إلى طبقة التابعين، عندنا طبقتان في التابعين، مثل ما أخذنا في مكة لو تذكرون، مين كانت الطبقة الأولى في مكة؟ مجاهد وعطاء بن أبي رباح وطاووس وسعيد بن جبير وجابر بن زيد وعكرمة، ستة، صح؟ من الطبقة الثانية؟ عمرو بن دينار، عمرو بن دينار أصلًا هو تابعي أصغر منهم، تمام؟ هو أول شيء في الرواية هو أثبت الناس في عطاء، الشيء الثاني هو أعلم الناس بهؤلاء الستة، وبالتالي نقدر نقول إنه هو من أعلم الناس بابن عباس على الإطلاق؛ لأنه آل إليه علم ابن عباس عن طريق الستة، جيد. لاحظ، كلاهما تابعيان طبقتين.
نفس الشيء في المدينة، كان عندنا طبقة الفقهاء السبعة كطبقة أولى، وبعدهم مين؟ الزهري، الزهري من أئمة المدينة وهو تابعي ولكنه في الطبقة اللي بعدها. نفس الشيء في الشام، عندنا طبقة كبار التابعين وعندنا بعد ذلك طبقة لصغار التابعين، ممتاز؟
طبقة كبار التابعين هذه طبقة مهمة، وكانت حلقة أساسية في نقل الدين والعلم وتعليم الناس، لكن بعد ذلك في الرؤية التاريخية الكلية، الطبقة التي بعدها اللي أصغر منها هي التي بقي لها، خلنا نقول، التخليد التاريخي يعني والشهرة والمعرفة، وكأنه يعني الطبقة الأولى كانت أشبه ما يكون بالمؤسسة والناقلة للعلم الأساسي، لكن بعد ذلك استوت الأمور بقدر أكبر، فبرز في طبقة صغار التابعين شخصية سأذكرها بعد قليل.
طيب، هذه الطبقة الأولى الكبيرة من هم؟ من أبرز هؤلاء الكبار من التابعين الذين أدركوا كبار الصحابة وعامة الصحابة الكبار في دمشق وغيرها؟ بعضهم أدرك عمر، بعضهم أدرك أبا بكر أصلًا رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
من هم هؤلاء؟ أولًا اللي قلنا قبل شوي من هو اللي أرسله عمر: عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال الذهبي عنه: شيخ أهل فلسطين، وقال: حدّث عن معاذ وتفقه به. ليس فقط حدّث، لاحظوا، وإنما تفقه به، تفقه بمعاذ. قال ابن سعد: بعثه عمر إلى الشام يفقه الناس، وكان أبوه صحابيًّا هاجر مع أبي موسى.
قال أبو مسهر، أبو مسهر ذكره صح؟ ذكره من الأسماء الذهبي اللي هو في المئة الثالثة، راح يجينا أبو مسهر. شوف، أبو مسهر ودحيم، هذول أهم شخصيتين من الشخصيات النقدية للشخصيات الشامية تحديدًا، يعني من الذي يؤخذ بقوله في التوثيق والتجريح والوفيات وكذا فيما يتعلق بأهل الشام؟ أبو مسهر ودحيم، دحيم من هو؟ عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثم بعد ذلك أبو زرعة الدمشقي وليس أبو زرعة الرازي، من نقاد أهل الشام في الحديث من جهة جمع الأسماء وكذا وإلى آخره.
أبو مسهر يقول عن عبد الرحمن بن غنم: هو رأس التابعين، رأس التابعين كان بفلسطين. طيب، اسمع الجملة هذه الجميلة من الذهبي، شو يقول عن عبد الرحمن بن غنم؟ يقول: وقيل تفقه به عامة التابعين بالشام. وقيل تفقه به عامة التابعين بالشام، وكان صدوقًا فاضلًا كبير القدر، توفي وجابر بن عبد الله في وقت واحد، هو من الكبار، عرفت؟ يعني في نفس الزمن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه متوفى، اللي هو تقريبًا عام ثمانية وسبعين.
طيب، إذن إحنا عندنا طبقة لناس كبار من التابعين في الشام، كانوا يفقهون الناس وتفقه بهم عامة التابعين، وتستطيع أن تقول كانوا هم والصحابة في طبقة متقاربة من حيث التعليم، وإن كان هم تعلموا على الصحابة مثل ما ذكر الذهبي وتفقه بمعاذ.
منهم أيضًا عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، مشهور عبد الرحمن الصنابحي، هذا الصنابحي يعني أيضًا أدرك كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وإحنا عندنا عبد الله الصنابحي أو عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، وأحيانًا يقع بينهم اشتباه أو شيء، على أية حال عبد الرحمن بن عسيلة صاحب عبادة بن الصامت، هو اللي في موقف مشهور لما حضرته الوفاة كان عنده وكان يبكي، يعني عبادة بن الصامت يقول له: لماذا تبكي؟ قال: فلئن استُشهدت لأشهدن لك، ولئن استُشفِعت لأشفعن لك، وكذا، فكان قريبًا منه جدًّا، وكان عبادة يحبه كثيرًا يعني، وشهد له بالصلاح وشهد له بالخير وكذا. هذا اللي هو عبد الرحمن، هذا أيضًا كان من طبقة كبار التابعين، الطبقة الكبيرة جدًّا.
من الطبقة الكبيرة جدًّا أيضًا من التابعين واحد اسمه جبير بن نُفير، مر عليكم ولا لا؟ جبير بن نفير هذا يروي كثيرًا من الأحاديث، تجده يروي عن الصحابة، يعني الصحابة الشاميين وغيرهم، ويمر كثيرًا يعني، مكثر من الرواية، خاصة تجده في صحيح مسلم يمر عليك كثير، جبير بن نفير.
هذا جبير بن نفير قيل إنه أدرك سبعين بدريًّا، من أهل بدر، في حمص، هو كان جبير بن نفير من أهل حمص. قال النسائي، والنسائي عاد تعرفون وزنه وإمامته في النقد، قال النسائي: ليس أحد من كبار التابعين، لاحظ، مو التابعين، كبار التابعين، أحسن رواية عن الصحابة من ثلاثة: قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي، وجبير بن نفير. لاحظ، الآن ما يتكلم عن الشام، يتكلم عن عامة كبار التابعين على الإطلاق، قال: ليس أحد من كبار التابعين أحسن رواية عن الصحابة من ثلاث: ابن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي، وجبير بن نفير، جيد. إذن جبير بن نفير كان ممن يحسن الرواية عن الصحابة ويُفضَّل في هذا الإحسان على كثير من التابعين.
أبو زرعة الدمشقي، اللي قلناه قبل قليل من نقاد أهل الشام، قال: أحسن أهل الشام لُقِيًّا لأجلّة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاحظ هذه الآن قريبة من المذكورة قبل قليل، أحسنهم رواية، صح؟ هذه قريبة منها، أبو زرعة الدمشقي يقول: أحسن أهل الشام لقيًّا لأجلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بس هنا مخصصة بالشام، وهي المذكور فيها أجلة أصحاب رسول الله، يعني حتى ليس المقصود عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من هم؟ جبير بن نفير، وأبو إدريس الخولاني، وكثير بن مرة.
وهؤلاء الثلاثة أصلًا كلهم من هذه الطبقة، فيضاف إلى هذه الطبقة، صار عندنا في هذه الطبقة مين الآن؟ عبد الرحمن بن غنم، عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، جبير بن نفير، أبو إدريس الخولاني، كثير بن مرة، الحين عندنا خمسة، هؤلاء ليسوا من طبقة عامة التابعين، طبقة كبار التابعين الآخذين عن الصحابة وعن كبار الصحابة. هؤلاء تجدهم أدركوا معاذ بن جبل، معاذ بن جبل متى توفي؟ توفي عام ثمانية عشر، بدري جدًّا. فهذا اللي هو تفقه على معاذ.
وأبو إدريس الخولاني كذلك، أبو إدريس الخولاني هو اللي له القصة المشهورة في موطأ الإمام مالك لما قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا شاب براق الثنايا، إذا أشكل على الناس شيء رجعوا إليه فصدروا عن رأيه، فسألت: من هذا؟ فقالوا: معاذ بن جبل. وأتيت من غد فبكرت، انتظرت حتى قضى صلاته، ثم أتيت إليه استقبلته بوجهي، فقلت له: يا معاذ، إني أحبك في الله. قال: فجذبني معاذ وقال: آلله؟ فقلت: الله. قال: آلله؟ قلت: الله. قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، وللمتزاورين فيّ، وللمتباذلين فيّ. هذا مين؟ هذا أبو إدريس الخولاني اللي سمع هذا من معاذ، وإسناد الحديث صحيح.
أبو إدريس الخولاني من الطبقة الكبيرة هذه التي أدركت معاذ بن جبل وغيره من الصحابة. نكتفي بهؤلاء الخمسة، تمام كذا؟ ممتاز، خمسة واضحين، هل هم فقط؟ لا، باقي، لكن هؤلاء نقول من أهم الناس في الشام من طبقة كبار التابعين.
نأتي بعد ذلك، إحنا الآن خلصنا طبقتين، صح ولا لا؟ ننتقل إلى الطبقة الثالثة. الطبقة الثالثة بدأت الشام فيها تنافس الأمصار الأخرى، الآن ما في منافس، الشام لم تدخل في منافسة الأمصار إلى الآن؛ عبد الرحمن بن غنم الأشعري وعبد الرحمن بن عسيلة وكذا صحيح، ولكن كأنهم كما قلت في طور التأسيس، في طور تعليم الناس، في طور إقرائهم القرآن، وعدد محدود، يعني هم في الأخير عددهم قليل، معهم آخرون بلا شك، مجموعة رووا عن معاذ وعن غيره، لكنهم قلة، ليسوا بالكثرة الكاثرة يعني، ولم يشتهر أحد منهم على أنه، كما يقال، المرجع الأوحد أو الذي له صفة عالم أهل الشام اللي يُفاضَل على بقية.
لكن هذه الطبقة الآن التي نحن مقبلون عليها، طبقة صغار التابعين، لا، وصلنا إلى أنه صار هناك عالم لأهل الشام، أكثر من عالم، لكن فيه عالم تستطيع أن تفضله، ومن ثم صار يقارن ببقية علماء الأمصار، فيقال مثلًا: لأهل الشام فلان، ولأهل مكة فلان، ولأهل كذا فلان. مثل ما مر معنا في مجلس مكة، قتادة ذكر أربعة، من هم؟ سعيد بالمدينة، والحسن بالبصرة، وعطاء بمكة، وإبراهيم النخعي بالكوفة. أنا مستغرب الأربعات هذه، يعني في تركيز على أربعة، أكثر من عبارة كلها يذكرون فيها علماء الأمصار أربعة، طبعًا يختلفون أحيانًا تجد نفس الأسماء هذه الأربعة بعضهم أحيانًا.
من العالم الشامي اللي في هذا الوقت؟ صغار التابعين، نهاية القرن الأول، توفي مئة وثلاثة عشر. ودكم تقولوا الأوزاعي بس الأوزاعي بعدين. لا، سفيان في الكوفة، سفيان صديق الأوزاعي أصلًا في الطبقة اللي بعدها، الثوري مو من التابعين. نتكلم عن صغار التابعين، نتكلم عن طبقة الزهري. الأعمش كوفة. معروف، إذا ذكرته حتعرفوه، لازم يكون مر عليكم، مستحيل ما يكون مر.
شوف، من الأشياء، يعني من اللطائف اللي تذكر في سيرته أنه هو أصلًا أعجمي، كان حتى اللكنة يعني كان يقول أحيانًا: هاجة وليس حاجة، مذكورة كذا، لكنه من أهل العلم الأفاضل الكبار، من أئمة الإسلام، وهذا العجيب أنه هو أعجمي ولكنه بلغ هذه المنزلة. هذه طبعًا ما تذكر على سبيل الطرفة، تذكر على سبيل البيان يعني. كوْنهم أعاجم مو معناه إنه لسانهم فيه، بس هذا بقيت فيه بقية في لسانه؛ لأن الأعاجم يتعلمون اللسان العربي مبكرًا وخلاص تضبط. على أية حال هذه شيء فرعي، لكن من هو؟
ما مر عليكم مكحول؟ مكحول الشامي ما مر عليكم؟ أساسه أصله من سبي كابل. مكحول ومن صغار التابعين، مكحول عالم أهل الشام.
قال الزهري: العلماء أربعة، نفس العبارة حقت قتادة، وطبعًا بالمناسبة الزهري وقتادة كلهم من صغار التابعين، العلماء أربعة: سعيد بالمدينة، هذا يتفق مع كلام قتادة، والشعبي بالكوفة ويُزاد على إبراهيم، والحسن بالبصرة وهذا يتفق مع كلام قتادة، ومكحول بالشام.
قال أبو حاتم الرازي الإمام المشهور: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول. وقال سعيد بن عبد العزيز، سعيد بن عبد العزيز هذا سيأتينا بعد قليل، هذا من علماء الشام الكبار في الطبقة اللي بعدها، قال: لم يكن أحد في زمن مكحول أبصر بالفتيا منه. قال الذهبي: فقيه الشام وشيخ أهل دمشق. هذا مكحول رحمه الله تعالى ورضي عنه، وكان طبعًا من أهل العلم والعبادة والفضل، مشهور جدًّا يعني مكحول، وكان عالم أهل الشام.
جبير بن نفير وأمثاله، الطبقة المتقدمة، ليس فقط في الشام وإنما يروي عن خارج أهل الشام كذلك، مكحول علمه لم يكن من الشام فقط.
طيب، فمكحول يأتي في الطبقة التي بعدها. أيضًا من هذه الطبقة تقريبًا يعني عندنا واحد اسمه خالد بن معدان، خالد بن معدان أيضًا من طبقة صغار التابعين، ولكنه أكبر من مكحول في الطبقة، وأصغر من اللي ذكرناهم في البداية، هو تلميذ جبير بن نفير.
طيب، إذن هذه يكفينا في قضية إنه إحنا إذا تكلمنا عن فقهاء الأمصار نتكلم عن إنه الشام برز فيها في زمن صغار التابعين مكحول، ممثل لأهل الشام، وعالم أهل الشام، ومفتيهم، وفقيههم.
طيب، بعد ذلك ننتقل إلى الطبقة التالية، الطبقة التالية بطبيعة الحال من سيكون فيها؟ طبقة الأوزاعي، طبقة الأوزاعي وطبقة سعيد بن عبد العزيز، هذان هما يعني أهم شخصيتين في طبقة أتباع التابعين في بلاد الشام، اللي هم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز.
نبدأ بسعيد بن عبد العزيز، اسمعوا الكلام اللي فيه، ليس كثيرًا جدًّا؛ سعيد بن عبد العزيز أخذ عن من؟ عن مكحول، وعن الزهري، وعن غيرهما. يروي عن سعيد بن عبد العزيز شعبة وسفيان الثوري وابن المبارك وأمثالهم من الكبار، وإن كان ليس هؤلاء طلابه لكنه ممن روى عنه، شعبة والثوري في طبقة أقرانه طبعًا.
قال أحمد، الإمام أحمد بن حنبل يقول: ليس بالشام رجل أصح حديثًا من سعيد بن عبد العزيز، هو والأوزاعي عندي سواء. ليس مشهورًا أليس كذلك؟ ما يعرفه إلا المحدثون، لكن هو حقيقة كان من أئمة الشام الكبار.
قال أبو حاتم الرازي: كان أبو مسهر، يرجع لأبي مسهر اللي هو ناقد أهل الشام، أبو مسهر تلميذ من؟ تربى على يد من؟ تعلم على يد سعيد بن عبد العزيز هذا، وبالتالي حنفهم كلام أبي حاتم الرازي الذي يقوله الآن، قال: كان أبو مسهر يقدم سعيد بن عبد العزيز، أي على الأوزاعي. قال أبو حاتم: ولا أقدم بالشام بعد الأوزاعي على سعيد أحدًا. أبو حاتم يقول: لا، أنا أول شيء الأوزاعي ثم سعيد بن عبد العزيز.
طيب، نشوف الآن هل هي قيمة يعني إلى هذه الدرجة فقط ولا أكبر؟ عبارة للحاكم مهمة جدًّا، قال الحاكم: هو، اللي هو سعيد بن عبد العزيز، لأهل الشام كمالك لأهل المدينة في التقدم والفضل والفقه والأمانة.
واضح؟ إذن في طبقة حملة العلم وحفظة الشريعة، علماء الأمصار، سعيد بن عبد العزيز مهم جدًّا في الشام، كان بدمشق.
أما الأوزاعي فشأنه أكبر من ذلك بطبيعة الحال، وهو أظن يعني بالنسبة لعامة طلبة العلم غير المتخصصين إذا قيل الشام فالذي يعرفونه أكثر ما يعرفونه من علماء الشام: الأوزاعي، أليس كذلك؟ ولا شك إنه الأوزاعي يصح أن يقال فيه إمام من أئمة المسلمين على مر القرون، تتصفح قرون الإسلام فتتكلم عن أئمة الإسلام، أنت تتكلم عن عبد الله بن المبارك، وعن سفيان الثوري، وعن سعيد بن المسيب، ومنهم الأوزاعي بلا شك.
الأوزاعي إمام وجامع، ومن ناحية جامع: أولًا جامع بين العلم والعمل، وهذه هي الأساس عندهم، ما كان عندهم قضية إنه تكون إمامًا إذا لم تكن جامعًا بين العلم والعمل، وفي العلم نفسه جامع بين الحديث وبين الفقه، وكان محدثًا مشهورًا بالحديث، وكان فقيهًا ومفتيًا، وطبعًا على مستوى العمل كان عاملًا بمختلف الأعمال، ومن كان مجاهدًا كان ينزل للرباط وكذا. هو عمومًا علماء الشام وأهل الشام ومحدثو الشام
هم أكثر الناس ارتباطًا بقضية الجهاد في سبيل الله، إنهم كانوا قريبين من الثغر أصلًا يعني. وكان معروفًا، حتى ترى بالمناسبة، أحاديث فضائل الجهاد التي تروى في السنة النبوية في السنن وغيرها، كثير منها أسانيد شامية، كثير منها في فضل الشهادة أو كذا وإلى آخره، ستجد الكثير منها هي حديث شامي. يكثر في هذه الأحاديث ذكر جبير بن نفير وخالد بن معدان اللي ذكرناهم قبل قليل، دائمًا تجد الشاميين يأتون في أحاديث فضائل الجهاد كثيرًا، التي تكون مثلًا من طريق معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أو غيره.
طيب، إذا هو كان عاملًا عالمًا، العامل في أي مجال؟ في مجال العبادة، في مجال الجهاد في سبيل الله، وفي مجال خلينا نقول السنة وتثبيتها ورد البدع. هذا كان مشهورًا، الأوزاعي دائمًا حتى في كتب العقيدة، لما تنقل -يعني ينقل كلام السلف رضوان الله تعالى عليهم في الاعتقاد- الأوزاعي أحد أبرز الشخصيات التي ينقل كلامها بالتعبير عن عقيدة القرون الأولى والقرون المفضلة، فهو ممن له نصوص واضحة في الأمور العقدية، سواء في الأسماء والصفات أو غيرها. الأوزاعي كان هذا من جهة العمل، من جهة العلم كما قلنا كان جامعًا بين الحديث وبين الفقه، على أن الأوزاعي رضي الله تعالى عنه رحمه لم يكن مثلًا إذا قارنا بمالك في نفس الوقت، ما كان مثلًا في التحري والتثبت في الرواية والنقل مثل مالك، مالك أعلى وأشد تثبتًا.
طيب، نجي للأربعات كمان، خلينا نجي للأربعات بعدين، ناخذ بس الأربعات دحين برضوا، اللي هو الناس أربعة وأعلم الناس أربعة وكذا، ولكن بطبيعة الحال الآن ستكون كل الأسماء مختلفة؛ لأنه طبقة مختلفة. قال: والميزة أنه اللي قالها كمان واحد كبير جدًّا وله قيمة عظيمة جدًّا وأدرك هؤلاء، اللي هو عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد. هذه نقلها ابن أبي حاتم، قال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة. نتكلم عن أي مرحلة؟ مئة وثلاثين، مئة وأربعين، مئة وخمسين، أو خلنا نقول مئة وخمسين، مئة وستين، مية وسبعين، في منتصف تقريبًا القرن الثاني، في منتصف القرن الثاني تقريبًا، ممتاز، اللي هم نقدر نقول هم الورثة للأربعة اللي قبلهم، الطبقة اللي قبلهم مباشرة، طبقة الحسن البصري وطبقة سعيد بن المسيب وطبقة من كان سعيد، يعتبر من طبقة كبار التابعين. من هم الأربعة؟ قال: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة.
الفلاس، معروف الإمام الفلاس، نقاد الحديث ومن العالمين بالعلل، هو من الطبقة اللي بعد طبقة ابن مهدي بشوية، أتذكر اه أيضًا أئمة الأمصار ولكن خلاهم خمسة، تمام؟ أربعة نفس الأربعة هؤلاء عبد الرحمن، نفسهم بالضبط، لكن بالبصرة زاد واحد مع حماد بن زيد اللي هو شعبة بالبصرة، فشعبة وحماد بن زيد، أو حماد بن زيد فشعبة.
طيب، قال ابن مهدي أيضًا مرة أخرى: كان الأوزاعي إمامًا في السنة. الأوزاعي بدأ يستفتى عام مئة وثلاثطعش تقريبًا، اللي هي عام وفاة مكحول، مئة وثلاثطعش وعمره في ذاك الوقت كان عمره خمسة وعشرين عامًا، تمام؟ ثم لم يزل يفتي بقية حياته إلى مئة وسبعة وخمسين، مئة وثلاثطعش إلى مئة وسبعة وخمسين كان يفتي الناس رحمه الله تعالى. الأوزاعي هذه مدة طويلة في الفتوى وفي الإمامة، وكان كما قلت يعني بالنسبة لأهل الشام، يعني مالك في الحجاز، والثوري بالكوفة، وحماد بن زيد وشعبة بالبصرة، والأوزاعي بالشام. لأجل ذلك، ولما كان له من الجمع بين العلم والعمل، وبين الحديث والفقه، وبين العمل بمختلف صوره، وكان معظمًا إمامًا مقدمًا، نظرًا لذلك كله آه استقر مذهبه في بلاد الشام وقاده الناس عليه. ولذلك قال الذهبي: كان له مذهب مستقل مشهور عمل به فقهاء الشام مدة. وفقهاء الأندلس بالمناسبة، مذهب أهل الأندلس قبل المذهب المالكي كان مذهب الأوزاعي، كانوا على مذهب الأوزاعي عام مئتين وعشرة، مئتين وكذا، بداية القرن الثالث تغيروا إلى المذهب المالكي على يد يحيى بن يحيى وأمثاله. قال: وفقهاء الأندلس، ثم فني. وذكر الذهبي أن مذهبه كان ظاهرًا بالأندلس إلى حدود مئتين وعشرين، وفي دمشق استمر مذهب الأوزاعي إلى حدود ثلاثمئة وأربعين، عام ثلاث مئة وأربعين نعم. قال أبو منصور البغدادي، المهتم بقضية الفرق، وماذا قال: وقبل ظهور مذهب الشافعي في دمشق لم يكن يلي القضاء بها والخطابة والإمامة إلا أوزاعي. إيش مذهبك؟ أوزاعي، يلا اتفضل. قال ابن كثير: بقي أهل دمشق وما حولها من البلاد على مذهبه نحوًا من مئتين وعشرين سنة. استمر مذهب الأوزاعي لا العكس، في الشام استمر مئتين وعشرين سنة بعد الأوزاعي إلى قرابة عام ثلاث مئة وأربعين، أما في الأندلس عام مئتين وعشرين، مئتين وعشرة مئتين وعشرين، بالعكس يعني ما استمر إلا ستين سنة تقريبًا أو حولها.
الأوزاعي كان آآ الأوزاعي كان طبعًا رفيقًا للثوري، التقوا مع بعض وكذا. الأوزاعي طبعًا بالمناسبة من أين حصل علمه؟ الأوزاعي لم يحصل علمًا من الشام فقط، مثلًا الأوزاعي من أهم من حصل علمه منه يحيى بن أبي كثير، اللي هو أحد الستة اللي بتدور عليهم أسانيد الحديث كما قال علي بن المديني. يحيى بن أبي كثير من أهم العلماء الذين أخذوا علم الأوزاعي، ومن أهم العلماء الذين أخذ عنهم الأوزاعي، اللي هو مين؟ الزهري، وبطبيعة الحال بقية العلماء الذين في الشام. آه لكن حصل أكثر من موقف بينه وبين الثوري، منها اشتهر أنه هو والثوري دخلوا على الإمام مالك، لما خرجوا قال الإمام مالك واصفًا إياهما، قال: أما أحدهما فأكثر علمًا من صاحبه ولا يصلح للإمامة، وأما الآخر فيصلح للإمامة. بطبيعة الحال مين يقصد؟ الأول مين يقصد؟ الثوري، والثاني الأوزاعي، أكثر علمًا نعم. وهذي الإمامة في نصوص أخرى تبين أنه بعض العلماء قصدهم بها حتى الخلافة، هو الأوزاعي كان يصلح للخلافة أصلًا، أنه شخصية إمام فاهم، شخصية جامع، شخصية ليست أنه هو مجرد يعني معلم. مثلًا اه أبو إسحاق الفزاري، مشهور أبو إسحاق الفزاري تلميذ الأوزاعي، نفس الشيء آآ اعمل مقارنة بين الثوري وبين الأوزاعي تحديدًا، قال: أما الثوري فرجل خاصة، وأما الأوزاعي فرجل عامة، ولو اخترت للمسلمين لاخترت الأوزاعي.
طيب، عمومًا الأوزاعي آآ نستطيع أن نقول إنه هو من الوارثين لعلوم الأوائل في بلاد الشام، من أئمة المسلمين الكبار، وعرف بالشام وعرف علمه بها، وكانت له اختيارات خاصة ومذهب خاص، وهو يعتمد على رواياته كذلك في الأخبار وفي الأحاديث يعتمد عليها فيفتي بها، جيد. وبالتالي تكون يعني فتواه منعكسة من انعكاسات مستوى الرواية التي يروي، يعني بقدر صحتها كذلك، ولذلك حين كان اه تثبته في الرواية والنقل أقل من مالك، بطبيعة الحال تكون فتواه أقل كذلك من مالك رحمه الله تعالى. طيب، في عبارة للإمام أحمد مشهورة في المقارنة.
طيب، عمومًا آآ قال الحاكم: أثبت أسانيد الشاميين الأوزاعي عن حسان بن عطية. نعطيك كمان من علماء الشام هذي من العلماء المهمين طبقة التابعين، قال: الأوزاعي عن حسان بن عطية عن الصحابة أثبت أسانيد الشاميين، حسان بن عطية عن الصحابة.
طيب، كذا الصورة متضحة جيدة واضحة، الصحابة، بعدين قلنا طبقة عبد الرحمن بن غنم والسنابحي، جبير بن نفير وكثير بن مرة، من الخامس؟ أبو إدريس الخولاني. بعدين تجينا طبقة مكحول وخالد بن معدان وأمثالهما، ربما يكون في هذه الطبقة حسان بن عطية كذلك، ثم من؟ سعيد بن عبد العزيز والأوزاعي. حتى هذه الطبقة فيها علماء كثير ومحدثون كثر، لكن يعني هؤلاء واضح من العبارات ومن النصوص أنهم... اللي هو لم يكن بعد فلان إلا فلان، وكان لفلان لأهل الشام مثل كذا، فهو الأوزاعي رقم واحد، ثم سعيد بن عبد العزيز، هم هذول أدركوا الأموي والعباسية، أما اللي قبلهم مكحول لا، ما أدركوا إلا الأموية، بينما الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أدركا الأموية والعباسية ولهم مواقف، يعني آآ بعضهم لهم مواقف.
طيب، ننتقل الآن إلى بعض من ذكرهم الذهبي، قال: ثم إلى... طبعًا تعرفوا في دمشق ما ذكر أسماء، قال: ثم إلى أيام أبي مسهر مروان بن محمد الطاطري وهشام ودحيم وسليمان ابن بنت... يعني مروان بن محمد الطاطري وهشام وكذا، هؤلاء ليسوا في طبقة، واستمر العلم بها. هم كان لهم دور في الرواية، لكنهم ليسوا من الطبقة التي توصف مثل من قبلهم، لكن ممكن نقف مع أبي مسهر بحكم أنه هو أحد النقاد الكبار في الشام. آآ قال عنه الذهبي: قرأ القرآن على سعيد بن عبد العزيز أن ينقص ولازمه وسمع منه، مات في الحبس بسبب فتنة خلق القرآن. قال ابن معين: إذا حدثت ببلد فيها مثل أبي مسهر فينبغي للحيتي أن تحلق، يعني هو أجل من أن أحدث في بلد هو فيها. وقال أيضًا ابن معين: كل من ثبت أبو مسهر من الشاميين فهو ثبت، هذه شهادة من ابن معين نقد. قال أبو حاتم الرازي: ما رأيت أحدًا أعظم قدرًا من أبي مسهر. طبعًا الآن متى نتكلم كمان؟ نهاية القرن الثاني: كنت أراه إذا خرج إلى المسجد اصطف الناس يسلمون عليه ويقبلون يده.
طيب، اه مم دحيم نفس الشيء، عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، آآ قال عنه الخطيب البغدادي: كان ينتحل في الفقه مذهب الأوزاعي. قال أبو داود: لم يكن في دمشق في زمنه مثله. قال الخليلي: كان أحد حفاظ الأئمة، توفي مئتين وخمس وأربعين.
أريد أن أعلق سريعًا على كلام الذهبي لما قال عن دمشق وتناقص العلم بها في المئة الرابعة والخامسة وكثر بعد ذلك. لاحظ كان يعني من الصحابة بدأ في صعود صعود صعود، يعني خلينا نقول إلى إلى الثلاثمية، بعدين في المئة الرابعة... ثلاث مئة مو عام ثلاث مئة، يعني إلى القرن الثالث خلينا نقول، ثم في المئة الرابعة والخامسة نزل، ثم كثر بعد ذلك. النزول هذا إيش هو؟ الفاطمية والقرامطة. سأقرأ عليكم نصًّا مؤلمًا محزنًا من البداية والنهاية لابن كثير يتكلم عن دمشق، يقول: واستقرت يد الفاطميين على دمشق سنة ستين -اللي هي ثلاثمية وستين- وأذن بحي على خير العمل أكثر من مئة سنة. أذان الشيعة في دمشق أكثر من مائة سنة بدأ حي على الفلاح، حي على خير العمل. وكُتبت لعنة الشيخين رضي الله عنهما -أبو بكر وعمر- وكُتبت لعنة الشيخين على أبواب الجامع وأبواب المساجد بدمشق، ولم يزل ذلك كذلك حتى أزالت ذلك دولة الأتراك. اللي هي يعني يمكن مئة سنة تقريبًا، وبعدين ذكرها لما جاء السلاجقة قال إنه أزيلت لعن الشيخين من مسجد دمشق. تخيلوا معلق على مسجد دمشق، ها؟ لعن أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما لمدة مئة سنة تقريبًا، يعني مهما كان الوضع الآن سيئًا لم يصل إلى هذا الحد من ناحية يعني هيمنة الرافضة والباطنية، النصيرية وغيرهم لم تصل إلى هذا الحد، على أنه يعني في الزمن هذا فيه المجازر الفظيعة والشنيعة، لكن من هذه الجهة ما وصل إلى الآن، نسأل الله سبحانه وتعالى أنه ما يصل.
آآ وفي تلازم: ظهور السنة وانتشار العلم والإيمان والدين وتداول القرآن والسنة وعلوم وما بين -بطبيعة الحال- هيمنة أهل البدع وخمود الإسلام ونشر... لذلك سبحان الله كثير من البدع في الأمة الإسلامية التي بقيت إلى الآن والتي يتمسك بها أناس ينتسبون إلى السنة، ها؟ ولما تجي تكلمهم يحسبك إنك انت معادي للرسول صلى الله عليه وسلم، معادي للسنة، في كثير من هذه البدع نشأت في ظل الفاطميين وفي ظل الروافض، حقيقة نشأت في ظلهم ثم بقيت في الأمصار، الغلو في القبور وكذا وإلى آخره إن كلها نشأت في ظلهم. بالمناسبة في ذاك الوقت في هذه الأوقات -يعني نتكلم عنها من ابن كثير- نشأ موضوع عاشوراء وما عاشوراء، وأنه ما كان موجودًا حتى عند الشيعة قبل، ما كان موجودًا، نشأ اللطم هذا في الشوارع بعد ما هيمنوا على بلاد المسلمين، فاضيين خلاص خلصوا سيطروا، وين؟ انشر بدع، كل شوي يطلع لك بدع. تذكر ابن كثير، نسيت السنة اللي أرخها لكنها بهذه الحدود، ثلاث مئة وستين من هاي الحدود، إنه خرجت النساء حاسرات وما أدري كذا يلطمن ويندبن قتل الحسين وكذا وإلى آخره، وبدأت تنتشر البدع مثل هذه بهيمنة أمثال هؤلاء. ولذلك الآن كونهم أيضًا يعني على هيمنة لعدد من بلاد المسلمين وعواصم المسلمين لا تستغرب أن يزداد الحال سوءًا من جهة تدين الناس، وهذا ما يسمع الآن يعني، انتشار طبعًا الفجور والفسق والبدع والخرافات، أناس لا لا يعنيهم لا يعنيهم النور الذي تركه النبي صلى الله عليه وسلم، ميراث النبوة ما يعنيهم، ويعنيهم يعني أقوال معينة، أشخاص معينين وخلاص، تحشيد، تحزيم، لطم، بكاء، آآ بدع، خرافات، أستاذ هذا، هذه هي.
فشوف كيف لما يتكلم عن مصر كدمشق ها، يتكلم عن العلم: ولم يزل العلم بها في تكاثر وفي كذا إلى أيام إلى أيام... قال: وتناقص العلم بها في المئة الرابعة والخامسة وكثر بعد ذلك. رجع مرة ثانية، ولا سيما في دولة نور الدين وأيام محدثها ابن عساكر والمقادسة النازلين بسفحها. طبعًا هؤلاء كلهم إن شاء الله نتكلم عنهم، زي ما ذكرت في الدروس الماضية إنه بعد ما ننتهي من هذه السلسلة إن شاء الله راح ناخذ السلسلة الزمنية هذه، راح ناخذ من زمن ثلاث مئة، من بعد الثلاث مئة إلى ستمائة سبعمائة إن شاء الله، وهذا الكلام يؤجل إن شاء الله إلى ذلك الوقت. قال: ثم تكاثر بعد ذلك بابن تيمية والمزي وأصحابهما. مين أصحابهما؟ واحد منهم الذهبي نفسه، ولله الحمد، يقول ولله الحمد، نعم.
نعم، هو ذكر كذلك أسماء مهمة في حمص: حريز بن عثمان، وشعيب بن أبي حمزة، شعيب اللي هو تلميذ من؟ شعيب عن الزهري، تلميذ الزهري وتلميذ أبي الزناد، إبراهيم بن عياش، وبقية، وأبو المغيرة، وابن يمان. هؤلاء يعني مثلًا من ناحية الوفيات آآ مية وسبعة وتسعين، وبعد ذلك مئتين واثنعش، وقبل ذلك طبعًا، يعني هؤلاء من منتصف القرن الثاني إلى منتصف القرن الثالث. قال عن حمص: ثم تناقص ذلك في المئة الرابعة وتلاشى، ثم عُدم أو عُدم بالكلية.
طيب، نكتفي بهذا القدر، وإن شاء الله اللقاء القادم سيكون عن ماذا؟ كيف؟ هو المفروض العراق، بس الذهبي مقدم مصر والإسكندرية، عارف ليش؟ لا لا، لكن عمومًا مصر والإسكندرية اللقاء القادم، هي طبعًا من ناحية المقارنة بالأمصار ليست مثل أمصار في نفس الدرجة من الناحية العلمية إلا في الأزمنة المتأخرة، لكن كان فيها طبعًا، كان فيها مع زمن الشافعي رضي الله تعالى عنه، قبل الشافعي طبعًا أحسنت، من زمن الليث بن سعد وحتى قبل الليث شوية، هي عمومًا مصر هي مصر أقرب شيء للشام من ناحية مستوى العلم اللي فيها، أقرب شيء للشام. آآ بعد ذلك نفس اللي قالوا في الشام قالوا: ما زال بها علم جم إلى أن ضعف ذلك باستيلاء العبيديين الرافضة عليها سنة ثمان وثلاثمئة وبنوا القاهرة، وشاعت التشيع بها وقل الحديث والسنة إلى أن وليها أمراء السنة النبوية بعد مئتي سنة، وأنقذها الله من أيديهم على يد الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فتراجع العلم إليها. سبحان الله! والإسكندرية تبع لمصر، ما زال بها الحديث قليلًا حتى سكنها... في الحلقة القادمة إن شاء الله. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد