يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد تعلم اللغة الفصيحة وراها بطريق أسلوب وحسن بيان. بشرى لنا زادنا كاذبين بالععلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. مرحبا بكم أيها الأخوة والأخوات إلى هذا الدرس العشرين من دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد في الفصل الثالث، نسأل الله عز وجل أن ينفع بما نقول.
درسنا في هذا اليوم سيكون استكمالا للدرس السابق الذي تحدثنا فيه عن التمييز، وذكرنا بأن التمييز فائدته ومهمته وثمرته أنه يفسر المبهمات. وذكرنا بان التمييز على قسمين؛ القسم الأول هو تمييز المفرد. وهذا يأتي بعد المقادير، وبعد العدد، وبعدما دل على مماثلة أو مغايرة، وبعد كم الاستفهاميا والخبرية. هذه الألفاظ والمفردات المبهمة التي تأتي مبهمة تشكل على السامع، يأتي التمييز ليفسر هذه المبهمات؛ هي ألفاظ ومفردات مبهمة فتفسر بالتمييز، ولذلك سمي هذا النوع من التمييز تمييز المفرد؛ تمييز المفرد يعني مفرد مبهم فيأتي التمييز يفسره.
النوع الثاني الذي سنتحدث عنه اليوم وهو تمييز النسبة. ما المقصود بتمييز النسبة؟ المقصود هنا أن الابهام ليس في كلمة، ليس في مفرد، ليس في لفظ، وإنما الابهام يكون في نسبة شيء إلى آخر، إبهام في الجملة. يعني حينما اقول مثلا بالمثال يتضح: حينما أقول: حسن أحمد. هنا قد يقول لي السامع: حسنه في أي شيء حسن أحمد؟ يعني الحسن بالنسبة لأحمد في أي شيء؟ في أي شيء، هل هو في لونه، في هيئته، في ملبسه، في خلقه؟ غير مفسر، هكذا في إبهام في نسبة الحسن إلى أحمد. لكن حينما أقول: حسن أحمد خلقا. هنا فسرت المبهم الذي سبق في الجملة، فسرته خلقا. وجاء خلقا هنا تمييز، لكن هذا النوع من التمييز يسمى تمييز النسبة، لأنه حسن غير مبهم وأحمد غير مبهم، لكن نسبة الحسن إلى أحمد مبهمة؛ في أي شيء؟ في أي شيء؟ فقال لك المتكلم: حسن أحمد خلقا. هنا هذا يسمونه أيضا محول، كأن أصل الكلام: حسن خلق أحمد. طيب، حسنا هذا فعل ماض، وخلق هذا فاعل مرفوع، وأحمد مضاف إليه، لأنه خلقه مضاف وأحمد مضاف إليه، هذا كأنه أصل الكلام. طيب، حولناه إلى أسلوب تمييز فقلنا: حسن أحمد خلقا. فحول من كونه فاعلا إلى أن أصبح تمييزا، وصار الفاعل أحمد حسن أحمد خلقا.
نأخذ مثالا آخر: قال الله عز وجل: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]. الان عندنا الجملة: واشتعل الرأس. اشتعل الرأس؛ فعل وفاعل. اشتعل غير مبهم، والرأس غير مبهم، لكن ما هو المبهم؟ المبهم هو علاقة الاشتعال بالرأس في أي شيء؟ في أي شيء؟ في الشيب. واشتعل الرأس شيبا. كأن الكلام في أصله: واشتعل شيب الرأس. طيب، حينما قلنا: اشتعل شيب الرأس. شيب هنا ما إعرابها؟ إعرابها فاعل مرفوع. لما جاءت الآية: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، كأننا حولنا هذا الفاعل ليصبح تمييزا.
وأيضا منه قول الله عز وجل من ذلك –يعني من تمييز النسبة-: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: 12]. فجرنا هذه الكلمة في الأصل ليست مبهمة، والأرض ليست مبهمة. طيب، هذه النسبة، العلاقة علاقة التفجير بالأرض: فجرنا الأرض في أي شيء؟ العيون؛ بالعيون. عيونا هنا تمييز لنسبة التفجير إلى الأرض، وهو تمييز النسبة. حينما أسندنا، جينا بهذه الجملة فيها إسناد؛ فالمسند إليه الأرض وأسندنا إليه التفجير. هذا الإسناد فيه إبهام: تفجير الأرض من أي شيء، بأي شيء؟ ها، من أي شيء؟ فقال: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾. وهذا تمييز يسمى تمييز نسبة، وهو في الأصل كأنه محول. كأنني قلت وفجرنا –يعني في غير القرآن-: وفجرنا عيون الأرض. ثم تحول هذا المفعول به، وفجرنا عيون الأرض، حولنا هذا المفعول به ليكون تمييزا وصار تمييزا: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾.
إذاً، تمييز النسبة يختلف عن تمييز المفرد، وذلك أن تمييز المفرد يكون تفسيرا لمفرد مبهم، أما تمييز النسبة فإنه تمييز الابهام الآتي في الجملة؛ الجملة فيها إبهام، ليس إبهام في مفرد بعينه، وإنما في الجملة؛ الجملة فيها إبهام تحتاج إلى تفسير، فهذا يسمى تمييز النسبة. فاصل أيها الإخوة ثم نواصل الحديث.
هل تظن أن أهل العلم يتعمدون مخالفة السنة؟ كلا، بل لهم في ذلك أعذار؛ كاعتقاد ضعف الحديث أو نسخه. لكن كيف يتعامل العامي مع اختلاف العلماء؟ الراجح أنه يأخذ بفتوى أوثق المفتيين في نفسه لديهما، لأن قول المفتي للعامي كالدليل للمجتهد. ويعرف العامي الأعلم بأخبار الثقة، وبالمشاهدة –كان يرى أحدهم يذعن له العلماء-، وبالقرائن –كان يدعم ما أحدهما دون الآخر فتواه بالدليل، وتوافق أكثر العلماء على أحد القولين، وتصريح كثير من العلماء بتخطئة فئة أحدهما في هذه الفتوى-، ومنها تخصص أحدهما في موضوع السؤال –كأن يشتهر بعلم الفرائض والسؤال في توزيع تركة وهكذا-.
إذا تساوى عند المستفتي المفتيان من كل وجه أخذ بالأيمن، لأن هذا موافق ليسر الإسلام، ولأن الأصل براءة الذمة. ولا يجوز للسائل أن ينتقي من الأقوال بهواه، ولا أن يتتبع رخص العلماء. قال سليمان التيمي: لو اخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. وإذا عمل السائل بالفتوى ثم ترجح بعد ذلك غيرها فلا تنقض الفتوى الأولى، لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله. فاتبع العلماء الربانيين، واحذر الجهلاء وأصحاب الهوى. قال تعالى: ﴿شَرِيعَةً مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الإخوة، إذاً تمييز النسبة هذا النوع من التمييز هو تمييز ليس لمفرد، وإنما هو تمييز النسبة، تمييز للجملة. من ذلك أيضاً قول الله عز وجل: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ [الكهف: 34]. طيب، لاحظ معي، لو وقفنا على: أنا أكثر منك. أكثر مني في أي شيء؟ هنا في إبهام. طبعا إذا أرادنا أن نتحدث عن المفردات ليس فيها إبهام؛ أنا هذا الضمير المتكلم، وأكثر هذا أفعل تفضيل. طيب إذن ما في إبهام في المفرد، إنما الإبهام في نسبة الكثرة إلى المتكلم في هذه الجملة. طيب، إذا ما هو الذي يفسر هذا الإبهام؟ الذي يفسره هو قولنا: مالا؛ أنا أكثر منك مالا. فمالا هذا تمييز.
إذاً، تمييز النسبة يختلف عن تمييز المفرد، وذلك أن تمييز المفرد يفسر المبهم من المفردات؛ مفرد مبهم، صاع هذا مبهم، رطل مبهم، خمسة عشر مبهم، مفردات تمييز المفرد. أما تمييز النسبة فالمفردات ليس فيها إبهام، وإنما الجملة بهذا التركيب وبهذه العلاقات فيها إبهام فتحتاج إلى ماذا؟ تحتاج إلى تمييز، فيأتي تمييز النسبة.
تمييز النسبة يكون في الغالب محولا؛ يكون محولا -يعني فاعل نحوله ليكون تمييزا، مفعول نحوله ليكون تمييزا، مبتدأ نحوله ليكون تمييزا-. فالتمييز المحول؛ تمييز النسبة المحول يكون محولا عن فاعل، وهذا مثل المثال الذي ذكرناه وقلنا: حسن أحمد خلقا. ونحن إذا أعدنا التركيب وقلنا: حسن خلق أحمد، حسن خلق أحمد، فخلق فاعل، حولناه وحولنا هذا الفاعل ليكون تمييزا فقلنا: حسن أحمد خلقا. فهذا تمييز نسبة وهو محول عن ماذا؟ محول عن فاعل. يعني التمييز هذا الآن حسن أحمد خلقا، التمييز هذا هو في الأصل فاعل، هو في الأصل فاعل، ثم حول ليكون تمييزا، فهذا تمييز محول عن الفاعل.
ومنه قول الله عز وجل: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: 4]. طيب، لو سألتكم أيها الإخوة والأخوات: أين التمييز في هذه الآية؟ وما نوع التمييز؟ ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾، بالتأكيد ستقولون: أن التمييز نفسا. طيب هل هذا التمييز، ما نوع هذا التمييز؟ تمييز مفرد أم تمييز نسبة؟ أسألكم: تمييز مفرد أم تمييز نسبة؟ أين المفرد المبهم إذا كان تمييز مفرد؟ لا، ليس تمييز مفرد، وإنما هو تمييز نسبة. ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾.
طيب إذا كان تمييز نسبة فهل هو محول؟ الجواب: نعم. طيب محول عن ماذا؟ لو أردنا إعادة التركيب أو ترتيب الآية ماذا سنقول قبل التحويل؟ فان طابت نفسكم، طابت نفسكم. فإذا النفس هنا فاعل. فلما نقرأ الآية نقول: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾، إذاً نفسا هنا تمييز نسبة محول عن الفاعل. إذاً النوع الأول من تمييز النسبة: المحول عن الفاعل، فاعلا فيتحول ليكون تمييزا.
النوع الثاني: تمييز النسبة المحول عن المفعول به. وهذا ذكرنا مثاله قول الله عز وجل: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: 12]. قبل التحويل: وفجرنا عيون الأرض. فعيون مفعول به. لما حولناه حولنا هذا المفعول ليكون تمييزا؛ قال الله عز وجل: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾. لو سألنا: التمييز ما هو؟ ستقولون: عيونا. وما نوعه؟ تمييز نسبة محول. نعم، محول عن ماذا؟ محول عن المفعول به، فكان مفعولا به ثم تحول ليصير تمييزا.
النوع الثالث من المحول: محول عن المبتدأ. حينما أقول: مالي أكثر من مالك. ما لي، ما إعرابها؟ اسم في أول الكلام، كيف يعرب؟ مبتدأ. مالي أكثر من مالك، لكن لا تظهر عليه العلامة لأنه اتصلت به ياء المتكلم، مالي فهو مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة. مالي أكثر من مالك، حينما نقرأ قول الله عز وجل: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ [الكهف: 34]، هنا مالي التي كانت مبتدأ تحولت لتكون تمييزا، فهذا تمييز محول عن المبتدأ، وهذا يكون بعد أفعل التفضيل، يكون بعد ماذا؟ بعد أفعل التفضيل.
أخوك أحسن منك خلقا. خلق أخيك أحسن من خلقك. خلقك مبتدأ وخبر. لما حولناه ليكون تمييزا قلنا: أخوك أحسن منك خلقا. فأفعل التفضيل يأتي بعدها التمييز، يأتي بعده ويكون هذا التمييز تمييز نسبة، لأن لما أقول: أخوك أحسن، ما في عندنا مبهم، ليس عندنا مبهم في المفردات، وإنما الإبهام في النسبة؛ الإبهام في النسبة في هذه الجملة بتركيبها هناك إبهام. أخوك أحسن منك في ماذا؟ الخلق؛ أخوك أحسن منك خلقا. وكأنه قبل التحويل: خلق أخيك أحسن من خلقك، فحولنا هذا المبتدأ فصار أخوك أحسن منك خلقا.
كذلك أيضا كل أفعل التفضيل يأتي بعده التمييز، يأتي بعده تمييز إلا في حالات، لكن الغالب يكون أفعل التفضيل يأتي بعده تمييز وهذا التمييز يسمى تمييز نسبة، وهو تمييز محول عن المبتدأ. الله أسرع مكرا، أسرع هنا أفعل التفضيل ومكرا تمييز منصوب. أي مكر الله أسرع من مكرهم، هذا المبتدأ تحول ليصبح تمييزا، فهذا النوع يسمى تمييز النسبة محول عن المبتدأ.
أيها الإخوة ثم نواصل الحديث. نزل الوحي الإلهي باللسان العربي المبين، قال تعالى: فتعلم العربية يسهل فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف. وكتب عمر إلى أبي موسى: أما بعد فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية. وعلم النحو هو علم بأصول يعرف منها أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء. والكلمة ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف. والاسم منه مذكر كمحمد، ومؤنث كعائشة، ومنه مفرد كمسلم، ومثنى كمسلمين، وجمع؛ وهو مذكر سالم كمسلمين، ومؤنث سالم كمسلمات، وجمع تكسير كعلماء. والاسم منه نكرة كرجل، ومعرفة وهو أنواع: الضمير كأنا وهم، وعلم كأحمد، واسم إشارة كأولاء، والاسم الموصول كالذي، والمعرف بال كالرجل، وبالإضافة كطالب العلم. والإعراب هو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظا أو تقديرا، وعكسه البناء. وأقسام الإعراب أربعة: الرفع وعلامته الأصلية الضمة، والنصب وعلامته الأصلية الفتحة، والجر وعلامته الأصلية الكسرة ويختص بالأسماء، والجزم وعلامته الأصلية السكون ويختص بالأفعال. والفعل ثلاثة أقسام: ماض كذهب، ومضارع كيذهب، وأمر كاذب. والماضي والأمر مبنيان، والمضارع يعرب ويبنى. والجملة أما اسمية وهي مبتدأ وخبر، واما فعلية وهي فعل وفاعل. فتعلم النحو واللغة لتفهم نصوص الوحي، فانه نزل إلينا بلسان عربي مبين.
بسم الله الرحمن الرحيم. تحدثنا أيها الإخوة عن تمييز النسبة، قلنا إنه محول عن فاعل أو محول عن مفعول أو محول عن مبتدأ. فهذا يسمى تمييز نسبة محول؛ محولا عن فاعل: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ (يعني حسن أحمد خلقه، حسن أحمد خلقه، فهذا محول عن فاعل)، و﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ محول عن مفعول به، و(قل) الله أسرع مكرا –(قل) الله أسرع مكرا- هنا محول عن مبتدأ ووقع بعد أفعل التفضيل فهو محول عن مبتدأ، ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ فمالا تمييز نوعه تمييز نسبة محول عن المبتدأ، محول عن المبتدأ.
ذكر عندكم في الكتاب أيها الأخوة والأخوات ما يكثر بعده استعمال تمييز النسبة، من ذلك كلمة كذا، يعني قرأت كذا كتابا، كذا كتابا، قرأت كذا كتابا. فهذا يأتي بعدها تمييز النسبة، واسم التفضيل كما ذكرنا سابقا.
ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: 50]، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾. فحكما هنا تمييز، تمييز وقع بعد اسم التفضيل. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حِدِيثًا﴾ [النساء: 87]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حِدِيثًا﴾. فحديثا هنا تمييز أيضا.
يعني لا أحد أصدق من حديث الله، يعني حديث الله أصدق حديث، حديث الله أصدق حديث. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حِدِيثًا﴾، فحديثا هنا أيضا تمييز نسبة وقع بعد أفعال التفضيل وهو محول عن المبتدأ، محول عن المبتدأ. كذلك بعد التعجب، ما أعظم المسلمين دينا، ما أعظمهم دينا، ما أعظم المسلمين، تعجب من عظمة المسلمين دينا، يعني دينهم أعظم دين، ما أعظم المسلمين دينا. فهذا تمييز نسبة جاء بعد فعل التعجب.
كذلك أيضا أأسلوب المدح والذم بنعمة، نعمة الرجل رجلا مباركا، وهكذا فيكون بعد نعمة، كذلك بعد بئس، بئس الكذب خلقا، بئس الكذب خلقا، فهذا أيضا يعني تمييز نسبة.
كأنما هو محول بئس خلق الكذب، فقيل بئس الكذب خلقا. وهكذا يأتي تمييز النسبة بعد الجمل التي يكون في العلاقة بين أركانها إبهاما، إذا كانت هناك، إذا كان هناك إبهام في نسبة شيء إلى آخر.
وهذا يحتاج إلى تمييز، فيأتي بعده التمييز، يعني يفسر هذا المبهم ليفسر هذا المبهم. نقف مع بعض الآيات وبعض الأمثلة التي اشتملت على تمييز لنعربها، من ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [الروم: 9]. كيف نعربها؟ كان هنا كانوا فعل ماض ناقص، فعل ماض ناقص مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة. طيب، ما إعراب واو الجماعة مراجعة لدرس أيها الأخوة؟ ما يعرب الواو في كانوا؟ كانوا بعض الطلاب ربما يخطئ في هذا، فيقول هذا ضمير في محل رفع فاعل. انتبه! كان هنا ناقصة، إذن نحتاج إلى اسم وخبر، ترفع المبتدأ وتنصب الخبر. إذن الضمير هنا ضمير متصل مبني في محل رفع اسم كان. طيب، أين خبر كان؟ أين خبر كان؟ وكانوا أشد منهم قوة، أين خبر كان؟ خبر كان هو أشد، وكانوا أشد، فأسد خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. كانوا أشد منهم، جار ومجرور جار ومجرور متعلقان بأشد. طيب، قوة، أشد منهم في أي شيء؟ قوة. طيب، إذن قوة تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
طيب، لو أرادنا أن نقول ونسأل سؤالا ونقول: ما نوع هذا التمييز؟ أهو من نوع تمييز المفرد أم من نوع تمييز النسبة؟ اسمعوني جوابكم، ستقولون إنه من نوع تمييز النسبة، لأن المفرد ليس فيه إبهام، وإنما هو تمييز النسبة، تمييز النسبة.
مثال آخر: لله دره فارسا. اللام مع لفظ الجلالة لله مع لفظ الجلالة جار ومجرور في موقع الخبر المقدم، الخبر المقدم، ودر مبتدأ مؤخر، مبتدأ مؤخر وهو مضاف والهاء مضاف إليه. إذن عندنا مبتدأ وخبر، مبتدأ وخبر وهذا أسلوب يعني تعجب مبتدأ وخبر. حينما قال فارسا، جاء فارسا تمييز.
هل يعني التعجب هنا من كرمه أم من فروسيته؟ الجواب: لما قال فارسا هنا ميز، هنا ميز الإبهام فقال لله دره فارسا، فارسا، ففارسا تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
نختم الأمثلة المعربة أو الآيات بقول الله عز وجل: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾ [يونس: 21]. قل هنا فعل أمر مبني على السكون، مبني على السكون وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت.
طيب، جملة الله أسرع مكرا، هذه الجملة الله أسرع مكرا الجملة كاملة، سنأتي للتفصيل لتفصيلها، لكن قبل التفصيل نبدأ بالإجمال. جملة الله أسرع مكرا التي جاءت بعد قل، قل الله أسرع مكرا، هذه الجملة في محل نصب مقول القول، في محل نصب مقول القول. طيب، لفظ الجلالة الله، لفظ الجلالة مرفوع مبتدأ مرفوع، مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. طيب، أسرع، أسرع خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة. طيب، مكرا، مكرا تمييز، تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ما نوع هذا التمييز؟ أهو تمييز مفرد أم تمييز نسبة؟ الجواب: تمييز نسبة، تمييز نسبة وليس تمييز مفرد. طيب، محول؟ الجواب: نعم محول، محول عن أي شيء؟ محول عن المبتدأ، مكر الله أسرع، مكر الله أسرع، إذا حول من مبتدأ ليكون تمييزا. فهذا تمييز محول عن المبتدأ، وهو من النوع الثاني من أنواع التمييز وهو تمييز النسبة.
إذن خلاصة الكلام أيها الأخوة نقول: إن التمييز هو اسم نكرة جامد يفسر المبهمات من المفردات النسبة، من المفردات والجمل يفسرها. ويأتي على قسمين: تمييز مفرد، ويأتي بعد المقادير والعدد وما دل على مماثلة أو مغايرة أو كم الاستفهامية أو الخبرية. والنوع الثاني: تمييز نسبة، ويكون محولا عن فاعل أو عن مفعول أو عن مبتدأ.
وبهذا نكون قد أهنينا الحديث عن التمييز وأنواعه. أسأل الله عز وجل أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وإلى أن نلتقي إن شاء الله في حلقة قادمة استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا راغب في كل علم نافع متطلع لزيادة الإيمان وتريد سهلا يأتيك ميسورا بأي مكان، الفصيحة ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان، تحية للعلم كالأزهار في البستان.
د. عبدالله مسملي