بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أرحب بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس، الدرس الرابع من دروس النحو في الفصل الثالث من أكاديمية زاد، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بكم.
درسنا في هذا اليوم سيكون عن نائب الفاعل، أو النائب عن الفاعل. الأصل في الجملة الفعلية أن يذكر فيها الفاعل، أن يأتي الفعل ويذكر بعده الفاعل لهذا الفعل، وهذا ما تحدثنا عنه في دروس سابقة. لكنه قد يحذف هذا الفاعل، قد يحذف لعدم العلم به مثلاً، لأنه مجهول عند المتكلم، أو يحذف لأنه ليس مقصوداً وروداً في الكلام، أو يحذف لغرض لفظي أو معنوي، فيحذف هذا الفاعل ولا يراد في الكلام ولا يسمى، وينوب عنه المفعول به، فيحل المفعول به محل هذا الفاعل.
نضرب أمثلة، نقول مثلاً حينما أقول: أكرم الرجل الضيف. فحينما أحذف الفاعل، وهو الرجل هذا، أقول: أكرم الضيف. هذا الضيف الذي كان مفعولاً به حينما قلت: أكرم الرجل الضيف، كان مفعولاً به، لما حذف الفاعل أقيم هذا المفعول به مقام الفاعل، فأصبح نائباً عن الفاعل، فنقول: أكرم الضيف. فالضيف الذي كان في الجملة الأولى مفعولاً به، أصبح في هذه الجملة نائباً عن الفاعل، وياخذ أحكامه. فبعد أن كان منصوباً حينما قلنا: أكرم الرجل الضيف، أصبح هنا مرفوعاً لأنه ناب عن الفاعل فأخذ حكمه، فقيل: أكرم الضيف.
إذاً، إذا أراد المتكلم أن يحذف الفاعل ولا يقصده في الكلام، فانه يأتي بالمفعول به لينوب عن هذا الفاعل. لماذا يحذف المتكلم الفاعل؟ قد يحذفه لعدم العلم به لأنه مجهول لديه، مثل أن نقول: سرق المتاع، لأنه لا يعرف من السارق، لا يعرف من السارق، فلذلك يقول: سرق المتاع. المتاع هنا هو المسروق، في الأصل هو المفعول به، لكنه لما حذف الفاعل لعدم العلم به، أقيم المفعول به مقامه، فقيل: سرق المتاع.
وقد يكون الغرض من حذف الفاعل هو غرض لفظي، غرض لفظي يريد أن يكون كلامه مسجوعاً متناسقاً، مثل أن يققال مثلاً: من طابت سريرته حمدت سيرته. من طابت سريرته حمدت سيرته، يعني أن من كان مخلصاً، من كانت سريرته طيبة، من كان حسن السريرة، فإن الناس يحمدونه. الآن نقول: حمدت سيرته، معنى الكلام: من طابت سريرته حمد الناس سيرته، لكن لما أريد تزيين الكلام حذف الفاعل، وجعل المفعول به نائباً عن الفاعل، فقيل: حمدت سيرته. من طابت سريرته حمدت سيرته، فهنا الغرض من حذف الفاعل هو غرض لفظي من أجل أن يكون هناك سجع في الكلام، ويصبح الكلام مزيناً.
وقد يكون الغرض معنوياً، قد يكون الغرض معنوياً، بمعنى أنه معلوم هذا الفاعل وليس مجهولاً، وإنما حذف لغرض معنوي، منها أن المتكلم يريد أن يتنبه المخاطب إلى هذا المفعول، ولا يريده أن ينتبه إلى الفاعل، لا يريد أن ينتبه السامع إلى هذا الفاعل؛ لأنه لو ذكر الفاعل ربما ينشغل ذهن السامع بهذا الفاعل، فينصرف عن المفعول به، فهو لغرض أنه لا يريد ذكره مع أنه معلوم، لكنه لغرض معنوي.
إذاً، النائب عن الفاعل هو في الأصل المفعول به، ينوب عن الفاعل لغرض، إما لعدم العلم به، أو لغرض لفظي، أو معنوي. فإذا أرادنا حذف الفاعل وإنابة المفعول به وإقامته مقام الفاعل، فإننا نغير الفعل. لما قلنا: أكرم الرجل الضيف، وأردنا حذف الفاعل الرجل وإقامة المفعول به وإنابته مناب الفاعل، فإننا قلنا: أكرم الضيف، غيرنا الفعل. إذاً، إذا أرادنا أن نحذف الفاعل ونقيم المفعول به مقام الفاعل وينوب عنه، نغير الفعل، لابد أن نغير الفعل ولا يبقى الفعل على حاله. كيف نغيره؟ سيكون بضم أوله وكسر ما قبل آخره، إن كان ماضياً صحيحاً غير معتل، فغيره لذلك. المهم أننا إذا أرادنا حذف الفاعل وإقامة المفعول به مقامه لغرض لفظي أو معنوي، فإننا نغير الفعل، وسيأتي الحديث عن تغيير الفعل بعد الفاصل إن شاء الله، إلى أن نلتقي بعد الفاصل استودعكم الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، نستانف الكلام أيها الإخوة والأخوات عن نائب الفاعل. ذكرنا قبل الفاصل أنه إذا قصد إلى حذف الفاعل وإنابة المفعول به مناب الفاعل، فإننا نغير هذا الفعل. إذاً، ما هو نائب الفاعل؟ نائب الفاعل هو اسم مرفوع يقع بعد الفعل المبني لما لم يسم فاعله، اسم مرفوع يقع بعد الفعل المبني لما لم يسم فاعله، الذي يعبر عنه بعض الناس المبني للمجهول، بعد الفعل المبني للمجهول، وياخذ أحكام الفاعل، وهو في الأصل المفعول به.
أدرج بعض المتعلمين على أن يسموا الفعل الذي يسبق نائب الفاعل يسمونه المبني للمجهول، وهذه تسمية فيها تجوز؛ لأنه قد لا يكون الفاعل مجهولاً، قد لا يكون مجهولاً وإنما هو معلوم، لكنه لا يقصده المتكلم ويريد حذفه. فالأولى أن نقول: بني الفعل لما لم يسم فاعله. لم يسم الفاعل قد يكون ما سمي للجهل به، قد يكون ما سمي به لغرض لفظي، قد يكون لم يسم به أو لم يسم لغرض معنوي. المهم أنه مبني لما لم يسم فاعله.
طيب، هل يمكن أن ياتي نائب الفاعل بعد غير هذا الفعل؟ قد ياتي نائب الفاعل بعد اسم المفعول. كيف؟ الآن اسم المفعول لما نقول مثلاً: مقتول، هذا مقتول اسم مفعول. لما نقول مثلاً: مكرم، هذا اسم مفعول. لما نقول: مضروب، هذا اسم مفعول. الاسم المفعول هو مشتق أو مصاغ من الفعل الذي لم يسم فاعله، من الفعل المبني لما لم يسم فاعله، يعني من الفعل المبني للمجهول. لما نقول: مقتول، هو مأخوذ من قتل. مقتول مشتق من قتل. مضروب من ضرب. مكرم من أكرم. ولذلك فالمرقوع بعد اسم المفعول يكون نائبا عن الفاعل.
حينما أقول: أمطلوب موظفون؟ فهو هنا مطلوب اسم مفعول مأخوذ من أي فعل؟ من الفعل طلب، من الفعل الذي بني لما لم يسم فاعله، أو الفعل المبني للمجهول. مطلوب من طلب. إذاً، حينما أقول: طلب موظفون، فموظفون هنا نائب فاعل. أمطلوب موظفون؟ هنا مطلوب اسم مفعول، وهو يعمل عمل الفعل الذي اشتق منه الذي هو طلب، فموظفون نائب عن الفاعل. فالاسم الذي يرفعه اسم المفعول يكون نائباً عن الفاعل؛ لأن اسم المفعول مطلوب مأخوذ من طلب. مطلوب موظفون، فيكون موظفون نائب عن الفاعل.
طيب، كيف نعرب هذا التركيب؟ الهمزة للاستفهام، ومطلوب مبتدأ؛ لأنه اسم في أول ابتداء الكلام، مطلوب مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمه. هذا هو إعرابه، لكن حينما نصف نقول: إنه اسم مفعول مشتق من طلب، وموظفون نائب عن الفاعل مرفوع وعلامه رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، وهذا نائب الفاعل سد مسد الخبر، يعني لا نحتاج إلى خبر؛ يعني هو نائب فاعل ويسد مسد الخبر؛ لأن عندنا مبتدأ لابد من خبر، لكن هنا نائب الفاعل سد مسد الخبر، يعني يسد مسده ويحل محله ويكفي عنه ويغني عن الخبر. أمطلوب موظفون؟ فهنا الموظفون هذا المرفوع جاء بعد اسم المفعول المشتق والمأخوذ من الفعل المبني للمفعول أو المبني للمجهول أو المبني لما لم يسم فاعله طلب، كأنني أقول: طلب موظفون.
وعليه، فالاسم المرفوع الذي يقع بعد الفعل المبني للمفعول، أو المبني للمجهول، أو المبني لما لم يسم فاعله، أو بعد اسم المفعول، نسميه نائباً عن الفاعل، وياخذ أحكام الفاعل. من الأمثله حينما أقول: عوقب المسيء. من الذي عقبه؟ لا يهمنا، المتكلم لا يريد أن يتحدث عن الفاعل، لا يريد أن يسمي الفاعل: عاقبه القاضي، عاقبه المعلم، عاقبه أياً كان، لا يريده في الكلام، لكنه يريد أن يتحدث عن هذا المسيء الذي عوقب. اصل الكلام مثلاً: عاقب فلان المسيء، ثم أردنا أن نحذف الفاعل فغيرنا الفعل، بدل أن كان عاقب صار عوقب، عوقب المسيء. فهنا عوقب فعل ماض مبني للمفعول، أو مبني لما لم يسم فاعله، أو مبني للمجهول، مبني على الفتح، والمسيء نائب عن الفاعل.
هنا إشارة بسيطة أو يسيرة: المتقدمون من النحاة لا يسمونه نائباً عن الفاعل، يسمونه مفعول ما لم يسم فاعله. فحتى إذا قرأ إنسان مثلاً في كتب المتقدمين، أو وجد من يقول: مفعول ما لم يسم فاعله، هو يساوي نائب الفاعل. المتأخرون من النحاة سموه نائباً عن الفاعل، وصار هذا هو المصطلح له: نائب الفاعل. لكن المتقدمون كانوا يسمونه مفعول ما لم يسم فاعله. فقط هذه الإشارة حتى يعرف طالب العلم أن المقصود بمفعول ما لم يسم فاعله هو نائب الفاعل.
ومن الأمثلة أيضاً في كتاب الله عز وجل قول الله عز وجل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف: 49]. ووضع، وضع هنا فعل مبني للمفعول أو مبني لما لم يسم فاعله، أو مبني للمجهول، لكنه غير مجهول، هنا لا يمكن أن نقول: مبني للمجهول، ولذلك العبارة لابد أن تكون دقيقة. إذاً، ووضع فعل مبني للمفعول أو مبني لما لم يسم فاعله، والكتاب نائب عن الفاعل. وهكذا في الأمثلة التي وردت والآيات التي جاءت في كتاب الله عز وجل، وفيها الحديث أو فيها الفعل المبني لما لم يسم فاعله، مثل ذلك قول الله عز وجل: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41]. المجرمون هنا ما إعرابه؟ نقول: إعراب نائب عن الفاعل. وأيضاً قول الله عز وجل: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: 10]. فالخرَّاصون هنا نائب عن الفاعل، وجاء قبله الفعل المبني للمفعول أو المبني لما لم يسم فاعله.
إذاً، أيها الإخوة الكرام، نائب الفاعل هو الاسم المرفوع الذي يقع بعد الفعل المبني للمفعول أو المبني لما لم يسم فاعله، أو بعد اسم المفعول. ما حكمه؟ ذكرنا من قبل أن حكمه الرفع، يكون مرفوعاً، بمعنى لا يكون منصوباً ولا مجروراً، إنما يكون مرفوعاً. ننبه إلى أنه قد يأتي هذا المرفوع بعد حرف جر زائد فيجر في اللفظ دون التقدير، فهو مرفوع ولو كان في اللفظ مجروراً، يعني لو قلنا مثلاً: ما أكل من طعام، أصل الكلام: ما أكل طعام، فمن حرف جر زائد، فجر اللفظ طعام، لكنه في الأصل أو في المعنى أو في التقدير مرفوع، فهو يبقى مرفوعاً لكنه مجرور لفظاً، فنقول عن إعرابه: نائب عن الفاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة منع من ظهورها.
إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما؛ فإن ذلك يحزنه. أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرا دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا؛ فإن هذا لون من إلحاق الأذى بالمسلم، لأنه يعود عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك لاحتقاره والحط من كرامته، فيزيده ذلك غما وحزنا. لذا حرم الإسلام التناجي؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8].
ومن صور التناجي المحرمة: أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله: وفي معناه، أي معنى التناجي، ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه؛ لأن العلة موجودة. فإذا كان الحديث دائرا بين اثنين بداية ثم أتى ثالث واراد أن يدخل بينهما، فإن ذلك لا يجوز إلا باذنهما؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما».
واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي، فانه يكون مباحا بشرطين: الأول: أن تكون هناك مصلحة راجحه على مفسدة التناجي. الثاني: أن يكون ذلك باذن الشخص الثالث ورضاه، وإلا حرم. فالتناجي من تسويل الشيطان وتزهينه، فاذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك، فاستعذ بالله وتوكل؛ فانه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].
بسم الله الرحمن الرحيم. نستكمل الحديث عن نائب الفاعل، فنقول إن نائب الفاعل قد يأتي اسما ظاهرا، وقد يأتي ضميرا متصلا، وقد يأتي ضميرا منفصلا، وقد يأتي ضميرا مستترا، وقد يأتي مصدرا مؤولا، وقد يأتي جملة، وقد يأتي شبه جملة؛ فهو يأتي على أنواع متعددة وصور مختلفة.
في قول الله عز وجل: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجِلٍ﴾ [الأنبياء: 37]. فالإنسان هنا نائب عن الفاعل؛ خلق الإنسان، الإنسان نائب عن الفاعل مرفوع وعلامه رفعه الضمة. ما نوع نائب الفاعل هنا؟ خلق الإنسان، نوعه اسم ظاهر، بمعنى ليس بضمير وليس بجملة وليس بشبه جملة، وإنما هو اسم ظاهر. وهكذا كثير من الامثله التي مرت معنا، كلّها جاء فيها نائب الفاعل اسما ظاهرا.
وقد يأتي نائب الفاعل ضميرا بانواع الضمائر، قد يأتي ضميرا متصلا حينما اقول: أكرمت اليوم. حينما جئت عند هؤلاء الاخوة الكرام أكرموني فانا اقول: أكرمت هذا اليوم. أين نائب الفاعل؟ سؤال: أين نائب الفاعل؟ أسألكم أيها الإخوة الكرماء: أين نائب الفاعل؟ أكرمت؛ نائب الفاعل هو الضمير في قولنا أكرمت، الذي هو التاء. ما نوع هذا الضمير؟ ضمير متصل، ضمير بارز ظاهر متصل.
فكيف يكون الإعراب؟ أقول: أكرمت؛ أكرم فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، أو مبني للمفعول -وأولى أن أقول مبني للمفعول؛ لأنهم غير مجهولين- مبني لما لم يسم فاعله، مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع، والتاء ضمير متصل ضمير المتكلم، ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع نائب عن الفاعل. فهنا جاء نائب الفاعل ضميرا متصلا.
وقد يأتي ضمير منفصل، يعني لو قلت مثلا في هذا المكان: ما أكرم اليوم إلا أنا. ما أكرم اليوم في هذا المكان إلا أنا. إلا أنا نائب الفعل، ما أكرم، أكرم هنا فعل مبني لما لم يسم فاعله، فأين نائب الفاعل؟ نائب الفاعل الضمير أنا. طيب، هذا الضمير متصل ولا منفصل؟ لا شك أنه ضمير منفصل، فما أكرم إلا أنا وما أكرم إلا هو، فهنا ضمير منفصل.
وقد يكون ضميرا مستترا، حينما اقول: زيد جاءنا فأكرم، أو زيد جاء هؤلاء القوم فأكرم. أكرم فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، مبني للمفعول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو عائد على زيد؛ لانه هو نائب الفاعل وليس هو الفاعل. فإذا هنا نائب الفاعل ضمير مستتر، ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: 5]. حُشِرَ هنا الفعل مبني لما لم يسم فاعله، أين نائب الفاعل؟ هل يصح ان نقول ان التاء هي نائب الفاعل؟ حُشِرَتْ، لا، هذه التاء ليست ضميرا، وإنما هي تاء التأنيث، فلا نقول عنها انها نائب عن الفاعل، بل هي تاء للتأنيث لا محل لها من الإعراب. إذا أين نائب الفاعل؟ نائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي. إذا هذا أيضا نوع من أنواع نائب الفاعل، أو صورة من الصور التي يأتي عليها نائب الفاعل.
كذلك أيضا يأتي نائب الفاعل مصدرا مؤولا إذا وقع بعد الفعل المبني لما لم يسم فاعله؛ أن المصدرية مع الفعل المضارع فإنها تؤول بالمصدر. يعني لما أقول: يحتمل أن ياتي فلان، يحتمل أن يأتي، يعني يحتمل اتيان فلان، محتمل اتيان فلان، أن يأتي بمعنى إتيان، أن يكرم بمعنى إكرام. فإن والفعل المضارع تؤولان بالمصدر، فيمكن ان يقع موقع نائب الفاعل.
وكذلك أيضا أن واسمها وخبرها، يعني مثلا حينما أقول: يعرف عنك أنك شجاع. فاذا هنا أنك شجاع تؤول بالمصدر، يعني يعرف عنك شجاعتك. ومنه قول الله عز وجل: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ [الجن: 1]. أوحي إلي، أوحي هذا مبني لما لم يسم فاعله، أنه استمع يعني أوحي إلي استماع، فهو نائب عن الفاعل. أنَّه استمع، هذه الجمله هي تؤول بالمصدر الذي يقع نائبا عن الفاعل.
وقد يكون نائب الفاعل جملة، ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: 44]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 44]. بُعدا، وقيل ثم جاءت الجملة بعده: بعدا للقوم الظالمين، هذه الجملة كلها في موضع نائب عن الفاعل.
وقد يكون نائب الفاعل شبه جملة، بمعنى الظرف أو الجار والمجرور، الظرف أو الجار والمجرور قد يكون شبه الجمله في موضع نائب الفاعل. لما أقول: جُلِسَ في هذا المكان، في هذا المكان هذا جار ومجرور، جُلِسَ في الغرفة، جُلِسَ في المسجد، ففي المسجد هنا نائب عن الفاعل وهو شبه جملة.
إذا أيها الكرام، تتنوع الصور التي يأتي عليها نائب الفاعل؛ فقد يكون اسما ظاهرا، وهذا هو الكثير، وقد يكون ضميرا متصلا أو مستترا أو منفصلا، وقد يكون مصدرا مؤولا، وقد يكون جملة، وقد يكون شبه جملة. هذه هي أحكام نائب الفاعل في الأصل، وتنتهي بذلك حلقة هذا اليوم.
ولعلنا إن شاء الله في الحلقة القادمة نتحدث عن باقي أحكام نائب الفاعل وعن صياغة الفعل المبني لما لم يسم فاعله. إلى أن نلتقي في الدرس القادم، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. عبدالله مسملي