يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، واللغة الفصيحة وريعها بطريف أسلوب وحسن بيان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات إلى هذا الدرس التاسع عشر من دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد. نسأل الله عز وجل أن ينفع بها.
درسنا سيكون عن التمييز، وهذا الدرس جاء بعد درس الحال. وكلاهما منصوب، وكلاهما اسم، وكلاهما نكرة، وكلاهما فضلة. لكن يختلفان في أمرين مهمين: الأمر الأول أن الحال الغالب فيها أن تكون مشتقة، والغالب في التمييز أن يكون جامدا. والامر الآخر أن الحال -وهو المهم جدا- أن الحال يفسر الهيأة، يفسر المبهم من الهيئات. حينما اقول استقبلت الضيف مبتسما، فهنا المبهم هو كيفية هذا الاستقبال؛ هيئتي حينما استقبلت كيف هي؟ فالحال يبين الهيأة، فالهيأة لتفسر هذا المبهم.
إذا التمييز اسم نكرة جامد، يفسر ما أبهم من الذوات، ما كان مبهما من الذوات، وقد يفسر المبهم من الجملة، لكن الأصل فيه هو تفسير المبهم من الذوات. يعني يتكلم المتكلم فيأتي بلفظ مبهم. أعطيكم مثالا، لو قلت لكم: اشتريت صاعا. الصاع هذا مقدار من المقادير، مقدار من مقادير الكيل. اشتريت صاعا. طيب، سيقول لي المخاطب، سيسالني: صاع من أي شيء؟ أنت أفهمت بمقداره، لكن ماهيته لا نعرفها، أهو تمر؟ أهو زبيب؟ أهو أقط؟ أهو كذا؟ أهو كذا؟ لا ندري. إذا هذا الصاع مبهم.
فانا حينما اقول: اشتريت صاعا تمرا. فصاع هنا الصاع هنا لفظ مبهم، يمكن أن يكون صاع تمر، ويمكن أن يكون صاعا من شعير، ويمكن أن يكون صاعا من أرز، لا ندري. لكن حينما قلت: اشتريت صاعا تمرا، فسرت هذا المبهم، فسرت هذا المبهم.
كذلك أيضا لو قلت مثلا: اشترت مترين قماشا. مترين هذا مساحة، مقدار المساحة مترين. لكن من أي شيء؟ ما هو تفسير هذا المبهم؟ حينما قلت قماشا عرف أنه مترين من القماش. وامر مهم جدا أن التمييز هو يتضمن معنى (من). يعني حينما قلت اشتريت صاعا ثم قلت تمرا، كانني قلت اشتريت صاعا من التمر. اشتريت مترين قماشا، كانني قلت اشتريت مترين من القماش.
إذا التمييز هو تفسير لما انبهم، لما كان مبهما من الذوات. لان السائل إذا سمع هذا المقدار، أو سمع ما قبل التمييز لا يعرف. لو قلت مثلا: حضر هنا 13، 13 ماذا؟ العدد معروف الآن أنه 13، لكن هم رجال؟ طلاب؟ صغار؟ كبار؟ حينما أقول: أستاذ مبهم، العدد مبهم هنا. معروف عدده، تعداده 13، لكن 13 من أي شيء؟ من أي شيء؟ فأقول حضر هنا 13 رجلا، 13 طالبا، 13 طفلا. هنا لما قلنا طفلا أو رجلا ميزنا هذا العدد، ميزنا هذا العدد.
لو قلت: اشتريت 15، سيقول لي السامع: عرفنا العدد أنك اشتريت 15 شيئا، لكن ما هو تفسيره؟ ما هو تفسيره؟ الجواب التفسير: اشتريت 15 كتابا، اشتريت 15 قلما. إذا هنا كتابا أو قلما هذا تمييز، تمييز ميز هذا العدد، ليفسر لي هذا المبهم من هذا العدد. يعني كأنني قلت اشتريت 15 من الكتب.
إذا التمييز جامد، ما هو مشتق، ما هو اسم فاعل أو اسم مفعول أو أفعل تفضيل، ليس مشتقا من المشتقات، إنما هو جامد. تمرا هذا جامد، زبيبا جامد. فالتمييز يكون جامدا، ويؤتى به لماذا؟ يؤتى به لتفسير المبهم، لتفسير المبهم. الكلام السابق فيه لفظ مبهم يحتاج السامع إلى تفسيره، يحتاج السامع إلى تفسيره، فياتي هذا التمييز ليفسر.
فإذا خلاصة الكلام أن التمييز هو اسم جامد نكرة، ياتي ليفسر المبهم، سواء كان مبهم من الذوات، ألفاظ مبهمة، أو الجمله فيها إبهام يحتاج إلى تفسير. والتمييز قسمان: تمييز المفرد، وتمييز النسبة، يعني يميز مفرد أو يميز جملة أو يسمون تمييز النسبة. سنعرف التفصيل إن شاء الله بعد الفاصل.
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة أنها تربية الاهل والاولاد. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾. قال علي بن أبي طالب: أدبوهم وعلموهم. فعلموهم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب اصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الاخلاق ومحاسن الآداب، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ونعلمهم شيئا من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى، قال نافع: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. فاحرص على تعليم أهلك، اعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن، قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم. إذا أيها الإخوة الكرام والأخوات الكريمات، التمييز هو اسم يأتي بعد مبهم، اسم يأتي بعد مبهم. هذا التمييز يميز هذا المبهم عن غيره، يحدث تمييزا لهذا المبهم، يحدث تفسيرا لهذا المبهم.
نحن نستعمل هذا في كلامنا حينما أتي وأخبر أنني اشتريت مثلا كيلو، مثلا سيقول لي المخاطب والسامع: كيلوين من ماذا؟ من الطماطم؟ من الخيار؟ من كذا؟ من كذا؟ يحتاج المخاطب إلى تمييز هذا اللفظ المبهم، فانا أتي بالتمييز لأفسر له، يفسر له هذا المبهم، ليفسر له هذا المبهم.
وقلنا أن التمييز نوعان: تمييز المفرد، يعني يكون المبهم مفرد، مفرد مبهم، كيلو، صاعا، رطلا، مترا، هذه مبهمات، فياتي التمييز ليفسر هذا المفرد، ليفسر هذا المفرد. يعني الابهام موجود في مفرد، الابهام موجود في لفظ المفرد. صح هذا لفظ مفرد لكنه مبهم، فالتمييز الذي يفسر هذا المفرد المبهم يسمى تمييز المفرد.
والنوع الثاني هو تمييز النسبة، ما يكون عندي إبهام في لفظ، وإنما عندي إبهام في الجملة، في نسبة هذا الشيء إلى هذا الشيء، نسبته إلى هذا فيه إبهام، فياتي التمييز ليفسر هذه النسبة، وهذا سياتي إن شاء الله في الحلقة القادمة.
القسم الأول إذا هو تمييز المفرد. طيب، ما هي المفردات، أو ما المفردات، ما نوع المفردات التي تكون مبهمه لياتي التمييز فيفسرها؟ النوع الأول -وهذا الغالب- هو المقادير. وهذا يشمل جميع المقادير. المقادير في العادة مبهمه، تحتاج إلى تمييز، تحتاج إلى تمييز. المقادير مثل الوزن، الشيء الموزون. الوزن يعني حينما أقول مثلا: اشتريت كيلوين، مثلا هذا مبهم يحتاج إلى تمييز. حينما أقول: اشتريت رطلا. رطل هذا وزن محدد معروف، لكن من أي شيء؟ ما هي المادة التي اشتريتها؟ أنت أعلمت بوزنها لكن ما ندري هي ماذا هذا الرطل؟ فلو قال مثلا: اشتريت رطلا لحما. فهنا اللحم ميز لما قلنا لحما، ميز هذا المبهم من المقادير أو من الوزن وهو الرطل.
فلما قلت رطلا، السامع لا يدري ما هي مادة المشترى هذا، هو لحم؟ سمك؟ شيء آخر مما يوزن؟ لا، غير مميز، فياتي قولنا لحما فيكون تمييزا. فانا حينما أقول اشتريت رطلا، كيف نعرب رطلا؟ رطلا نعربها أنها مفعول به: اشتريت رطلا. لكن لحما، هنا لحما هنا جاء تمييز لهذا الرطل، تمييز لهذا الرطل.
كذلك أيضا من المقادير الكيل، وفرق بين الوزن والكيل. الكيل مثل الصاع أو المد، هذا صاع، هذا كيل يعني حجم معين. ولذلك مثلا الصاع مثلا من التمر في مقداره مثل الصاع من الأرز، مثل الصاع من الزبيب، لكن قد يختلف وزنهما، قد يختلف وزنهما. يعني مثلا في زكاة الفطر، عندنا زكاة الفطر تكون صاعا، تكون صاعا من تمر، من أقط، من طعام: «صاعا من طعام». فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من طعام. شوفوا صاعا من طعام، ما يكون صاع من غير الطعام، ما يكون صاع من غير الطعام، ولو قلت صاعا طعاما صار طعاما هذا تمييز للصاع.
لكن لما أنا قلت: تصدقت مثلا بصاع، تصدقت بصاع تمرا. لما حينما أقول لك: تصدقت بصاع، أنت تعرف المقدار، لكنك لا تعرف ماهية هذا المتصدق، هل هو تمر أو زبيب أو أقط أو أرز؟ لا، لا تعلم. فحينما قلت تمرا تميز عندك هذا الصاع، صار عندك مميز، مفسر، مفسر، كان مبهما فأصبح مفسرا. فإذا التمييز تمرا هذا هو الذي فسر لي هذا الصاع.
فإذا من المقادير الكيل، والكيل يختلف عن الوزن؛ لان الوزن محدد وزنه إذا وضع في الميزان، معروف رطل، إذا لا يختلف، إذا اختلفت المادة وزنهم واحد، لكن ربما يختلف الحجم، يختلف الحجم. أما الكيل فالحجم واحد، الصاع مثلا أربعة أمداد، أربعة أمداد حجمها واحد، لكن ربما يختلف الوزن، ربما يختلف الوزن، ولذلك صدقة الفطر هي بالكيل لا بالوزن. ربما يكون الوزن ثلاثة كيلوات وربما يكون كيلوين ونصف باختلاف الأنواع، تختلف الأنواع، لكن المقدار واحد، المقدار واحد.
فإذا هذه المقادير: عندنا الوزن، وعندنا الكيل، وعندنا المساحة أيضا. المساحة حينما أقول: الفدان. الفدان هذا مساحة، مساحة الكيلو قد يكون مساحة، المتر قد يكون مساحة. يعني مثلا لو قلت لك: اشتريت مترين قماشا. مترين هذا مساحة محدده، لكن من أي شيء؟ قماش. مثلا ربما يقول: اشتريت مترين حديدا. مثلا هذا حديدا صار تمييزا؛ لانه حينما قلت مترين يعرف السامع المقدار، لكنه لا يعرف ماهيته، لم يفسر، فاذا ياتي التمييز ليفسر له هذين المترين. فهذا أيضا من المقادير، إذا المقادير هي التي تحتاج إلى تفسير وتحتاج إلى تمييز. ولذلك الغالب في التمييز أن يكون بعد المقادير، أن يكون بعد المقادير.
كذلك أيضا من الأمور التي تحتاج إلى تفسير وتحتاج إلى تمييز وياتي بعدها التمييز كثيرا: العدد. ولذلك لا بد من تمييز العدد؛ لأنه في الأصل مبهم. حينما أقول مثلا: اقتنيت 16، من أي شيء؟ اقتنيت طيورا؟ كتبا؟ أقلاما؟ غير مميز. فإذا قلت: اشتريت 16 أو اقتنيت 16 كتابا، عرف أن هذا العدد من الكتب وليس من غير الكتب، وليس من غير الكتب. وعليه فهنا العدد يحتاج إلى تمييز، فياتي بعده التمييز. قد ياتي بعد العدد التمييز منصوبا، وقد ياتي مجرورا. يعني ما قلت، لو قلت مثلا: اشتريت تسعة كتب. ولذلك في العدد يقولون: بعد العدد من ثلاثة إلى 10 يكون التمييز مجرورا بالإضافة: اشتريت تسعة كتب. أما الاعداد المركبة 11 و13 إلى 19، وكذلك ألفاظ العقود 20 و30 و40 و50 ياتي تمييزها منصوبا: اقتنيت 20 كتابا، عندي قلما 30 قلما. إذا المقادير ثم العدد، هذه من المبهمات التي تحتاج إلى تفسير وياتي بعدها التمييز.
فاصل أيها الإخوة ثم نواصل. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في [موسيقى] البستان.
العلم مراتب، فمنه فرض عين وهو تعلم ما لا يتأدب إلا به، كتعلم صفة الوضوء والصلاة. ومنه فرض كفاية كعلوم الحديث، ومنه نفل كالتبر في أصول الأدلة. فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام. راعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالعلوم الأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل، وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»، وقد قيل: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور. نبدأ بالأسهل قبل الاصعب، وبالمختصر قبل المطولات، قال تعالى: ﴿كونوا ربانيين﴾، والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونبدأ بتعلم ما يترتب عليه ثمره قبل المسائل النظرية البحتة، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم فإن فاقد الشيء لا يعطيه. ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والحفظ والتلقين. فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، نواصل أيها الإخوة. تحدثنا قبل الفاصل عن أنواع الألفاظ التي تكون مبهمة فياتي التمييز ليفسر، فقلنا المقادير، ثم قلنا العدد. العدد، من ذلك أيضا يعني من من الأمثلة على ذلك ما جاء في كتاب الله عز وجل، قال الله عز وجل: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾.
طيب، هنا لو سالت أين التمييز؟ أين التمييز؟ ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾، المثقال هنا مقدار من المقادير، مقدار مثقال: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة﴾ خيرا، مثقال ذرة يعني مقدار الذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. فمن يعمل مثقال، مثقال إعراب مثقال مفعول به للفعل يعمل، يعمل مثقال مثقال ذره، وهو مضاف ذره مضاف إليه. طيب يعمل مثقال، مثقال الذرة من أي شيء؟ ما تمييزه؟ هذا مبهم، مقدار مبهم، يعمل ماذا؟ فمن يعمل مثقال ذرة.
خيراً فخيراً هنا تمييز لهذا المثقال، هذا المقدار تمييز مثقال ذرة خيراً يره. هذا -طبعا- جملة فعلية هي في جواب الشرط: فمن يعمل، من يعمل مثقال ذرة خيراً، يعني يعمل مثقال ذرة من الخير، من الخير. وهذا يؤكد ما ذكرناه سابقا: أن التمييز يكون بمعنى "من"، يعني متضمن معنى "من"؛ فمن يعمل مثقال ذرة يعني من الخير يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا فشرٌ أيضا تمييز، شرا تمييز.
هذا في المقادير في العدد، الأمثلة كثيرة جدا، من ذلك قول الله عز وجل: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ [يوسف: 4]. حينما قال: إني رأيت أحد عشر، لا يعرف ماهية هذا العدد، لم يفسر، لما قال: كوكبا، لأنه ربما يكون أحد عشر رجلا، أحد عشر أخا، أحد عشر أي شيء، حجرا، لكن لما قال: كوكبا، ميز لي هذا العدد، فكوكب إذاً هنا تمييز للعدد الذي سبقه، تمييز للعدد الذي سبقه.
طيب، إذاً: المقادير، ثم العدد. كذلك أيضا: ما يدل على المماثلة، عندي مثل ما عندك. طيب، مثل ما عندك من أي شيء؟ لو قلت: عندي مثل ما عندك من أي شيء؟ أنا عندي أشياء كثيرة، عندي مثل ما عندك مثلا أقلاما، عندي مثل ما عندك كتبا. ما دل على المماثلة يحتاج إلى تمييز؛ لأنه أيضا مبهم، مبهم، عندي مثل ما عندك كتبا. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف: 109]. ولو جئنا بمثله مددا، فهذا مددا تمييز لما قبله.
كذلك ما يدل على المغايرة، ما يدل على المغايرة كقوله مثلا: إن لنا غيرها أبلا مثلا، إن عندنا غيرها شاء، إن عندنا غيرها كتبا، فهو يدل على المغايرة: عندي غير ما عندك، لكن المغايرة في أي شيء؟ تحتاج إلى تمييز، تحتاج إلى تفسير، فياتي التمييز ويكون تمييزا، تمييز المفرد.
هذا كله من نوع التمييز، تمييز المفرد، لأن الألفاظ التي تسبق التمييز تأتي مبهمة، هو اللفظ اللفظ نفسه يأتي مبهما، يعني يصدق على أشياء كثيرة، يصدق على أشياء كثيرة، فياتي التمييز ليفسر هذا المبهم، وليميز عن غيره، وليميز عن غيره.
كذلك أيضا ياتي التمييز تمييز المفرد بعد كم الاستفهامية، بعد كم الاستفهامية، بمعنى حينما اقول لك: كم اشتريت؟ كم اشتريت؟ ستقول لي: من أي شيء؟ من أي شيء؟ يعني اشتريت من الطعام، من الكتب، من الأجهزة، لكن لما أقول: كم كتابا اشتريت؟ كم كتابا هذه استفهام، أنا أسألك: كم اشتريت؟ كم عدد الكتب التي اشتريتها؟ فجاء كم كتابا اشتريت؟ كتابا جاء تمييز لهذا الاستفهام لكم، وكم هذا مبهم، فهو من نوع تمييز المفرد، تمييز المفردات.
كذلك أيضا كم الخبرية، لكن كم الخبرية ياتي تمييزها مجرورا، بمعنى كم الخبرية لا يقصد بها الاستفهام إنما يقصد بها التكثير، يقصد بها التكثير، كم كتب اشتريت؟ كم كتاب اشتريت؟ يعني ما أكثر ما اشتريت من الكتب. فهنا كم الخبرية يقصد بها الخبر، يقصد بها الخبر فهي تختلف عن الاستفهامية، لكن الخبرية والاستفهامية، كم الخبرية وكم الاستفهامية كلاهما يحتاج إلى تمييز، يحتاج إلى تمييز، لكن جعلوا تمييز كم الاستفهامية منصوبا، وجعلوا تمييز كم الخبرية مجرورا. هذه أنواع المفردات التي تأتي مبهمة، فياتي التمييز ليفسر، فياتي التمييز ليفسر.
طيب، بقي معنا إعراب التمييز. التمييز يكون منصوبا، يكون منصوبا وهذا هو الأصل، لأنه من المنصوبات، لكنه قد يأتي مجرورا، أما مجرورا بالإضافة أو مجرورا بمن، وحين ذلك لا نعربه تمييزا منصوبا، إنما نعربه مجرورا بحرف الجر أو مجرورا بالإضافة، هو المعنى واحد تقريبا، المعنى واحد، لكنني هنا استعملت الإضافة، هنا استعملت حرف الجر، وهنالك نصبت التمييز فجاء منصوبا.
يعني المثال المذكور عندكم في الكتاب حينما يعني مثل فقيل: شربت كاسا حليبا. لاحظ معي أيضا هنا كاسا، هذا مقدار، ربما يكون ماء، ربما يكون عصيرا، ربما يكون حليبا، ربما يكون أي شيء آخر من المشروبات، شربت كاسا. طيب، كاسا حليبا، حليبا هنا تمييز فسر لذا المقدار الذي شرب، هذا المقدار الذي شرب، شربت كاسا، فشربت فعل وفاعل، وكاسا مفعول به، وحليبا تمييز، وحليبا تمييز لأنه ميز لي، ميز لي ما شرب، ما الذي شرب.
فهنا إعراب حليبا ما هو؟ حليبا تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. يجوز لي أن أقول: شربت كاس حليب، فهنا أضفت الكاس إلى الحليب، فصار الحليب هذا الذي كان تمييزا أصبح مجرورا بالإضافة، لا نعربه تمييزا، وإنما نعربه مجرورا بالإضافة. ولو قلت: شربت كاسا من حليب، فهنا من حرف جر، وحليب اسم مجرور، فهما جار ومجرور.
بهذا القدر نكون قد انهينا الحديث عن القسم الأول من التمييز وهو تمييز المفرد. في الحلقة القادمة إن شاء الله سنتحدث عن تمييز النسبة. إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. عبدالله مسملي