يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ينبوعها صافٍ، صافٍ الفقه الميسر، عاملًا للشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا يا رب العالمين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث والثلاثون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها، وسامعها، ومعها، وناشرها، ومن ساهم فيها.
إخواني وأخواتي، كنا قد استفتحنا حديثنا في الحلقة الماضية عن اليمين، وذكرنا أن اليمين هي توكيد لشيء، وأن اليمين قد جاءت في كتاب الله، وفي كلام الله، وفي كلام رسول الله ﷺ، وفي كلام الناس عربهم وعجمهم. والأصل فيها المشروعية والإباحة في حق المخلوق، إلا أنه في حق المخلوق لا يجوز له أن يقسم إلا بالله جل جلاله، أما في حق الخالق فإن الله سبحانه وتعالى له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وقسمه سبحانه وتعالى بشيء دليل على تعظيمه.
وذكرنا أن حكم اليمين في الأصل الإباحة، إلا أنه يكره للإنسان أن يكثر من الأيمان على كل صغير وكبير؛ فإن الله سبحانه وتعالى أمر بحفظ اليمين: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89]. كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون. كما جاء في آية اليمين: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: 94]، أي لا يتخذ الإنسان اليمين منفقة لسلعته، ينفق بها السلع.
وذكرنا أنها تحرم لو حلفها كاذبًا أو حلف بغير الله والعياذ بالله، وذكرنا أنها قد تجب في بعض الأحوال في مجالس التقاضي؛ إذا كانت هي القرينة الوحيدة التي يمكن بها إثبات الحق لغير الإنسان، أما إذا كانت للإنسان فإن له أن لا يحلف وأن يترك الحق الذي له. وتستحب إذا كانت في حال إصلاح ذات البين.
ما هي أنواع اليمين؟ أنواع اليمين؛ اليمين قد تكون لغوا وهي ما جرى على اللسان سهوًا وخطأ دون قصد وإرادة لانعقاد اليمين. وذكرنا لها مثالًا: أن تسأل الإنسان فتقول له ماذا فعلتم البارحة؟ فيقول: حقيقة نحن ذهبنا إلى المطعم، والله طلبنا كذا، وفعلنا كذا، وبعدين في الأخير ركبنا السيارة، والله ورجعنا بدري إلى آخره. فيأتي في لفظه لفظ الجلالة في كلامه، يأتي أحيانًا لفظ الجلالة دارجًا دون أن يعني به أو يقصد به انعقاد اليمين.
ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة أن الله سبحانه وتعالى قد رفع عن هذه الأمة الإصر والأغلال، ورفع عنها الإثم في هذا اليمين. قال الله جل جلاله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]. هذه اليمين إذا قالها فهو معفو عنه فيها ولا يترتب عليها شيء، حتى لا يترتب على مخالفته شيء. لو الإنسان قال مثلا: والله إن شاء الله أنك تتغدى عندي، أو أنك تتعشى عندي، دون أن يقصد انعقاد اليمين وإنما جاءت عرضًا، فإذا لم يتغدَّ عنده، فنقول أنا على هذا الإنسان لا كفارتين عليه؛ لأنه لم يقصد انعقاد اليمين في لفظه، وإنما جاءت لغوا في كلامه. اللغو في الكلام يعني الشيء الذي لا يراد به حقيقته.
النوع الثاني من أنواع اليمين: اليمين المنعقدة التي يعقدها الإنسان ويقصد فيها التوكيد باليمين. اليمين المنعقدة تكون على أمر مستقبلي، ويقصد بها الحب أو المنع، كأن يقول: والله لتفعلن كذا، أو والله لأفعلن كذا، أو أقسمت بالله أن تفعل هذا الشيء الفلاني. فإذا قال: أقسمت بالله، عرفنا أنه يقصد انعقاد اليمين. فما الفرق بين اللغو وبين المنعقدة؟ اليمين المنعقدة هو إرادة المعنى؛ فاليمين اللغو لا يراد بها معناها، جاءت عرضًا في الكلام دون إرادة المعنى، أما اليمين المنعقدة فهو يريد معناها، وهذا معناه «عقدتم الأيمان».
النوع الثالث من اليمين هو اليمين الغموس، وهي التي تكون على خبر ماض كاذب؛ فيقسم بالله أنه قد اشترى هذه السلعة، أو أن كلفت هذه السلعة عليه بكذا وهو كاذب والعياذ بالله، مع أن كلفتها عليه أقل من هذا الثمن الذي ذكره، لكن حلف يمينًا لماذا؟ لأنه فقط يريد أن يبيع هذه السلعة. فهو حين عقد اليمين هي يمين منعقدة، لأنه يعلم أنه فيها كاذب، أي أقسم بالله وهو فيها كاذب والعياذ بالله.
هذا حال إبليس؛ إبليس أغوى آدم وحواء، أبانا وأمنا، بالقسم، قاسمهما: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 21]. آدم عليه السلام فطره الله سبحانه وتعالى على طاعته وعلى عبوديته، ولا زال على فطرته، ونهاه الله سبحانه وتعالى عن أكل الشجرة في القصة المعروفة المشهورة. آدم عليه السلام أبونا، لما وسوس له الشيطان هو وأمنا، قاسمهما، أي أقسم لهما، والله تعالى أعلم أنه لم يخطر بقلب آدم وحواء أن مخلوقًا يكذب ويقسم بالله كاذبًا، لأنه لا زال على فطرته وعلى خلقته التي فطره الله سبحانه وتعالى عليها، فما طرأ بذهنه أو ورد في عقلها أن شخصًا يقسم بالله جل جلاله الخالق العظيم يقسم بالله كاذبًا، ولكن حصل هذا من إبليس فصدقه آدم.
طبعًا لا شك ليس معنى هذا أن النهي ورد على آدم عليه السلام، وتاب الله سبحانه وتعالى عليه، لكن تصول المعصية كان هذا سبب من أسبابها، أنكم في القرآن الكريم تأتوننا عن اليمين؛ استخدام اليمين في تضليل الناس في غوايتهم طريق من الطرق الإبليسية. هذا في العبودية لله وفي طاعة الله، فيستخدم اليمين بأن هذا الأمر يصلح لك، وأن هذا الأمر نافع، وأن هذا الأمر لا إشكال فيه، أو يحلِف عليك أن تفعل كذا، أو أن تأخذ هذه السيجارة والعياذ بالله، أو أن تشرب الخمر، فهذه طريق من الطرق الإبليسية الشيطانية التي استخدمت من إبليس ويستخدمها أتباعه إلى يوم القيامة في إغواء الناس وتغيير فطرتهم والعياذ بالله. فالشاهد هذا ليس موضوعنا الآن، موضوعنا هو اليمين الغموس وهي أنها يمين.
قالها صاحبها وهو حين عقد لفظها يعلم أنه كاذب فيها، تتلفظ باسم الله جل جلاله وهو يعلم أنه كاذب؛ هذا لا شك أن هذا من الكبائر، كما جاء في الصحيح: الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس.
اليمين الغموس: قال بعض أهل العلم إنها سميت بهذا الاسم الغموس لأنها تغمس صاحبها في الإثم، وقيل لأنها تغمس صاحبها في النار. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا وإياكم.
هل هذه اليمين الغموس لا كفارة لها؟ بعض أهل العلم يقول إن الإنسان يحتاج إلى كفارة لها، والصحيح والله تعالى أنه لا يحتاج إلى كفارة لها؛ لأنها لا تكفر بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو بصيام ثلاثة أيام أو عتق رقبة كما جاء في الآية في اليمين المنعقدة. وإنما يحتاج الإنسان إلى توبة صادقة لله جل جلاله من هذه اليمين، من أنه استخدم اسم الله، صفة الله، استخدم لفظ الله جل جلاله كاذبًا متعمدًا. هذه تحتاج إلى توبة عظيمة، تحتاج إلى ندم حقيقي في قلب الإنسان حتى يعظم الله جل جلاله، ويعود إلى قلبه تعظيم الله جل جلاله.
فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل.
أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان؛ فرض عين على كل مسلم أن يتعلم العبادات الواجبة عليه، وما لها من شروط وأركان، وكيف يؤديها بشكل صحيح؟ فالصلاة هي أعظم العبادات، فيجب أن يتعلم شروطها كالطهارة واستقبال القبلة، وأركانها كالقيام وقراءة الفاتحة، وواجباتها كالتسبيح في الركوع والسجود، ويتعلم أحكام سجود السهو إذ لا يخلو أحد منه، وإذا كان من أهل الأعذار تعلم ما يرخص له في تركه وما لا يرخص له فيه.
ومن العبادات إيتاء الزكاة، فيتعلم شروط وجوبها كحولان الحول وملك النصاب، ويعرف الأموال التي تجب فيها الزكاة كالنقدين وبهيمة الأنعام، ويتعلم النصاب الذي تجب فيه الزكاة والمقدار الذي يجب إخراجه كربع العشر في النقدين وعروض التجارة، ويعرف من يستحق الزكاة ومن لا يستحقها. ومنها صوم رمضان، فيتعلم أركان الصيام وشروط صحته، وما يبطل الصيام كالاستقاء والاستمناء، وما لا يؤثر عليه كالسكاك والطيب. ومنها حج البيت، فيتعلم أركانًا كالطواف والسعي، وواجباته كالمبيت بمزدلفة ورمي الجمار، ويتعلم المواقيت الزمانية والمكانية، وطهارة الإحرام؛ فاجعل عباداتك خالصة لوجه الله، صوابًا على السنة: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن اليمين. ذكرنا أن اليمين الغموس من الكبائر، وبعض الناس يستهين بهذه اليمين الغموس ويظن أن الكفارة فيها تكفرها. وفي واقع الأمر، سواء قيل بالكفارة أو عدمها، فلا يظن المسلم أن الاستهانة بلفظ الله جل جلاله واسم الله جل جلاله وتعظيمه لله جل وعلا أمر هين، وأنها يسير وسهل، بل إن عليه أن يعظم الله جل جلاله، وأن يعرف خطورة ذكر اسمه سبحانه وتعالى تنفيقًا لخبر أو تنفيقًا لسلعة أو تنفيقًا لشيء وهو يقسم به ويعلم أنه كاذب؛ عليه أن يدرك خطورة هذا الأمر.
الصحيح والله تعالى أعلم أن هذه اليمين الغموس لا تجبر إلا بتوبة نصوح صادقة. توبة نصوح أن الإنسان يندم أشد الندم على استخدامه لأعظم شيء في الوجود وهو الله جل جلاله في أمر يعلم أنه كاذب فيه، يندم من قلبه، يندم في حقيقة وفي قرارة نفسه، يتقطع قلبه أنه استخدم لفظ الجلالة كذبًا. إذا ندم هذا الندم وعزم على ألا يعود إلى هذا الذنب مرة أخرى، فإن الله سبحانه وتعالى يتوب على عباده، والله سبحانه وتعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
ليس في الإسلام ذنب مهما كبر أو صغر لا يمكن للإنسان أن يرجع عنه بالتوبة؛ لا يوجد، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة. مهما كان هذا الذنب، الشرك يتوب الإنسان منه ويرجع إلى الله جل جلاله. قال الله سبحانه وتعالى عن من نسب إليه الولد وأنه ثالث ثلاثة: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النساء: 170]. الله سبحانه وتعالى عرض التوبة على من نسب إليه النقص، من نسب إليه الولد، من نفى عنه الوحدانية والألوهية وقال إن الله ثالث ثلاثة؛ عرض الله سبحانه وتعالى عليهم التوبة: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
وهذا بالحقيقة من رحمة الله جل جلاله، مهما فعل الإنسان من ذنب أو كبيرة أو عظيمة من العظائم، فإن باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، وحتى تغرغر النفس. هذه فرصة للإنسان أن يتوب إلى الله وأن يرجع إليه وأن يكفر عن ذنوبه وسيئاته، والله سبحانه وتعالى يقبل التوبة عن عباده؛ «يبسط يده بالليل ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء النهار».
وفي حديث قاتل المئة، لما قتل تسعة وتسعين نفسًا فسأل شخصًا فأغلق أمامه باب التوبة، فكمل به المئة، ثم سأل رجلًا عالمًا بالله فقال: «من يحول بينك وبين التوبة؟». لا شيء يحول بين الإنسان وبين أن يتوب إلى الله ويرجع إلى الله جل جلاله مهما كانت خطيئته وذنبه في حق الله سبحانه وتعالى.
طيب، هذا فيما يتعلق باليمين الغموس الكبيرة من كبائر الذنوب. فيما يتعلق باليمين المنعقدة، ما هي اليمين المنعقدة؟ هي أن يقسم على أمر مستقبلي، يقسم على أمر مستقبلي: "والله لتفعلن كذا"، يريد حثه على فعله، أو "والله لأفعلن كذا"، أو "والله لتمنعن عن كذا". أو يقول مثلاً غضبان من فلان: "والله لا أدخل بيت فلان"، لنفترض أن هذا أخ من إخوانه، أخ شقيق، قال مثلاً حصل بينهم نزاع: "والله لا أدخل بيته أبدًا"؛ هذا يمين منعقدة أنه أقسم ألا يدخل بيته أبدًا.
طيب، المقسم عليه هل هو مشروع؟ المقسم عليه قطيعة رحم والعياذ بالله؛ لذلك جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني». أحيانًا الحنث في اليمين يكون مشروعًا مطلوبًا من المسلم؛ لأنه أحيانًا يكون عقد اليمين على أمر وهو غاضب. طبعًا نحن نتكلم عن اليمين الغموس التي هي على أمر سابق كذبًا، نحن نتكلم عن اليمين المنعقدة على أمر مستقبلي، فهذا الإنسان قد يحلف يقول: "والله لأفعلن كذا"، أو "والله لأصدقن المثل"، أو "والله لأفعلن الخير"؛ الحمد لله هذا مستحب وزاده اليمين توكيدًا. قال: "والله لا أزور فلانًا أبدًا"؛ طيب هذا الآن أمر مكروه بل محرم قطيعة رحم، أنا أقول لفلان هذا إن المستحب والمشروع في حقك أن تحنث في هذه اليمين وأن تكفر عنها.
بكفارة يمين. قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم. الإنسان قد يحرم على نفسه شيئًا أباحه الله له، مثل ما جاء في عتاب الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التحريم: 1].
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم. لما شرع الله سبحانه وتعالى تحلة اليمين، لا شك أنها من رفع الآثار والأغلال عن هذه الأمة من رحمة الله جل جلاله. ولا تخيلوا مثلا أن الله جل جلاله قال: استخدم اسمي في أن لا تزور فلا تزره، كان هذا شاقًا على هذه الأمة، لكن الله جل جلاله من رحمته وتيسيره على عباده أن الله سبحانه وتعالى فرض له تحلة اليمين التي أقسموا بها باسمه جل جلاله.
بل إنه سبحانه وتعالى على لسان رسوله الكريم شرع لعباده تحلة اليمين واستحب له تحلة اليمين؛ لأجل أنهم قد أقسموا مثلا على معصية من المعاصي، أو على قطيعة رحم أو غيرها، فدلهم الله سبحانه وتعالى على طريقة تحريرهم. وهذا حقيقة فيه وصية لنا جميعًا أن نحذر من إطلاق اليمين: «احفظوا أيمانكم، احفظوا أيمانكم أيها الناس»، كما قال الله جل جلاله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 89].
لعلنا نأتي الآن إلى طريقة كفارة اليمين وما هو الحكم الواجب فيها، ولكن بعد فاصل قصير.
الأزهار في البستان يموج العالم بأنواع من المعاملات والعقود، منها الحلال ومنها الحرام، فهل تعلم هذا من ذاك؟ فيلزم التاجر أن يتعلم فقه البيوع وأركان البيع وشروطه حتى يكون بيعه صحيحًا ويتجنب البيوع المحرمة، ويتعلم الربا وصوره، وما يشترط فيه التقابض والتماثل معًا أو التقابض فقط حتى لا يقع في الربا.
ويلزمه معرفة البيوع المنهي عنها كبيع المحرمات كالخمر، والغرر كبيع الطير في الهواء وبيع ما لا يملك والقمار، ويلزمه تعلم أنواع الخيار كخيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب حتى لا يظلم المشتري. ويتعلم أحكام القرض: ما يصح إقراضه وما لا يصح، وكيف يتصرف مع المماطل حتى لا يقع في الربا أو الظلم.
ويتعلم القبض وصوره؛ فقبض كل شيء بحسبه، فإن كان موزونًا فقبضه بوزنه، وإن كان ثيابًا ونحوها فقبضها بنقلها، وإن كان مما لا ينقل فقبضه بالتخلية. ويتعلم أحكام الإجارة كحرمة مماطلة الأجير، قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». ويتعلم أحكام الزكاة حتى يعرف كيف يزكي أمواله، وليعلم أن الضريبة لا تغني عن الزكاة. ومن احتاج معاملة تعلم فقهها حتى لا يقع في الحرام، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115].
بشرى لنا زادنا كآدبية بالعلم، كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن اليمين. ذكرنا أن اليمين المنعقدة التي يقصد بها الحض على فعل شيء أو على الامتناع عن شيء، هذا الحض على فعل أو ترك، هذا هو اليمين.
هذه اليمين إذا أراد الإنسان أن يتحلل منها فإن عليه كفارة يمين. هل يشرع للإنسان أن يتحلل منها؟ نقول نعم، قد يشرع للإنسان أن يتحلل منها في بعض الأحوال، بل ربما يجب عليه أن يتحلل منها. مثل ما لو حلف الإنسان غضبًا من شخص في جماعة المسجد فقال: والله ما عاد أصلي معكم في المسجد، نقول: لا يا أخي، هذا يجب عليك أن تتحلل من اليمين هذه ويجب عليك أن تذهب للمسجد لصلاة الجماعة. قال: والله لا أزور فلانًا أخي أبد الدهر، أقول: لا يا أخي حل يمينك هذه واذهب وزر أخاك.
كيف تحل اليمين؟ اليمين انعقاد عقدة، تحل بفرض الله سبحانه وتعالى كما جاء في سورة التحريم: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. ما هي تحلة اليمين المشار إليها في هذه الآية؟ الله سبحانه قد فرض الله لكم تحليتين، أشار الله سبحانه وتعالى إلى الآية التي شرع فيها تحلة اليمين ألا وهي آية سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 89].
هذه تحلة، بين الله سبحانه وتعالى لنا أول شيء في هذه الآية أنه لا يؤاخذ بلغو اليمين رحمة منه سبحانه وتعالى، ثم بين الله سبحانه وتعالى أنه يؤاخذ بتعقيد الإيمان: ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾، ثم شرع الله سبحانه وتعالى كفارتها رحمة بهذه الأمة وتيسيرًا عليها.
فالكفارة لاحظوا أن الكفارة جاءت على رتبتين: تخييرية وترتيبية. نتأمل اللفظ في القرآن: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، هذا معناه التخيير. ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، هذا ترتيب. إذًا صارت عندنا كفارة اليمين على رتبتين؛ الرتبة الأولى فيها ثلاث خيارات، ولا يمكن لأحد من هذه الخيارات الثلاثة أن يتجاوزها، وهذه الخيارات الثلاث كلها خيارات مالية. فمن لم يتيسر له أحد من هذه الخيارات الثلاث، فإن الإنسان ينتقل ترتيبًا -وليس باختياره- إلى الكفارة البدنية.
ما هي الخيارات الثلاث المالية؟ أن يطعم الإنسان عشرة مساكين. قد يقول قائل: كم أطعمهم؟ نقول الآية فسرتها وقالت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، فلذلك الواجب إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، فكل بلد وكل إنسان له مقداره، فالإنسان مثلا في بلد يكثر فيه الرز، وفي بلد يكثر فيه القمح، وهكذا. وما هو الواجب في الإطعام؟ الواجب في الإطعام أن يغديهم ويعشيهم، ما يشبعهم، هذا المقدار الواجب من أوسط ما تطعمون أهليكم.
أو كسوتهم؛ يعني أن يشتري كسوة لعشرة مساكين فيكسوهم، إما أن يشتري لهم طعامًا، أو أن يشتري لهم كسوة، أو تحرير رقبة، وتحرير رقبة معناه عتق رقبة، والآن في زماننا هذا حقيقة لا توجد الرقاب، لذلك هذا الخيار الآن ساقط لا يمكن تطبيقه باعتبار عدم وجود الرقاب.
إذن عندنا هذين الخيارين، فمن لم يستطع أن يطعم عشرة مساكين ولا يجد مالًا يطعم به عشرة مساكين، ولا يجد كسوة يكسو بها عشرة مساكين سواء كانت هذه الكسوة عنده أو اشتراها من السوق، نقول حينئذ انتقل بالترتيب بحكم أنك غير واجد إلى صيام ثلاثة أيام.
هذه الثلاثة أيام هل تجب متتابعة أو يجوز أنها تصام متفرقة؟ يجوز أنها تصام متفرقة أو متتابعة، الآية ما قيدت، قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196]. ذلك كفارة إيمانكم إذا حلفتم.
فالله سبحانه وتعالى شرع كفارته من الأخطاء الحقيقية الموجودة بكفارة اليمين؛ أن بعض الناس إذا أقسم يميناً وأراد أن يحلها مباشرة يصوم ثلاثة أيام، نقول لا، خطأ، هذا لابد أنك تطعم عشرة مساكين أو أن تكسو عشرة مساكين، إذا لم تجد فإنك تصوم ثلاثة أيام. بعض الناس يبدأ بالصيام، هذا خطأ؛ أن الإنسان يبدأ بالصيام.
ثم قال الله جل جلاله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89]، وهذا في الحقيقة وصية لكل مؤمن ومؤمنة، أن الإنسان يحفظ يمينه ويحرص على عدم الإكثار من اليمين وعلى عدم الحنث في اليمين. هل الحنث في اليمين مكروه أو مذموم؟ نقول الأصل في اليمين أن يأتي الإنسان بها، هذا الأصل؛ أن يقسم على شيء فيأتي به.
يجوز له الخروج عن هذا الأصل إذا رأى الخير في غيره، فإذا كان الخير في غيره مثل ما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «إني والله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني». فما دام أن الله سبحانه وتعالى قد شرع تحلة اليمين، فلماذا يتردد الإنسان في المجيء بالخير؟ هل لكونه قد أقسم ألا يأتي به؟ نقول لا، تحلل من هذه اليمين ولكن ائتِ الذي هو خير كما جاء في هدي رسول الله ﷺ وقوله.
إذن يشرع، بل أحياناً يجب؛ إذا الإنسان أقسم على أمر محرم نقول يجب أن تترك اليمين هذه وأن تتحلل منها، ولو أقسم على أمر مثلاً مكروه أو على ترك شيء من المستحبات نقول يستحب لك أن تفعل هذا الأمر ولو كنت قد أقسمت بخلافه، ما دام هذا الأمر من الأمور المستحبة، ويكره لك أن تترك هذه الأمور المستحبة لأجل اليمين؛ فاليمين ليست عذراً في ترك هذه الأمور المستحبة، فالإنسان عليه أن يسابق إلى الخيرات وأن يسابق إلى رضوان الله سبحانه وتعالى، وألا يقسم على التأخر عنها.
إذن في اليمين له أحكام، أحياناً قد يكون مشروعاً. هنا سؤال: هل الكفارة تكون قبل الحنث أو بعد فعله؟ نقول الأمر إن شاء الله تعالى في هذا يسير، إن أراد أن يكفر قبل أن يفعل، أما الحنث مثلاً حلف ألا يزور أخاه مثلاً، أقول أنت في الخيار، إن كفرت ثم زرت فهذا حسن، وإن خلاص عقدت العزم على تحلة اليمين وزرته ثم بعد زيارته أطعمت عشرة مساكين، فالأمر إن شاء الله تعالى في هذا يسير وواسع، أن الإنسان يكفر سواء.
وهذا يؤخذ من قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]؛ فالحل ما يكون قبل الحنث، يكون قبل الفعل، والكفارة لفظ الكفارة غالباً يطلق على ما يكون بعد الفعل، وهذا أمر اصطلاحي، الأمر فيه يسير وواسع، لكن هذا كمعنى لغوي؛ الحل ما كان قبل الفعل لأنه فيه كأنه تحلل، كأن اليمين هذه قد انحلت، انحل انعقادها.
في كلمة لابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذه حقيقة كلمة جميلة، يقول: «لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً». هذه كلمة عظيمة أختم بها حديثنا عن الإيمان، وهي وصية فالتحذير من الحلف بغير الله. للأسف أنه ينتشر عند بعض الناس أنه يحلف بالأب، أو يحلف بالنبي، أو يحلف بالرسول، أو يحلف بالولي، أو يحلف بشرفه، بأمانته، بكذا.
نقول كما قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لأن يحلف الإنسان بالله كاذباً على عظمته وأنه من اليمين الغموس، لكنه أسهل وأيسر من أن يحلف بغيره صادقاً؛ لأن الحلف بغير الله تعظيم لغير الله لم يشرعه الله، فكون الإنسان يحلف بالله سبحانه وتعالى هذا هو الأمر الواجب عليه.
وكلمة مسعود رضي الله تعالى عنه منشأها أن تتعارض عندنا حسنة التوحيد مع حسنة الصدق، ولا شك أن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وتتعارض عندنا سيئة الشرك وسيئة الكذب، ولا شك أن سيئة الشرك أعظم وأخطر من سيئة الكذب، وكلاهما عظيم، وكلاهما من كبائر الذنوب، ولكن هذه مراتب الشرور. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا وإياكم من الشرور كلها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي