دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، بتقنياته ومجالاته ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، الفقه الميسرة عاملا بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالازهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

أما بعد؛ فهذا هو الدرس الخامس عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، وأن يبارك في هذه الأكاديمية معلميها وطلابها والقائمين عليها، وأن يجعلنا جميعا مباركين حيثما كنا.

أما بعد إخواني وأخواتي، كنا قد استفتحنا عددا من الدروس حول موضوع الربا، تحدثنا فيه عن تعريفه وحكمه وأقسامه وأنواعه؛ فذكرنا أن الربا ينقسم إلى ربا الديون وربا البيوع. ربا الديون أهم قسم فيه وأشده خطرا، وهو ربا الجاهلية، وهو الذي يقع عند حلول الأجل ويقع في كل الأموال. ثم النوع الثاني منه ربا القروظ.

وانتقلنا إلى القسم الثاني من أقسام الربا، قسيم ربا الديون وهو ربا البيوع، وقلنا إن ربا البيوع كذلك ينقسم إلى قسمين: ربا الفضل وربا النسيئة. ما هو تعريف ربا الفضل؟ ربا الفضل هو الزيادة في المقدار عند اتحاد الجنس في الأموال الربوية.

إذا، ربا الفضل ما جمع ثلاثة أوصاف: الوصف الأول أن يكون المالان اللذان يتم بينهما المبادلة من الأموال الربوية. الثاني أن يتحد الجنس، بمعنى أن يكون هذا ذهبا وهذا ذهبا، هذا بر وهذا بر، هذا شعير وهذا شعير. ثالثا أن يزيد المقدار؛ هذا هو ربا الفضل، اتضح أمره.

إذا، ربا الفضل هو الزيادة في المقدار عند اتحاد الجنس في الأموال الربوية. سؤال: ما هي الأموال الربوية أو أموال ربا البيوع؟ نقول: أموال ربا البيوع هي الأصناف الستة وما وافقها في العلة. وباختصار نقول: هي كل نقود أو كل طعام قوت مدخر. مثل الذهب والفضة، والريال السعودي، والدولار الأمريكي، والجنيه الإسترليني؛ هذه أمثلة للنقود. أما الطعام القوت المدخر؛ مثل البر والشعير والتمر والملح والأرز والفول والعدس، هذه كلها أقوات مدخرة مطعومة.

كيف يقع ربا الفضل؟ الزيادة في المقدار عند مبادلة مال ربوي بمثله من نفس الجنس. فلو بادل ذهبا بذهب، نقول: لا بد من التماثل في المقدار حتى تخرج من ربا الفضل. لو بادل رزا برز، نقول: لا بد من التماثل في المقدار حتى تخرج من ربا الفضل. لو باع تمرا بتمر، نقول: لا بد من التماثل في المقدار لتخرج من ربا الفضل.

لو باع سيارة بسيارتين، نقول: السيارات ليست من أموال ربا البيوع، وبالتالي لا مانع. لو باع كتابا بكتابين، نقول: الكتب ليست من أموال ربا البيع، وبالتالي لا مانع. قد يقول قائل: هذا ربا فضل لزيادة المقدار، نقول: زاد في المقدار ولكن المال ليس ربويا، ليس من ربا البيع.

لو قال شخص: باع دولارا بأربعة ريالات، هل يصح هذا؟ الدولار والريالات مال ربوي، فنقول: نعم يصح، ولكن هذا الدولار بالريالات الأربعة ليس متحدة الجنس؛ لأن الدولارات الأمريكية جنس، والريالات السعودية جنس آخر. فحتى يقع ربا الفضل لا بد من التماثل في الجنس، بمعنى أن يكون هذا دولار بدولار، أو ريال سعودي بريال سعودي، وهكذا، جنيه إسترليني بجنيه إسترليني.

هذا الاتحاد في الجنس، مع أن يكون المال مالا ربويا، مع أن يزيد في المقدار؛ هذه ثلاث أوصاف. لو تخلف وصف منها فمعناه أنه لم يقع ربا الفضل. لو باع دولارا أمريكيا بدولار أمريكي، نقول: هذا تماثل حصل الحمد لله، ولم يقع ربا الفضل. لو باع دولارا أمريكيا بأربعة ريالات سعودية مثلا، نقول: هنا لم يقع ربا الفضل؛ لأنهما جنسان مختلفان لم يتماثلا الجنس. لو تماثل الجنس، مثلا قال سيارة بسيارتين، نقول: لم يقع لأنه ليس مالا ربويا. لابد أن يكون المال ربويا.

إذا عرفنا الآن الأوصاف الثلاثة التي تجعل المعاملة مندرجة في ربا الفضل: زيادة في المقدار، وأن يكون العوضان كلاهما مالا ربويا، وأن يكونا متحدي الجنس؛ ذهب بذهب، دولار بدولار.

خلونا نتحدث الآن عن ربا النسيئة. ربا النسيئة كذلك لا يقع إلا إذا كان المالان ربويين، لاحظوا أن هذا الشرط نفس الشرط الموجود في ربا الفضل. الشرط الثاني في ربا الفضل قلنا أن يتحد جنسهما، لكن في ربا النسيئة أقول: أن تتحد علتهما. فمثلا الذهب بالذهب قد يقع في ربا النسيئة، والذهب بالفضة قد يقع فيه ربا نسيئة، والذهب بالدولار قد يقع فيه؛ لأنه متحد العلة، كلها علة نقدية.

أما الذهب بالطعام، فلا يقرب النسيئة؛ لأنه مختلف العلة. والطعام الذي يقع فيه الربا، مثل البر بالبر، إذا وقع ربا نسيئة؛ البر بالشعير قد يقع ربا نسيئة، والبر بالتمر قد يقع ربا نسيئة. طيب، البر بالريالات لا يقرب نسيئة لاختلاف العلة.

متى يقع ربا النسيئة؟ الشرط الأول أن يكون العوضان مالا ربويا، الثاني أن يتحدا في العلة؛ فإذا كان المالان كلاهما نقودا أو كلاهما طعاما فإنه قد يقع ربا نسيئة. الوصف الثالث أن يتأجل أحد العوضين عن مجلس العقد، فهذا معناه أن هذه المعاملة صارت مندرجة تحت ربا النسيئة. إذا كان المالان مالا ربويا، اتحدا في العلة، ووقع تأخير عن مجلس العقد في قبض أحد العوضين أو كليهما، فمعنى ذلك أن هذا ربا نسيئة.

خلونا نعطي المقارنة بين ربا النسيئة وربا الفضل. ربا النسيئة أو ربا الفضل كلاهما لابد أن يكون العوضان من الأموال الربوية. الشرط الثاني: ربا الفضل يشترط أن يتحد جنسهما، أما ربا النسيئة فيشترط أن تتحد علتهما. فمثلا إذا قلنا بر ببر، نقول: هذا عرضة لوقوع ربا الفضل وربا النسيئة، لكن بر بشعير؛ هذا ليس عرضة لوقوع ربا الفضل، ولكنه عرضة لوقوع ربا نسيئة لأن البر والشعير متحدة العلة.

لو قلنا ذهب بفضة، هذا ليس عرضة لوقوع ربا الفضل، وإنما هو عرضة لوقوع ربا النسيئة. دولار بجنيه إسترليني، نقول: هذا ليس عرضة لوقوع ربا الفضل، وإنما هو عرضة لوقوع ربا النسيئة. دولار أسترالي بدولار أسترالي، نقول: هذا عرضة لوقوع ربا الفضل وعرضة لوقوع ربا النسيئة.

الشرط الثالث: ربا الفضل أن يحصل زيادة في المقدار، كأن يبيع دولارا أستراليا بدولارين أستراليين، هذه زيادة في المقدار. وربا النسيئة هو تأخير وإنساء في قبض أحد العوضين عن مجلس العقد. بناء على هذا التعريف، لو باع دولارا أستراليا بدولارين أستراليين، وسلمهما بعد شهر، نقول: فإنه قد وقع هنا ربا الفضل وربا النسيئة. لاحظتم هذا الأمر؟

إذًا هذا باختصار ما سبق أن قررناه في قضية تعريف ربا الفضل وربا النسيئة وحقيقتهما وطريقة الخروج عنهما. فاصل قصير ونعود إليكم.

في السفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديما قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفرّج همًّا واكتساب معيشة ... وعلم وآداب وصحبة ماجد

وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور، منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير ويستشير، التوبة وقضاء الدين والتحلل ممن أساء إليهم، ألا ينسى نفقة أهله، أن يختار الرفقة الصالحة في السفر، وأن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه.

ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له، وأن يبكر في الخروج؛ لأن النبي ﷺ كان يحب أن يخرج يوم الخميس، وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها. ويبتدأ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبّر ثلاثًا ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطوِ عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل».

كما يستحب له السرى، وهو سير المسافر آخر الليل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدّلجة فإن الأرض تُطوى بالليل»، وينبغي أن يكون الذكر صاحباً له وأنيساً، والدعاء قريناً له وسميراً، فهو مظنة الإجابة. وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلاً: «اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها». وإن نزل منزلاً دعا وقال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.

وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والإتيان برخص السفر كقصر الصلاة الرباعية ركعتين، وكذا الجمع إذا كان سائراً، فإن كان نازلاً في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصراً، ويجوز له الجمع. ويستحب له ألا يطيل في السفر، وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته، فإن عاد من سفره ودنى من بلدته قال: «أيبون تائبون عابدون لربنا حامدون».

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن قريبة للبيوع. إذا أردنا الحديث عن الواقع المعاصر اليوم المطبق من حيث علاقته بربا البيوع، نقول: غالب مبادلات الناس اليوم تتم من خلال توسيط النقد؛ طبعاً نحن نقول الغالب ولا شك أن هناك نادراً. فمن أمثلة ذلك مثلاً يندر اليوم أن نجد مبادلة بين البر بالبر، والتمر بمبادلتة بالتمر، والشعير بمبادلتة بالشعير؛ غالباً الناس يبادلون التمر بالنقد، والبر بالنقد، والشعير بالنقد. لذلك صارت حقيقة، وإن كنا لا نزعم أنه لا يوجد، فقد يوجد هذا: مبادلة تمر بتمر، وشعير بشعير، وبر ببر، ولكن أقول إنه قليل.

هذا في الحقيقة يقودنا إلى قضية، وهي بحكم أن أغلب الناس يوسطون النقود، صارت أغلب مسائل الربا في واقعنا المعاصر تدور وتقع عند مبادلات النقود؛ لذلك نجد الربا في المصارف النقدية التجارية عرضة للوقوع، لماذا؟ لأنها تتداول وتتعامل بالنقود. لذلك كان لا بد عليها من الحذر عند تعاملها بالنقود، بخلاف مثلاً تجار الطعام، وتجار الملابس وغيرهم؛ هؤلاء باعتبار أنهم يبادلون طعاماً بنقود، وملابس بنقود، وسيارات بنقود، صاروا أقل عرضة للوقوع في ربا البيوع.

هذا الجانب الأول الذي أردت التنبيه إليه من حيث الوقوع في زماننا المعاصر؛ إذ صارت المصارف أكثر عرضة للوقوع في ربا البيوع لأنها تداول النقود وتتعامل بها، والناس في حياتهم المعاصرة صاروا يوسطون النقود في كل شيء، ويشترون كل شيء بالنقد، ويبيعون كل شيء بالنقد. وصار غير المصارف الذين لا يتعاملون في النقود بيعاً وشرءاً، وإنما مثلاً في الملابس بيعاً وشراءً، أو في الأطعمة بيعاً وشراءً، أو في السيارات بيعاً وشراءً، صاروا أقل عرضة للوقوع في ربا البيوع.

النقطة الثانية: ربا الديون، جميع التجار معرض للوقوع به سواء كانوا من المصارف أو من محلات الملابس أو محلات الطعام أو محلات السيارات أو غيرها. ربا الديون لماذا؟ لأن ربا الديون يقع في كل مال؛ فإذا أجل بزيادة حل الدين، فإذا أجل بزيادة صار هذا من ربا الديون، وصار هذا من ربا الجاهلية الذي ينبغي أن يحذر.

إذاً عندنا قضيتان: ربا البيوع صار أغلب دورانه في المصارف، وربا الديون يدور في المصارف وفي غيرها من الأنشطة التجارية. هذا تنبيه ينبغي لنا أن نتنبه إليه؛ كيف يقع في تطبيقنا وفي حياتنا المعاصرة؟ كيف يقع الربا، ربا البيوع وربا الديون، في المصارف التجارية؟ تقع بجانبك. أولاً: إقراض النقود بنقود مثلها وزيادة؛ لاحظوا أنه هذا ربا بيوع أو ربا قروض، لماذا؟ لأنه وقع عند ابتداء العقد، وهو نقد بنقد وزيادة، والنقد من الأموال الربوية، وما دام قد اتحد الجنس فإنه يقع ربا الفضل وربا النسيئة، وهو ما اصطلح أهل العلم على تسميته بربا القروض البنكية.

وكيف يقع ربا الديون في المصارف؟ إذا حل الدين وقال المصرف للمدين: "عندك وفاء توفيني ولا أنظرك بزيادة"؟ هذا معناه أن هذا ربا قلب الدين، وهو ربا الجاهلية، وهو "زدني أنظرك"، وهو كذلك من الربا المحرم شرعاً. إذاً هذا النوع كذلك من أنواع الربا.

أما في الأنشطة التجارية، فنقول: حقيقة مبادلاتهم بحكم أنهم يبادلون الملابس بالثياب، فربا البيوع لا يقع عندهم ابتداءً، لكن إذا حل الأجل وقال التاجر لزميله التاجر الآخر: "يا أخي أنت لم توفِ ثمن الملابس التي وعدت بتسليمها بعد سنة، فالآن بزيادة عليك"، نقول هذا ربا. قال: "يا أخي أنت لم تسددني ثمنها الذي وعدتني أن تسدده لي بعد سنة، فبزيادة عليك"، نقول هذا ربا. لاحظتم إذاً الأنشطة التجارية قد تقع في الربا، لكن نقول يقل وقوع ربا البيوع في بداية العقد لأنها غالباً تبادل سلع بنقود، والذي حقيقة معرض لوقوع ربا البيوع كثيراً هم المصارف؛ لأنهم يبادلون نقوداً بنقود، وهنا مكمن الإشكال.

طيب، نريد أن نتطرق كذلك لبعض المسائل المعاصرة، وهو: ما حكم الشراء ببطاقة الصراف الآلي؟ ما حكم الشراء ببطاقة الصراف الآلي؟ لو أن إنساناً ذهب فاشترى سلعاً ببطاقة الصراف الآلي، هل يجوز هذا؟ نقول: يجوز، وأصلاً لا يتصور أن يقع ربا البيوع هنا؛ لماذا؟ يعني هذه مبادلة بين السلع وبين نقود، فلا مانع.

لو جاء شخص وسألكم فقال: ما حكم شراء الذهب والفضة ببطاقة الصراف الآلي؟ نقول: الآن الذهب أو الفضة مع النقود، هذه اتحدت علتها وهي النقدية، والأمر الثاني كلاهما من الأموال الربوية؛ لذلك لا بد أن نراعي -ما دام قد اتحدت العلة- الخروج من ربا النسيئة.

ولو كان إنسان سيشتري ببطاقة الصراف الآلي عملة أخرى، فلابد من مراعاة عدم الوقوع في ربا النسيئة. ولو كان سيشتري عملة من نفس عملة الصراف، فإنه لابد من مراعاة أمرين: التماثل في المقدار، وعدم التأخر في المجلس.

خلونا نبحث: شراء الذهب والفضة وبطاقة الصراف الآلي، هل يجوز الشراء؟ نقول: ما دام أنه يشتري ذهبًا وفضة وسيسلم نقودًا، فالآن هنا آلة ما يجمعه علة نقدية، وكلاهما من الأموال التي يجري فيها ربا البيوع، وحتى يخرج من ربا النسيئة لابد من التقابض في مجلس العقد. فهل يحصل التقابض في مجلس العقد بتمرير بطاقة الصراف الآلي لدفع النقود للتاجر أم لا؟

في واقع الأمر، عندما ننظر في هذه المسألة فإننا نجد أن تمرير بطاقة الصراف الآلي يعد بمثابة إقباض النقود، واستلامه للذهب والفضة حينئذ يعد تقابضًا للعوضين في مجلس العقد؛ وبالتالي فإن هذه المعاملة -والله تعالى أعلم- إنها جائزة. شراء الذهب والفضة ببطاقة الصراف الآلي إذا كان التاجر يستلم النقود من خلال هذه البطاقة وكان العميل يستلم الذهب والفضة يدويًا، فهنا قد حصل التقابض بين الطرفين في مجلس العقد وتحقق الشرط.

ما هو المشكل حقيقة في هذه النقطة الذي قد يشكل على بعض الناس؟ نقول إنه التاجر لم يستلم النقود بيده، ولكنه استلمها في حسابه، أي أنه استلمها في مكان آخر، ولكن ما دام قد استلم النقود فإن هذا كافٍ -إن شاء الله تعالى- في تحقق شرط التقابض ما دام قد استلمها في هذا المجلس ومررت البطاقة في هذا المجلس. أقول هذه المسألة -والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم-.

فاصل قصير ونعود إليكم.

العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود تقربًا إلى الله تعالى، وشكرًا على أنعم به من نعمة الولد، وأهل العلم على أنها سنة مؤكدة. وهي كما قال النبي ﷺ: «عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة». ويشترط في سنها ما يشترط في الأضحية؛ فالضأن ما أتم ستة أشهر فأكثر، والمعز ما أتم سنة فأكثر.

ولا يباع لحمها ولا جلدها ولا شيء منها، ولا يرتأى فيها من العيوب ما يتقى في الأضحية؛ كالعوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والهزيلة. ووقت ذبح العقيقة يبدأ من تمام انفصال المولود، فلا تصح عقيقة قبله، وتستحب العقيقة في اليوم السابع، فإن تعذر فيسن ذبحها في الرابع عشر، فإن تعذر انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين. ويوم الولادة يحسب من السبعة، ولا تحسب الليلة إن ولد ليلًا، بل يحسب اليوم الذي يليها.

قال صلى الله عليه وسلم: «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه». والعقيقة يؤكل منها ويهدى ويتصدق، ولم يرد في ذلك تحديد فكيف ما فعل فجائز، ويجوز أن يخرج اللحم نيئًا أو مطبوخًا والطبخ أفضل، فهو زيادة في الإحسان وشكر النعمة.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم بذكر بعض التطبيقات المعاصرة ذات العلاقة بالربا. من التطبيقات المعاصرة ذات العلاقة بالربا أن يتجه شخص إلى أحد البنوك ويطلب قرضًا نقديًا، فلنفترض مثلاً ألف ريال أو ألف دولار، على أن يسدده مثلاً كل شهر فائدة قدرها دولار أو دولارين أو عشرة، وفي آخر المدة يرد له أصل المال.

نقول: هذا يقع هنا ربا الفضل والنسيئة. لماذا؟ لأن النقود مع النقود، وكلاهما مال ربوي، وهذا الأمر الأول. الأمر الثاني: اتحد جنسهما، فهو يقترض ريالات ويسدد ريالات، أو يأخذ دولارات ويسدد دولارات، اتحد دولار بدولار. الأمر الثالث: أنه حصل زيادة في المقدار؛ لأنه أخذ مئة وسدد مئة وعشرة، وحصل تأخر في قبض أحد العوضين؛ لأنه سلم المئة والعشرة بعد شهر. هنا في واقع الأمر هذا ربا البيوع، الفضل والنسيئة وقعت في هذه الصورة، وهو ما اصطلح أهل العلم على تسميته بربا القروض المصرفية المعاصرة.

مثال آخر من أمثلة التطبيقات المعاصرة عند مبادلة الذهب بالذهب؛ بعض الناس يبادل ذهبًا بذهب، ربما ذهب قديم بذهب جديد. جمهور الفقهاء بالمذاهب الأربعة يشترطون المماثلة في المقدار؛ لأنه قد يبذل ذهبًا بذهب، فيقول إن الذهب مع الذهب مال ربوي، وما دام مالًا ربويًا وقد اتحد الجنس ذهب بذهب، فإنه يلزم التماثل في المقدار والتقابض في المجلس؛ يلزم التماثل في المقدار خروجًا من ربا الفضل، ويلزم التقابض في المجلس خروجًا من ربا النسيئة. وبناء عليه، لو حصل زيادة في المقدار وقع ربا الفضل، ولو حصل تأخير في القبض، بمعنى أنه سلم الذهب اليوم على أن يستلم الذهب من الطرف الآخر بعد يومين أو ثلاثة أيام، فإنه يحصل ربا النسيئة. إذا هذه كذلك من الصور التي قرر جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة اندراجها في ربا الفضل أو النسيئة إذا لم يحصل التماثل في المقدار والتقابض في المجلس.

من الصور المعاصرة التي نحتاج إلى الحديث عنها والتي قد يكون لها علاقة بربا البيوع، مثلاً لو أن إنسانًا أراد أن يصارف البنك، وجاء إلى البنك ومعه مثلاً عشرة جنيهات وقال: أريد مقابلها مثلاً خمسة دولارات، فالبنك قيد له في حسابه خمسة دولارات؛ فهل هذا القيد يعتبر قبضًا يتحقق به الخروج من ربا النسيئة؟

نقول: الصحيح والظاهر والله تعالى أعلم، وصدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي، أن القيد المصرفي يعد بمثابة القبض. وبالتالي فإن البنك إذا قبض منك عشرة جنيهات وقيد لك في حسابك خمسة دولارات، فإن هذا القيد يعتبر بمثابة القبض ولو لم تستلم هذه الخمسة دولارات بيدك. لماذا؟ لأن القيد المصرفي في الحساب يعده الناس في أعرافهم اليوم قبضًا؛ فلو كان مثلاً لك علي دين قدره مئة دولار فحولت هذه المئة دولار إلى حسابك، فإنه في عرف الناس اليوم يعتبرون أنك قد قبضتها. هذا القيد في الحساب يعتبر قبضًا، ولو لم أسلم المئة دولار لك في يدك، فلا بأس، إذا سلمتك إياها في الحساب أو أودعتها لك في الحساب فإن هذا يعد بمثابة القبض. هذا يسميه أهل العلم القيد في الحساب "القبض الحكمي"؛ فالقبض عندنا نوعان: قبض حقيقي وهو ما قبضته بيدك، وقبض حكمي وهو ما قيد لك في حسابك مثلاً.

أو استلمت شيكًا مصدقًا يقابل المبلغ الذي لك مثلا، أو حولت لك من خلال بطاقة الصراف، مثل تاجر الذهب والفضة الذي يقبل البيع ويقبل شبكة بطاقة الصراف، فهذه الأموال تودع في حسابه.

فالشاهد أن هذه الوسيلة التي يعدها الناس في واقع الأمر قبضًا، فإنها تأخذ حكم القبض وتعتبر استيفاء للشرط الشرعي بالتقابض في مجلس العقد؛ لأن القبض معنى عرفي، والناس في أعرافهم يعدون ما دخل في حسابهم البنكي مقبوضًا، وإذا استلموا الشيك المصدق يعتبرونه مقبوضًا، وما حول ببطاقة الصراف يعتبرونه مقبوضًا. لأجل هذه الأمور كلها، فإن الظاهرة -والله تعالى أعلم- أن هذه الأمور كلها تفي بشرط التقابض الشرعي في مسألة ربا النسيئة عند مبادلة النقود بالنقود، أو عند مبادلة النقود بالذهب أو الفضة.

هل يشترط التقابض عند شرائك سلعًا ليست ذهبًا ولا فضة؟ شرائك من السوبر ماركت أو من الملابس أو غيرها فسددت ببطاقة الصراف، نقول أصلًا هنا لا يرد السؤال على ربا الفضل ولا ربا النسيئة؛ لأن الملابس أو الأشياء التي تشتريها من السوبر ماركت لا يقع عليها أصلًا، ليست من الأموال الربوية التي يحذر فيها من ربا الفضل وربا النسيئة، ولكنها من الأموال التي يحذر فيها من ربا الجاهلية؛ لو كانت دينًا عليك في الذمة ولم تستطع وفاءه، فإنه لا يجوز زيادة هذا الدين على الإنسان والتأخير في الأجل. هذه بعض المسائل المتعلقة بالتطبيقات المعاصرة لبعض مسائل الربا.

هناك مسألة أحب أن أنبه إليها وأختم بها لقاءنا هذا ودرسنا هذا، ألا وهي مسألة البطاقات الائتمانية. البطاقات الائتمانية التي يقترض بها الإنسان نقودًا ثم في آخر الشهر إن سدد فإنه يوفي المبلغ الذي عليه، وإن لم يسدد فإنها تؤجل إلى شهر آخر بزيادة عليه؛ هل هذه تعد من ربا البيوع أم تعد من ربا الجاهلية؟ نقول إن هذه المسألة تعد -والله تعالى أعلم- من ربا الجاهلية ولا تعد من ربا البيوع.

كيف؟ لأنه حين يقترض مثلا ببطاقة الائتمان مئة دولار، فإنه مطالب في آخر الشهر بأن يسدد مئة دولار، فإن لم يوفِ فإنها تصبح في ذمته مئة وخمسة، وهو ما ذكرنا أنه من ربا الجاهلية، وهو أشنع أنواع الربا -والعياذ بالله- أن يقول الدائن للمدين: «تقضي أم تربي؟»، أي أزيد في الدين وتزيد في الأجل. وهو ما قال الله سبحانه وتعالى فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: 130-132].

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا وإياكم أنواع الربا وأقسامه وأشكاله، وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيثما كنا، وأن يرزقنا وإياكم الرزق الحلال. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.