تسجيل الدخول

المحاضرة 11 - أحكام متعلقة بصلاة الجمعة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. ربنا هيئ لنا من أمرنا رشدا، ربنا آتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا. إخواني وأخواتي في أكاديمية زاد المباركة، هذا هو الدرس الحادي عشر من سلسلة دروس الفقه في هذه الأكاديمية في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في طلابها ومعلميها والقائمين عليها، وأن ينفع بها الجميع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العلم الذي نقوله في هذه الأكاديمية حجة لنا، والذي نتعلمه في هذه الأكاديمية أن يكون حجة لنا لا حجة علينا.

نتابع في هذا الدرس ما ابتدأناه في درسنا الماضي عن صلاة الجمعة. كنا قد تحدثنا في الدرس الماضي عن فضيلة يوم الجمعة، وتحدثنا عن حكم صلاة الجمعة وأنها واجبة وجوبا عينيا، وذكرنا على من تجب صلاة الجمعة، ثم ذكرنا بعض مسنونات الخطبة، وذكرنا أن الخطبتين في صلاة الجمعة ركن من أركانها. نريد أن نتحدث اليوم عن بعض التنبيهات والمحاذير وبعض السنن في الجمعة عموما، وعن صفة الصلاة، وعن بعض الأحكام المتعلقة بالجمعة نتمم بها حديثنا عن هذه الصلاة.

من المحاذير التي ينبغي للمسلم أن يحذرها هي الكلام والإمام يخطب في صلاة الجمعة؛ فإن المأموم السامع للخطبة لا يجوز له أن يتكلم والخطيب يخطب. لا يجوز للمسلم أن يتكلم والخطيب يخطب، وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة فقد لغوت». إذا حتى الرد على السلام أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر لا يشرع في وقت خطبة الجمعة، وإنما يشرع للمسلم أن ينصت دون أن يتكلم. حتى ولو كان برد سلام؛ أو كان أصلا لا يشرع لمن دخل أن يسلم، وإنما يدخل فيصلي ركعتين ويجلس، لكن لو سلم -مثلا- هذا أخطأ فسلم، لا يشرع لنا أن نرد عليه السلام، لا، وإنما ينصت مستمعا فيستمع الخطبة.

هل يجوز للمسلم أن يكلم الخطيب؟ نعم يجوز، وقد جاء هذا في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: أن أعرابيا جاء في صلاة الجمعة وقام وكلم النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وكلمه النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فقال: يا رسول الله هلكت المال وجاع العيال، ادع الله لنا. كان ذلك قد أصابهم سنة، أي أصابهم قحط في المطر، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه يدعو فدعا النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا». لما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه؛ وهنا تنبيه: أن الخطيب في الجمعة يشرع له أن يرفع يديه حال دعاء الاستسقاء، ولا يشرع له أن يرفع يديه في غير ذلك من الدعاء. فلذلك إذا دعا لنفسه -مثلا- قال: اللهم اغفر لنا للحاضرين في ختام الجمعة، مثلا قال: اللهم اغفر لنا وارحمنا، لا يشرع له أن يرفع يديه بالدعاء. لكن إذا قال: اللهم اسقنا، فيشرع له أن يرفع يديه في الدعاء لما جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في الخطبة فقال: «اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا».

يقول أنس: وما كان في السماء قزعة، ما كان فيها ولا سحابة، فما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر إلا والماء والمطر يتحاذق، صلوات الله وسلامه عليه، ومطرت يومنا والذي يليه والذي يليه حتى الجمعة التي تليها. فلما جاءت الجمعة التي تليها قام ذلك الأعرابي أو غيره -كما قال أنس رضي الله تعالى عنه- فقال: يا رسول الله هلك المال، فادع الله سبحانه وتعالى لنا أن يصرف عنا هذا الماء وأن يجعله في حوالي المدينة، فادع الله لنا. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا»، فكان لا يشير إلى ناحية من السحاب إلا انصرفت وانقشعت، حتى خرج هذا السحاب وأصاب الآكام والضراب والأودية -كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم-: «اللهم على الآكام والضراب والجبال والهضاب وبطون الأودية ومنابت الشجر». فأشار النبي صلى الله عليه وسلم، ما كان يشير إلى ناحية من السحاب إلا انصرفت وانقشعت هذه الناحية، كما جاء في حديث أنس. لا شك أن هاتين الجمعتين كانت من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.

الشاهد من حديثنا هنا أنه يشرع للمسلم أن يتكلم مع الإمام، لكن هذا إذا كان لحاجة؛ أما إذا كان هذا الحديث لغير حاجة فلا يشرع. أو يكون أحيانا لضرورة، مثلا: ربما انطفأ المكون الذي يخطب به الإمام فيخاطب إنسانا أن يصلح هذا المكون -مثلا- أو أن يصل بعض أسلاكه -مثلا-. لكن هل يشرع لهذا الشخص أن يكلم جاره أو غيرها؟ نقول لا، لا يشرع. إذًا لا يشرع الحديث والكلام في الجمعة، بل لا يجوز للمسلم إلا أن يستمع للإمام، وإنما يجوز له فقط أن يخاطب الإمام.

نريد أن ننتقل بعد هذا إن شاء الله تعالى إلى حديث عن راتبة الجمعة، ثم حديث عن صفة صلاة الجمعة وبعض سننها. فنقول إن الجمعة ليس لها راتبة قبلية، وإنما يشرع للمسلم أن يصلي كما جاء في حديث سلمان رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل في بيته، ثم ذهب للجمعة، ثم تطيب بما استطاع من طيب، وادهن ما استطاع من دهن، وتطيب من طيب بيته، ثم خرج إلى الجمعة ولم يفرق بين اثنين، وصلى ما كتب له؛ إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة التي تليها». إذًا هذه سنن ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، لعلنا نتطرق لها إن شاء الله تعالى في سنن الجمعة. يشرع للمسلم أن يصلي قبل الجمعة، ولكن ليس هناك راتبة مثل راتبة الظهر أو راتبة المغرب أو راتبة العشاء. إذًا هذا دليل على مشروعية الصلاة قبل الجمعة، ولكن لا يدل على أن هذه الصلاة صلاة راتبة. ما الفرق بين السنة الراتبة والسنن الأخرى؟ السنن الراتبة هي التي يداوم عليها، وهي المحددة والمؤقتة؛ كان يقال قبل الفجر ركعتان، مثلا، قبل الظهر أربع، وبعدها ركعتان، بعد المغرب ركعتان، وبعد العشاء ركعتان. هذه سنن رواتب محدودة مؤقتة بوقت وبقدر ومؤكدة يشرع المداومة عليها، بخلاف السنن والنوافل المطلقة. لذلك الصلاة قبل الجمعة في واقع الأمر هي من النوافل المطلقة، يصلي ما كتب له إن تيسر، يصلي ركعتين، أربع، ست، ثمان، عشر، كما كتب له، كما جاء في حديث سلمان رضي الله تعالى عنه.

هل هناك لها راتبة بعدها؟ نعم، جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعد الجمعة ركعتين في بيته، وجاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصلاة أربع، وبعض أهل العلم قال بصلاة ركعتين، وبعض أهل العلم قال بصلاة أربع، وبعض أهل العلم قال بالجمع بينهما فيصلي ستا. والأمر في هذا إن شاء الله تعالى واسع، إن شاء أن يعمل بهذا مرة وبهذا مرة؛ فقد جاءت الأحاديث بكل هذه الصفات وبكل هذه الأعداد. هذا ما جاء في الصلاة قبل الجمعة والصلاة بعدها.

نواصل معكم ونتابع حديثنا إن شاء الله تعالى عن صفة صلاة الجمعة. فنقول إن صفة صلاة الجمعة خطبتان كما ذكرنا في الدرس الماضي بسننه وطريقته، ثم بعد ذلك يصلي الإمام ركعتين يجهر فيهما بالقراءة. إذا أول ما يدخل الخطيب يدخل فيصعد المنبر يسلم على الناس كما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. إذا سلم على الناس يشرع حينئذ الأذان، فيؤذن المؤذن، إذا أذن يجلس الخطيب حال الأذان كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا انقضى الأذان فإنه يقوم فيخطب الخطبة الأولى، ثم يجلس جلوسا يسيرا كما جاء في حديث ابن عمر في الصحيح، ثم بعد ذلك يقوم فيخطب الخطبة الثانية. ثم إذا انقضت الخطبة الثانية يقيم المؤذن للصلاة، فينزل هذا الخطيب من المنبر فيصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة.

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في صلاة الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى كذلك بسورة الجمعة وسورة المنافقون. كل هذه السور لها مناسبة يوم الجمعة، فإن فيها -مثلا- سورة الجمعة لا شك أن مناسبتها ظاهرة، فإن هذه الجمعة تشرع في يوم الجمعة. كذلك سورة المنافقين، كذلك مناسبتها ظاهرة؛ الإنسان يشرع له دائما أن يراجع قلبه، وأن يجدد الإيمان في قلبه، وأن يتأكد من خلوه من النفاق، وأن يعرف صفات المنافقين الذين قال الله سبحانه وتعالى عنهم في كتابه الكريم: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [المنافقون: 4]. كذلك ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿الْغَاشِيَةِ﴾ ذكر: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: 9] في الأمر بالتذكير، ولا شك أن صلاة الجمعة فيها تذكير. سورة الغاشية مناسبة فيها ذكر اليوم الآخر، وذكر أقسام الناس: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ [الغاشية: 8] ووجوه... كذلك في سورة الغاشية بيان لأصناف الناس يوم القيامة، هذه لا شك أن فيها مناسبة؛ ويوم الجمعة هو اليوم الذي -كما ذكرنا- إن الساعة تقوم فيه، فلذلك التذكير بالساعة وبأقسام الناس لا شك أن فيه مناسبة. إذا قرأ الإمام في صلاته شيئا مناسبا لموضوع الخطبة، كذلك نقول لا بأس، إن شاء الله تعالى.

الشاهد أن الخطيب أو الإمام يحرص على تذكير الناس وموعظتهم، ويستغل هذا الاجتماع بالإعداد المناسب له، فيذكر الناس بما يناسب حالهم ومقامهم بما يقدر عليه. كذلك يكثر الخطيب في خطبته من تلاوة آيات القرآن الكريم، فيحسن خطبته بآيات القرآن الكريم وبالأحاديث عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، لذلك كلما كثرت الآيات والأحاديث في هذه الخطبة كلما كانت أنفع، فإن أنفع الكلام كلام الله سبحانه وتعالى، ثم كلام رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة فقرأ سورة ق، صلوات الله وسلامه عليه؛ لا شك أن أبلغ الموعظة ما كان بكتاب الله، وسورة ق لا شك أنها موعظة بليغة، فيها تذكير المسلم بما يحصل يوم القيامة، فيها بيان للقيامتين: القيامة الصغرى وهي وفاة الإنسان إذا بلغت روحه الحلقوم حبل الوريد، وكذلك فيها بيان للقيامة الكبرى إذا قام الناس وتسعرت جهنم وعرضت للعباد وطلبت المزيد، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا في ذلك اليوم.

يبقى عندنا سؤال حول صفة صلاة الجمعة: بعض الناس ربما تأخر عن الجمعة هداهم الله، فنقول إن كان قد أدرك ركعة من الجمعة فإنه يصلي جمعة مع الإمام. إذا فاتته ركعة وأدرك ركعة، نقول قم فاقض ركعة. فإن فاتته الركعتان جميعا نقول: إن فاتته الركعتان جميعا فإنه يصليها ظهرا، خلاص هذا فاتته الجمعة، ونحن قلنا إن كل من فاتته الجمعة فإنه يصلي ظهرا. لذلك إذا قدم هذا الشخص المتأخر فأدرك مع الإمام الركعة الثانية من صلاة الجمعة، نقول: اقض ركعة، لأنك أدركت الجمعة الآن. لكن إن أدرك الإمام في التشهد وقد فاتته كل الركعتين، نقول حينئذ قم فصل أربعا، لأنه قد فاتتك الجمعة.

كيف يدرك الإنسان الركعة؟ قد ذكرنا هذا سابقا في صلاة الجماعة، أن الركعة تدرك بإدراك الركوع مع الإمام. كيف يدرك الركوع مع الإمام؟ كما سيأتينا إن شاء الله تعالى، أنه إذا أدرك الإمام راكعا فوافقه في حال الركوع فهذا يسمى مدركا للركوع، لكن إذا أدرك الإمام والإمام قد رفع ظهره، فهذا فاته الركوع، وبالتالي فاتته الركعة. إذًا تدرك الجمعة والصلوات جميعا بإدراك ركعة، لذلك جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيح أن من أدرك ركعة من...

قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر. إذاً مناط الإدراك في الصلاة هو بإدراك ركعة؛ من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة. مناط الإدراك هو إدراك الركعة، والركعة كما ذكرنا تدرك بالركوع بشرط أن يوافق الإمام وهو راكع؛ فأما إذا رفع الإمام من ركوعه، إذا رفع ظهره وبدأ يرتفع، فهذا انتهى إدراك الصلاة.

إذا كان الإنسان لا يرى الإمام، مثلاً نفترض المسجد واسع ولا يستطيع أن يرى الإمام، أو مثلاً في الحرمين لا يمكن أن يرى الإمام لأن الإمام بعيد، فكيف يعلم هل الإمام رفع ظهره أو لا؟ نقول: إذا بدأ في التسميع؛ سمع الله لمن حمده، فمعنى ذلك أنه قد فاتتك هذه الركعة. إذا كان المسبوق يشاهد الإمام، نقول: إن رأيته وأدركته راكعاً فقد أدركت الركعة، وإن أدركت الإمام وقد ارتفع ظهره فمعنى ذلك أنه فاتتك الركعة. إن كنت لا ترى الإمام فالعبرة بما تسمعه؛ إذا قال سمع الله لمن حمده فمعنى ذلك أنه قد فاتتك الركعة، وأما إذا أدركت الركوع قبل أن يقول سمع الله لمن حمده فقد أدركت الركعة.

هنا يشرع للمسلم حقيقة ذكرنا بعض المشروعات التي تشرع للخطيب، ويشرع للمسلم عند حضور صلاة الجمعة بعض المشروعات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث سلمان رضي الله تعالى عنه قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، ويمس من طيب بيته، ثم يخرج إلى الصلاة فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام؛ إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». في هذا الحديث حقيقة عدد من السنن التي نود الحديث عنها.

أولاً: الاغتسال للجمعة، والاغتسال للجمعة قد جاء فيه أحاديث؛ حديث أبي سعيد قال: «غسل الجمعة واجب» كما جاء في الصحيحين، وأحاديث أخرى أكدت غسل الجمعة، لذلك غسل الجمعة نقول هو إما واجب وإما مشروع ومسنون سنة مؤكدة بالغة. وهذا الغسل معلل بالتنظف للجمعة؛ لماذا؟ لأن الجمعة هذه عيد أسبوعي، فكما يشرع للناس دائماً التنظف والتطهر في محافلهم وأعيادهم، فهذا عيد أسبوعي. لذلك من الأخطاء التي نشاهدها على بعض الناس أنه ربما أتى الجمعة بثياب غير نظيفة، أو ربما أتاها بثياب النوم، أو ربما أتاها ولم يغتسل وتوضأ فقط وجاء، نقول: هذا لا شك أنه من النقص. الإنسان يشرع له أن يأتي للجمعة بثوب نظيف، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين جعلهما للجمعة غير ثوب مهنته»، أي أنه يخصص ثوبين يلبسهما للجمعة، والمراد أنه لبس مخصص للجمعة يخصصه الإنسان للجمعة غير الثياب التي ذهب بها لمهنته، وهذا يدل على الحث على الإتيان للجمعة بملابس نظيفة.

كذلك الاغتسال، كذلك الأدهان، والتطيب فيخرج للجمعة متطيباً، كذلك يخرج متنظفاً مستناً بسنن الفطرة إن كان محتاجاً إليها، فينتف ويقص أظفاره وهكذا حتى يخرج إلى الجمعة متنظفاً. كذلك يكثر من ذكر الله ومن الصلاة على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الحديث: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة».

كذلك مما يشرع للمسلم في هذا اليوم أن يبكر لصلاة الجمعة، وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة ثم راح إلى المسجد في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة». إذاً لاحظوا هذا التفاوت؛ كلما بكر الإنسان في الخروج لصلاة الجمعة فإن هذا يعد أفضل. متى يبدأ الاغتسال لصلاة الجمعة؟ الأظهر والله تعالى أعلم أنه يبدأ الاغتسال لصلاة الجمعة من بعد صلاة الفجر، لأن تبكير لصلاة الجمعة متى يبدأ؟ يبدأ من بعد صلاة الفجر، فلذلك إذا صلى الإنسان الفجر يشرع حينئذ الاغتسال ويشرع التبكير لصلاة الجمعة في أول النهار. الساعة الأولى متى تبدأ؟ الظاهر والله تعالى أعلم إما أن الساعة الأولى تبدأ من طلوع الفجر، وإما أنها تبدأ من طلوع الشمس، هذا فيه بيان من النبي الكريم لسنة التبكير لصلاة الجمعة وأهمية التبكير إليها.

نواصل حديثنا بعد هذا الفاصل عن بعض السنن المتعلقة بالجمعة فيما يتعلق سواء كان بالخطيب أو بالمستمع للخطبة؛ وهو أنه حال الدعاء لا يشرع رفع اليدين في الدعاء سواء كان خطيباً أو كان مستمعاً، إلا في حال دعاء الاستسقاء. وقد جاء في حديث عمارة بن رويبة رضي الله تعالى عنه أنه لما رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه قال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيديه هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة أي السبابة. إذاً في الدعاء هذا الذي يشرع سواء كان خطيباً أو كان مستمعاً للخطبة، أنه إذا دعا لا يرفع يديه، إلا ما ذكرنا في الاستسقاء لما جاء في حديث أنس أن الأعرابي لما جاء قال: ادعوا الله لنا، رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال: «اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا».

هناك بعض السنن التي نود الحديث عنها تتعلق بالجمعة عموماً وليس بالصلاة؛ فمن ذلك مثلاً قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة، وقد جاء فيها بعض الأحاديث والآثار. كذلك يشرع للإمام أن يقرأ سورة السجدة وسورة الإنسان في فجر يوم الجمعة كما جاء في الصحيح. كذلك يشرع للمسلمين تحري ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله سبحانه وتعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها، أي أن هذه الساعة ساعة قليلة. هذه الساعة اختلف أهل العلم في تعيينها؛ بعضهم قال أنها من أول النهار، وبعضهم قال أنها من أوسطه، وبعضهم قال أنها من آخره، وأظهر الأقوال دليلاً والله تعالى أعلم أنها إما أن تكون ساعة صعود الإمام على المنبر أو أن تكون آخر ساعة من نهار يوم الجمعة، فهذان القولان هما أرجح الأقوال في تحديد هذه الساعة.

حقيقة يجب على المسلم ألا يركن إلى هذه الأقوال تماماً وإنما عليه أن يتحرى الدعاء طيلة يوم الجمعة. وقد جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الحث على الدعاء عموماً والحث على الدعاء في هذه الساعة خصوصاً. وإخفاء وقت هذه الساعة يذكرنا بإخفاء تعيين ليلة القدر في ليالي رمضان أو ليالي العشر الأواخر من رمضان، لماذا؟ ليجتهد الناس في الليالي كلها، فلعل والله تعالى أعلم حكمة إخفاء هذه الساعة أن يجتهد الناس في دعاء الله سبحانه وتعالى وطلبه وسؤاله طيلة يوم الجمعة، وألا يركنوا إلى ساعة محددة أو ساعة معينة، وإن كان أرجى الساعات كما ذكرنا ساعتين؛ وهي ساعة صعود الإمام على المنبر والساعة الثانية هي آخر ساعة من نهار يوم الجمعة.

كذلك من الأحكام المتعلقة بيوم الجمعة أنه يكره صوم يوم الجمعة انفراداً، وقد جاء في الحديث: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده». وفي حديث جويرية بنت الحارث رضي الله تعالى عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم رآها صائمة يوم الجمعة فقال: «صمتِ أمس؟» قالت: لا، قال: «تصومين غداً؟» قالت: لا، قال: «فأفطري». إذاً لا يشرع للمسلم أن يصوم يوم الجمعة منفرداً، ويعد صوم يوم الجمعة صوماً مكروهاً، وهذا والله تعالى أعلم لأن فيه شبه من العيد؛ فالعيدان يحرم صومهما، والجمعة بعض أهل العلم قال بتحريم صومها وبعضهم قال بالكراهة. الجمعة فيها شبه من العيد لأن فيها اجتماعاً، لذلك فيها شيء من أحكام العيد؛ فيها خطبة الصلاة، فيها خطبة مثل خطبة العيد، التنظف والتطيب والتطهر لها والخروج لها، فيها شبه من هذا الاجتماع، فلذلك من الأحكام التي يختص بها العيد تحريم الصوم، والجمعة يكره صومها وهذا والله أعلم لشبهها بصلاة العيد.

من الأحكام المتعلقة وهذه بعض التنبيهات في آخر باب صلاة الجمعة؛ أن نقول لا يشترط أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة، ربما يعرض للخطيب عارض أو ربما أراد أن يقدم شخصاً آخر أحسن منه في الصلاة، فلا مانع، بعض الناس يتوهم أنه لا بد أن يصلي بالناس من خطب بهم، لا، ليس هذا بالضرورة. كذلك الإنصات يختص بوقت حديث الخطيب، فلو أن إنساناً مثلاً تكلم مع ولده أو أخيه أو صديقه بجواره قبل الخطبة أو وقت الأذان أو بين الخطبتين، فلا بأس؛ إذاً الإنصات الواجب إنما يكون وقت حديث الإمام على المنبر.

كذلك من التنبيهات التي ينبغي التنبيه إليها ألا وهو تحريم البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني، وهو النداء الذي يكون إذا صعد الإمام على المنبر وسلم على الناس، هذا النداء يحرم فيه البيع والشراء حال هذا النداء وما بعده، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]. وهنا تنبيه، أحياناً بعض الناس ربما هو داخل المسجد يكون وقت النداء أو بعد النداء يجد بعض الناس يبيعون عند باب المسجد؛ إما يبيعون بعض الحلويات أو يبيعون بعض المساويك مثلاً، لا يجوز الشراء، لا يجوز الشراء ولا يصح، بل يجب على المسلم أن يبادر لحضور صلاة الجمعة ويترك الشراء، وينبه هؤلاء قبل أن يدخل طبعاً إلى الصلاة، ينبههم بالحضور للمسجد وأن يتركوا البيع وأن يتركوا الشراء إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9].

من الأخطاء التي ربما يخطئها بعض الناس أنه إذا لم يقرأ سورة السجدة في فجر يوم الجمعة قرأ آيات فيها سجدة، وهذا في الحقيقة غير مشروع، سورة السجدة مشروعة ليس لكون أن فيها سجدة لا، وإنما لكون النبي صلى الله عليه وسلم قرأها، فلذلك إذا لم يقرأها الإنسان في فجر الجمعة فإنه يقرأ ما شاء من الآيات، ولا يشرع أن يقرأ أو يخص سورة معينة، يعني كأنه خص أن فجر الجمعة تكون سورة فيها سجدة لا. إذا قرأ ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [السجدة: 1-2] وقرأ سورة الإنسان فالحمد لله، هذا أصاب سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إن لم يقرأهما فإنه يقرأ ما شاء وما عداهما من الآيات.

هنا كذلك حكم نود الحديث عنه ألا وهو الخطبة بغير العربية؛ ما حكم الخطبة بغير العربية؟ الصحيح والله تعالى أعلم أن الخطبة بغير العربية جائزة إذا كان الحضور لا يفهم العربية. فمثلاً قد يسأل بعض الناس مثلاً في بعض البلدان العجمية، سواء كانت في الشرق أو في الغرب، في بلاد الهند وما وراءها أو في بلاد أوروبا وأمريكا وغيرها، ما حكم الخطبة بغير العربية؟ نقول: الأفضل أن تخطب للناس بما يفهمون بلغتهم التي يفهمونها، «ما أرسل من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم»؛ ما الفائدة أن يخطب الإنسان بالعربية وهم لا يفهمون العربية؟ لكن نقول: يقرأ الآيات فيها بالعربية، يقرأ الآيات بالعربية ثم بعد ذلك يفسرها ويشرحها لهم بالأعجمية أو بلسانهم، لكن الخطبة تشرع بغير العربية ولا إشكال إن شاء الله تعالى في هذا. القرآن لا يقرأ بغير العربية لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وإنما يشرع تفسيره للناس بلغتهم، ولكن لو قرأ إنسان قال أنا سوف أقرأ القرآن أو الآيات القرآنية بغير العربية، نقول لا تجزئ هذه الصلاة، لو صلى إنسان فقرأ الفاتحة بلغة غير عربية نقول لا تشرع هذه القراءة ولا تجزئ، لا بد أن تقرأ الفاتحة باللسان العربي.

في اللغة العربية، إذا قرأ الخطيب الآية باللغة العربية، يشرع له أن يفسرها للناس حتى يفهموا دلالة هذه الآية على مراده، ولا يقرأ هذه الآيات دون أن يفسر لهم مراده منها؛ فتكون هذه الآيات غير واضحة وغير بينة وجه الاستدلال لهؤلاء السامعين.

هذه بعض الأحكام التي أردنا أن نتحدث عنها في هذا الباب، باب صلاة الجمعة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا فيما قلنا وفيما سمعنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.