الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا. اللهم إنا نسألك علما نافعا ونعوذ بك من علم لا ينفع.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثامن من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، وأن يبارك في جهود القائمين عليها والمسجلين فيها والمعلمين فيها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
إخواني وأخواتي، سوف نأخذ إن شاء الله تعالى في هذا الدرس حديثا عن صلاة الجماعة. صلاة الجماعة من الأبواب المهمة في الفقه الإسلامي، وسوف ندرسها إن شاء الله تعالى من خلال عدد من المحاور: المحور الأول بيان فضيلة صلاة الجماعة ومصالحها المترتبة عليها، ثم نأخذ إن شاء الله تعالى حكمها، ثم نأخذ إن شاء الله تعالى في هذا الدرس الذين يعذرون في ترك صلاة الجماعة. ثم ننتقل إن شاء الله تعالى في درس قادم للحديث عن عدد من المسائل المتعلقة بإدراك صلاة الجماعة، وبعض الأخطاء في صلاة الجماعة، وبعض الأحكام المتعلقة بصلاة الجماعة، ولكننا سوف نقتصر في درسنا هذا إن شاء الله تعالى لهذا اليوم على عدد من الموضوعات: فضيلة صلاة الجماعة وحكمها.
لقد جاءت الأدلة الكثيرة في فضل صلاة الجماعة والحث عليها والأمر بها، فمن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]. وقول الله سبحانه وتعالى عن مساجده وبيوته: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 36-37].
هذه المكانة العظيمة لبيوت الله سبحانه وتعالى، وهذه المكانة العظيمة لهؤلاء المقيمين للصلاة في هذه البيوت: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. وقد عد النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال: «ورجل قلبه معلق بالمساجد».
ما معنى قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «ورجل قلبه معلق بالمساجد»؟ أي أن هذا الرجل محب لصلاة الجماعة، محب للمسجد وللبقاء فيه، فهو إذا خرج من المسجد بعد انقضاء الصلاة إنما يخرج بدنه فقط، وأما قلبه فهو باقٍ في المسجد، معلق في المسجد، ينتظر متى يعود إلى المسجد. هذا وصف عظيم، وصف جليل، يبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم كيف أن هذا العبد يحب المسجد إلى هذه الدرجة. ولا شك أن من بلغت محبته للصلاة وللمسجد هذه الدرجة، لا شك أن الله سبحانه وتعالى يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل هذه المكانة والمنزلة العالية الرفيعة.
سوف نستعرض إن شاء الله تعالى اليوم الحديث عن فضل صلاة الجماعة، ولكننا اخترنا أن يكون درسنا لهذا اليوم قراءة في صحيح الإمام مسلم في الأحاديث التي عقدها الإمام مسلم لبيان فضيلة صلاة الجماعة. وطالب العلم حقيقة ينبغي له دائما أن يرتبط بكتب السنة؛ فمن يطلب الفقه ويدرس الفقه ينبغي له أن يكون وثيق الصلة بحديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، أن تكون كتب الصحاح والسنن حاضرة بين يديه بحيث أنه دائما يسترجع هذه الأحاديث ويرجع إليها. ولعلنا إن شاء الله تعالى نطبق هذا الأمر في درسنا لهذا اليوم ونقرأ سويا إن شاء الله تعالى من صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
وصحيح الإمام مسلم مع صحيح البخاري يعدان أصح الكتب التي كتبت بعد كتاب الله سبحانه وتعالى، هما أصح الأشياء المصنفة، أصح الكتب التي جمعت السنن والأحاديث، ولا شك أن السنة والأحاديث هي خير كلام بعد كلام الله سبحانه وتعالى، وخير هدي هو هدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
عقد الإمام مسلم رحمه الله تعالى في كتاب المساجد ومواضع الصلاة عدة أحاديث في الحديث عن فضل الصلاة. استفتح رحمه الله بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا». هذا الحديث في الحقيقة يبين كيف أن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بهذه المضاعفات العديدة. جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه خمس وعشرون جزءا، وجاء في حديث ابن عمر بسبع وعشرين جزءا. فضل عظيم، كيف أن العبد المسلم إذا صلى في بيته كيف تفوته هذه الفضائل العظيمة التي ذكرها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
كذلك روى الإمام مسلم بعد هذا الحديث عددا من الروايات، ومنها ما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمس وعشرين درجة». قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]. فسر أبو هريرة رضي الله تعالى عنه هذه الآية بشهود الملائكة لهذه الصلاة، صلاة الفجر، وهذا يدل في الحقيقة على فضيلة الجماعة في صلاة الفجر.
كذلك من الأحاديث التي ساقها الإمام مسلم رحمه الله تعالى ما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ناسا في بعض الصلوات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت أن آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عن الصلاة، فأمر بهم فيحرق عليهم بحزم الحطب بيوتهم، لو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهد العشاء».
انظر إلى هذا الوعيد الشديد من النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، يشعرك بمدى الغضب الذي غضبه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على من تخلف عن صلاة الجماعة. في واقع الأمر هذا الغضب لا شك أنه يخيف المسلم أن يكون أحد أولئك الذين غضب عليهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
وهذه الرواية الأخرى ساقها الإمام مسلم بهذا الحديث عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار».
لا شك أن هذا وعيد عظيم يخيف المسلم. تخيل يا أخي المسلم، تخيلي يا أختي المسلمة، تخيل أن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن يعمد إلى بيتك فيحرقه بالنار والعياذ بالله. لا شك أن هذا وعيد عظيم يقشعر منه البدن ويخاف منه العبد المسلم. كذلك ما جاء في بداية هذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر»، فوصف النفاق لمن تخلف عن الصلاة هو وصف نبوي كريم، وصف من النبي صلى الله عليه وسلم. كيف يوصف هذا الإنسان المتخلف عن الصلاة بأنه منافق؟ لا شك أن هذا فيه إخافة للعبد المسلم الذي يكون ضعيف الإيمان ويتخلف عن الصلاة، تردعه عن أن يتصف بصفات المنافقين الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم.
قول النبي الكريم: «لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا»، لاحظوا كيف فضيلة صلاة الجماعة، وخصوصا هاتين الصلاتين، صلاة العشاء وصلاه الفجر التي هي من أثقل الصلوات على المنافقين، وخصوصا صلاة الفجر لأنها تأتي بعد نوم. لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، يعني من شدة أهميته ومن عظيم أجرهما وفضلهما، أن الإنسان لو يعلم هذا الأجر العظيم والفضل العظيم الذي جعله الله لمن يشهدهما، لأتى إلى هذه الصلاة ولو كان قدومه حبوا. سبحان الله، لا شك أن هذا أيها الإخوة فضل عظيم، لا ينبغي للمسلم أن يفرط فيه. طيب نقف عند هذا القدر، ولعلنا نواصل إن شاء الله تعالى بعض هذه الأحاديث، ولكن بعد هذا الفاصل.
(فصل سيرة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها)
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونواصل معا إن شاء الله تعالى القراءة في صحيح الإمام مسلم، الأحاديث التي ساقها الإمام رحمه الله تعالى في بيان فضيلة صلاة الجماعة. وكنا قد ذكرنا حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر، ثم حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ننتقل بعد ذلك إلى حديث آخر، وهو عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له النبي الكريم، فلما ولى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم. قال: «فأجب».
هذا الحديث لا شك أنه من أقوى الأدلة التي تدلنا على وجوب صلاة الجماعة، كما سنذكر إن شاء الله تعالى في حكمها الفقرة التالية في درسنا لهذا اليوم. لاحظوا كيف كان هذا الرجل الأعمى الذي لا يجد قائدا يقوده إلى المسجد، وأراد من النبي أن يرخص له، فرخص له النبي صلى الله عليه وسلم نظرا لظرفه في بادئ الأمر، ولكن تدارك صلى الله عليه وسلم فقال: «هل تسمع النداء؟» قال: نعم. قال: «فأجب». إذا لم يجد له النبي الكريم صلى الله عليه وسلم رخصة ليرخص له بها ما دام أنه يسمع النداء. لاحظوا هذا في من؟ في هذا الرجل الأعمى الذي ليس له قائد يقوده إلى المسجد.
كذلك ساق الإمام مسلم بعد هذا حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه موقوفا عليه يقول: قال عبد الله: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض. يقول ابن مسعود يحكي عن أصحاب النبي الكريم في زمنه أنه بالفعل ما كان يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق أو مريض؛ هؤلاء هم الذين يتخلفون عن الجماعة. ثم استدرك ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض، وإن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة. يقول ابن مسعود: حتى المريض، ليس كل مريض، بل كان هناك من يأتي إلى المسجد وهو مريض يهادى بين رجلين، أي يحمله رجلان عن يمينه وعن شماله حتى يقوم في الصف فيصلي مع المسلمين. يهادى، يحمل، يأتي يحمل، ولا يتخلف عن صلاة الجماعة.
لاحظوا في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه واصفا كيف كانوا في عهد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال: وإن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. فهنا روى لنا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
رضي الله تعالى عنه، عن النبي الكريم أن الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه إنها سنة من سنن الهدى.
وفي الرواية الأخرى عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال، موقوف عليه: «من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن؛ فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى». ثم يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة. ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف».
ثم ساق الإمام مسلم رحمه الله تعالى حديثا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.
كذلك روى لنا الإمام مسلم بعد هذا الحديث حديثا آخر، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ثم ساق بسنده إلى أن قال عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، قال: دخل عثمان بن عفان المسجد بعد صلاة المغرب، فقعد وحده، فقعدت إليه، فقال: يا ابن أخي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله».
ثم ساق الإمام مسلم رحمه الله تعالى بسنده قال عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فيدركه».
ثم ساق الإمام مسلم رحمه الله تعالى بسنده عن محمود بن الربيع الأنصاري، أن عتبان بن مالك، وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، وإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، ولم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي لهم، ووددت أنك يا رسول الله تأتي فتصلي في مصلى، فأتخذه مصلى. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سأفعل إن شاء الله». وهذا بيان لعذر من أعذار التخلف عن صلاة الجماعة، وهي جريان السيول والأمطار، كما سنذكره إن شاء الله تعالى في الأعذار التي يشرع للمسلم أو يباح للمسلم أن يترك لأجلها صلاة الجماعة. نقف عند هذا القدر في قراءتنا في صحيح الإمام مسلم، ونواصل إن شاء الله تعالى معكم الفقرات الأخرى حول صلاة الجماعة بعد هذا الفاصل القصير.
التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، إنه كلام صحيح، ولكن ذلك لا يعني حرمان كبار السن من طلب العلم. ولا ييأس كبير السن من التعلم، فإذا علم الله منه حسن النية وفقه لجمع العلم الكثير في الزمن القليل. ولا يستحي كبير السن من الجلوس في حلق العلم مع الصغار؛ قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر. وزامل ابن الجوزي ابنه في تعلم القراءات العشر وهو ابن ثمانين سنة، فانظر إلى هذه الهمة العالية. وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم، وكذا كثير من العلماء كابن حزم، والكسائي، والعز بن عبد السلام. ولأن يتعلم المسن خير من أن يستمر على الجهل؛ سئل مسن: أيسحب أن يتعلم؟ فقيل له: لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تموت قانعا بالجهل. وليعلم الكبير والصغير أن أبواب العلم مفتحة للراغبين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
نواصل الحديث معكم بعد هذا الفاصل القصير، وكنا قد قرأنا الأحاديث من صحيح الإمام مسلم في أبواب صلاة الجماعة وما يتعلق بها. إلا أن الإمام مسلم رحمه الله تعالى قد ذكر حديثا في موطن آخر، وهو في كتاب المساجد قبل هذا الموضع، تحدث فيه عن ائتمام الناس بصلاة أبي بكر، وائتمام أبي بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث بيان لمشهد من المشاهد تبين لنا أيها الإخوة كيف كان حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاة الجماعة، فلعلنا ننتقل إلى ذلك الموطن وهو في كتاب الصلاة، استشهد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى في قضية الإمامة والائتمام.
المنهج عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى في كتابه في الصحيح أنه لا يفرق الروايات كما يصنع البخاري رحمه الله تعالى، فيذكر الرواية في كل موطن مناسب لها، فيتفرق الحديث في الكتب والأبواب، وإنما يجمع الإمام مسلم رحمه الله تعالى روايات الحديث في موطن واحد؛ فلذلك قد يفوت على الإنسان مثلا الاستشهاد بالحديث في مواطن أخرى، ويذكرها الإمام مسلم في أقرب المناسبات له. وهذا حقيقة ينبغي أن يتنبه له طالب العلم عند نظره في صحيح الإمام مسلم؛ أن يتنبه إلى أنه لا يذكر كل شيء تحت باب واحد، لأنه قد يكون له مناسبة أخرى ذكرت في مكان آخر، كما في حديثنا هذا الذي يدل على حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاة الجماعة، وذكره الإمام مسلم في بداية كتاب الصلاة.
هذا الحديث ساقه الإمام مسلم رحمه الله تعالى بسنده عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، يقول الإمام مسلم: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زائدة، قال: حدثنا موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: بلى. لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، وفي الأيام الأخيرة من حياته صلى الله عليه وسلم، قال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: «ضعوا لي ماء في المخضب». ففعلنا، فاغتسل النبي صلى الله عليه وسلم؛ كانت به حمى شديدة وحرارة شديدة صلوات الله وسلامه عليه، فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب» حتى يغتسل فيه صلى الله عليه وسلم فيبرد قليلا وتخف حرارته ويقوم إلى الصلاة ويدرك الصلاة مع الناس في المسجد، فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب». ففعلنا، اغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه؛ يعني ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن اغتسل في هذا الماء ليبرد عليه شيئا من الحمى والحرارة، أراد أن يقوم فأغمي عليه صلى الله عليه وسلم من شدة الحمى والحرارة.
ثم أفاق فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب». ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه صلى الله عليه وسلم، أي أنه أراد أن يقوم المرة الثانية فأغمي عليه صلى الله عليه وسلم بعد أن اغتسل في المخضب للمرة الثانية. ثم بعد أن أغمي عليه صلى الله عليه وسلم ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب». ففعل، فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه صلى الله عليه وسلم. هذه المرة الثالثة يغمى على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وهو يحاول أن يغتسل ويخفف عليه هذه الحمى ليخرج إلى الصلاة مع المسلمين صلوات الله وسلامه عليه.
قال: ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق صلى الله عليه وسلم بعد الإغماءة الثالثة، فقال: «أصلى الناس؟». هذا كان هم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؛ أن يدرك صلاة الجماعة، وأن يصلي مع المسلمين في المسجد. فقال: «أصلى الناس؟» فقلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله. قالت عائشة: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس. فقال أبو بكر -وكان رجلا رقيقا-: يا عمر، صلِّ بالناس. فقال عمر: أنت أحق بذلك. فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، أيام مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حم فيه حمى شديدة، فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة؛ يعني أنه خف عليه المرض أو خفت عليه الحمى، خفة قليلة، ولكن لا زال صلى الله عليه وسلم مريضا، ولا زال محموما صلوات الله وسلامه عليه، لكن وجد من نفسه خفة بمعنى أنه يقدر أن يقوم دون أن يغمى عليه صلوات الله وسلامه عليه. فخرج بين رجلين، أحدهما العباس، لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس. فلما رآه أبو بكر، رأى النبي الكريم قد خرج وهو محمول بين رجلين يحملانه العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين يحملان النبي الكريم وهو مريض. فلما رآه أبو بكر وهو في صلاته لحظ النبي الكريم خرج يريد أن يأتي إلى الصلاة، أراد أن يتأخر ليؤم الناس النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فلما رآه أبو بكر ذهب يتأخر، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتأخر، وقال لهما -أي العباس وعلي-: «أجلساني إلى جنبه». فأجلساه إلى جنب أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد.
هذه القصة التي روتها لنا عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها في واقع الأمر تدلنا أيها الإخوة على عظم شأن صلاة الجماعة، وكيف كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في لحظات موته وهو مهتم بشأن صلاة الجماعة، ويغتسل صلى الله عليه وسلم لأجل أن يقوم لصلاة الجماعة، وفي كل مرة يسأل: «أصلى الناس؟ أصلى الناس؟ أصلى الناس؟» ثلاث مرات يسأل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
هذا أيها الإخوة يدلنا في واقع الأمر على أهمية صلاة الجماعة وفضلها، وهذا أمر لا يشك فيه من قرأ هذه الأحاديث الواردة عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. لذلك استنبط كثير من أهل العلم وجوب صلاة الجماعة على الرجال من هذه الأحاديث التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها أمرا جازما، والتي لم يجد فيها رخصة لذلك الأعمى، والتي وصف فيها المتخلف عن الصلاة بأنه منافق، والتي هم فيها النبي الكريم وهو الرحيم بأمته هم فيها أن يحرق على هؤلاء المتخلفين بيوتهم بالنار؛ فلا شك أن هذا مع رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته، لا شك أن هذا إنما كان لأمر عظيم حري بالرجال ألا يتخلفوا عن الصلاة ولا يتأخروا عنها.
هذا كله كما ذكرنا يدلنا على وجوب صلاة الجماعة، إلا أن هذا الوجوب وجوب على الرجال وليس على النساء؛ فإن الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم هم الرجال بحضور صلاة الجماعة، وقال عن النساء: «أفضل»، وقال عن النساء: «إن صلاتهن في بيوتهن خير لهن». إذا، صلاة المرأة في بيتها خير لها، وأما الوجوب فهو وجوب على الرجال؛ لذلك قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «ثم أعمد إلى رجال لا يشهدون الصلاة مع المسلمين فأحرق عليهم بيوتهم بالنار». وكذلك جاء في الآية الكريمة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 36-37]. وكذلك جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل قلبه معلق بالمساجد». أسأل الله سبحانه وتعالى يجعلنا وإياكم من هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
فلذلك المرأة لا تخاطب بصلاة الجماعة في المسجد، وإنما صلاتها في بيتها خير لها. وقول النبي صلى الله عليه وسلم عن النساء: «صلاتهن في بيوتهن خير لهن» مع كونهن في المدينة، وكون صلاة المسجد النبوي مضاعفة كما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قوله: «صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام». فمع هذا التضعيف الذي هو موجود في الصلاة في المسجد النبوي، حث النبي الكريم المرأة أن تصلي في بيتها، فهذا يدل على أن صلاتها في بيتها خير لها من صلاتها في المسجد، ولو كان هذا المسجد فيه تضعيف للصلاة، كما في المسجد النبوي الذي أخبر النبي أن الصلاة فيه مضاعفة بألف صلاة عن الصلوات في المساجد الأخرى. هذا كله يدلنا على أن هذا الوجوب يختص بالرجال دون النساء، إلا أن هذا الوجوب فيه بعض الأعذار وبعض الأحوال التي يعذر المسلم فيها، الرجل يعذر فيها ترك الجماعة، ولعلنا.
نستعرض إن شاء الله تعالى هذه الأعذار، ولكن إن شاء الله نستعرضها في درسنا القادم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من عباده المصلين، وأن يبارك لنا في أعمالنا وأوقاتنا، وأن يجعلنا وإياكم من أهل الصلاة، من أهل الصلاة الخاشعين فيها، الحريصين عليها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً النوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية، ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي