تسجيل الدخول

المحاضرة 33 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي - الشروط المجزئة في الأضحية - أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم بارك لنا في علومنا ومعارفنا، واهدنا صراطك المستقيم. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، وأن يجعلها من العلم النافع الذي يكون حجة لنا لا علينا.

كنا قد بدأنا حديثنا عن العبودية لله سبحانه وتعالى بذبح بهيمة الأنعام ونحرها، وبيّنا أوجه هذه العبودية، وأنها راجعة إلى تعظيم الله سبحانه وتعالى بإراقة الدم له، محبة له سبحانه وتعالى، وشكراً له على نعمته. وكذلك فيها اقتداء بالنبي الكريم، بل بالأنبياء والمرسلين؛ كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34].

كذلك ذكرنا فرقاً بين العبودية بنحر بهيمة الأنعام لله سبحانه وتعالى وبين العبودية بالصدقة، سواء كانت صدقة باللحم أو بالطعام أو بغير ذلك. هذه كلها تقودنا إلى مسألة مهمة، وهي أن هذه العبودية البدنية لا يجوز بحال من الأحوال أن تُصرف لغير الله؛ فمن صرف الذبح أو النحر لغير الله فقد أشرك بالله سبحانه وتعالى، بل يجب أن تكون هذه العبودية خالصة لله سبحانه وتعالى. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163]. والشاهد في قوله: ﴿وَنُسُكِي﴾، ونسكي أي نحري وذبحي، يكون لله سبحانه وتعالى لا شريك له.

أيها الإخوة والأخوات، ذكرنا أن العبادات تنقسم إلى بدنية وقلبية، والبدنية منها ما يغلب فيها جانب البدن أو العبادات الظاهرة، ومنها ما يغلب فيه جانب المال. عبودية النحر لله سبحانه وتعالى أو الذبح لله سبحانه وتعالى فيها شائبة مالية، وهو الغالب، وهو الأصل فيها أن الإنسان يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بكبش أو بمعز أو ضأن أو بقرة أو شيء من الإبل. يتقرب هذا فيه نوع من الشائبة المالية، أنه يخصص أو يشتري مالاً أو يخصص شيئاً من ماله للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

لاحظوا إذاً هنا فيها شبه من عبودية الزكاة المالية، وعبودية الصدقة المالية، لكن كذلك فيها نوع أو شائبة بدنية. ما هي الشائبة البدنية؟ وهي النحر أو الذبح لله سبحانه وتعالى. لذلك النحر لا يجوز أن يقوم به إلا المسلم. النحر لله سبحانه وتعالى لا يقوم به إلا المسلم، بخلاف مثلاً جواز الأكل من ذبيحة الكتابي. لا، نحن نتكلم الآن عن التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بذبح الأضحية أو العقيقة أو الهدي، وأن يذكر اسم الله سبحانه وتعالى على هذه الذبيحة. لاحظوا أن هذه أعمال بدنية يقوم بها الإنسان، بخلاف مثلاً الصدقة؛ الصدقة ليس هناك شيء مرتبط ببدن من يوزعها مثلاً أو من يجمعها، لا، وإنما يغلب فيها الجانب المالي.

هناك عبادات بدنية يقل فيها الشائبة المالية مثل الحج، وهناك عبادات بدنية لا يوجد فيها شائبة مالية، مثل الصلاة. لاحظتم إذاً، شوب المال والبدن في العبادات مختلف. فعبادة النحر فيها الشائبتان: المالية، حيث إنه يخصص شيئاً من ماله لشراء بهيمة الأنعام أو أنها مملوكه لديه يجعلها لله سبحانه وتعالى. وفيها شائبة بدنية، وهي أنه لا يُقبل فيها إلا بدن المسلم أن يذكيها، والامر الثاني لا بد أن يسمي ويذكر اسم الله سبحانه وتعالى، وإذا لم يذكر اسم الله سبحانه وتعالى عليها فإنها لا تحل هذه البهيمة، ولا بد أن تكون هذه تذبح على اسم الله، تكون لله. إذاً هذا الجانب البدني أو الشائبة البدنية المتعلقة بهذا الأمر، هذا جنسها من حيث العمل، اشتراك المال والبدن.

النحر بيّنا موقعه من العبادات أو تقسيم العبادات في هذا الجنس. هناك تقسيم آخر للعبادات، وهو تقسيمها من حيث وجود فرض فيها أو عدم وجود فرض فيها؛ فهناك من العبادات ما كان من جنسه شيء واجب، وهناك من العبادات ما كان جنسه كله مستحباً. نضرب لذلك مثلاً: الصلاة، والصدقة بالمال، والصوم، والحج؛ هذه الأركان الأربعة كلها لها قدر واجب وقدر مستحب. فمثلاً الصلاة منها الصلاة الواجبة ومنها صلوات مستحبة، الصوم منه صوم واجب ومنه صوم مستحب، الصدقة منها الزكاة الواجبة ومنها الصدقات المستحبة، الحج منه حج واجب ومنه الحج النافلة أو التطوع.

هناك من العبادات ما كان جنسه كله مستحباً، ولا يوجد في هذه العبادة شيء واجب بأصل الشرع، طبعاً إلا لو أوجبه الإنسان على نفسه بالنذر، لا حديث لنا عن النذر، وإنما أتكلم عن إيجاب أصل الشرع؛ مثلاً مثل الاعتكاف. هل الاعتكاف فيه جنس واجب؟ نقول لا، الاعتكاف كله جنس مستحب. إذاً لاحظتم، العبادات قد تكون كلها، كل جنس هذا يكون مستحب، أو يكون كل جنس فيه المستحب وأصله واجب.

عبادة النحر لله سبحانه وتعالى، هل فيها قدر واجب أو شيء واجب بأصل الشرع؟ طبعاً هناك وجوب بالنذر، وهناك وجوب بسبب الكفارات؛ مثلاً الكفارات التي موجودة في الحج، أو هدي التمتع أو هدي القران، أو فدية ارتكاب المحظور، أو جزاء الصيد، هذه نحر واجب ككفارة بسبب معين. لا نتكلم عما وجب بسبب معين كتمتع وقران أو وجب بسبب النذر. هل هناك في جنس عبودية النحر لله سبحانه وتعالى، هل هناك شيء منها واجب أم أنها كلها من الجنس المستحب؟ بمعنى هل هي تشبه الصلاة والزكاة والصوم والحج أم تشبه الاعتكاف؟

كذلك سؤال آخر، هل العمرة كلها مستحبة أم فيها شيء واجب؟ نجد أن بعض أهل العلم قال إن هناك عمرة واجبة في العمر واحدة، وباقي العمر تكون مستحبة، وبعض أهل العلم قال لا، العمرة مثل الاعتكاف، لا يوجد منها إلا ما هو مستحب، ويقولون إنها من جنس العبادات التي تكون كلها مستحبة. وزيارة البيت العتيق لو قلنا زيارة البيت العتيق لا شك أن هذا الجنس فيه قدر واجب، وهو حج بيت الله الحرام، هذا بلا إشكال عند الجميع، لكن العمرة شيء آخر غير قضية الحج، وهي حج أصغر أو نسك أصغر.

نريد الآن أن نتكلم عن مسألة النحر أو الذبح لله سبحانه وتعالى، هل فيه شيء واجب أم أن المسلم ممكن أن يولد ويموت ولم ينحر شيئاً واجباً عليه؟ مثلاً نفترض أنه حج إفراداً ولم يكن عليه كفارة تستوجب النحر. هذه مسألة خلافية عند أهل العلم، فبعض أهل العلم يقول إن عبودية الذبح والنحر لله سبحانه وتعالى فيها شيء واجب على المسلم، وهو الأضحية، يجب على من وجد قدرة وسعة أن يضحي. الأضحية يقولون هي الأصل، طبعاً كونه مثلاً يضحي باثنتين أو ثلاث أو ينحر أكثر أو أن يهدي هدياً مستحباً هذا زيادة في الاستحباب، لكن يقولون الأصل مثلاً نحر العقيقة وذبح العقيقة هذا استحباب، لكن يقولون هناك أصل واجب، وهو الأضحية. لعلنا نفصل في هذه المسألة، ولكن بعد فاصل قصير إن شاء الله تعالى.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا معكم عن الأضحية وحكمها. فقلنا: هل عبودية النحر والذبح لله سبحانه وتعالى، ذبح بهيمة الأنعام تقرباً إلى الله، هل هناك فيها قدر واجب يجب على كل مسلم؟ طبعاً في سؤالنا هذا نحن نستبعد ما وجب بسبب هدي التمتع والقران، أو ما وجب بسبب كفارة أو بسبب إحصار أو بغير ذلك، هذه أسباب، لكن نحن نتكلم عن الأصل كوجوب مثلاً الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج أو غيرها. فهل نقول يجب على القادر أن يضحي أضحية لله سبحانه وتعالى، وتكون هذه الأضحية من جنس ذبح بهيمة الأنعام الواجب تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى؟ هذا قول لبعض أهل العلم، إلا أن جمهور أهل العلم قرروا أن الأضحية سنة مؤكدة، لكن حقيقة تأكيدها تأكيد بالغ جداً.

وفي واقع الأمر إذا جئنا نتأمل في عدد من العبادات الشرعية، نجد أن ثمة قدراً من العبادات أو عدداً من العبادات اختلف أهل العلم في وجوبها أو استحبابها استحباباً مؤكداً، وهذا معناه أن تأكيدها تأكيد بالغ في الشريعة، قد يرتقي في بعض الأحوال إلى الوجوب. لذلك نجد، فلنفرض أن هذه درجة الاستحباب تصل إلى هذا القدر، ثم بعد ذلك تبدأ درجة الوجوب. هناك بالفعل عبادات مؤكدة تأكيداً بالغاً جداً في الشريعة، وهي في الحقيقة تدل على أهميتها، لم يتركها النبي صلى الله عليه وسلم، فعلها وأوصى بها أصحابه، وأكد عليها. لذلك نجد أن بعض أهل العلم يدخلها في دائرة الوجوب، وبعض أهل العلم يقتصر بها على الاستحباب، ولكنها في أعلى درجات الاستحباب وأكده. وهذا في الحقيقة عدد من العبادات، أنا أضرب لكم لها بعض الأمثلة:

من أمثلتها الأضحية، ومن أمثلتها كذلك الوتر، نجد أن بعض أهل العلم قال بوجوبه مثلما هو طريقة مذهب الحنفية يقولون بوجوب الوتر، ونجد مثلاً أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول: تارك الوتر رجل سوء. لاحظ أن الذي مواظب على ترك الوتر أنه رجل سوء، مثلاً لا ينبغي أن تُقبل له شهادة، هذا كلمة الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ لماذا؟ لما ورد من تأكيد في الشريعة على الوتر. لاحظوا أن هذا بخلاف مثلاً صلاة الليل مثنى مثنى، طول الصلاة في الليل هذا ما أحد يقول إنه واجب، لا، مستحب.

مثلاً السنن الرواتب، هذه لا أحد يقول بوجوبها وإنما هي مستحبة، لكن تأكيد الوتر في الشريعة، كون هو أكد هذه السنن والنوافل، نوافل الصلوات، في واقع الأمر نجد بعض أهل العلم قال بوجوبه بسبب هذا التأكيد البالغ له في الشريعة. طيب، هذا جانب مثلاً الوتر، مثلاً الأضحية، مثلاً صلاة العيدين، التأكيد الوارد فيها وأمر الناس بالخروج إليها وأمر النساء بالخروج إليها تأكيد بالغ في الشريعة؛ فبعض أهل العلم اعتبره في أعلى درجات المستحبات، طبعاً هو فرض كفاية، لكن أتكلم في حق الفرد، فرض كفاية على الأمة لكن احنا نتكلم على حق الفرد، فبعض أهل العلم يقول إن هذا في درجة آكد المستحبات، وبعض أهل العلم يرقى به إلى درجة الوجوب، فيقول يجب على الشخص وأهل البيت أن يخرجوا لصلاة العيد.

من المسائل التي حصل فيها كذلك مثل هذا النظر مسألة غسل الجمعة، بعض أهل العلم قال بوجوبه لما ورد فيه من تأكيد في الشريعة، وبعض أهل العلم قال باستحبابه وهو أعلى درجات الاستحباب، لذلك من يقول مثلاً باستحبابه لا يقول إن غسل الجمعة مثلاً مثل غسل الإحرام؛ غسل الإحرام لا هو من درجات الاستحباب لكنه أدنى درجات الاستحباب، حتى ربما قال بعض أهل العلم إنه حسن وليس مستحباً، وإنما يقول إنه حسن وجيد، لكن لاحظ غسل الجمعة في خلاف بين أهل العلم.

هل هو في أعلى درجات التأكيد والسنة أم هو في أدنى درجات الوجوب؟ وهو في الحقيقة هذه الدرجة التي هي الدرجة المترددة بين الوجوب وأعلى درجات الاستحباب، وأن هذا النوع يصل إلى درجة الذم والقدح؛ لاحظ أن هذا شيء من خصائص الواجب أن يُذم تاركها، لكن يقولون إن من داوم على تركها فإنه يحصل له الذم وينبغي للمسلم ألا يتركها. إذاً نلاحظ ممكن أن نسميها هذه المنطقة منطقة مترددة بين الوجوب والاستحباب، وهذا موجود في عدد من العبادات الشرعية، ضربت لكم أربعة أمثلة لها: الأضحية، الوتر، صلاة العيدين، الجمعة.

هذا في الحقيقة يدل على ماذا؟ يدل على أن هذه العبادات لا ينبغي لمن قدر عليها أن يتركها؛ لأنها بالفعل جاء التأكيد عليها في الشريعة تأكيداً بالغاً. وهنا في الحقيقة ننبه إخواني وأخواتي جميعاً، سواء قلنا بوجوب الأضحية أو قلنا إنها سنة مؤكدة، لا ينبغي لمن كان عنده سعة أن يفرط في هذه العبودية لله سبحانه وتعالى. ينبغي لنا أن نعظم شعائر الله سبحانه وتعالى، وأن نحرص على تعظيم حرماته، وأن نتقرب إليه سبحانه وتعالى، وأن نشكره على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، أن نستشعر بالفعل هذه العبودية لله، وهذا الجنس من أجناس العبودية لله سبحانه وتعالى، خصوصاً أن هذه العبادة عبادة مؤقتة، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في بيان وقت الأضحية؛ وأن وقتها يكون من صلاة العيد إلى غروب شمس آخر يوم من أيام التشريق.

هذا معناه أن عندنا يوم العيد وثلاثة أيام بعده على الصحيح، خلافاً لمن قال إنها يومين بعده، وهذا سنفصل إن شاء الله تعالى في وقت الأضحية، لكن كونها عبادة مؤقتة ينبغي لنا أن نحرص على إيقاعها في وقتها، وأن ننتظر هذا الوقت، وأن نتعبد لله سبحانه وتعالى بنحر بهيمة الأنعام كما شرع رسوله صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين، كما روى لنا أنس رضي الله تعالى عنه، ذبحهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما. إذاً هذا فيه تعظيم لهذه الشعيرة، وفيه اقتداء بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

كذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم كان لهم هدي في العناية بالأضحية، كانوا يسمنون ضحاياهم، يعني يهيئون من قبل دخول ذي الحجة بفترة؛ الإنسان يشتري ويهيئ أضحيته، ويبدأ يسمنها حتى لا يأتي يوم العيد إلا وهي سمينة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. وفي الحديث: أفضل الأضحية هو أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها؛ كلما غلي ثمنها وصارت نفيسة وجيدة، كل إنسان يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالطيب، هذا لا شك أنه من تمام عبوديته لله سبحانه وتعالى.

السلف الصالح كانوا يسمنون هداياهم، كانوا يسمنون أضحياتهم ويختارون لله سبحانه وتعالى أطيب أموالهم. للأسف اليوم من المشكلات الموجودة عندنا، ومن قصورنا في طاعة الله سبحانه وتعالى، ومن قصورنا في عبوديتنا لله سبحانه وتعالى، ربما اخترنا أضحية ليست سمينة وليست هزيلة، ونختار أرخص شيء الذي يؤدي القدر الواجب أو يؤدي القدر المؤكد. لا ينبغي لنا، بل ينبغي أن نعظم هذه الشعيرة وأن نختار لها أفضل ما يمكن أن تتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً. وسيبين إن شاء الله تعالى في لقاء قادم بيان صفات الأضحية، وبيان العيوب التي لا تجزئ في الأضحية، والعيوب التي تنقص من قدرها إن شاء الله تعالى.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونرغب الحديث عن بعض المسائل المتعلقة بحكم الأضحية. إذا قلنا إن حكم الأضحية في الحقيقة هي في منطقة مترددة بين الوجوب والسنة المؤكدة البالغة التي يُكره تركها، وبعض أهل العلم قال بوجوبها، ولكن جمهور أهل العلم قال بسنتها واستحبابها استحباباً مؤكداً، ولا ينبغي لنا أن نتركها أبداً إذا قدرنا عليها. يبقى بعد ذلك سؤال، بعض الناس يسأل: هل الأفضل أن أتصدق بثمن الأضحية أم الأفضل أن أضحي؟ نفترض أن الإنسان مثلاً عنده 500 دولار أو 1000 دولار، قال: هل الأفضل أني أتصدق بهذا الثمن أم أن أشتري به أضحية وأنحرها لله سبحانه وتعالى؟ أقول حقيقة: الأكمل والأفضل أن تتعبد لله سبحانه وتعالى بعبودية النحر والذبح، ثم بعد هذه العبودية تتصدق بلحمها، فتجمع العبادتين: عبودية النحر والذبح لله سبحانه وتعالى، والثانية عبودية الصدقة بلحمها. ولا شك أن هذا إن شاء الله تعالى أفضل من كون الإنسان يتصدق فقط صدقة مجردة، أو أن يشتري لحماً مجرداً ويوزعه ويفرقه. لا، الإنسان يتعبد لله بعبودية الذبح والنحر لله سبحانه وتعالى، إراقة دم بهيمة الأنعام شكراً وتعظيماً لله، لا شك أن هذا أولى وأهم.

قد يقول بعض الناس: ولكن كوني أتصدق بثمنها في بلد آخر أحوج، نقول: وكل من يضحي عنك في ذلك البلد، لا مانع أن تذبح عنك أضحية في ذلك البلد المحتاج، وتكون في ذلك البلد إن شاء الله تعالى قد قمت بنحر بهيمة الأنعام تقرباً إلى الله، وقد قمت بالصدقة بلحمها إن شاء الله تعالى. فلذلك طالما الإنسان يستطيع أن ينحر لله سبحانه وتعالى وأن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فلا شك أن هذا هو الأكمل والأفضل. وليس بالضرورة أن يكون في بلده، لو كان هناك بلد محتاج إلى اللحم مثلاً، أو محتاج إلى الطعام، أو فيه مشقة واجه الناس فقر شديد ومشقة شديدة وصعوبات، لا مانع أن الإنسان يوكل من يضحي عنه في ذلك البلد.

نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة، وهي أن ننبه إخواننا وأخواتنا الذين سيضحون، أنه إذا دخلت عشر ذي الحجة لا ينبغي لهم أن يأخذوا من شعورهم ولا من أظفارهم ولا من بشرتهم شيئاً، لما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره». إذاً لا يأخذ الإنسان من شعره ولا من أظفاره شيئاً من بداية عشر ذي الحجة. هل هذا الحكم ينطبق على من ضحي عنه أهل البيت الذين يُضحى عنهم، أم عن المضحي؟ الظاهر والله أعلم أن هذا الحكم ينطبق على المضحي، وليس على أهل بيته الذين يدخلون معه في أضحيته، فالإنسان إذا ضحى وجعل هذه الأضحية عنه وعن أهل بيته فإنه إن شاء الله تعالى يشملهم الأجر والثواب، وهذا تشريك في الثواب.

الظاهر والله تعالى أعلم أن من أشرك في ثواب الأضحية لا يلزمه أن يترك شعره وأظفاره، لا، وإنما هذا خاص بمن ملك هذه الأضحية ونحرها أو ذبحها؛ ليس المراد أنه باشر ذبحها، سواء نحرها أو وكل في ذبحها، لكنها خاصة بمالك هذه الأضحية التي تقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى وأشرك غيره ثوابها. هل الحكم يختص برب الأسرة الذي يتملك هذه الشاة مثلاً ويذبحها هو، أم هو عام لكل أسرته؟ الظاهر والله تعالى أعلم أن هذا خاص بصاحب الأضحية، ألا وهو رب الأسرة الذي يذبح هذه الأضحية لله سبحانه وتعالى أو يوكل في ذبحها، ويتقرب بها إلى الله ويشرك أسرته في ثوابها.

يقودنا هذا إلى مسألة أخرى، وهو ما حكم الإشراك في الأضحية؟ هل يجوز لإنسان أن يشرك غيره؟ ليس المراد الشرك والعياذ بالله لا، أن تذبح لغير الله، لا والعياذ بالله هذا الذبح لغير الله شرك، لكن أن يشرك غيره في ثوابه. نقول: إن الاشتراك على نوعين؛ اشتراك في ملك الأضحية: إن كانت بدنة أو بقرة فيشترك فيها سبعة، هذا الحد الأقصى للاشتراك فيها، وقد جاء في حديث الحديبية أنهم نحروا الجزور عن سبعة. أما في حال الشاة فهي مجزئة عن واحد؛ الشاة مجزئة عن واحد. إذاً الشاة لا اشتراك فيها، بخلاف البدنة والبقرة فيشترك فيها سبعة، هذا من حيث الإجزاء من حيث الملك لهذه الأضحية التي يُتقرب بها.

لو ذبح الشاة واحد أو اشترك سبعة في بدنة واحدة، فهذا الشخص الذي له سبع البدنة تقربوا إلى الله سبحانه وتعالى بها، هل يجوز له أن يقول: اللهم إن هذا السبع عني وعن أهل بيتي؟ نقول: لا مانع. هل يجوز من يذبح الشاة يقول: اللهم هذه عني وعن أهل بيتي؟ نقول: لا مانع. إذاً هذا إشراك في الثواب. لكن من حيث الإجزاء، الشاة تجزئ عن واحد، ويشرك أهل بيته في ثوابها، يشرك أهل بيته وربما أنه أشرك والديه لا مانع، أو أشرك أولاده لا مانع. لكن هل يشترك اثنان في أضحية على جهة الملك؟ نقول هناك تفصيل: إن كانت شاة، لا يشترك فيها اثنان، يعني ما يتملكها اثنان ويقولون هذه أضحية عني أنا وأهل بيتي وهذه عنك أنت وأهل بيتك؛ نقول لا، ما تشتركون، هي لواحد، هي مجزئة عن واحد، وهذا الواحد يُشرك غيره في ثوابها، لكن هذه الأضحية تجزئ عن واحد.

أما إن كانت بدنة أو بقرة، فهي تجزئ عن سبعة، سواء اشترك فيها سبعة أو ستة أو خمسة أو أربعة، كلما قل لا شك أن هذا أعظم لأجرهم وثوابهم عند الله سبحانه وتعالى. إذاً إنسان شخص واحد أراد أن يضحي لله سبحانه وتعالى ببدنة، فلا شك أن هذا أكمل وأعلى لثوابه. إذا ضحى الإنسان بأكثر من بدنة أو بأكثر من غنم، هذا جائز إن شاء الله تعالى، مثل ما فعل النبي، ضحى بكبشين أملحين أقرنين. إذاً كون الإنسان يذبح وينحر لله سبحانه وتعالى، نقول إن كانت هذه شاة فهي مجزئة عن واحد، ويشترك معه غيره فيها لا بأس، لكن لا تجزئ عن اثنين يشتركون فيها؛ يعني يتملكون، واحد يدفع 100 والثاني يدفع 100 ويشترونها بـ 200، نقول لا، هذه ما تجزئ عنكم الاثنين؛ لابد أن كل واحد يشتري شاة دماً مستقلاً، ثم بعد أن ينحره أراد أن يشرك غيره أو في حال النحر يقول: اللهم هذا عني وعن أهل بيتي، أو عني وعن فلان وفلان، لا بأس، لكن لا يتملكها اثنان.

أما البدنة أو البقرة، فحديث جابر رضي الله عنه قال: "نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة".

هناك بعض الناس يسأل عن حكم الأضحية عن الميت، نقول الأضحية عن الميت فيها تفصيل؛ إن كان الإنسان يذبح أضحية عن نفسه ويشرك في ثوابها الأموات، مثلاً يقول اللهم هذه عني وعن والدي أو عن جدي أو عن فلان، فلا بأس إن شاء الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم قد فعل هذا. وإن كان الإنسان ينحر له، أي لأجل فلان، يقول اللهم إن هذه الأضحية عن فلان (يعني ليست عنه، لا يقول هذه عني وعن والدي، لا يقول اللهم هذه عن والدي، اللهم هذه الأضحية عن والدتي)، فالصحيح والله تعالى أعلم أن عبادة النحر لله سبحانه وتعالى عبادة تدخلها النيابة، وهي في هذا المقام تشبه عبادة الحج، عبادة الحج تدخلها النيابة، والنيابة تدخل في الحج بعد وفاة الوالدين تدخل، سواء كانت في الفرض أو في النفل.

يجوز للإنسان أن يحج أو أن يعتمر عمرة أو حج نفل عن والديه الميتين، فنقول ها هنا كذلك، الإنسان يقوم بهذه العبادة عن والديه الميتين مثلاً أو عن جده أو عن جدته وهي نافلة، لا أحد يقول بوجوبها لأنهم قد ماتوا، إذاً لا يقوم هو عنهم بواجب؛ بخلاف ما لو مثلاً متى تكون واجبة عنهم؟ لو أن أحد والديه نذر نذراً، قال: لله نذر أن أذبح مثلاً أضحية في السنة القادمة، فمات، فنقول لولده: أنت الآن تذبح هذه الأضحية عن والدك، وهذا الفعل واجب يخرج من تركته، هذا الأمر لماذا؟ لأنه نذر. لكن نحن نتكلم الآن عن الأضحيات التي هي سنة، فهذا نحن نقول عبادة النحر لله سبحانه وتعالى عبادة تدخلها النيابة، والصحيح والله تعالى أعلم أنه يصل ثوابها إلى الأموات، وهذه العبادات التي تدخلها النيابة لا يقتصر فيها على الواجب، وإنما الواجب والمستحب، فهو كونه يضحي عن والديه إن شاء الله تعالى يصل ثواب هذه الأضحية إلى والديه. أسأل الله سبحانه.

وتعالى أن يتقبل من المسلمين هداياهم وأضاحيهم، وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، تريد سهلاً نوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.