تسجيل الدخول

المحاضرة 36 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي - أحكام العقيقة - برنامج أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، ولي المؤمنين الصالحين المتقين، والصلاة والسلام على نبيه وعبده ورسوله الكريم الأمين، وعلى آله وأصحابه وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم بارك لنا في أعمالنا وأقوالنا وأفعالنا، اللهم بارك لنا في علومنا ومعارفنا، اللهم اجعلنا مباركين حيثما كنا، اللهم يا رب العالمين علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً.

أما بعد، إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السادس والثلاثون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، وأن ينفع بها قائلها وسامعها وناشرها ومن صورها وأخرجها وساهم فيها، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيهم جميعاً، وأن يجزيهم جميعاً خير الجزاء.

كنا قد تحدثنا في عدد من لقاءاتنا السابقة عن عبودية النحر وذبح بهيمة الأنعام لله سبحانه وتعالى، وذكرنا شكلين من أشكالها؛ ألا وهو شكل الهدي الذي يذبح في الحج، وشكل الأضحية التي تذبح في غير الحج. وذكرنا أن الهدي هدي جبران وهدي شكران؛ فأما هدي الشكران فذكرنا أنه هدي المتمتع والقارن الواجب عليهما، وهدي المفرد المستحب عليه. وأما هدي الجبران فذكرنا أنه يجب لأحد ثلاثة أسباب: إما فعل محظور، أو ترك مأمور، أو فوات وإحصار. وتحدثنا عن تفصيل الهدي وأحكامه، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى الأضحية وأحكامها، وبينا مشروعيتها، بل تأكيد مشروعيتها، والكراهة البالغة لمن كان له سعة ولم يضحِ، وبينا صفات الأضحية والأحكام المتعلقة بها.

نريد أن ننتقل اليوم إلى شكل ثالث من أشكال النحر وذبح بهيمة الأنعام تقرباً إلى الله وشكراً له، وهو العقيقة. العقيقة هي بهيمة الأنعام التي تذبح لله سبحانه وتعالى تقرباً إلى الله وشكراً له على نعمة الولد. إخواني وأخواتي الكرام، لا شك أن المسلم إذا استشعر أن الله سبحانه وتعالى هو المنعم المتفضل، فإنه يلهج بالشكر لله سبحانه وتعالى، ويثني عليه بما يسديه ويوليه من نعم. والله أيها الإخوة والأخوات لو أن الإنسان جلس يعد نعم الله سبحانه وتعالى فإنه لا يحصيها عداً، فضلاً عن أن يحصيها ويستطيع لها رداً وثناءً وشكراً. إذا كنا لا نستطيع أن نحصي هذه النعم، فأعظم هذه النعم النعم الدينية التي يخرج الله سبحانه وتعالى بها الإنسان من الظلمات إلى النور، ويخرجه من النار إلى الجنة؛ هذه النعمة العظمى الأتم الكاملة نعمة دين الإسلام، وما يتعلق بها من النعم؛ نعمة الصلاة، نعمة الزكاة، نعمة الحرص على النافلة، نعمة ركعتي الفجر، نعمة الوتر. كلما شكر الإنسان الله سبحانه وتعالى على هذه النعم، فهذا بإذن الله تعالى إيذان بمزيد فضل الله سبحانه وتعالى وإنعامه.

كذلك من النعم النعم الدنيوية التي يمن الله سبحانه وتعالى على الناس في معايشهم وأرزاقهم؛ المال والبنون زينة الحياة الدنيا. فلا شك أن شكر المنعم سبحانه وتعالى على هذه النعمة من أدب المسلم مع ربه سبحانه وتعالى، ومن اعترافه له بنعمته. لذلك جاء في الحديث الشريف، حديث سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه». وفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ قال: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه، فلينسك عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة». إذاً دل النبي ﷺ أمته على أن ينسك تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى وشكراً لله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، هذه هي سنة العقيقة.

العقيقة سنة مؤكدة، وتأكيدها تأكيد بالغ، وهي سنة متبعة سار عليها المسلمون من زمن رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا، إلا أننا نقول إنها لا تبلغ درجة الوجوب لقول رسول الله ﷺ: «فأحب أن ينسك عنه فلينسك». فقول الرسول ﷺ «فأحب أن ينسك عنه» فيه دلالة على أهمية أن ينسك عنه، ولكن لم يوجبها رسول الله ﷺ، وإن كان قول رسول الله ﷺ «كل غلام مرتهن بعقيقته» يدل على تأكيد هذا الأمر. لذلك نحن نقول في العقيقة ما قلناه في الأضحية، وإن كانت العقيقة لا تبلغ درجة وجوب الأضحية وتأكيدها، لكننا نقول: نعم، هي دون الأضحية، وذكرنا أن الأضحية دون الواجبات، وهي في مرتبة أعلى السنن المؤكدة، التي ربما قال بعض أهل العلم بوجوبها، مثل مذهب الحنفية، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية؛ قالوا بوجوبها لقربها وتأكيدها من الواجبات.

فالعقيقة درجتها عالية في التأكيد، وإن كانت لا تبلغ درجة الأضحية في تأكيدها، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول إن من استدان ليضحي أو يعق فإن هذا مشروع له؛ كونه يستدين إذا كان يجد وفاء لهذا الدين. ولا يشرع للإنسان أن يستدين وهو لا يجد وفاءً، لكن كونه يستدين لأجل القيام بهذه السنة المؤكدة في وقتها المشروع لها، لا شك أن هذا مما يدل على تأكيدها.

نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى، وهي شروط العقيقة. في شروط العقيقة، نقول ما قلناه سابقاً في شروط الأضحية: لا بد من أهلية المذكي بأن يكون مسلماً وعاقلاً، ولا بد كذلك أن تكون هذه العقيقة قد بلغت السن المعتبرة شرعاً، ولا بد كذلك ألا يكون فيها عيب من العيوب التي تمنع من الإجزاء، وأن تكون من بهيمة الأنعام؛ الإبل والبقر والغنم. ذكرنا هذا سابقاً في شروط الهدي وفي شروط الأضحية، ونكرره هنا في شروط العقيقة؛ فلا تجزئ العقيقة من غير بهيمة الأنعام، ولا تجزئ التي هي أقل من السن المعتبرة شرعاً، ولا تجزئ إذا كان فيها عيب يمنع من قبولها كأضحية. إذاً من حيث شكل العقيقة، هي موافقة لشكل الأضحية ولشكل الهدي في الشروط الواجبة فيها. وهذا كله مأخوذ مما تقرب الله سبحانه وتعالى به، من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34]. لذلك هذه كلها يمكن أن نصطلح عليها فنقول هي أجناس للتعبد لله سبحانه وتعالى بنحر أو ذبح بهيمة الأنعام؛ هذا جنس الهدي، وجنس الأضحية، وجنس العقيقة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم. فاصل قصير ونعود بعد هذا الفاصل.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن العقيقة. ذكرنا أن الشروط في العقيقة أن تكون من بهيمة الأنعام، وأن تكون متجاوزة للسن المجزئ شرعاً، وذكرنا من قبل السن المجزئ شرعاً؛ وأنه في الإبل خمس سنين، وفي البقر سنتين، وفي المعز سنة، وفي الضأن تجزئ جذعة لها ستة أشهر، استثناءً من بقيتها التي لا تجزئ فيها الجذعة. وذكرنا أن العيوب هي نفس ما قلناه في باب الأضحية، أن العيوب التي لا تجزئ في الأضحية كذلك لا تجزئ في العقيقة، والعيوب التي تقبل في الأضحية وتجزئ، فإنها تجزئ وتقبل في العقيقة. إذاً ننقل نفس الكلام الذي قلناه في الأضحية وننقله هنا في باب العقيقة.

لكن قد ذكرنا هناك في الأضحية وفي الهدي أن الأفضل للإنسان في الهدي أن يهدي بدنة، فإن لم يكن فبقرة، فإن لم يكن فشاة. وكذلك ذكرنا في الأضحية أيهما أفضل، هل الأفضل أن يضحي ببدنة أم بغنم؟ قلنا إن كان سيضحي برأس كامل عن نفسه، فإن الأفضل أن يضحي ببدنة، لكن هل الأفضل سبع بدنة أم الغنم؟ قلنا لا، إن الأفضل هو الغنم في الأضحية أفضل من سبع بدنة؛ لأنه يذكي ويذبح ويتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بحياة بهيمة كاملة خاصة له، لا يشركه فيها غيره، كسبع البدنة مثل ما هو الحال في سبع البدن.

طيب في العقيقة ما هو الأفضل؟ هل الأفضل أن يقرب بدنة أو بقرة أو غنماً؟ نقول كلها إن شاء الله تعالى مجزئة، والأفضل والله تعالى أعلم أن يقرب الغنم لأنه هو الذي جاء في سنة رسول الله ﷺ. لاحظوا دائماً ينبغي على المسلم وطالب العلم أن يتتبع سنة رسول الله ﷺ؛ فالهدي أهدى النبي ﷺ مائة بدنة، إذاً نقول البدنة أفضل. لاحظتم في الأضحية النبي ﷺ قال: «أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها»، فلذلك فضلنا البدنة على الغنم، وفضلنا الغنم على سبع البدنة. طيب في العقيقة ما هو المشروع؟ النبي ﷺ قال: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة». إذاً نحرص على ما سماه النبي ﷺ.

الأمر الثاني أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشين كبشين. كون النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين فيه عدد من الفوائد؛ أولاً أن الكباش أفضل من الإبل والبقر، هذه الفائدة الأولى. الفائدة الثانية أنه يجوز أن يقوم بالعقيقة غير والديهما، فالنبي ﷺ عق عن الحسن والحسين مع أن النبي ﷺ هو جدهما لأمهما. إذاً هذا دليل على أن الأب أو الأم أو الجدة لأب أو الجدة لأم كلهم يقومون هذا المقام، ويجوز لهم أن يعقوا عن هذا الطفل أو هذه الطفلة.

طيب يبقى معنا سؤال، لو علم هذا الطفل أو الطفلة أن والده أو والدته لم يذبحا عقيقة عنه، فرضا أنه كبر فلما كبر قالوا لم نذبح عنك عقيقة، أو أن هذا الشخص مثلاً أسلم ووالداه أصلاً على الكفر مثلاً فلم يذبحا عنه عقيقة أصلاً لأنهما على الكفر، فلما كبر هل يشرع للإنسان أن يعق عن نفسه إذا كبر؟ الظاهر والله تعالى أعلم من قول رسول الله ﷺ «كل غلام مرتهن بعقيقته» أنه يشرع له ذلك ولو كبر. وهذا الحقيقة يقودنا إلى مسألة أخرى؛ مسألة ما هو وقت العقيقة؟ نقول أفضل وقت العقيقة أن تكون في اليوم السابع، فإن لم تكن ففي السابع الذي يليه؛ وهو الرابع عشر، فإن لم يكن ففي السابع الذي يليه وهو الحادي والعشرون، فإن لم يكن ففي أي وقت. متى يستمر أي وقت هذا؟ إلى متى؟ نقول إلى أن يموت، فلو أنه مثلاً أسلم هذا الرجل ووالداه على الكفر لم يعقا عنه، وهو شخص في عمره مثلاً الثلاثون أو الأربعون، هل يعق عن نفسه؟ نقول عق عن نفسك إن شاء الله تعالى، وتصيب إن شاء الله تعالى هذه العبودية لله سبحانه وتعالى.

طيب ما هو اليوم السابع؟ لما قلنا تذبح في يوم سابعه، بعض الناس إذا جاءه مولود في يوم الخميس يظن أن يوم سابعه هو الخميس الذي يليه، لا، الخميس الذي يليه هو اليوم الثامن، فاليوم السابع هو اليوم الذي قبله. يعني بعض الناس يظن أنها أسبوعية، فما دام جاءه المولود يوم الخميس فمعنى ذلك أن بعد أسبوع هي يوم الخميس التالي، لا، هذا بعد أسبوع في واقع الأمر يوم الخميس التالي هو اليوم الثامن للمولود، إذاً متى هو اليوم السابع؟ هو يوم الأربعاء، إذا جاء المولود يوم الخميس، فسابع المولود هو يوم الأربعاء. لو جاء المولود يوم الاثنين، سابعه يوم الأحد الذي يكون أول أحد بعد ولادة هذا المولود وهكذا. إذاً هذه مسألة فيما يتعلق بسابع المولود، كذلك يشرع للمولود في يوم سابعه أن يسمى باسمه في هذا اليوم السابع ولو سمي قبل ذلك إن شاء الله تعالى فلا بأس، وأن يحلق رأسه، هذا كله جاء في حديث سمرة رضي الله تعالى عنه.

هنا عدد من المسائل كذلك المتعلقة بالعقيقة؛ وهو ما هو المشروع في لحم العقيقة؟ نقول ما قلناه من قبل في لحم الأضحية وما قلناه من قبل في لحم الهدي. لا يعطي الجازر أجرته من هذا اللحم، لماذا؟ لأنه إذا أعطى الجازر أجرته من هذا اللحم فكأنه تصدق بشاة ناقصة، لو أعطى الجازر أجرته من رجل هذه الشاة فمعنى ذلك أن صدقته لله سبحانه وتعالى.

والتي تقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى صارت شاة، إلا الرجل؛ أنت تتصدق لله سبحانه وتعالى، تتصدق لله سبحانه وتعالى بشاة كاملة.

ماذا يفعل؟ نقول: كل منها، وتصدق، وأهد صديقك وقريبك، وادع جيرانك، كلوا منها وأطعموا البائس الفقير. وبعض أهل العلم يقول: إنه ثلث، يقول: له ثلث هدية وثلث للفقراء، لا بأس، الأمر إن شاء الله تعالى في هذا واسع، كون أنه ما دام أهم شيء أنه يذبحها شكراً لله سبحانه وتعالى، تقرباً إلى الله، إراقة دم شكراً له على نعمة الولد؛ فهذا إن شاء الله تعالى من تمام شكر الله سبحانه وتعالى على نعمة الولد، إذا يأكل منها أو يتصدق أو يهدي.

هنا مسألة ذكرها بعض أهل العلم: هل الأفضل في العقيقة أن يعق بشاة أو سبع بدنة؟ ذكرنا من قبل أن الأفضل أن يعق بشاة. طيب، هل نفترض أن إنساناً ليس عنده شاة، فهل يجوز أن يشترك مع غيره في بدنة؟ نفترض أن هذا المولود جاءه في حج مثلاً، فوجد أن الآخرين تقربوا إلى الله سبحانه وتعالى كل واحد بسبع بدنة، سبع أضحية، ستة اشتركوا، ثلاثة منهم أضحية وثلاثة منهم هدي، فالسابع هذا قال: أنا عقيقة، أبغى أجعل السبع هذا عقيقة. هل يجوز سبع بدنة؟ هل يجوز أن يكون عقيقة؟ أم نقول إن الواجب فيها رأس كامل أو المستحب فيها رأس كامل؟ الظاهر والله تعالى أعلم بالنظر إلى العقيقة أن المستحب فيها والسنة أن تكون رأساً كاملاً، وهذا مأخوذ أو يمكن أن يستفاد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شاتان مكافئتان». لاحظوا أن هنا كان في نوع من المكافأة المعتبرة بين هذه الشاة أو هذه البدنة وبين هذا الغلام.

هذا جانب، لذلك استحسن بعض أهل العلم، وهذا استحسان لا بأس به وطيب، وإن كنا لا نقول إنه سنة أو سنة مؤكدة، لا، ولكن نقول هو استحسان لا بأس به، يقول: ألا يكسر عظمها، وإنما تفصل تفصيلاً من مفاصلها، يعني تفكك مفاصلها تفكيكاً، يقولون لماذا؟ يقولون تفاؤلاً، تفاؤلاً بعدم كسر عظم هذا الصبي، وهذا تفاؤل حسن إن شاء الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل، وإن كنا لا نقول إن هذا يرقى إلى مستوى السنية أو السنية المؤكدة، ولكن هذا استحسان لا بأس به إن شاء الله تعالى، لو فعله الإنسان فهو حسن، ولو تركه فلا بأس ولا إشكال عليه.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، وكنا قد تكلمنا قبله عن أحكام العقيقة، وبينا معناها ومشروعيتها، وبينا صفاتها وشروطها، وبينا أنه لا يشترك فيها في البدنة كما يشترك في الهدي والأضحية، وبينا أن الأفضل أن يعق الإنسان بكبش عن الجارية أو كبشين عن الغلام وفاقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن على طالب العلم أن يتتبع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهدي والأضحية والعقيقة وفي غيرها من الأعمال والعبادات، يحرص الإنسان على التأسي بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

استفدنا من كون رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين أنه يصح أن يعق الإنسان عن ولده، ويصح أن يعق عن هذا الولد كذلك أمه أو جده؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جد الحسن والحسين لأمه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين. إذاً هذه كلها فوائد استفدناها من هذا الحديث في ختام حديثنا عن الأضحية والعقيقة والهدي، بل في ختام حديثنا عن كتاب المناسك، وسبق لنا أن تحدثنا قبله عن كتاب الصيام، نختم بهذا الموضوع وبهذه المسائل كتاب العبادات في الفقه الإسلامي.

تحدثنا أيها الإخوة خلال فصلنا هذا، الفصل الدراسي الثالث، وفي الفصلين قبله عن عدد كبير من العبوديات لله سبحانه وتعالى، أعظمها عبودية الصلاة لله سبحانه وتعالى، عبودية الوضوء الذي يحط الخطايا، عبودية الغسل، عبودية التيمم، تحدثنا عن عبوديات الصلوات، الصلوات المفروضة في وقتها، الصلاة جماعة في المسجد للرجال، تحدثنا عن صلاة العيدين، تحدثنا عن صلاة الجمعة والكسوف والاستسقاء، ثم تحدثنا عن صلاة الجنازة، تحدثنا بعد ذلك عما يشرع في حق الميت، تحدثنا عن الزكاة وعن الصدقات، ثم تحدثنا عن الصيام الفرض والنفل وأنواع التطوعات في الصيام، تحدثنا عن الحج والعمرة صفاتهما والواجب فيهما والنوافل المشروعة فيهما.

أيها الإخوة والأخوات، هذه العبوديات المتنوعة لله سبحانه وتعالى تنتظر منا من يقوم بها ويتعبد لله سبحانه وتعالى بها، هذه العبوديات تشكل بمجموعها الصراط المستقيم الذي يسير فيه المسلم إلى الله سبحانه وتعالى، إلى رضوان الله، إلى جنات النعيم. أيها الإخوة والأخوات، إن أهم وظيفة للتفقه في هذه العبوديات ومعرفة صفاتها وشروطها وأركانها وهيئاتها، أهم وظيفة للفقه في هذه العبوديات هي وظيفة بيان الصراط المستقيم، بحيث أن الإنسان يستطيع أن يتعبد لله سبحانه وتعالى عبودية صحيحة خالصة له سبحانه وتعالى، لا يكون فيها شائبة الاتباع لغير النبي صلى الله عليه وسلم؛ أما إذا كان فيها شائبة الاتباع لغير النبي صلى الله عليه وسلم، فلا شك أنه سوف يدخل عليه من النقص في صحة عبادته وفي شكلها الصحيح بقدر ما انصرف فيه عن اتباعه لسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

كنا أيها الإخوة عرفنا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه العبادات، ما هو الواجب علينا بعد ذلك؟ ما هي الخطوة التالية؟ أيها الإخوة والأخوات، الخطوة التالية هي العمل، هي الإقبال على الله سبحانه وتعالى، هي التعبد لله سبحانه وتعالى، عرفت الطريق فالزم. عرفنا الطريق أيها الإخوة، عرفنا المستحبات المتعلقة بالصلاة، عرفنا المستحبات المتعلقة بالصوم، عرفنا المستحبات المتعلقة بالزكاة، عرفنا المستحبات المتعلقة بالحج، عرفنا المستحبات المتعلقة بالاعتكاف، المتعلقة بالتقرب لله سبحانه وتعالى بنحر الهدي والأضاحي والعقيقة وغيرها، فلنلزم الطريق ولنكثر من العبودية لله سبحانه وتعالى.

أيها الإخوة والأخوات، إن من عمل بما علم أورثه الله سبحانه وتعالى علم ما لم يعلم، إن من عمل بما علم كان هذا العلم في حقه من العلم النافع، وأما أيها الإخوة من لم يعمل بهذا العلم وفرط فيه أو استخدم هذا العلم في غير ما شرع لأجله من التقرب إلى الله، فصار هذا العلم مبعداً له عن الله، فهذا العلم في حقه علم ضار. وللأسف حقيقة من المؤسف أن بعض الناس ربما سمع خلافاً مثلاً في صلاة الجماعة، ربما سمع خلافاً في الأضحية وفي تأكيدها، ربما سمع خلافاً في الجمعة، ربما سمع خلافاً في مسألة من المسائل كان يظن هو من قبل أنها واجبة فكان يفعلها، فسمع الخلاف فتركها، هذا صار علمه هذا بهذا الخلاف صار علمه ضاراً في حقه لأنه باعد عن الله سبحانه وتعالى، باعد عن الطريق المستقيم.

لكن المسلم الذي يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، عليه أن يكون هذا العلم في حقه نوراً يقربه ويزيد قرباً من الله سبحانه وتعالى، فالشخص الذي سمع خلافاً في الأضحية هل هي واجبة أم مستحبة وسنة مؤكدة؟ للأسف بعض الناس يكون هذا الخلاف في حقه ضاراً، يقول: خلاص أتركها ما دام فيها خلاف معناه ما هي واجبة، وأترك هذه الأضحية، لا، بعض الناس إذا سمع هذا الخلاف علم أهمية هذا الموضوع، وأن من أهل العلم من قال بوجوب الأضحية، وما قال هذا القول إلا لتأكدها وأهميتها، ربما كان من قبل يعتبر أنها سنة وأنه يمكن يتساهل فيها، لكن لما عرف هذا الخلاف، وأن من أهل العلم من قال بوجوبها، تأكد وحرص؛ لماذا؟ لأنه علم علماً شرعياً، فكان هذا العلم في حقه نافعاً، قربه إلى الله سبحانه وتعالى، دل هذا الأمر على أهمية الموضوع وعلى طريقة التقرب لله سبحانه وتعالى.

إذاً لاحظوا، هو نفس الخلاف المذكور، مثلاً هناك ذكرنا خلافاً في الأضحية هل هي واجبة ولا سنة مؤكدة؟ لكن بعض الناس هذا الخلاف في حقه مباعد له عن الله سبحانه وتعالى، قال: خلاص ما دام فيها خلاف أتركها، خلاص لا نضحي. بعض الناس لما رأى هذا الخلاف علم أن هذه شعيرة من شعائر الله وأنها مهمة إلى درجة مثلاً أن مذهباً من مذاهب أهل الفقه وأن علماء من أهل العلم والاعتبار والاجتهاد كلهم قالوا بوجوبها، دل هذا الأمر على تأكدها في نفسه وحرص عليها، ولم يتركها إلا إذا كان غير قادر عليها؛ هذا في حقه صار العلم هذا الفقهي صار علماً نافعاً في حقه.

فأنا حقيقة أول شيء أوصي نفسي وإخواني بأن نجتهد في أن يكون هذا العلم الذي تعلمناه علماً نافعاً في حقنا، قد يقول قائل: كيف يكون هذا العلم في حقي علماً نافعاً؟ أقول: اجعل هذا العلم وسيلة تقربك إلى الله، ليكن هدفك التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، والعلم وسيلة للتقرب إلى الله، يبين لك الطريق الذي تسلكه إلى الله سبحانه وتعالى. وأما إذا كان الإنسان والعياذ بالله حريصاً على شهوات نفسه، ويبحث عن العلوم التي تقرب له شهوات نفسه، فهذا العلم في حقه ضار؛ لأن كل ما تعلم علماً فهو ينتظر الرخص، وينتظر الترخيصات، وينتظر الخلافات، ويستعين بهذه الخلافات وبهذه الرخص وبغيرها للوصول إلى شهوات نفسه ولترك طاعة الله، هذا علم ضار.

لكن كون الإنسان يهدف إلى التقرب إلى الله سبحانه وتعالى والوصول إلى الله سبحانه وتعالى والترقي في درجات العبودية، ويتعلم لأجل أن يترقى في درجات العبودية، فهذا علم نافع في حقه، كل ما تعلم علماً يجد أنه يقرب من الله أكثر؛ لماذا؟ لأنه بان له طريق الوصول إلى الله وطريق جنات النعيم أكثر فأكثر. أوصي نفسي أولاً، وإخواني وأخواتي ثانياً، أن نستشعر معنى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6] التي نقرؤها في الفاتحة في كل يوم، بل في كل صلاة، بل في كل ركعة من ركعات صلواتنا، يتضرع المسلم إلى الله سبحانه وتعالى أن يهديه الصراط المستقيم.

كان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يستفتح به صلاة الليل دعاء عظيماً في طلب الهداية، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في استفتاح لصلاة الليل: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». إذاً استشعرنا معنى الهداية، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل الهداية؟ كيف أن الله سبحانه وتعالى جعل فاتحة الكتاب سؤالاً للهداية، ثناء على الله يراد به سؤال الهداية من الله سبحانه وتعالى، علمنا عظم وأهمية الهداية. الهداية هداية دلالة واستبانة للطريق المستقيم، والهداية الثانية هداية لسلوك هذا الطريق المستقيم، لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعائه: «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه».

أسأل الله سبحانه وتعالى في ختام هذا الفصل الدراسي الثالث أن يهدينا طريقه المستقيم، وأن يوفقنا لسلوكه، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، أسأل الله أن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وقلباً خاشعاً، اللهم إنا نسألك علماً نافعاً ونعوذ بك من علم لا ينفع، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، اللهم إنا نعوذ بك من علم ضار، اللهم إنا نعوذ بك من علوم الضلالة، اللهم إنا نعوذ بك من علم يباعدنا عنك ويصرفنا عن العبودية لك، اللهم قربنا إليك واهدنا إليك، اللهم يا رب العالمين وفقنا لما تحب وترضى، وخذ بنواصينا للبر والتقوى، وبارك لنا في علومنا ومعارفنا وأعمالنا، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.