تسجيل الدخول

المحاضرة 18 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي -شروط وجوب الحج والمواقيت الزمانية والمكانية

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، ولي المؤمنين الصالحين المتقين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: اللهم يا ربنا وفقنا واهدنا ويسر الهدى لنا واجعلنا هداة مهتدين، ربنا إن لم تهدنا وتعلمنا وترشدنا وتوفقنا نكن من الضالين، ربنا إن لم تغفر لنا وترحمنا نكن من الخاسرين.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثامن عشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها، وأن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في درسنا السابق في الحديث عن فريضة الحج، تحدثنا عن وجوبه، وتحدثنا عن فضله، وتحدثنا عن تعريفه، ثم انطلقنا بعد ذلك إلى شروط وجوب الحج. فقلنا إن شروط وجوب الحج هي: الإسلام، قبل ذلك ما معنى شروط وجوب الحج؟ قلنا إنها الأمور التي إذا اجتمعت فإن الحج يكون واجباً، وهذه شروط الوجوب بخلاف شروط الصحة، وبخلاف شروط الإجزاء، وبخلاف شروط الكراهة، وشروط التحريم، وشروط إلى آخره؛ بمعنى إذا اجتمعت يكون الأمر محرماً، إذا اجتمعت يكون الأمر مكروهاً، إذا اجتمعت يكون الأمر صحيحاً، شروط كل شيء إذا اجتمعت يتم هذا الأمر. إذاً لما نتكلم عن شروط وجوب الحج معناها الشروط الأمور التي إذا اجتمعت يكون الحج واجباً. ما هي شروط وجوب الحج؟

الإسلام فلا يجب على كافر، البلوغ فلا يجب على صبي، العقل فلا يجب على مجنون، الحرية فلا يجب على عبد مملوك. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى شرط القدرة والاستطاعة، هذا الشرط نص الله سبحانه وتعالى عليه في كتابه الكريم فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. معنى ذلك أن من لم يستطع إليه سبيلاً فإنه لا يجب عليه هذا الفرض.

طيب نريد أن نفصل في هذا الشرط، الاستطاعة، من هو المستطيع وغير المستطيع؟ نحن قلنا إن الاستطاعة أن يستطيع أن يحج بنفسه. طيب لو قال شخص هذا الشخص قال: لا يمكنه أن يحج بنفسه تماماً، أما لكونه مثلاً مريضاً مرضاً شديداً أو أياً كان، فما هو الواجب في حقه؟ هل يسقط الواجب؟ نقول لا، إن هناك نوعاً آخر من القدرة، قلنا إن القدرة نوعان: بنفسه وبماله. فما دام أنه لم يستطع بنفسه فإذاً ننتقل إلى أن يحج بماله؛ نقول هل عندك مال تحجج به شخص عنك، ينوب به عنك في الحج؟ إذا قال نعم، نقول إذاً يجب أنك تنيب غيرك الذي يحج عنك. طيب قال لا يوجد مال، نقول خلاص إذاً سقط فرض الحج، ما دام ما عندك قدرة بدنية أن تحج بنفسك ولا عندك قدرة مالية أن تحج بمالك، توكل وأنب من يحج عنك، فمعنى ذلك أنه سقط عنك فرض الحج ولا يجب عليك.

طيب ما هي القدرة البدنية للحج أن يحج الإنسان بنفسه؟ عدد من الأمور: أول شيء أن يكون عنده الزاد، الزاد لا شك أن الإنسان سواء كان في بلده أو في مكة أو في غيرها سيكون عنده زاد يأكله، هذا لا إشكال فيه إن شاء الله تعالى وموجود. الأمر الثاني: كلفة الطريق، أن يكون عنده راحلة أو وسيلة نقل توصله إلى مكة. طبعاً هذا الشرط واجب على غير أهل مكة؛ أهل مكة خلاص يمشون خطوات وصلوا إلى عرفة وإلى مزدلفة وإلى منى وإلى البيت الحرام، هم أصلاً أهل البيت، لكن نحن نتكلم الذين هم من خارج مكة، الذين من خارج مكة يحتاجون إلى وسيلة نقل تنقلهم إلى مكة، وهذه الوسيلة لا شك يحتاج أن يرتب الإنسان لها كلفها. فربما مثلاً من كان قريباً مكة على مسافة 100 كيلو أو 200 كيلو فربما تكلف هذه الوسيلة مثلاً 50 دولاراً أو 100 دولار أو ما يعادلها تقريباً، لكن إذا كان خارج الحدود السعودية مثلاً فإنه سوف يحتاج مثلاً إلى 1000 دولار أو 2000 دولار، تكاليف النقل هذه معتبرة في القدرة البدنية أن يحج بنفسه، وصحة بدنه هو أن يمكنه أن يحج وليس من الهرم بقدر ألزمه بيته.

الأمر الرابع، قلنا وهذا خاص بالمرأة: أن يكون معها محرم، من لم يكن معها محرم فإنه لا يجب عليها الحج، وإنما يجب على المرأة إذا توفر لها المحرم؛ لماذا؟ لأن المرأة لا تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم، كما جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً أهل مكة لو امرأة سألتنا من أهل مكة قالت هل يجب علي الحج مع عدم وجود محرم؟ نقول خلاص ما دام معك رفقة طيبة من النساء وتثقين فيهم فحجي معهم، ولا يشترط المحرم باعتبارك أنت من أهل مكة، لا يوجد أصلاً سفر، لكن من كانت خارج مكة نقول: إن كان يوجد محرم فالحج واجب عليك، إن لم يوجد محرم فإن الحج غير واجب عليك.

طيب لو حجت هذه المرأة مثلاً وهي من خارج مكة؟ نقول إن شاء الله تعالى حجها صحيح ولا إشكال. لربما حقيقة ياتي السؤال عن بعض مثلاً الخدم في البيوت قدموا من بلدان بعيدة، وقدموا مثلاً وموجودين في المملكة العربية السعودية لأجل عمل، تكون المرأة هذه قد قدمت لأجل عمل، أما أنها مثلاً خادمة في بيت، أما أنها ممرضة مثلاً، أما أنها طبيبة، أو أنها معلمة، أياً كان سبب قدومها إلى مكة؛ بعضهن يكون قد قدم بمحرم وهذا لا شك أنه الواجب عليهن، وبعضهن يكون قد قدم بدون محرم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لهن ويتوب عليهن.

فأقول إذا المرأة وصلت إلى هنا، تقول مثلاً لو أني لم أحج أثناء وجودي في المملكة فإنه يصعب علي أن آتي من بلدي مرة أخرى؛ نفترض أنها جاءت من بلاد بعيدة، أما من بلاد الغرب في أمريكا وأوروبا وأفريقيا وغيرها، أو من بلاد الشرق في إندونيسيا وماليزيا والهند والباكستان وغيرها، تقول إذا رجعت إلى تلك البلدان البعيدة صعب علي مرة أخرى أن آتي بمحرم، فهل يجوز لي ما دمت داخل وقريبة من مكة مثلاً نفترض أنها تبعد عن مكة مثلاً 100 كيلو أو 200 كيلو أو 500 كيلو أو 1000 كيلو، هل يمكنني أن أحج الآن بحكم أن كلفة الحج سوف تكون يسيرة علي ومقدور عليها، ولكن لو رجعت إلى بلدي فإني لن أستطيع أن آتي مرة أخرى بقصد الحج فقط؟ وهذا سؤال حقيقة يسأل عنه بعض هؤلاء النساء اللاتي قدمن إلى المملكة العربية السعودية لأجل عمل وربما لم يكن معهن محرم.

والظاهر والله تعالى أعلم أن نقول ونوصيهن بالحج ولو لم يكن معهن محرم، ما داموا قدموا إلى المملكة العربية السعودية لأجل استغلال فرصة قدومهم في هذا البلد، وأنهم لو رجعوا إلى بلدانهم فإن الظاهر والله تعالى أعلم أنه لا يتيسر لهم القدوم مرة أخرى، فما دام قد قربوا من البيت العتيق فليستغلوا قربهم وجوارهم لهذا البيت ويبادروا الحج، ويبادروا الحج؛ إلا أننا نقول يجب عليها أن تكون في ثلة من النساء المؤمنات الموثوقات التي تحج معهن، بحيث إنه لا يكون عليها أي إشكال أو أي خطر أو أي شبهة أو أي ريبة، بل إنها تحج ضمن مثلاً حملة أو تحج ضمن رفقة من النساء الموثوقات المأمونات. وهذا الظاهر والله تعالى أعلم؛ لأنها لو فوتت هذه الفرصة مثلاً، نفترض أنه هذه الممرضة أو هذه الطبيبة أو هذه الخادمة لو فوتت هذه الفرصة هنا ورجعت إلى بلدها فلا يتيسر لها أن تأتي مرة أخرى من بلدها بمحرم، فنقول لا، حجي ما دمت قد وصلت إلى جوار البيت العتيق فبادري إلى الحج، هذا الظاهر الله تعالى أعلم فيما يتعلق بشرط المحرم.

طيب نريد بعد أن ننتهي من هذه الشروط المتعلقة بحج المرء بنفسه سواء كان رجلاً أو امرأة، فإن لم يقدر، قال مثلاً إن تكاليف الحج الوصول إلى البيت العتيق صارت السفر لا يستطيع أن يقوم بها، مثلاً نفترض أن الإنسان في مكان بعيد جداً لا يستطيع أن يقوم بهذه التكاليف، هذا جانب، أو أن إنساناً مريض لا يستطيع الوصول، أو أن امرأة بعيدة جداً وليس عندها محرم يوصلها ولا يسير معها ويأتي معها إلى بيت الله الحرام، لأي سبب لم يقدر على أن يحج بنفسه، ما هو الواجب عليه؟ نقول انتقل القدرة المالية، هل تستطيع؟ هل تعرف شخصاً يحج عنك، سواء كان من بلدك أو من بلد أقرب أو من مكة؟ هل تستطيع أن تنيب شخصاً ويحجج عنك؟ مثلاً نفترض تكفل شخص وقال خلاص لا مانع أني أنا أحج عنك، مثلاً وكلفة الحج علي، مثلاً نفترض أنها 1000 ريال أو 1000 دولار مثلاً، فقال أدفع هذه الـ 1000 دولار وأنا أحج عنك، أنا بدني صحيح وأستطيع وأنا مشتاق إلى مكة ولكن ليس عندي مال، وقد حججت عن نفسي، فأنا الآن سوف أحج عنك، لا مانع لدي، فدفع كلفته وحج عنه، فهذا الشخص النائب يحج عنك، يقول: لبيك اللهم عن فلان، لبيك اللهم عن فلان أو عن فلانة التي لم تقدر أن تأتي إلى مكة للحج، فإذا لبى عنه فإنه يحج عنه.

إذاً هذه القدرة البدنية بنفسه وهذه القدرة المالية، وهما نوعا القدرة، من لم يقدر أن يأتي بنفسه ولم يقدر أن يحج بماله أن ينيب بماله، فهذا قد سقط عنه فرض الحج إن شاء الله تعالى. فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله تعالى.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا معكم عن القدرة والاستطاعة. تكلمنا عن القدرة والاستطاعة أن الإنسان يأتي بنفسه، وهذه فيها يحتاج إلى تكلفة السفر، ويحتاج فيها ربما إلى تكاليف أخرى في إقامته أو حجه أو غير ذلك. ومن لم يستطع على هذه التكاليف أن يأتي بنفسه وأن يدفع هذه التكاليف المتعلقة بمجيئه، ولم يكن عند المرأة محرم مثلاً، فإنه ينتقل إلى الوجوب المالي، أن ينيب من يحج عنه، سواء كان هذا النائب يحج عنه من نفس بلده، أو يحج عنه من بلد أقرب، وهذا في كلفة أقل، أو يحج عنه من مدينة داخل السعودية، هذا في كلفة أقل، أو يحج عنه من مكة وهذا في كلفة أقل وأقل وأقل، لأنه قريب، كل ما اقترب الإنسان من البيت تكون كلفة حجه أقل وأيسر.

طيب قد يسأل سائل فيقول: سواء كان أنا بحج بنفسي أو بمالي، هل يصح أني أحج على دين من الديون مثلاً؟ أفترض يقول أنا مثلاً عندي بيت وعندي ثروات معينة، لكن علي دين، هل يمكنني أن أحج؟ نقول إن الدين يمنع من الحج في أحد الأحوال الآتية: أولاً أن يكون هذا الدين مؤثراً، أن يكون حجك هذا مؤثراً على وفاء الدين.

الدين بمعنى نفترض أن الإنسان قال: أنا عندي الآن كاش مقداره مثلاً 1000 دولار، وعلي دين بهذا القدر وهو مطلوب مني الآن، فلو حججت بهذا الـ 1000 دولار فمعنى ذلك أنني لن أوفي الدين الذي علي. نقول: لا، أولاً أوفِ الدين الذي عليك. إذاً المعتبر في القدرة -سواء القدرة البدنية الزاد والراحلة أو القدرة المالية- أن الإنسان يقيم شخصاً يحج عنه، المعتبر أن يكون هذا بعد وفائك للدين.

لا يعتبر الدين مانعاً إذا كان مؤجلاً. لو كان الإنسان قال: الدين الذي علي الآن ليس حالاً عليّ الآن، وإنما عليّ مؤجل مثلاً بعد شهر، أو شهرين، أو ستة أشهر، أو سبعة أشهر، وعندي في ذلك الوقت ما يوفيه -يعني إن شاء الله تعالى، مثلاً نفترض أن هذا الشخص موظف ويأخذ راتب، فيقول: إذا جاء الراتب الشهر القادم أو الشهر الذي يليه دفعت له- نقول: هذا الدين لا يمنع وجوب الحج عليك، بل يجب عليك الحج. إذاً ما هو الدين الذي يمنع وجوب الحج؟ الدين الذي يمنع وجوب الحج هو الدين الحال أولاً. والأمر الثاني الذي يكون حجك مؤثراً فيه على الدين. لكن لو قال شخص مثلاً: أنا سأحج وعليّ دين مثلاً 1000 دولار حال، ولكن أنا سأحج، وإذا طلبني حتى لو طلبني في الحج، بالجوال موجود عند أهلي ما يسدده، أنا تركت عند أهلي فلوس يسددون، أو أنا سددته بعد الحج مباشرة، وذهابي للحج لن يؤثر على هذا الشخص، لن يؤثر على دينه البتة، إذاً نقول: الدين هذا لا يمنع وجوب الحج عليك، واضح أيها الإخوة؟

لو كان الدين مؤجلاً ويجد له وفاء سواء الآن أو فيما يستقبل، بمعنى أنه موظف ويأتيه راتب يسدده، إذاً نقول: هذا الدين لا يمنع وجوب الحج عليك. إذاً ما هو الدين الذي يمنع وجوب الحج؟ نقول: الذي إذا حججت لم يمكنك أن توفيه؛ إذا حججت بهذا المال معنى ذلك أن الدين ثبت في ذمتك ولا يمكنك أن توفيه. الله سبحانه وتعالى لا يكلف العباد ما لا يستطيعون؛ كون هذا الدين واجباً عليك وليس عندك مال إلا أن توفي هذا الدين فلا يجب عليك الحج حينئذ. والدين الآن حال، ولو ذهبت للحج ربما أنك تدخل في مشكلات قانونية، وربما أنك تسجن بسبب عدم وفائك للدين، هذا لا يكلف به الإنسان. لكن حقيقة الملاحظ أن بعض الناس يتساهل، خلاص يكون عليه دين مؤجل أو دين يستطيع أن يوفيه أو سيأتيه من الرواتب ما يستطيع أن يسدد به، ومع ذلك يتكاسل عن الحج؛ نقول: لا، هذا الدين لا يعتبر مانعاً لك من الحج، ما دمت أنك تقدر على الحج بدون تأثير على الدين؛ سيأتيك إيرادات، سيأتيك رواتب، إذاً حُج، وبعدين إن شاء الله تعالى إذا جاءتك رواتب وإيرادات سدد بها الدين. إذاً ما دام الحج لا يؤثر على وفائك للدين حُج ولا تتردد في الحج.

إذاً هذه المسائل المتعلقة بالقدرة، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى مهمة، أو باب آخر مهم، ألا وهو من أراد الحج فكيف ومتى وأين يبدأ؟ الحج أول عمل من أعمال الحج هو الإحرام. الإحرام ما هو؟ الإحرام هو نية الدخول في النسك، وسنأتي إن شاء الله تعالى لتفصيله.

طيب، سؤال: ما الفرق بين الإحرام وإرادة النسك؟ بمعنى آخر من خرج من الهند مثلاً يريد الحج، أليس مريداً للنسك من حين سفره من الهند إلى حين وصول طائرته إلى جدة، ثم ذهابه إلى مكة، هو يريد الحج؛ إذاً ما هو الإحرام الذي يكون من ميقات الذي يجب على الإنسان أن يحرم فيه من الميقات؟ الإحرام الذي من الميقات ليس هو نية النسك أو إرادة النسك، هو نية الدخول في النسك، بدء النسك.

حتى أقرب لكم الصورة: الآن الشخص الذي يخرج من بيته سمع الأذان فخرج من بيته يريد الصلاة؛ هل هذا الشخص يريد الصلاة؟ نعم. طيب متى يدخل في الصلاة؟ إذا قام في الصف وقال: الله أكبر. إذاً إذا كبر تكبيرة الإحرام، تكبيرة الإحرام تعتبر هي نية الدخول في الصلاة. طيب هذا الذي سافر من الهند أو الباكستان أو الشرق أو الغرب أو سافر من الرياض أو من المدينة أو من غيرها إلى مكة؛ هذا مريد للنسك، هذا مثل الذي يخرج من بيته يريد الصلاة، إلى الآن باقي ما دخل في النسك، لم يدخل في نسك الحج والعمرة. متى يدخل في نسك الحج والعمرة؟ إذا وصل إلى الميقات فلبّى وأحرم. إذا لبّى وأحرم هذه نية الدخول في النسك؛ الآن دخل. فإذا وصل الميقات وقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك اللهم عمرة، لبيك اللهم حجاً، لبيك اللهم عمرة متمتعاً بها الحج؛ سنأتي إن شاء الله تعالى للإحرام بالتفصيل. إذا قال: لبيك اللهم حجاً أو عمرة، فمعنى هذا أنه بدأ، دخل في النسك. هذه "لبيك اللهم حجاً وعمرة" هذه تساوي في الصلاة "الله أكبر" إذا كبر في الصلاة. إذاً قبلها، قبل تكبيرة الصلاة، باقي لا يعد قد دخل في تحريم الصلاة، يعني ما يحرم عليه مثلاً الطعام والشراب أو الكلام، باقي ما دخل في الصلاة الفعلية. طيب هذا اللي خرج من بيته يريد الحج باقي ما دخل في الحج الفعلي حتى يصل إلى الميقات ويقول: لبيك اللهم حجاً؛ هذه بمثابة تكبيرة الإحرام، هذه تلبية الإهلال، هذه التي تُدخل الإنسان في النسك. إذاً عرفنا الفرق بين إرادة الحج والعمرة وبين البدء في النسك.

طيب إذا أراد الإنسان الحج والعمرة من أين يبدأ نسكه ومتى يبدأ نسكه؟ هذا السؤال هو سؤال عما يسمى في الحج مواقيت الحج، وسنأتي ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن السؤال الذي سألناه قبل الفاصل: من أين يدخل في النسك ومتى يدخل في النسك؟ هل يدخل في النسك من حين يخرج من بيته؟ لا، احنا قلنا من حين يخرج من بيته هذا مثل الذي يخرج للمسجد للصلاة، متى يدخل في الصلاة؟ إذا قال: الله أكبر. طيب هنا متى يدخل في النسك؟ هو خرج من بيته يريد النسك، متى يدخل في النسك؟ إذا قال: لبيك اللهم لبيك. متى يلبي ومن أين يلبي؟ هذا السؤال نجد أن الحج والعمرة لهما مواقيت وقّتها الله سبحانه وتعالى ووقّتها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالحج له ميقات زماني وميقات مكاني، العمرة لها ميقات مكاني وقد فُتحت طول السنة، ليس لها ميقات زماني.

طيب، خلونا نأخذ أول شيء الميقات الزماني والمكاني للحج إن شاء الله تعالى. الميقات الزماني ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]. إذاً بين الله سبحانه وتعالى أن الحج له أشهر معلومات، ما هي أشهر الحج؟ هي شوال وذو القعدة وذو الحجة، هذه أشهر الحج التي يحرم الإنسان فيها بالحج. طبعاً يحرم الإنسان فيها بالحج معناها قبل عرفة، طبعاً مو يحرم الإنسان في شهر شوال وذو القعدة وذي الحجة، يروح مثلاً يحرم بالحج يوم 15 الحج؛ هذا خلص الحج. فلذلك قال أهل العلم إن الحج أشهر معلومات، أن المراد بهذه الآية والله تعالى أعلم هو شوال وذو القعدة وتسع ذي الحجة أو عشر ذي الحجة. لماذا؟ متى هي آخر فرصة للإنسان أن يدرك الحج؟ ما هي آخر فرصة؟ آخر لحظة التي إذا فاتت فات الحج؛ يوم عرفة هو الركن، وقوف يوم عرفة هو الحج، وعرفة كما جاء في الحديث: «الحج عرفة»، يوم تسعة. طيب متى ينتهي وقت الوقوف بعرفة؟ ينتهي وقت الوقوف بعرفة إلى أن يؤذن فجر صبح يوم العيد. يعني لو الإنسان أدرك عرفة في الليل -وهذه مسألة ربما يجهلها كثير من الناس- أنه يصح الوقوف بعرفة ليلاً، الناس يظنون أن الوقوف لا بد أن يكون نهاراً فقط، لا، السنة أن يكون نهاراً، لكن لو أن الإنسان جاء ليلاً فوقف بعرفة فإن وقوفه صحيح ومجزئ باتفاق أهل العلم. فلو أن إنساناً وقف بعرفة في الليل صح وقوفه. طيب إلى آخر وقت الليل؟ متى آخر حد في الليل؟ إلى فجر صلاة الفجر أو أذان الفجر يوم عشر، الصبح يوم عشر، خلاص هذا يكون انتهى الوقوف، يعني من أذن الفجر وهو لم يدخل إلى عرفة فمعنى ذلك أنه قد فاته الحج.

إذاً الحج أشهر معلومات، متى آخر موعد للإحرام بالحج يمكن للإنسان أن يدرك فيه الحج؟ نقول هو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة، تستمر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر، خلاص، إذا انفجر الصبح يوم النحر وأذن المؤذن قال: الله أكبر، خلاص انتهى وقت الإحرام بالحج. إذاً هذا الميقات الزماني للإحرام بالحج، عندك هذه الفرصة للإحرام بالحج من شوال وذي القعدة وتسع ذي الحجة أو عشر ذي الحجة، بعض الناس يقول تسع ذي الحجة، بعض الناس يقول عشر ذي الحجة؛ حقيقة لو قلنا إلى فجر يوم النحر لكان هذا إن شاء الله تعالى أضبط، أنه هذا هو الحد النهائي للإحرام بالحج.

﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197]. إذاً هذا هو الميقات الزماني للحج.

طيب ما هو الميقات الزماني للعمرة؟ العمرة تجوز في كل العام، في كل العام لا يوجد يوم معين يعني تُكره فيه العمرة أو تُمنع فيه العمرة، لا، العمرة مشروعة طول السنة، يعني ليس لها ميقات زماني محدد؛ إنسان يبغى يعتمر أي يوم في السنة، في الصبح في الليل، سواء، إن شاء الله تعالى، إلا أنها طبعاً في عمرة رمضان فاضلة كما قد ذكرنا من قبل، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي».

طيب نريد أن ننتقل الآن إلى المواقيت المكانية؛ ما معنى المواقيت المكانية؟ يعني أنها بقاع محيطة بالبيت، أماكن محيطة بالبيت لا بد للإنسان أن يدخل في نسكه إذا وصلها، هي محيطة بالبيت؛ مثلاً هذا البيت الحرام، هذه نقاط محيطة به، أربع نقاط وقّتها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ووقّتها عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه نقطة خامسة وسوف نبينها إن شاء الله تعالى. الآن هذه النقاط محيطة بالبيت، يعني لا يأتي الإنسان يخرج من بيته يريد النسك فإذا وصل إلى الكعبة قال: لبيك اللهم لبيك، لا، هناك احترام للنسك وتعظيم لهذه الشعيرة؛ فالإنسان هناك وقت زماني بيّناه، وهناك مكان إذا وصل إليه يبدأ في النسك، فلا يقدم على البيت وهو محل، خرج من بيته حلال، وبعدين يقدم على البيت يقول: خلاص الآن بطوف وأسعى؛ لا، هناك تهيئة للمسلم قبل قدومه على البيت، ما هي هذه التهيئة؟ هي تهيئة مكانية، من قبل يصل إلى البيت بقرابة مرحلتين، يعني قرابة 60 أو 70 كيلو، يبدأ يدخل في النسك ويحرم عليه أشياء معينة، محظورات معينة، ويقوم ببعض السنن والمستحبات المعينة حتى يهيئ نفسه للقدوم إلى البيت.

إذاً يمكن أن نقول: إن هذه المواقيت المكانية المحيطة بالبيت هي أشبه بالحمى، بالحمى الذي يُحرم منه الإنسان ويهيئ نفسه وحاله وقلبه وبدنه لأن يقدم لزيارة الكريم جل جلاله وزيارة بيته العتيق؛ هذا في الحقيقة فيه تعظيم لحرمات الله سبحانه وتعالى وتعظيم لشعائر الله سبحانه وتعالى، ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. كون الإنسان يحترم حرمة البيت ويقدر حرمة البيت ويتهيأ للقدوم على البيت العتيق، لا شك أنه من تعظيم شعائر الله، وأما الإنسان الذي ينتهك حرمة البيت فلا شك أن هذا فيه انتهاك لهذه الشعائر العظيمة.

طيب إخواني الكرام، الآن هذه النقاط هي النقاط المحيطة بالبيت؛ ما هي هذه المواقيت؟ نجد أن هذه المواقيت متنوعة في أماكنها الجغرافية؛ فهناك ميقات ساحلي جنوبي، وهو ميقات يلملم لأهل اليمن، هذا لمن قدم من خط الساحل، لأن البيت مكة قريبة من الساحل، يفصل بينها وبين البحر قرابة 60 أو 70 كيلو فقط. طيب، هناك الخط الساحلي هذا قلنا من جاء من الساحل جنوباً فعنده ميقات. من جاء من الساحل شمالاً عندهم ميقات الجحفة، ميقات الجحفة هذا قريب من رابغ. طيب هذا بالنسبة للمواقيت الساحلية. طيب هناك ميقات لمن قدم من المدينة شمالاً؛ لمن قدم المدينة الشمال هو ميقات ذي الحليفة، وهذا الميقات هو أبعد المواقيت عن مكة. طيب هناك ميقات لمن جاء شرقاً من نجد والمناطق الشرقية والخليج العربي وغيرها؛ هذا الميقات هو ميقات قرن المنازل، هذه أربع مواقيت وقّتها النبي.

الكريم صلى الله عليه وسلم، ثم جاء أهل العراق بعد فتوحات العراق إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن ميقات قرن المنازل جور عن طريقنا؛ نحتاج لأن فعل هذا في الشرق، وخط أهل العراق شمال شرق، وذو الحليفة شمال، ونجد شرق، وأهل العراق خطهم شمال شرق.

فقال: إن نجد إذا نزلنا إلى شرق جور عن طريقنا، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: انظروا حذوها من طريقكم، يعني انظروا حذو قرن المنازل الذي هو ميقات أهل الشرق، انظروا حذوها من طريقكم، فنظروا حذوها من طريقهم فوجدوه ذات عرق.

فوقت لهم عمر رضي الله تعالى عنه ذات عرق، ميقات يسمى اليوم الضريبة، ميقات ذات عرق وهو الميقات الشمال الشرقي الذي هو مناسب لأهل العراق. إذا هذه المواقيت محيطة بالبيت، سوف نأتي إن شاء الله تعالى في درسنا القادم لبيان مسائلها وأحكامها إن شاء الله تعالى، ونبين بعض المسائل الشرعية المتعلقة بتجاوز الميقات أو الإحرام من الميقات.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في دينه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يزيدنا علما، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا النوال ميسرا، يأتيك ميسورا بأي مكان، زاد زاد أكاديمية، ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملا، بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.