الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. ربنا هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً. ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين فنضل، ربنا إن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثاني والثلاثون من سلسلة دروس الفقه بالفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى بمنّه وفضله أن يبارك في هذه الدروس، وأن يجعلها نافعة في حق قائلها وسامعها وناشرها، وأن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا علينا.
إخواني وأخواتي، سوف نتكلم إن شاء الله تعالى في هذا اللقاء عن الأضحية. الأضحية عبودية لله سبحانه وتعالى من جنس عبودية النسك، والنسك أي الذبح أو النحر؛ نحر بهيمة الأنعام وذبحها لله سبحانه وتعالى تعبداً وتقرباً. أيها الإخوة والأخوات، إن العبوديات لله سبحانه وتعالى متنوعة؛ فمن هذه العبوديات التي يتعبد بها المسلم لربه سبحانه وتعالى عبودية الصلاة، وهذه العبودية هي قيام لله سبحانه وتعالى، وركوع وسجود له، وقراءة للقرآن، وذكر لله في ركوعه وسجوده وفي جلوسه، ثم يختمها بالتحيات في تشهده، ثم الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يختمها بتسليمتين. هذه عبودية الصلاة.
عبودية الصيام هي امتناع عن عدد من المباحات تعبداً لله سبحانه وتعالى في فترة مخصوصة ومحددة. عبودية الحج هي زيارة البيت العتيق والوقوف بالمشاعر عرفة ومزدلفة ورمي الجمار وغيرها. العمرة عبودية زيارة للبيت العتيق والطواف بالصفا والمروة. هذه عبوديات لله سبحانه وتعالى مختلفة؛ الزكاة عبودية، الاعتكاف عبودية، الذكر عبودية. هذه كلها عبوديات بدنية ظاهرة؛ ما معنى قولنا بدنية؟ معناها أنها من الأعمال الظاهرة، لأن العبودية لله سبحانه وتعالى قد تكون بأعمال القلب الباطنة؛ كالخوف من الله سبحانه وتعالى، ومحبة الله، وتعظيم الله، والرضا عن الله. كل هذه عبوديات لله سبحانه وتعالى.
من عادة الفقهاء أن يتحدثوا عن العبوديات الظاهرة، أي عبوديات البدن الظاهرة، ومن عادة أهل السلوك وتزكية النفوس أن يتحدثوا عن عبوديات القلب لله سبحانه وتعالى. اليوم سنتحدث عن الأضحية، وهي من جنس العبودية لله، ألا وهو جنس النحر والذبح لبهيمة الأنعام تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى.
هنا تنبيه؛ قد يسأل سائل فيقول: ما الفرق بين عبودية الأضحية أو ذبح الهدي ونحره تقرباً إلى الله وبين عبودية الصدقة؟ أليست هذه من جنس عبودية الصدقة؟ أليس هذا الشخص الذي نحر هدياً أو أضحية سيأكل منها ويتصدق؟ ما هو الفرق بين عبودية النحر والذبح لله وبين عبودية الصدقة؟ في واقع الأمر الفرق بينهما فرق كبير، وبعض الناس يتوهم أن هذه العبودية من جنس الصدقة، لا، هناك فرق بين كون الإنسان يذبح لله سبحانه وتعالى ذبيحة، مثلاً كبش، وبين أن يشتري لحماً ورزاً وبراً وشعيراً ويتصدق به. هذا صدقة، وهذا إراقة دم تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى.
إراقة الدم نوع من العبوديات كان يصرفه أهل الشرك لأوثانهم، كما كان يصرفه أهل الإسلام لربهم سبحانه وتعالى. هذه عبودية فيها نوع تعظيم وتقرب، كون الإنسان يريق دم بهيمة تقرباً إلى معبوده، هذا شيء فيه نوع من التعظيم والتعبد، كان معروفاً عند أهل الإسلام، ومعروفاً عند أهل الجاهلية، وإلى الآن معروف عند أهل الجاهلية في أوثانهم أو عند أهل الشرك في شركهم والعياذ بالله. نضرب لكم مثلاً لذلك؛ تذكرون الحديث الذي فيه الرجل الذي طلب منه أن يشرك، فقيل له: قرب ولو ذباباً. قرب شيء. كونك تذبح شيئاً تعبداً وتقرباً لآلهة الشرك هذا كافٍ عندهم في كونه مشركاً، وكونه عابداً متقرباً لآلهتهم.
أهل الأصنام كانوا يذبحون بهيمة الأنعام تحت هذه الأصنام تقرباً لها، وأحياناً الجن يطلبون من السحرة أن يذبحوا بهيمة الأنعام تقرباً للجن، وهذا موجود. وأحياناً يقع فيه الإنسان، يطلب منه شخص من السحرة أو الكهنة -وهو لا يعلم ما هو السبب- فينحر ربما كبشاً أو كبشين أو بقرة أو إبلاً أو غيرها من الحيوانات؛ فنحرها تقرباً للجن هذا نوع من الشرك. التقرب هذا فيه نوع من التقرب، فالمسلم شرع الله سبحانه وتعالى له أن ينحر بهيمة الأنعام تقرباً له سبحانه وتعالى، وهذه الشعيرة شعيرة معروفة عند أهل الإسلام قديماً وحديثاً.
قديماً يذكرون قصة فداء إبراهيم عليه السلام لما فدى الله سبحانه وتعالى ابنه إسماعيل بهذا الكبش الذي أنزله له: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]. إذاً هذه تقرب إلى الله سبحانه وتعالى، افتدى الله سبحانه وتعالى نبيه إسماعيل بهذا الكبش بعد أن أمر الله سبحانه وتعالى نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام بأن يذبح ولده، ولكن نسخ الله سبحانه وتعالى هذا الحكم بعد أن ابتلى عبده ونبيه وخليله إبراهيم ورأى منه الامتثال والعبودية لله سبحانه وتعالى.
وقال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34]. إذاً الأضحية ليست سنة خاصة بتشريع القرآن الكريم أو سنة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لا، وإنما هي سنة موجودة في الأمم من قبل. يا أهل الإسلام، الذين ابتعث الله إليهم رسلاً، كل رسول يعلم قومه ويأمر قومه بأن يذبحوا ويتقربوا إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا استمرت العبودية لله سبحانه وتعالى بذبح بهيمة الأنعام تقرباً إلى الله. وتذكرون -وهذا مما يذكر في قصة قابيل وهابيل ابني آدم- أن أحدهما قرب إلى الله سبحانه وتعالى كبشاً والآخر قرب زرعاً وثمراً. الشاهد أن هذا التقريب وهذا التقرب وهذه العبودية هي عبودية قديمة، شرعها الله سبحانه وتعالى على لسان أنبيائه ورسله في عدد من الرسالات التي تندرج كلها تحت اسم الإسلام.
كنا قد ذكرنا قبل الفاصل قصة ابني آدم التي أمر الله سبحانه وتعالى عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يتلوها لعباده في القرآن الكريم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]. كانت علامة القبول كما يذكر أهل التفسير علامة ظاهرة واضحة، وهي نار تتقبل أو تحرق هذا القربان المقبول وتترك القربان غير المقبول.
الآن حقيقة ينبغي للمسلم أن يتعرف على تقبل الله سبحانه وتعالى لعبادته بعدد من الأمور؛ أولاً: أن يسأل الله سبحانه وتعالى القبول وألا يثق بالقبول، بل يكون قلبه وجلاً خائفاً، كما قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60]. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، الصديقة بنت الصديق، لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أهو الذي يزني ويسرق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يا ابنة الصديق، إنما هي قوم يتصدقون ويصلون ويخافون ألا يُقبل منهم». هذا هو قلوبهم وجلة. يعني المسلم اليوم عليه ألا يطمئن ويركن، بل يكون خائفاً وقلقاً أن الله سبحانه وتعالى قد يرد عمله. وهذا كان هدي كما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة، وهو هدي السلف الصالح الكرام رضي الله تعالى عنهم؛ هدي أبي بكر وعمر وعثمان وهدي التابعين ومن بعدهم أنهم كانوا يعملون الصالحات ويخافون ألا يُقبل منهم.
ومن علامة قبول العمل الصالح: العمل الصالح بعده، والاستمرار في العمل الصالح، ومن علامة قبول العمل الصالح: الآثار الطيبة التي يجدها الإنسان لعمله الصالح؛ ومن آثار العمل الصالح: زكاء نفسه وخشيته من الله سبحانه وتعالى. كل هذه آثار تدل المسلم على تقبل العمل الصالح. ولكن لا يوجد اليوم عند أهل الإسلام علامة ظاهرة كنار تحرق الشيء المقبول وتترك الشيء غير المقبول. كذلك من علامات عدم القبول وأسباب عدم القبول: الرياء والسمعة، والآثار السيئة التي يجدها الإنسان لهذا العمل، والاغترار بهذا العمل؛ كون الإنسان يغتر بعمله ويثني على نفسه به ويظن أنه قد أنجز شيئاً وأنه قد عمل أعمالاً صالحة، هذا الغرور ينبغي للمسلم أن يبتعد عنه، وألا يغتر بالله سبحانه وتعالى حتى لا يبدو له من الله ما لم يكن يحتسب: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47].
الشاهد أن ابني آدم قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال: لأقتلنك، قال: إنما يتقبل الله من المتقين. إذاً أيها الإخوة، هذه قاعدة تعلمنا متى يتقبل منا قرباننا الذي نقربه إلى الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]. هنيئاً لمن تقبل الله منه أضحيته، هنيئاً لمن تقبل الله منه هديه، هنيئاً لمن تقبل الله منه عقيقته، كونه يدخل في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. لذلك قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لو أعلم أن لي ركعتين متقبلتين لتمنيت الموت. قيل له: يرحمك الله، من أين هذا؟ قال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. والإنسان إذا قُبل عمله، فلا شك أن هذه شهادة له بأنه من المتقين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم الأعمال الصالحة، وأن يمهلنا للتوبة في أعمالنا السيئة، وأن يصفح ويغفر عن أخطائنا وتجاوزاتنا.
أيها الإخوة والأخوات، التقرب إلى الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34]. التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بنحر بهيمة الأنعام فيه تعظيم لله سبحانه وتعالى، عبودية لله. هذا الجانب الأول، الجانب الثاني: فيه شكر لله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، نعمة بهيمة الأنعام. وحقيقة هذه النعمة بعض الناس لا يقدرها قدرها؛ تخيلوا لو توحشت بهيمة الأنعام هذه وأنها غير مسهلة وميسرة للناس، كيف ستكون مطاعم الناس؟ من أين سيحصلون على اللحوم أو البروتين أو غيرها؟ من أين؟ كيف تنمو أجسادهم؟ لو كانت بالفعل هذه بهيمة الأنعام متوحشة ولم يسخرها الله سبحانه وتعالى لابن آدم، حقيقة تعجب! ترى الطفل الصغير عمره ست سنوات أو سبع سنوات أو ثمان سنوات يقود البدنة، الجمل والناقة يقودها -الناقة العظيمة والجمل العظيم- يقوده بزمامه! هذا الطفل الصغير عجيب، سبحان الله هذا المنظر.
انظروا كيف سخرها الله سبحانه وتعالى للإنسان. انظروا إلى هذه البقر، انظروا إلى هذه الغنم، كيف تساق إلى المرعى؛ صبي صغير أو جارية صغيرة تجد أنه يرعى ثلاثين من الغنم أو خمسين من الغنم ويقودها إلى مشربها ومطعمها وهي منساقة له. سخرها الله سبحانه وتعالى وذللها للإنسان. تخيلوا أنها وحشية نافرة، من أين يأكل الناس؟ مطاعمهم لا شك أن هذه النعمة كون أن الله سبحانه وتعالى سخرها للناس، لا شك أنها نعمة تحتاج منا إلى شكر، ومن أحد أوجه شكر هذه النعمة نحر شيء منها لله سبحانه وتعالى تقرباً إليه.
وقد جاء الأمر بالعبودية، بعبودية النحر، في كتاب الله سبحانه وتعالى، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]. أنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، أمره الله سبحانه وتعالى بالصلاة والنحر. ولا شك أن هاتين العبوديتين عبوديتان عظيمتان لله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163]، نسكي أي نحري وذبحي تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى. إذاً يجب إفراد الله سبحانه وتعالى بهذه العبودية، ويجب القيام بها، والإنسان يكون مستشعراً لهذه العبودية، مستشعراً تعظيم الله، مستشعراً شكر نعمة الله سبحانه وتعالى، ومن رحمته بعباده وغناه عنهم.
وغناه عنهم؛ لا تظن أن الله سبحانه وتعالى سيناله شيء من لحومها ولا دمائها، لا، أو أن الله سبحانه وتعالى أراد من عباده أن ينحروها ويتركوها تحرقها النار مثلاً، أو أراد من عباده إتلاف أموالهم إتلافاً مجرداً، ولو أن الله سبحانه وتعالى أمر بهذا لكان هذا واجباً وحقاً له سبحانه وتعالى، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].
وكل شيء ملك لله سبحانه وتعالى، فلو أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بأن يتلفوا بهيمة الأنعام ويتركوها ولا يحرقوها ولا تأتي نار تأكلها، لما كان ينبغي لأحد أن يعترض على حكم الله سبحانه وتعالى. ولو أنه سبحانه وتعالى فرض هذه الفريضة وأوجب على عباده أن يطعموها كلها للفقراء والمساكين لما كان لأحد حق اعتراض على الله سبحانه وتعالى، ولكن الله سبحانه وتعالى من تمام رحمته بعباده ومن تمام غناه عنهم، أراد منهم هذه العبودية لله عبودية النحر، ثم أذن لهم بأن يأكلوا هم منها. سبحان الله، هذه حقيقة عبودية ينبغي لنا أن نستشعر غنى الله سبحانه وتعالى عنا ورحمته بنا.
﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: 37]، إذاً لا تظن أن الله سبحانه وتعالى أراد منك إتلاف هذا المال وأراد الإضرار بك؛ لا، أراد الله سبحانه وتعالى أن يرحمك، فأنت تتعبد لله وتعظم الله وتذكر اسم الله على هذه البهيمة، تتعبد لله بها، ثم أذن الله سبحانه وتعالى لك في أن تأكل من هذه البهيمة، وأن تطعم منها القانع والمعتر، أو تطعم البائس الفقير كما جاء في الآية الأخرى.
فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة، وبين من يسافر لطلب العلم؛ فالرحلة لطلب العلم موصلة إلى سعادة الأبد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». وبالرحلة يلقى الطالب العلماء، وينوع المشايخ، ويقارن بين المناهج، ويجدد نشاطه، ويزيد خبراته. قال الشعبي: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه، رأيت أن سفره لا يضيع.
وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة، ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60]. ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات، حتى سافر بعضهم شهراً في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلو سيراً على قدميه. فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم، فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا».
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن عبودية ذبح بهيمة الأنعام تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى. جاء في أوصاف أمة الله وبلدة الله في الكتاب المقدس في التوراة والإنجيل، جاء وصف بلدة الله، قال -وهذا موجود في نسخ التوراة والإنجيل اليوم-: تساق إليك كباش مدين وسبأ. طبعاً أرض جزيرة العرب، تساق إليك كباش مدين وسبأ. تأملوا معي هذا الوصف ماذا يقول اليوم؟ وساوسة ورهبان الكتاب المقدس يقولون في تأويل مثل هذه اللفظة الموجودة في الكتاب المقدس: إن البلدة هذه المقدسة هي بلدة أورشليم القدس. وما تفسير أنه يساق إلى أورشليم القدس كباش مدين؟ يقولون إن كباش هذه كناية عن الناس، الناس يحجون إلى بيت المقدس ويقصدونه بالزيارة، ومستعدون لفداء بيت المقدس بأرواحهم وأنفسهم التي تراق تقرباً وحماية لبيت المقدس.
يعني هذا تفسيرهم، لكن تأملوا معي ولعل هذه العبارة من العبارات التي بقيت صحيحة وفيها دلالة وتفسير صحيح: ما هي البلدة التي تساق إليها الكباش من جزيرة العرب كلها تساق إليها الكباش حتى تنحر فيها؟ إنها بلدة الله، ما هي بلدة الله؟ إنها مكة. لا يحتاج إنسان لتفسير هذه الجملة أو هذا المقطع الموجود في الكتاب المقدس اليوم إلا أن يصور صورة مشهد نحر الهدي تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى في مكة فقط. الإنسان كونه يصور صورة هذه الملايين من الكباش، الأغنام، الضأن، الماعز، الإبل، البقر التي تساق إلى مكة وتنحر تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى، فقط الإنسان يصورها ويضعها بجوار هذه العبارة، وسيعرف أهل الكتاب ما هي بلدة الله المقصودة في الكتاب المقدس؛ هل هي مكة أم هي أورشليم القدس؟ كلا، هي مكة.
والرسول المبشر في هذا المقطع ما هو إلا محمد صلى الله عليه وسلم، وتأويلات أهل الكتاب ما هي إلا تأويلات ساذجة سامجة تحاول أن تحرف كتابهم الذي قد حرف لفظه، ولكن هذي من الألفاظ الصحيحة الباقية يحاولون أن يحرفون معناها. لذلك تحريف أهل الكتاب -اليهود والنصارى- لكتابهم المقدس على نوعين: أما تحريف ألفاظ بمعنى أنهم يحرفون ألفاظه، وهذا موجود؛ لذلك نجد أن طبعات الكتاب المقدس في كل سنة تختلف عن السنة التي قبلها، يحرفون ألفاظها، طبعاً موجودة اليوم غير الطبعة الموجودة قبل عشر سنين، غير الطبعة الموجودة قبل خمسين سنة، غير الطبعة الموجودة قبل مئة سنة، هذا تحريف ألفاظ. النوع الثاني من تحريفهم: تحريف المعاني؛ فإذا جاء فيه بشارة بنبي آخر الزمان حملوها إما على مثلاً عيسى عليه السلام، أو حملوها على يحيى بن زكريا عليهم السلام جميعاً، أو غيرها من التأويلات الباطلة التي تصدق في تفسيرها الصحيح وتأويلها الصحيح على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ويحاولون أن يفسروا مثلاً البلدة المقدسة التي يؤمها الناس ويقصدها الناس ويستقبلها الناس ويحجها الناس التي هي مكة، يحاولون يأولوها ويفسروها على أنها القدس.
لكن حتى بعد تحريفهم لألفاظ الكتاب، إلا أن ألفاظ الكتاب الباقية اليوم فيها من الدلالات على أن النبي المقصود هو نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وفيها من الدلالات على أن البلدة المقصودة هي بلدة مكة شرفها الله سبحانه وتعالى. الشاهد أن عبودية النحر والذبح لله سبحانه وتعالى هي من العبوديات التي كانت سابقاً موجودة عند أهل الإسلام مع رسل الله وأنبيائه إبراهيم وأبناء إبراهيم، واستمرت وحفظها أهل الإسلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم. ضيعها أهل الكتاب، وحقيقة ليست هذه هي الشريعة التي ضيعوها، ضيعوا شريعة الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، فإن موسى عليه السلام حج البيت الحرام، وإن عيسى عليه السلام وموسى عليه السلام وإسماعيل عليه السلام وإسحاق ويعقوب كلهم كانوا يصلون.
ضيعوا الصلاة؛ ألم يأتِ في القرآن الكريم ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]؟ أليست هذه صلاة ذات سجود وركوع؟ لكن ضيعوا هذه العبودية لله سبحانه وتعالى، ضيعوا الزكاة، الصيام، ضيعوا الحج. ولا نستغرب أنهم ضيعوا هذي كلها إذا علمنا أنهم قد ضيعوا توحيد الله سبحانه وتعالى، فثلثوا معبودهم وآلهتهم، ولم يعرفوا الله سبحانه وتعالى حق معرفته، ولم يقدروا حق قدره، ولم يعظموه حق تعظيمه، فنسبوا إليه الولد. لا شك أن هذا الكفر والشرك بالله سبحانه وتعالى، لا شك أن هذا الاستنقاص والاستهزاء بالله سبحانه وتعالى بهذه الصفات وهذه النسبة له سبحانه وتعالى، فلا شك أن تضييع غيرها من شرائع الإسلام التي قام بها موسى وعيسى وإبراهيم أهون، لأنهم ضيعوا توحيد الله ومعرفة الله وألوهية الله وربوبيته.
لكن الشاهد حقيقة أن مما ضيعوه من هذه الشرائع والشعائر شعيرة العبودية لله سبحانه وتعالى بالنحر، وهذه العبودية موجودة في كتابهم المقدس اليوم، وهي تصف بلدة تساق إليها الكباش، موجودة في كتابهم المقدس اليوم، ومع ذلك لا أحد يقوم بهذه العبودية من أهل الكتاب، وإنما هي عبودية حفظها أهل الإسلام، وحفظوا غيرها من الشرائع التي جدد الله سبحانه وتعالى بها ملة إبراهيم من خلال بعثة رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم وإنزال كتاب القرآن الكريم. فهذه دعوة ندعو بها أهل الإسلام للاستمساك بشريعة ربهم وتعظيمه وشكره سبحانه وتعالى بالنحر لله سبحانه وتعالى.
وهي دعوة لأهل الكتاب أن يرجعوا إلى دين الإسلام بأن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى ويستغفروه، ويشهدوا أن لا إله إلا هو، وأن محمداً عبده ورسوله. وإن دلائل البشارة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ودلائل شرائعه موجودة حتى في الكتاب المقدس الموجود اليوم على تحريفه، على ما فيه من التحريف، إلا أن فيه بعض الدلائل التي يسترشد بها الباحث عن الحق الذي يكون دليله الهدى يريد أن يصل الحقيقة، فسيصل إليها، ولن يجدها عند غير أمة الإسلام، وإنما هي موجودة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سوف نواصل إن شاء الله تعالى معكم البحث في أحكام هذه الشعيرة وتفاصيلها وشروطها وأنواعها إن شاء الله تعالى في درسنا القادم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا ممن يعبده رغباً ورهباً، وأن يجعلنا سبحانه وتعالى من المقبولين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي