تسجيل الدخول

المحاضرة 3- الفقه - المستوى الثالث -دمنصور بن عبد الرحمن الغامدي - ثبوت رمضان والصوم المنهي عنه شرعا

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اجعل هذا العلم الذي نقوله ونسمعه ونعلمه ونتعلمه حجة لنا يا رب العالمين، اللهم إنا نعوذ بك أن يكون حجة علينا. اللهم يا رب العالمين فقهنا في دينك، واهدنا صراطك المستقيم.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في معلميها ومتعلميها، وأن يبارك في القائمين عليها، وأن يبارك في كل من ساهم في نشر دروسها.

إخواني وأخواتي، قد بدأنا هذا الفصل الدراسي الثالث بالحديث عن الصوم، وذكرنا في الدرس الأول تعريفه وفضله، وذكرنا في الدرس الثاني شروط وجوبه. ولخصنا شروط وجوبه في رسم شجري، قلنا إنها تعتمد على أصل أصيل وهو كون الإنسان مسلما مكلفا. فإذا صار الإنسان مسلما مكلفا فإنه يجب عليه في هذا الركن الرابع شيء ما، إن كان قادرا على الصوم سواء اليوم أو غدا أو بعد الشهر أو شهرين، بمعنى أن بدنه مؤهل وقادر، فهو مخاطب بالصوم. وإن كان عاجزا عن الصوم فإنه يخاطب بأن يطعم عن كل يوم مسكينا إذا كان عاجزا عجزا دائما.

والقادرون على الصوم قسمنا هذا الفرع من الشجرة إلى ثلاثة أفرع أخرى؛ فقلنا إذا صار المسلم المكلف القادر على الصوم غير مسافر ولا مريض ولا حامل ولا مرضع ولا حائض ولا نفساء فإنه يجب عليه أن يصوم رمضان في يوم رمضان. وإذا كان المسلم المكلف القادر على الصوم حائضا أو نفساء فإنه يجب عليها أن تصوم بعد رمضان قضاء، ولا يجوز لها أن تصوم في نهار رمضان وهي حائض. وإذا كان المسلم المكلف القادر على الصوم إما مريضا أو مسافرا أو حاملا أو مرضعا، فإنه يجوز لهم إما أن يختاروا فعل الصوم في رمضان أو بعد رمضان بحسب ما سنبينه إن شاء الله تعالى في حينه. إذا، هذه شروط وجوب صوم رمضان، يمكن أن نقول إن هذه الشجرة هي شجرة شروط وجوب صوم رمضان.

هنا مسألة أخرى فيما يتعلق بوجوب صوم رمضان، متى يجب صوم رمضان؟ لو قال إنسان: أنا مسلم مكلف وقادر ومخاطب بصوم رمضان -لأني غير مسافر ولا مريض ولا حامل ولا مرضع ولا نفساء- متى يجب أن أصوم رمضان؟ متى يبدأ هذا الوجوب في حقي؟ متى يبدأ شهر رمضان؟ كيف يثبت شهر رمضان؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]. ما هي العلامة التي يبدأ بها شهر رمضان؟ بينها لنا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه في حديثين شريفين.

الحديث الأول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». إذا، هذا المعيار الأول الذي يثبت به شهر رمضان، وهو رؤية الهلال. لذلك يشرع للمسلمين تراءي هلال رمضان في ليلة 29؛ بمعنى أنه بعد غروب شمس يوم 29 من شعبان يشرع لهم تراءي الهلال، فإن رأوا الهلال بعد غروب الشمس ولو رأوه دقيقة أو أقل من ذلك إذا كان رأوه بعد غروب الشمس، فمعنى ذلك أنه قد أهل هلال رمضان.

المعيار الثاني أخبرنا به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو معيار معروف معتاد، وهو أن الشهر إما أن يكون 29 وإما أن يكون 30؛ فقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا»، يعني 29 أو هكذا 30. فمعنى ذلك أنه إذا لم نر الهلال، فإننا ننتقل إلى المعيار الثاني ونتم شعبان 30، ونصوم بعد ذلك رمضان، اللي هو في اليوم الحادي، اللي هو يعتبر واحد رمضان. لاحظتم؟ إذا نحن عندنا معياران لدخول شهر رمضان الكريم؛ إما أن نصوم لرؤية الهلال إذا رأينا الهلال في اليوم التاسع والعشرين، أو إذا لم يُرَ الهلال، فاليوم القادم يكون يوم 30 من شعبان.

المعيار الثاني هو معيار الشهر الهلالي أنه لا يكون إلا 29 و30. لو جاء قائل بعد ما ما رأينا الهلال يوم 29 فقلنا خلاص إذا بكرة 30، لو جاء قائل قال: "لا يا جماعة ما شفنا الهلال اليوم، الثاني هذا يمكن يكون بكرة 31"، نقول لا؛ لا يمكن أن يكون الشهر الهجري الهلالي القمري 31، ننتقل للمعيار الثاني وهو أن تمام الشهر هو 30 يوما. لا يمكن أن تكون دورة القمر على الأرض 31 يوما، القمر إما أنه 29 يوما أو 30 يوما فقط.

فلنتحدث عن المعيار الأول، ألا وهو معيار رؤية الهلال؛ ما هي الرؤية المعتبرة؟ هنا حقيقة عدد من المسائل التي يحسن بطلبة العلم أن يتنبهوا إليها. المسألة الأولى: وهي أن الرؤية المعتبرة هي رؤية الهلال بعد غروب شمس يوم 29. يعني لو جاء شخص وقال: أنا رأيت الهلال في عصر يوم 29، شفت الهلال موجود يوم 29 في العصر، رأيته بالمكبرات والمجال موجود؛ نقول لا. أو قال شخص إن الهلال قد ولد مثلا في صباح يوم 29، نقول لا بأس، إحنا ما عندنا مشكلة في قضية ولادة الهلال ولا في قضية رؤيته عصرا، هذا كله غير مؤثر. المؤثر هو رؤيته بعد غروب الشمس ولو لحظة؛ هذا المؤثر. إذا، رؤية الهلال بعد غروب شمس يوم 29، فمعنى ذلك أن الهلال قد أهل، وهو هلال شهر رمضان الكريم.

فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد الفاصل.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن طرق ثبوت شهر رمضان المبارك. قلنا الطريق الأول هو رؤية هلاله، وفيه عدد من المسائل. المسألة الأولى: الرؤية المعتبرة فيه هو أن يرى بعد غروب شمس يوم 29. المسألة الثانية: يشرع للناس تراءي الهلال، ما معنى التراءي؟ معناها أن يراقبوا الهلال وينظروا إليه؛ فينظروا هل يثبت الشهر ولا ما يثبت الشهر. التراءي سنة معتبرة قديمة عند أهل الإسلام، يثبتون بها شهر رمضان المبارك. إلا أن هذا التراءي ننبه فيه إلى عدد من التنبيهات، وهو أنه لا يمكن أن يحصل هذا التراءي في المدن الكبيرة التي تغطي أنوارها نور القمر، في أول الشهر، أول ليلة من الشهر القمر يكون دقيق ونوره ضعيف، يحتاج إلى أن يذهب الإنسان إلى مكان بعيد عن الضوضاء، اللي هي ضوضاء الأشعة والأنوار الموجودة في المدن؛ مثلا يخرج إلى منطقة ريفية في أطراف المدينة أو خارج المدينة، منطقة بعيدة عن المدينة عدد من الكيلوات، بحيث إنه يذهب عنه ضوء المدينة، ويتراءى الهلال.

الأمر الثالث، أو المسألة الثالثة التي نريد أن ننبه إليها، وهي أن التراءي يحتاج إلى أناس أهل خبرة؛ فلا يصلح إنسان يشهد بدخول شهر رمضان وهو أول مرة يتعلم التراءي ويخرج للتراءي، لا، نقول اصبر، لا بد أنك تكون قد تعودت على هذا الأمر؛ لأن هذا الأمر يحتاج إلى خبرة. ربما رأيت نجما في السماء فظننته هلالا، ربما رأيت نورا أشع مثلا أو كوكبا، ربما أنك خرجت إلى مكان فيه إضاءة ولم تستطع، أو توهم لك بعض الإضاءات. لا بد أن تكون من أهل الخبرة، بمعنى أنك خرجت مرتين ثلاث أربع خمس، ثم بعد ذلك رأيته، فتشهد عند القضاء الشرعي بثبوت هلال شهر رمضان الكريم. أما شهادة غير أهل الخبرة فهذه الظاهر والله تعالى أعلم أنها غير معتبرة، خصوصا في هذه الأزمان. إذا جاءنا شخص أول مرة يتراءى الهلال وبعدين جاء قال: أنا رأيت الهلال، نقول لا، اصبر يا أخي الكريم؛ إذا كنت قد تراءيت مرة مرتين ثلاث في عدد من الشهور فإنه حينئذ يقبل كلامكم.

المسألة الرابعة، وهي هل يصح تراءي الهلال بالمناظير المقربة المكبرة؟ هناك عدد من التلسكوبات التي تقرب؛ نقول هذه التلسكوبات النظر بها أو الرؤية بها رؤية صحيحة إن شاء الله تعالى، لا إشكال؛ لأن الإنسان ينظر بعينه، فهذا التلسكوب في واقع الأمر هو مثل ماذا؟ هو مثل النظارة التي يلبسها ضعيف النظر. كونه يلبس نظارة، هذا التلسكوب ما هو إلا نظارة ولكن تعددت فيها العدسات، النظارة ربما فيها عدسة واحدة لكن هذا تعددت فيه العدسات فقربت، أو كبر فيه حجم العدسة بشكل معين فصار قربت الشيء البعيد جدا. فلذلك النظر في واقع الأمر لو قال قائل: إن هذا من المكتشفات الحديثة، نقول هذا مقرب للنظر، هذا التلسكوب مثله مثل الميكروفون في الأذان. هناك فرق بين أن يشاهد الإنسان صورة أو يحسب حسابا فلكيا وبين أن يشاهد من خلال النظارة أو من خلال التلسكوب؛ من خلال التلسكوب النظر ينطبق عليه قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته». فالإنسان قد رآه، ولكن رآه بهذا المنظار أو بهذه النظارة أو بهذا التلسكوب، لا مانع، هذا داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم «صوموا لرؤيته»، وهذه الأشياء قربت الرؤيا وقربت النظر.

بخلاف الحساب الفلكي، فهذا لا نقول إن هذا أمر معتبر؛ الحساب الفلكي لأنه ليس رؤية للهلال وإنما هو توقع لمكان الهلال أو لأهلاله أو لولادته أو لغروبه من خلال حسابات رياضية، إذا ليس فيها رؤية. الحساب الفلكي الصحيح والله تعالى أعلم أنه غير معتبر في دخول الشهر الكريم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال -وهذا الحديث في الصحيحين، حديث ابن عباس وأبي هريرة وغيرهم-: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». الأمر الثاني: من مقاصد الشريعة أن يكون ثبوت شهر رمضان سهلا للمكلفين، معروفا لديهم، أن يكون معلقا بأمر يمكنهم أن يدركوه ويعرفوه ويحسوه، بخلاف الحساب الفلكي الذي لا يعرفه إلا فئة قليلة من الناس أو فئة قليلة من الفلكيين. الأمر الثالث: أن هذه الحسابات كذلك لها أنواع متعددة في طرق الحساب، فهناك مثلا من يحسب بطريقة معينة وهناك من يحسب بطريقة معينة، ولها مناهج. لذلك نحن نقول إن الأولى -لا نقول الأولى بمعنى الاستحباب لا، وإنما هو الواجب- أن تعلق عبادات المسلمين بما علقها الله سبحانه وتعالى به وعلقها به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. أما قول الله سبحانه وتعالى فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]، وجاء في سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته»، وهذا أمر صريح بأن الصوم لرؤية الهلال، و«أفطروا لرؤيته» أن الفطر كذلك يكون برؤية الهلال.

هناك مسألة لعلي أختم بها في قضية الرؤية، ألا وهي أن هناك بعض التلسكوبات المعاصرة التي تسمى تلسكوبات رقمية. كيف هذه التلسكوبات الرقمية؟ تلسكوبات رقمية معينة بحيث إنها تأخذ الصورة وتحولها إلى صورة رقمية في شاشة الجهاز، إما في شاشة جهاز كمبيوتر، أما في شاشة تلفزيون، أو أنها تبث من خلال الإنترنت، أو أنها تبث من خلال عدد من المواقع. الظاهر والله أعلم أن هذه الصورة، هل هذا التلسكوب الرقمي الذي ينقل الصورة من خلال الأسلاك، من خلال أسلاك معلوماتية، تنقل ديجيتال، تنقل رقميا إلى شاشة كمبيوتر أو شاشة إنترنت أو شاشة جهاز؟ فالظاهر والله تعالى أعلم أن هذا الأمر يحتاج حقيقة إلى دراسة وفتوى، لكن بادي الرأي -وهذا مدارسة مع إخواني الكرام- أن نقول إن هذه والله أعلم أنها غير معتبرة في الرؤية، لماذا؟ لأن الناظر في واقع الأمر لا يرى الهلال، وإنما يرى الصورة التي نقلت عن...

التلسكوبات والنواظير المقربة للبعيد، فالإنسان يرى فيها الهلال رؤية مباشرة. النوع الثاني: التلسكوبات التي تسمى تلسكوبات رقمية، تنقل صورة الهلال من خلال هذه الأسلاك معلوماتياً إلى شاشة أخرى. قد يقول قائل: إن هذه الشاشة تمثل لنا صورة الهلال. نقول: تمثل صورة الهلال، ولكن لم يرَ الإنسان الهلال رؤية مباشرة، وإنما رآه في الشاشة التي تنقله. لذلك هناك نظر من خلال تقريب العدسات، وهناك نقل للصورة من خلال الأسلاك. فالأظهر لي والله تعالى أعلم أن النظر من خلال التلسكوبات الرقمية لا يدخل في مفهوم الرؤية المباشرة التي ينطبق عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته».

وقد تعترض عوارض، مثلاً لو كان هذا الجهاز أو الكمبيوتر أو هذه الأسلاك فيها فيروسات أو شيء من هذا، قد تخلط على الإنسان رؤيته، أو هذا البث كان بطيئاً أو غير سريع في نقل المعلومة بث من خلال الإنترنت، فإن هذه لا تدخل في النظر المعتبر شرعاً، وإنما الرؤية المعتبرة شرعاً هي الرؤية المباشرة. ولا يؤثر على هذه الرؤية المباشرة أنها من خلال عدسات مقربة أو مبعدة أو شيء من هذا، فإن هذا لا يزال الإنسان يرى الهلال، ولكن من خلال هذه العدسات، بخلاف أنها إذا نقلت إلى شيء آخر فإنه يرى صورة عنه منقولة. والله تعالى أعلم، هذه بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال أحببت أن أشارك فيها إخواني وأخواتي في هذه الأكاديمية.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل القصير، ونتابع حديثنا معكم عن طرق ثبوت هلال شهر رمضان المبارك. وذكرنا أن الطريق الأول هو طريق الرؤية. من المسائل المتعلقة بالرؤية: إذا ثبتت رؤية الهلال في بلد، فهل يلزم البلدان الأخرى متابعة هذا البلد، أم أن كل بلد له رؤيته المستقلة؟ الظاهر والله تعالى أعلم -وهذه قضية مهمة- أنه مما يجب على المسلمين في بلد معين أن يجتمعوا على الصوم، في القرآن الكريم: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، والشهر هو ما اشتهر بين الناس. فلو أن إنساناً رأى الهلال لوحده وردت شهادته لأي سبب من الأسباب، هل يقال لهذا الشخص صم لوحدك؟ نقول لا، صم مع الناس، فإن الشهر هو ما اشتهر.

الدليل الثاني قول النبي الكريم: «صوموا لرؤيته». النبي صلى الله عليه وسلم أمر الجماعة، ما قال لكل إنسان صم أنت إذا رأيت الهلال، لا صوموا جميعاً لرؤيته. فكون الإنسان يرى الهلال وترد شهادته مثلاً نقول: صم مع الناس، الصوم يوم تصومون. الدليل الثالث -وإن كان هذا الحديث فيه ضعف إلا أن معناه صحيح-: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون».

الأمر أو الدليل الرابع: أن المعتبر في وقفة عرفة هو اليوم الذي يقف فيه الناس، ولو ثبت فيما بعد مثلاً أنهم والله قد أخطأوا الوقوف أو شيء من هذا، هذا غير معتبر، المعتبر هو اليوم الذي يقف فيه الناس. فنحن نقيس هذا الأمر كذلك، فنقول: إن المعتبر هو الصوم الذي يصومه الناس، اليوم الذي يفطره الناس في كل بلد بحسبه. فلذلك يشرع للمسلمين أن يجتمعوا في صومهم وفي فطرهم. وبفضل الله سبحانه وتعالى فإن عيد الأضحى يجتمع فيه المسلمون، وهذا بسبب أن الجميع يعتمد وقفة عرفة ثبوتاً لهلال ذي الحجة ولعيد الأضحى، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوحد كلمة المسلمين كذلك في صوم رمضان وفي فطره. إذاً هذه المسألة المتعلقة بصوم كل بلد، نقول إن الأصح أنه الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون، فلذلك كل بلد لا يجوز للإنسان أن يخالف أهل بلده، بل يصوم مع أهل بلده.

نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى تقسيم وتنويع لأنواع الصوم. لو أردنا أن نقسم الصوم بحسب حكمه لقسمناه إلى عدد من الأقسام، نقول الأصل في الصوم هو المشروعية والعبودية لله سبحانه وتعالى. فلذلك الأصل في الصوم المشروعية، هذه المشروعية تصل إلى حد الوجوب في صوم رمضان وفي غيره من الصيام، مثل ماذا؟ مثل الكفارات والنذور. صوم رمضان: أما أداءً وإما قضاءً، هذا واجب بأصل الشرع، الله سبحانه وتعالى فرض صوم رمضان. أما أداءً إذا كان العبد المسلم أحد الأصناف الستة التي ذكرناها، وإما قضاءً إذا كان من الأشخاص المرخص لهم في فطر رمضان ويقضيه بعد رمضان.

هناك وجوب آخر، لكن وجب بسبب من المكلف، إما بسبب تفريط منه فوجب عليه كفارة صوم، مثلاً يمين نقضها فعليه أن يطعم عشرة مساكين أو أن يصوم ثلاثة أيام. مثلاً مثل كفارة الوقاع في نهار رمضان، عليه أن يصوم شهرين متتابعين، أو كفارة الظهار صيام شهرين متتابعين، كذلك كفارة القتل الخطأ وهكذا. هذه وجبت بسبب من المكلف، بسبب تفريط منه، يعني كفارة عن شيء وقع منه، أو بسبب من المكلف راجع إلى نذر وقع منه، نذر إنسان أن يصوم لله سبحانه وتعالى مثلاً إذا وفقه الله في دراسته أو في تجارته، فإنه نذر أن يصوم لله سبحانه وتعالى مثلاً عشرة أيام، فنقول: يجب عليك صيام عشرة أيام وفاءً لهذا النذر. إذاً هذا الصيام الواجب، باقي الصيام غير هذا الصيام نقول: صيام مستحب، مثل أن يصوم الإنسان يوماً ويفطر يوماً، أن يصوم الاثنين والخميس، أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أن يصوم البيض، أن يصوم عرفة، أن يصوم تطوعاً مستحباً كذا نافلة تطوعاً مطلقاً، هذا جائز. لو جاء إنسان مثلاً استيقظ يوم الثلاثاء وقال: أريد أن أتعبد الله سبحانه وتعالى بعبادة الصوم، هذا جائز أن يصوم هذا اليوم أو يوم الأربعاء أو غيره من أيام الأسبوع.

هناك أيام ننبه إخواننا المسلمين إلى أن الصوم قد حُرم فيها أو كُره. فأما الأيام التي حُرم فيها الصوم فصوم العيدين، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم العيدين، الصيام محرم، ولو وقع من العبد المسلم فإنه لا يؤجر عليه، بل إنه يأثم لمخالفته لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وما نهى عنه. المسلم عليه أن يأتمر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ينتهي عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم حرم صوم يوم العيدين. كذلك من الأيام التي يحرم صيامها، ولكن تحريمها أخف من تحريم العيدين، هو صيام أيام التشريق؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وصف أيام التشريق بأنها أيام أكل وشرب وذكر لله سبحانه وتعالى، فلذلك المشروع للمسلم أن يأكل ويشرب فيها لا أن يصوم. لكن قد يرخص لبعض الناس في صوم أيام التشريق، كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «رُخص في أيام التشريق أن يصمن لمن لم يجد الهدي ولم يكن قد صام قبل ذلك». الله سبحانه وتعالى جعل في هدي في نسك التمتع والقرآن، جعل فيه الهدي، فمن لم يجد الهدي فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. ثلاثة أيام في الحج، إن كان قد صام يوم ستة وسبعة وثمانية فهذا حسن، صام سبعة وثمانية وتسعة فهذا حسن. إن لم يكن قد صام هذه الأيام فيحرم عليه أن يصوم يوم عشرة لأنه يوم عيد، لكن يجوز له أن يصوم يوم أحد عشر واثني عشر وثلاثة عشر، يجوز لأنها من أيام التشريق، وقد رخص في الصيام لأن تحريمها أخف من تحريم العيد. إذاً جاء هناك حاجة، وهي حاجة الصيام في الحج لمن لم يجد الهدي ولم يكن قد صام قبل ذلك، فإنه يباح له أن يصوم أيام التشريق.

هناك أيام كره صومها، وهو يوم الجمعة؛ إفراد يوم الجمعة بصيام، وهذا والله تعالى أعلم راجع إلى أنه عيد المسلمين، فهو كأن يوم الجمعة كأنه عيد مصغر، العيد يحرم صومه والجمعة كأنها عيد مصغر، فكره صومها. لذلك الصحيح والله تعالى أعلم أنه يكره صوم يوم الجمعة. كذلك من الأيام التي يكره صومها -وهذه مسألة حتى قد اختلف فيها أهل العلم هل يكره ولا لا يكره-: إفراد يوم السبت بصيام. والظاهر والله تعالى أعلم إن كان إذا ثبت الحديث في كراهة إفراد يوم السبت بالصيام، فإنه إذا جمع معه غيره فإنه تزول هذه الكراهة.

إذاً هذه الأيام التي يحرم صومها والأيام التي يكره صومها، وما عداها من الأيام فإنه يشرع صومها، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن صوم الدهر، وهو أن يسرد الإنسان الصيام دون فطر، هذا ما نهي عنه. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه صاحبه من الصحابة العباد لله سبحانه وتعالى، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، كان يسرد الصوم فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أفضل الصيام صيام داوود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً»، صلوات الله وسلامه على داوود وعلى نبينا أفضل صلاة وأتم سلام. إذاً هذا أفضل الصيام صيام داوود عليه السلام. كذلك مما ينبه له في هذه المسائل بما أننا نتحدث عن فضيلة الصيام، فقد جاء في هذا الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم دل عبد الله بن عمرو بن العاص على أفضل الصيام، ودله على أفضل القيام، فقال: «أفضل القيام قيام داوود عليه السلام، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام ثلثه»، فهذا أفضل القيام دل عليه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه.

السلف الكرام كان لهم هدي في قيام رمضان وفي قراءة القرآن في رمضان، كانوا يحبون التفرغ لقراءة القرآن في رمضان، وهذا راجع إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدارس مع جبريل القرآن الكريم في رمضان، وفي العام الذي توفي فيه صلوات الله وسلامه عليه دارسه مع جبريل مرتين في ذلك العام في رمضان. إذاً رمضان له طعم خاص في عبادة القرآن، كما له طعم خاص في الصيام، فلذلك اعتنى السلف رضي الله تعالى عنهم ورحمهم رحمته الواسعة بعبودية قراءة القرآن في رمضان، كان السلف رضي الله تعالى عنهم اللي كان يختم ثلاثين ختمة، واللي كان يختم عشرين ختمة، واللي كان يختم أقل من ذلك أو أكثر، كان أغلب أوقاتهم في قراءة القرآن، بل إنهم ربما لأجل تفرغهم لقراءة القرآن وللعبودية لله بقراءة القرآن، ربما تركوا غيرها من مجالس الحديث، ربما أو مجالس العلم أو غيرها من الأشياء التي يمكن تأجيلها، ولكن يريدون بالفعل أن يستغلوا كل لحظة من لحظات هذا الشهر الكريم الفاضل، أن يصرفوها في قراءة القرآن. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن ومن أهل الصيام. نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.