تسجيل الدخول

المحاضرة 12- الفقه - المستوى الثالث -دمنصور بن عبد الرحمن الغامدي - صوم التطوع - برنامج أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثاني عشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه العلوم التي نقولها والتي نسمعها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع بها قائلها وسامعها.

إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في سلسلة الفصل الدراسي الثالث بعدد من الموضوعات المتعلقة بالصيام، وتطرقنا لتعريف الصيام ومفهومه وحكمه وشروط وجوبه، ثم تحدثنا بعد ذلك عن الأعذار المبيحة للفطر، ثم تحدثنا بعد ذلك عن مبطلات الصيام ومفسداته، وتحدثنا بعد ذلك عما يستحب للصائم وما يكره له في صومه.

نريد أن ننتقل اليوم إلى موضوع مهم، ألا وهو صيام التطوع أو صيام النافلة. إن الصيام من العبادات التي يحبها الله سبحانه وتعالى ويحب أهلها، وقد ذكرنا الحديث القدسي الذي رواه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه أن الله سبحانه وتعالى يقول: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به».

وإن من علامات محبة الله سبحانه وتعالى لهذه العبادة أنه فرض هذا الشهر الكريم، فرض صيامه على المسلمين، وفرض عبادة الصيام على الأمم من قبلنا، وفي الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». ففرض شيء ما دليل على محبة الباري جل جلاله لهذا الشيء؛ لأنه يحبه فرضه على عباده، فلذلك فرض صيام شهر رمضان، لا يتقرب العبد إلى الله بشيء في الصيام أحب إليه من صيام فرضه.

إذاً، هذه أول فقرة، إذا أراد المسلم أول درجة، أول رتبة، أول خطوة في طريق التعبد لله سبحانه وتعالى بالصيام، أن يقيم العبد المسلم فرض الله سبحانه وتعالى. «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». إذاً هذه يمكن أن نقول إن هذه النقطة الأولى في موضوعنا، وهي أهمية إقامة المسلم لهذه الفريضة.

لا شك أن قيام المسلم بفرض رمضان، حفظ هذا اليوم، البعد عما يجرح صوم رمضان، البعد عن الغيبة، البعد عن النميمة، البعد عن اللهو واللعب، الإكثار من قراءة القرآن، من النوافل، من الصدقة، التعبد سبحانه وتعالى في هذا اليوم، لا شك أن هذا كله مما يزيد صيام رمضان رونقاً وجمالاً وقبولاً وعبودية وخشوعاً.

ماذا بعد صوم رمضان؟ ماذا إذا لم يكمل المسلم العبودية التامة لله سبحانه وتعالى في صوم رمضان؟ يشرع للمسلم صيام التطوعات. ما هي فوائد صيام التطوعات؟ عدد كبير جداً من الفوائد، من أولها وأهمها التعبد والتقرب لله سبحانه وتعالى، فإن العبد المسلم كلما أكثر من النوافل فإن الله سبحانه وتعالى يحبه، وتزداد محبة الله سبحانه وتعالى لعبده كلما زاد في النوافل والعبودية له سبحانه وتعالى.

لذلك جاء في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به»، إلى آخر الحديث. فالشاهد أن العبد المسلم كلما تقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالنوافل، فإن الله سبحانه وتعالى يزداد في محبته له حتى يصل إلى درجة الأولياء المقربين، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10-11]. كيف يصل الإنسان إلى هذه الرتبة إلا بالإكثار من النوافل؟ إذاً هذه أول فائدة من فوائد صيام التطوع، أن الإنسان يزداد قرباً وعبودية وعملاً بالأسباب التي تسبب له حب الله سبحانه وتعالى له.

الأمر الثاني، وهو كذلك من القضايا المهمة، أن هذه النوافل شرعها الله سبحانه وتعالى ومن أسباب شرعها تتميم الفرائض. إخواني وأخواتي، حقيقة لا يوجد منا أحد كامل، ولا يمكن لنا -أياً كان- أن نقوم بالعبادة على وجهها الصحيح التام الكامل الذي به مثلاً رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا شك أن جلود القلوب عندنا فيها من النقص ما نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا فيه ويتوب علينا فيه. تقصيرنا في النوافل، في المستحبات، كيف نل الفرائض؟ لا شك أن مكملات الفرائض كثيرة من أهمها النوافل، كذلك بالتوبة والاستغفار بعد إتمام هذه الفرائض.

لذلك كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم تكميل هذه الفرائض بالنوافل والاستغفار بعد هذه الفريضة، كما كان هديه صلى الله عليه وسلم بعد تسنمه من الصلاة أن يستغفر الله سبحانه وتعالى ثلاثاً، كذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالاستغفار بعد الحج: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 200-201]. إذا الإنسان قضى مناسكه كذلك يشرع له الاستغفار، استغفار الله سبحانه وتعالى.

الشاهد أيها الإخوة والأخوات، أن من فوائد النوافل تتميم الفرائض. النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن بعض الناس يقضي صلاته ولا يكتب له إلا نصفها، ثلثها، ربعها، خمسها، سدسها، سبعها، ثمنها، تسعها، عشرها، وبعض الناس يقضي فريضته ويسلم الفريضة ولم يكتب له منها شيء، والعياذ بالله. إذاً هذا في الحقيقة يجعلنا نتساءل: كيف نجبر هذا النقص؟ من الذي مثلاً لا يسهو في صلاته؟ من الذي لا يستشعر العبودية لله في صومه؟ من الذي يقيم حجه على الوجه الأتم الأكمل الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا شك كلنا مقصرون.

هذا كله حقيقة يستدعي منا حرصاً على النوافل لتتميم هذا النقص، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أنه أول ما يحاسبهم على الفرائض، يقول سبحانه وتعالى إذا رأى هذا النقص في هذه الفرائض: «انظروا هل لعبدي من تطوع؟»، فإن كان له من التطوعات ما يجبر نقص هذه الفرائض سلم العبد، لكن إن لم يكن له من التطوعات ما يجبر هذه الفرائض فإنه يهلك، إلا أن يرحمه الله سبحانه وتعالى، إلا برحمة أرحم الراحمين سبحانه وتعالى.

فالشاهد أيها الإخوة الكرام، لا شك أننا لا ينبغي لأحد منا أن يدعي الكمال في فريضته أو يدعي أنها مقبول. له ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: لو أعلم أن لي ركعتين متقبلتين تمنيت الموت. قيل له: لِمَ يرحمك الله؟ قال: إنما يتقبل الله من المتقين. فالشاهد لا ينبغي لأحد أن يغتر بعبادته. في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60]. قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيره: هم الذين يصومون ويتصدقون ويصلون ويخافون ألا يقبل منهم.

لذلك لا ينبغي لأحد أن يغتر ويقول: والله شهر رمضان أنا صمت على الوجه الأتم والأكمل. نقول: لا، لا بد أن يكون هناك خلل، والخلل حاصل، والقصور حاصل، ولكن اجبر هذا الخلل بهذه النوافل.

فاصل قصير ونعود إليكم للحديث عن صوم التطوع.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن صيام التطوع.

إخواني وأخواتي، ذكرنا أن من أهم فوائد صيام التطوع التقرب إلى الله والعبودية لله، وجبر ما يحصل في الفرائض من نقص ومن خلل. كذلك من أهم فوائد صيام التطوع، وهي الفائدة الثالثة، أن أهل هذا الصيام ينادون يوم القيامة من باب الريان، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون. كفى بهذا الشرف شرفاً أيها الأخ وأيتها الأخت، أن تدعى من باب الريان إن كنت من أهل الصيام، تدعى إلى جنان الخلد.

يعوض ويشفع لك هذا الصيام. لا شك أن شفاعة الصيام يوم القيامة من أعظم الشفاعات التي يدخل الله سبحانه وتعالى بها أهل الصيام إلى جنات النعيم، وقد جاء في الحديث أن الصيام والقرآن يشفعان للعبد. الصيام يقول: منعته الأكل والشرب الطعام والشراب بالنهار، والقرآن يقول: منعته النوم بالليل، فيشفعان لهذا العبد الصائم القائم حتى يدخل جنات النعيم. ولا شك أيها الإخوة والأخوات أن هذا فضل عظيم ينبغي للمسلم أن يستشعر هذا الفضل، وأن يرجو هذا الفضل، ويسأل الله سبحانه وتعالى المزيد من فضله، ويخاف ألا يقبل عمله، ويحاول أن يزداد عملاً صالحاً ويتطوع لله سبحانه وتعالى، لعل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منه وأن يغفر له وأن يرحمه.

طيب، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى أنواع صيام التطوعات. صيام التطوع كلما استكثر الإنسان منه كان خيراً له. لذلك لا شك أن الذي يصوم يومين في الشهر خير من الذي يصوم يوماً، والذي يصوم ثلاثة خير من الذي يصوم يومين، والذي يصوم خمسة خير منهما، والذي يصوم عشرة خير منهم، وهكذا كلما استكثر الإنسان من الخير كان خيراً له. إلا أن هناك ضابطاً مهماً، وهو ألا يصل الإنسان إلى درجة يشق فيها على نفسه مشقة تصبح هذه النفس تنفر وتكره العبادة.

لذلك جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، أنه -عبد الله بن عمرو- من عباد الصحابة رضي الله تعالى عنه، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً إلى أن لاقى ربه سبحانه وتعالى، منذ كان شاباً، وكان رضي الله تعالى عنه يختم القرآن، ويقرأ القرآن كل ثلاثة أيام أو كل أسبوع، هذا حقيقة دليل على مدى تعبده رضي الله تعالى عنه منذ أن كان صغيراً في سنه، شاباً منذ بلغ إلى أن توفاه الله سبحانه وتعالى وهو على هذا الهدي. رضي الله تعالى عنه وأرضاه من عباد الصحابة وزهادهم، ابن الصحابي الجليل عمرو بن العاص.

الشاهد أنه زوجه أبوه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عبد الله لانشغاله بالعبودية لله، صيام النهار وقيام الليل، لم يقرب امرأته، وكان والده عمرو بن العاص يتعاهد زوج ولده عبد الله، فسألها ذات يوم، فقالت -تجيب عمرو بن العاص والد زوجها-: كيف عبد الله معكم؟ فقالت -رضي الله تعالى عنها وأرضاها-: نعم الرجل عبد الله، لم يفتش لنا كنفاً. ففهم عمرو بن العاص أن هذه المرأة كأنها تشكو إليه من كثرة عبادة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره.

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص أن يأتيه، فجاءه عبد الله رضي الله تعالى عنه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم أخبر أنك تقول لأصومن النهار ما عشت، ولأقومن الليل ما عشت؟». فقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تفعل، فإنك لا تستطيع ذلك». وفي رواية من الروايات: «فإنك إذا فعلت ذلك نفره النفس». بمعنى أنها الآن، نعم ربما يكون عندك نشاط وإقبال على الله سبحانه وتعالى وقوة إيمان، ولكن لكل نفس شرهة ولكل شرهة فترة. الإنسان الشرهة هي القوة، والفترة هي الضعف. فالإنسان إذا شد في مرحلة من المراحل أو فترة من فترات حياته ربما يضعف بعد ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم كان عمله ديمة، وخير الأعمال أدومها وإن قل.

أما كون الإنسان مثلاً فترة من الفترات يجتهد في العبودية ثم بعد ذلك ينتكس في هذه العبودية، لا خير الأمور أدومها وإن قل. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر -نعم لاحظ هذه الشرهة أو هذه القوة وهذا النشاط- في عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: «لا تفعل، فإنك لا تستطيع ذلك». وفي رواية: «فإنك إذا فعلت ذلك هجمت العين ونفره النفس». ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام». فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: يا رسول الله، إني أطيق أكثر من...

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص شاباً لا يزال في مقتبل عمره، والنبي صلى الله عليه وسلم راعى في هذا الحديث عمره صلوات الله وسلامه عليه، فدله على الشيء المناسب له حتى يتدرج في سلم العبودية ودرجات العبودية شيئاً فشيئاً. فقال له النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: صم من كل شهر ثلاثة أيام. قال: يا رسول الله، إني أطيق أكثر من ذلك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فصم يوماً وأفطر يومين، يعني من كل شهر تقريباً عشرة أيام، صم يوماً وأفطر يومين.

فقال: يا رسول الله، إني أطيق أكثر من ذلك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فصم يوماً وأفطر يوماً، صم يوماً وأفطر يوماً، وذلك صيام داود. فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: يا رسول الله، إني أطيق أكثر من ذلك. عبد الله بن عمرو بن العاص يريد أن يصوم الدهر كاملاً رضي الله تعالى عنه لحماسه في العبودية لله سبحانه وتعالى. فقال يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك، أفضل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً.

وكان داود صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه عليه أتم صلاة وسلام، كان داود عليه صلوات الله وسلامه ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن قيامه أفضل القيام، وأن صيامه أفضل الصيام. وقد أمره الله سبحانه وتعالى بأن يذكر داود: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17]. ذا الأيد أي ذا القوة في طاعة الله سبحانه وتعالى، ذا الإرادة، الهمة، العزيمة، أولي الأيدي والأبصار أي أولي القوة الإرادية العملية، والأبصار يعني أولي القوة العلمية التي تكشف الشبهات والشهوات. إذاً هذا أفضل الصيام كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، هذه القصة التي علمها وربى النبي صلى الله عليه وسلم بها هذا الصحابي الجليل الذي تربى في مدرسة النبوة. فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا معكم عن صيام التطوع. إذاً قد يسأل شخص ويقول: ما هو الأفضل لي في صوم التطوع؟ نقول: اعمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص. نحن نقول: كلما استكثر الإنسان من صيام التطوع فهو خير له، ولا يزال كما جاء في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». ولكن ينبغي التنبه لأمر مهم جداً وهو طبيعة النفس البشرية، طبيعة النفس البشرية إذا الإنسان أكثر عليها اليوم وأرغم نفسه اليوم على أنها تصوم كامل الشهر أو أرغم نفسه اليوم أنها تصوم يوماً وتفطر يوماً فإن هذه النفس تنفر؛ قد يستطيع أن يرغم نفسه مثلاً شهراً أو شهرين أو ثلاثة، ولكن بعد ذلك تنفر النفس بسبب أنها لم تتعود على هذه العبادة وهذه الطاعة.

النفس تحتاج إلى ترويض، مثل الفرس أو الحصان الجموح، يحتاج إلى ترويض شيئاً فشيئاً، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الهدي صلوات الله وسلامه عليه. النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين كمال العبودية لله سبحانه وتعالى وكمال الرحمة وتربية الخلق، فهو صلوات الله وسلامه عليه كان من أكمل الناس عبودية، لكن ما حمل الناس على عبوديته التي يتعبد بها لله سبحانه وتعالى، وهو صلوات الله وسلامه عليه أخشى الناس لله وأتقاه لله سبحانه وتعالى وأعلمهم بالله سبحانه وتعالى. فالشاهد أن تربية النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص حقيقة هذه ينبغي لنا أن نقف معها وقفة مهمة جداً: كيف يربي الإنسان نفسه على صوم التطوع؟

أول شيء مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: ابدأ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر. هذه الوصية أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص، وأوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه أبا هريرة، قال: «أوصاني خليلي أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر». وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «فإنها كصيام الدهر»، تعدل صيام الدهر، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وهي تعدل صيام الدهر. إذا الإنسان صام ثلاثة أيام من كل شهر والحسنة بعشر أمثالها، فمعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى يؤتيه أجر صيام ثلاثين يوماً، يعني صوم شهر، فإذا صام في كل شهر ثلاثة أيام فكأنه صام الدهر كاملاً أجره إن شاء الله تعالى، لك أجر صيام الدهر.

إذاً هذه أول رتبة من مراتب صيام التطوع، أن الإنسان يبدأ بهذه الرتبة، صيام ثلاثة أيام من كل شهر. ثم إذا لاحظ من نفسه ثباتاً ودواماً على هذا الأمر، مثلاً استمر على هذا الأمر سنة أو سنتين أو ثلاث سنين وتعودت نفسه على الصيام، فإنه يترقى رتبة أعلى من هذه، فيصوم مثلاً في كل شهر الاثنين والخميس، صارت هذه ثمانية أيام في الشهر، ارتقى الآن رتبة ودرجة أعلى، صار يصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، فمعنى هذا أنه سيصوم ثمانية أيام من كل شهر. ممكن الإنسان إذا يسر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك يرتقي رتبة أعلى منها، لاحظ من نفسه الالتزام في هذه العبادة والطاعة سنة أو سنتين أو ثلاث وتعودت نفسه على هذا الأمر، فإنه بعد ذلك يرتقي رتبة أن يصوم يوماً ويفطر يومين، صار يصوم عشرة أيام في كل شهر، وهذه نعمة عظيمة.

ثم بعد ذلك يسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينه ويرقى في سلم ودرجات العبودية إلى أن يصل إلى درجة صيام داود عليه السلام، فيصوم يوماً ويفطر يوماً، ويداوم على هذا الأمر حتى يلقى الله سبحانه وتعالى، ولكن تعودت نفسه، تروضت نفسه على طاعة الله سبحانه وتعالى شيئاً فشيئاً. بعض الناس ربما سمع عن فضائل قيام الليل ومباشرة بعد ما يسمع فضائل قيام الليل في تلك الليلة يقوم ثلاث ساعات أو أربع ساعات، وهذا خطأ، لا شك أن العبودية لله سبحانه وتعالى مطلوبة، ما أحد يقول أنها خطأ بمعنى أنها مكروهة، لا، مطلوبة، لكن نحن نقول التدرج والدوام وأخذ النفس شيئاً فشيئاً حتى تترقى في درجات وسلم العبودية، تترقى على دوام العبودية لله سبحانه وتعالى، هذا هو الأكمل والأتعب.

فممكن الإنسان يبدأ بركعة، بعد ذلك يوتر بثلاث ركعات حتى يستمر عليها أشهراً، سبعة أشهر، ثمانية أشهر، عشرة أشهر، يقرا مثلاً، يقوم الليل مثلاً في البداية ربع ساعة، نصف ساعة، ثم يزيد، فيصبح قيامه لليل ساعة، ثم يصبح قيامه لليل إن شاء الله ساعتين، وهكذا. فطالما أن الإنسان يترقى في درجات العبودية يلقى الله سبحانه وتعالى إن شاء الله تعالى وهو مأجور، ما دام أنه راغب في هذه العبودية ويزيدها ويداوم عليها شيئاً فشيئاً، وربما إن شاء الله تعالى يصل إلى مرحلة قيام داود عليه السلام أو صيام داود عليه السلام. لا شك أن هذه العبودية لله سبحانه وتعالى تحتاج إلى مصابرة، تحتاج إلى مصابرة. بعض الناس مثل عود الكبريت، هذا يشتعل ثم ينطفئ، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم أوصى الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل». ولعل هذه الوصية، هذا الحديث لعله والله أعلم في سياق هذه القصة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من عبد الله بن عمرو بن العاص أن يعتدل في العبادة ويداوم عليها.

هل تعلمون أن عبد الله بن عمرو بن العاص في هذا الهدي الذي داوم عليه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام، صام يوماً وأفطر يوماً، وأما في القيام فكان يقرأ القرآن في كل أسبوع، ويروى في كل ثلاثة أيام، لكن الأظهر الله تعالى أنه في كل أسبوع. هل تعلمون أن هذا الهدي استمر عليه عبد الله بن عمرو بن العاص من حين كان عمره خمس عشرة سنة إلى أن توفاه الله سبحانه وتعالى؟ إذاً هذه المداومة، مداومة عجيبة، كيف نشأت هذه المداومة؟ بهذا، لم يدعه النبي صلى الله عليه وسلم ينطلق مع قوته وشبابه، لا، خفف النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الأفضل أن يداوم، الأفضل أن يداوم. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لما ثقل في آخر عمره وتعب كان يجمع أياماً يصوم ثم يجمع أياماً ويفطر، حرص على صيام يوم وإفطار يوم، كان ربما صام أسبوعاً أو أسبوعين متتابعين ثم بعد ذلك يفطر أسبوعاً أو أسبوعين متتابعين، حتى يعني يتقوى بدنه أكثر ويقوى بدنه، لكن سنة صوم يوم وإفطار يوم داوم عليها رضي الله تعالى عنه إلى أن قبضه الله سبحانه وتعالى.

فالشاهد لما نسرد صوم التطوع ليس معنى صوم التطوع معناه أن كل واحد منكم يبدأ من الغد فيصوم يوماً ويفطر يوماً، كل إنسان عليه أن يعرف قدر نفسه، ويعرف قدر عبودية الله سبحانه وتعالى، ويتدرج في مدارج وسلم العبودية لله سبحانه وتعالى شيئاً فشيئاً حتى لا تنفر نفسه وتفر من العبودية لله سبحانه وتعالى وتمل. ربما الإنسان نعم استطاع أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، لكن بعد أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين خلاص نفدت نفسه وملت وصار لا عاد يصوم لا اثنين وخميس ولا ثلاثة أيام من كل شهر، وترك هذه التطوعات وهذه النوافل، بل بعض الناس والعياذ بالله ربما ترك الفرائض.

بعض الناس وهذا موجود للأسف، بعض الناس كان مثلاً يصلي الليل وكان يصوم النوافل كان يصلي السنن الرواتب، ثم بعد ذلك صار يهمل حتى الفرائض أو صلوات الفريضة أو صيام الفرض، خلاص يعني نفسه انصرفت عن العبودية. لا، ينبغي للإنسان أن يعرف ضعف نفسه، النفوس خلقت ضعيفة: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، عليه أن يتدرج فيها شيئاً فشيئاً، ويدرك، ولا شك الله سبحانه وتعالى أرسل نبيه صلى الله عليه وسلم داعياً ومبشراً ونذيراً ومعلماً ومزكياً ومربياً صلوات الله وسلامه عليه، هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ما معنى يزكيهم؟ يعني يربيهم، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

إذاً التزكية هي أن يربي الإنسان نفسه شيئاً فشيئاً، إن شاء الله تعالى سوف نأخذ في لقائنا القادم بإذن الله تعالى أنواع صوم التطوع ودرجاتها إن شاء الله تعالى، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من الصائمين القائمين من العباد لله سبحانه وتعالى، وأن يتقبل منا هذه العبوديات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.