الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً يا كريم. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الخامس من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، قائلها وسامعها وناشرها ومن ساهم فيها، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلها من العلم النافع، وأن يجعلها مقبولة، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.
إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا الحديث عن الأضحية، وتحدثنا عن العبودية لله سبحانه وتعالى والتقرب إليه بنحر بهيمة الأنعام، ثم تحدثنا بعد ذلك عن حكمها، وأكدنا سنيتها، وقلنا إنها في مرتبة مترددة بين السنة المؤكدة على المسلم وبين الوجوب على القادر عليها. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى صفات الأضحية، وتكلمنا عن تاريخ التعبد لله سبحانه وتعالى بهذه الأضحية والتقرب لله سبحانه وتعالى بنحر بهيمة الأنعام، ثم تكلمنا أيها الإخوة عن شروط الأضحية وصفاتها، وبينا الصفات المجزئة، وبينا العيوب التي تخرج هذه الأضحية عن الإجزاء، ثم تحدثنا عن الأفضلية، أفضل الصفات، وقلنا إنه يجمع هذه الأفضلية قول رسول الله ﷺ: «أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها».
هذا كله مما سبق الحديث عنه في أحكام الأضحية. نريد أن ننتقل اليوم إن شاء الله تعالى في لقائنا هذا إلى الحديث عن شروط التذكية، شروط الذكاة الشرعية. قلنا إن الأصل أن التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، والعبودية لله سبحانه وتعالى، وعبودية نحر بهيمة الأنعام وذبح بهيمة الأنعام، ينبغي أن يكون من المسلم، أو يجب أن يكون من المسلم. وإن قبلنا في غير الأضحية ذبيحة الكتابي إذا ذكر اسم الله عليها، إن قبلنا وأكلنا ذبيحته فلا بأس إن شاء الله تعالى في غير الأضحية، ولكن الأضحية هي نوع من العبودية والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ونفس النحر هذا فيه عبودية وتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، غير قضية شاه اللحم التي يأكلها الإنسان؛ شاه الثلاجة، شاه الضيف، هذه الإنسان إذا ذبحها وأكل منها لا بأس أن يذبحها مسلم أو كتابي بشرط أن يذكروا اسم الله سبحانه وتعالى عليه.
إذاً الشرط الأول هو الشرط المتعلق بأهلية المذكي، أهلية المذكي أن يكون مسلماً. هل تجوز ذبيحة المرأة والرجل بحد سواء؟ نقول: نعم جائز ذبيحة الرجل والمرأة على حد سواء. هل تجوز ذبيحة الصبي الذي لم يبلغ والشخص البالغ؟ نقول: كلاهما إن شاء الله تعالى تجوز ذبيحته، ولو كان الذي يذبح صبياً لم يبلغ أو جارية لم تبلغ، إذا ذكر اسم الله سبحانه وتعالى كما سيأتينا إن شاء الله تعالى.
وجاء في الحديث في الصحيح حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: إن جارية لهم كانت ترعى لهم غنماً بسلع -سلع جبل من جبال المدينة- هذه الجارية وإن كانت هي بنت صغيرة لم تبلغ، إلا أنها كانت فطنة لبيبة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فكانت ترعى لهم غنماً بسلع، فرأت في شاة من الغنم أنها مريضة ربما أو كانت مضطربة، ولاحظت مثلاً أنها ربما كانت ترتجف، قربت من حتفها؛ فالآن لو ماتت حتف أنفها فإنها ستكون ميتة ولا تحل. فهذه الجارية الفطنة اللبيبة بادرت إلى حجر فكسرته فذبحتها، وأنهرت الدم منها، فلما أنهرت الدم منها رجعت إلى قومها بهذا اللحم. فقال كعب بن مالك: لا تأكلوا حتى أسأل رسول الله ﷺ، فأرسل إلى رسول الله ﷺ يسأله، فأمر رسول الله ﷺ بأن تؤكل.
لاحظوا الآن هذا الحديث في الحقيقة فيه عدد من الفوائد؛ الفائدة الأولى: أن ذبيحة هذه الجارية وإن كانت لم تبلغ إلا أنها صحيحة ما دامت عاقلة. إذاً لابد أن يكون المذكي الذي يذبح مسلماً، ولابد أن يكون عاقلاً. لا شك أن العقل الذي في هذه الجارية عقل ما شاء الله يشبه عقل البالغ الكبير، وفيها ما شاء الله من حسن التصرف والتدبير ربما ما لا يوجد عند بعض البالغين الكبار؛ التي أدركت هذه الشاة فكسرت حجراً فذبحتها حتى تدركها بذكاة شرعية، لا شك أن هذا من تمام عقلها وحسن تدبيرها، يا ليت عند كثير من البالغين اليوم نفس حسن التدبير الذي يكون عند هذه الجارية التي تصرفت وأدركت الشاة وكسرت الحجر حتى صار حاداً فذكتها بهذا الحجر.
الأمر الثاني: ألا وهو الآلة التي يذكى بها؛ يجوز أي آلة حادة تقطع الودجين، الودجين اللذان هما مجريان للدم بجوار المريء والبلعوم، في مجريين للدم عرقين، إذا قطع الإنسان أحد الودجين أو كليهما فهذا إن شاء الله تعالى ينهر الدم ويخرج الدم، هذا جائز إن شاء الله تعالى بأي آلة حادة، حاشى وغير السن والظفر، فهذه لا تقبل السن والظفر. لكن الإنسان لو قطعها بسكين مثلاً، أو بحديدة حادة، أو بحجر حاد مثلاً، قطعها قطعاً وأنهر الدم وذكر الله عليه فكل. بخلاف الإنسان عليه أن يجتنب.
انتشر اليوم في الزمان المعاصر إزهاق أرواح بهيمة الأنعام أو غيرها من خلال صعق كهربائي مثلاً، أو من خلال ضربة في الرأس مثلاً، أو غير ذلك، نقول: هذه غير مجزئة، هذه لا تجزئ ولا تجوز ولا يجوز أكلها، وهذا نوع من أنواع الميتة؛ التي هي المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، التي تموت بسبب الضربة لا بسبب أنهار الدم وقطع الودجين، هذه ميتة لا تقبل. لكن ما انهار الدم وذكر اسم الله سبحانه وتعالى عليه فكل. وبعض الناس، وهذا موجود كذلك في بعض ربما المسالخ المعاصرة اليوم، أنها ربما صعقت هذه البهيمة صعقاً كهربائياً لا يقتلها، وإنما ليجعلها تدوخ مثلاً ثم بعد ذلك ينحرها، نقول: إذا أدركها بالذبح أو بالنحر وقطع أحد الودجين وهي حية فإنها تؤكل. لكن إذا صعقها صعقة قتلتها فإنه لا يجوز أن تؤكل. أما إذا صعقها صعقاً أقل من ذلك فداخت أو أنها مرضت أو أنها سقطت مثلاً، وأدركها الإنسان قبل أن تموت مثل ما فعلت هذه الجارية، أدركت هذه الشاة قبل أن تخرج روحها، أدركتها بالذكاة فهذا جائز.
ولا ينبغي للمسلم إلا أن يتبع رسول الله ﷺ في إراحة ذبيحته: «ليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»، «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة»، ينبغي للمسلم أن يكون رحيماً شفيقاً محسناً حتى في قتله لبهيمة الأنعام التي يأكلها، وهذا في الحقيقة وصية رسول الله ﷺ الذي قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن شروط التذكية ومسائلها. قلنا: إن يكون المذكي للأضحية مسلماً وعاقلاً، وذكرنا حديث كعب بن مالك في الجارية التي ذكت هذه الذبيحة، فدلنا على أن تذكية الشخص غير البالغ تذكية صحيحة، ولكن بشرط أن يكون عاقلاً. وحقيقة أن من تمام عقل هذه الجارية وحسن تدبيرها وتصرفها أنها ذكت هذه الشاة قبل موتها.
كذلك ذكرنا أن من الشروط أن تكون الآلة آلة حادة تنهر الدم من الودجين في الرقبة، وهما عرقان يخرج منهما الدم، لا يلزم قطع المريء والبلعوم، لكن يقطع الودجين أو أحدهما فيخرج الدم، ما انهار الدم وذكر اسم الله عليه فكل، غير السن والظفر كما جاء في حديث رسول الله ﷺ. إذاً هذا الشرط الثالث وهو قطع الودجين.
الشرط الرابع: أن يذكر اسم الله سبحانه وتعالى على هذه الذبيحة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 118]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]. هذه الآية جاءت بالأمر بالأكل مما ذكر اسم الله، وجاءت الآية الأخرى بالنهي عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، أخذ منها أهل العلم -وهو مذهب طائفة من أهل العلم، وهو مذهب قوي وصحيح وهو الراجح إن شاء الله تعالى- أن ما نسي فيه أن يذكر اسم الله فلا يحل أكله. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى أباح الأكل وأمر بالأكل مما ذكر اسمه عليه، ونهى عن الأكل مما لم يذكر اسمه عليه، سواء كان لم يذكر اسم الله سبحانه وتعالى نسياناً أو عمداً أو غيره، كونه لم يذكر اسم الله سبحانه وتعالى على هذه الذبيحة فإنها لا تحل. لذلك فالصحيح أن الإنسان الذي نسي التسمية أنه لا يجوز له أن يأكل من هذه الذبيحة. لاحظوا أن الآيتين وردت إحداهما بالأمر والأخرى وردت بالنهي، هذا في الحقيقة مما يدل على تأكيد ذكر اسم الله سبحانه وتعالى على الذبيحة. إذاً هذه أربعة شروط متعلقة بالتذكية.
ذكرنا كذلك أن رسول الله ﷺ أوصى بالإحسان في التذكية. كيف تكون وكيف نصل إلى هذه الدرجة، درجة الإحسان في التذكية؟ ما هي الصفات التي تكون إحساناً في التذكية؟ أن الإنسان يحد شفرته؛ كون الإنسان يأخذ شفرة سكين غير حادة أو حجر غير حاد مثلاً ويعذب به هذه الشاة قبل قتلها، لا شك أن هذا في الحقيقة ليس إحساناً، والنبي ﷺ أمر بالإحسان، والله سبحانه وتعالى كتب الإحسان على كل شيء، فلذلك ينبغي لنا أن نحسن.
الأمر الثاني: بعض الناس ربما ماتت الشاة مراراً قبل أن تموت حقيقة من الخوف والوجل لما ترى هذه الشاة أختها قد ذبحت أمامها، لذلك أوصي إخواني الذين يذبحون ضحاياهم وهداياهم ألا يذبحوا الشاة أمام أختها، بل تذبح هذه حتى ينتهي من ذبحها فيجنبها، فيأتي بالأخرى فيذبحها، ولا يجعل هذه الشاة تموت مرتين: مرة بسبب خوفها وجلها، والثانية تموت بسبب الشفرة الحادة. كذلك لا ينبغي صعقها صعقاً كهربائياً تعذيبها قبل موتها ولو كانت لا تموت بهذه الصعقة، نقول لا ينبغي؛ ليس هذا من تمام الإحسان، إلا أن نقول إن هذه الذبيحة إن شاء الله تعالى جائزة ومجزئة إن شاء الله تعالى ولا إشكال فيها لكونه قد أدركها بشفرته قبل أن تموت، أما لو ماتت بالصعقة الكهربائية مثلاً أو بالخنق أو بالضربة فإن هذه لا تكون مجزئة، بل هي من الميتة؛ المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة.
ما ذكر عليه غير اسم الله؛ ذبح باسم المسيح، ذبح باسم الجان، ذبح باسم كذا وكذا، هذا شرك. ما نسي اسم الله سبحانه وتعالى عليه هذا لا يؤكل، يحرم أكله، وهذا قد فعل حراماً إلا أنه يعفى عنه الإثم لأجل نسيانه. كون ذكاه دون أن يذكر اسم الله هذا حرام، لكن كونه نسي نقول: يرفع عنك الإثم لأجل نسيانك، ولكن لا تأكل من هذه الذبيحة لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121].
لكن إن ذكر عليها اسماً غير اسم الله فهذا لا شك أنه شرك بالله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163]، ونهى الله سبحانه وتعالى عن أكل ما ذبح على النصب، لا يجوز للإنسان أن يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه أو ذكر عليه اسم غيره، لا شك أنه ما ذكر عليه اسم غير الله أعظم في النهي وأبلغ مما نسي أن يذكر اسم الله عليه؛ لأن هذا قد ذكر عليه اسم غير الله والعياذ بالله، هذا صار ذبيحة.
هناك مسألة أخرى متعلقة بالتذكية؛ قلنا يراعي الإنسان الإحسان مثل ما أمر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. من الأفضل أن الإنسان يتولى نحر هديه أو نحر أضحيته أو ذبح أضحيته يتولاها بنفسه، هذا الأفضل للإنسان، والأولى أن يطبق هذه السنة التي حرص عليها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين في المدينة، وضع رجله على صفاحهما، وسمى وكبر وذبحهما، صلوات الله وسلامه عليه. وفي مكة لما قرب لله سبحانه وتعالى هدياً، نحر النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة بضعاً وستين بدنة، صلوات الله وسلامه عليه. إذاً لاحظوا هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبحها ونحرها بنفسه، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى، وهذا هو الأفضل.
فإن لم يستطع، أما لانشغاله أو أنه لا يستطيع، أو ربما كان متألماً أو مريضاً، فنقول إنها تذبح وأنت حاضر، تذبح بحضرتك. فإن لم يكن حاضراً، هل يجوز؟ نقول يجوز، لا مانع أن الإنسان يوكل شخصاً يقول اذبح عني أضحيتي مثلاً، لا مانع وإن لم يكن حاضراً إن شاء الله تعالى، لكن نحن نتكلم عن الأفضل؛ الأفضل أن يتولى بنفسه، فإن لم يتولَّ بنفسه فإنه يذبحها وغيره بحضرته.
هنا مسألة أخرى كذلك متعلقة بذبح ونحر بهيمة الأنعام؛ ما هو الأفضل؟ هل هو الذبح أو النحر؟ وما هو الفرق بينهما؟ الذبح هو قطع أحد الودجين، أن يمرر السكين فيقطع الودجين فينهر الدم بالقطع. النحر هو الطعن؛ ليس هو إمرار السكين، النحر هو طعن. طبعاً يجوز النحر في الإبل والبقر والغنم، ويجوز الذبح في الإبل والبقر والغنم، هذا جائز، لكن الأفضل والموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النحر يكون في الإبل، بأن تُطعن الإبل وتُنحر وهي قائمة معقولة يدها اليسرى، قياماً مقيدة، هذا هو السنة في نحر الإبل. وأما في البقر والغنم فإن السنة أن تُذبح، والسنة أن تُذبح وذلك بأن تُطرح على جانبها، ويضع رجله على صفحتها ويذبحها، بمعنى أنه يمرر السكين على رقبتها حتى يقطع الودجين، هذا فيما يتعلق بالسنة الأفضل في طريقة الذبح، هذه المسائل المتعلقة بالتذكية شروطها والإحسان فيها والصفة والأفضل، إما نحرها وإما ذبحها، وقلنا إن الأفضل أن يكون حاضراً إن لم يتولها، فإن لم يستطع لا هذا ولا ذاك فإنه يوكل إن شاء الله تعالى.
هنا تنبيه أخير ننبه إليه، وهو ألا يعطي الجازر أجرته من لحمها، ولعلنا ننبه على هذا التنبيه إن شاء الله تعالى ونفصل فيه ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا معكم عن الأحكام المتعلقة بذبح الأضحية. بينا الأحكام المتعلقة بتذكيتها وشروط هذه التذكية: أن يذكر اسم الله، وأن يكون المذكي أهلاً، وأن تكون بآلة حادة، وأن تقطع الودجين أو أحدهما وتُنهر الدم. وذكرنا الإحسان في التذكية، وذكرنا أن الأفضل أن يتولاها بنفسه، فإن لم يكن فليكن حاضراً، فإن لم يكن فليوكل.
ثم تكلمنا بعد ذلك عن أنه لا يعطي الجازر أجرته من لحمها. كيف يعطي الجازر أجرته من لحمها؟ يعني لو أنك اتفقت مع شخص ليذبحها لك الجزار، أعطيته يذبح لك هذه الشاة، فلما طلب أجرته أو اتفقت معه أن أجرته تكون مثلاً رجل الشاة، تقول رجل الشاة هذه خلاص هذه أجرتك، بدل لا أعطيك أنا مثلاً عشرين ريالاً أو عشرين دولاراً أجرةً لك على ذبحها وسلخها، أعطيك رجل الشاة هذه أجرة لك، هذا ممنوع ومنهي عنه. لماذا؟ بل النبي صلى الله عليه وسلم أوصى عليه، قال: «ألا يعطي الجازر من أجرتها شيئاً». ليش يا إخواني؟ لأننا لو نظرنا، هل صدقته تصدق بالشاة كاملة؟ ولا تصدق بشاة إلا رجل؟ لأن الرجل هذه أعطاها الجازر أجرةً له على أن يذبح الشاة، فصار هذا الرجل ما تصدق بشاة كاملة، تصدق بشاة إلا رجلها، لأن الرجل راحت أجرةً لهذا الشخص الذي يذبحها، أو راحت أجرةً لهذا الشخص الذي اشتراها، أو أياً كان، يعني صارت صدقته ما هي بشاة كاملة، صارت شاة ناقصة.
حتى تكون ما هو الواجب عليك حتى تكون صدقتك شاة كاملة؟ نقول إنك تتصدق بالشاة الكاملة، وتقول لهذا الجزار أجرتك أنا أعطيك إياها من جيبي، لا أعطيك إياها من الشاة، أنا أعطيك إياها من جيبي؛ عشرة دولارات أو عشرة ريالات أو عشرون ريالاً أياً كان، أنا أعطيك إياها من جيبي، لكن هذه الشاة خالصة لله سبحانه وتعالى، هذه شاة تقربت بها إلى الله، ما هو تقربت بها إلى الله إلا رجلها، هذه تروح أجرة. واضح أيها الإخوة والأخوات الكرام؟ إذاً حتى تتم صدقتك ويتم قربانك إلى الله سبحانه وتعالى، لا تدفع إلى الجازر أجرته منها، ولو كان حتى صوفها ولو جلدها. ليس معنى هذا أنك تمنعه منها، لا، لكن لا تعطه هذه الأشياء أجرة، تتفق معه على أجرته.
طيب هل يجوز لك أنك تعطيه صدقة؟ قد يسأل بعض الناس يقول: إذا لم يتفق على هذا في الابتداء تماماً، اتفقت معه على أن أجرته مثلاً عشرون ريالاً، فأعطيته عشرين ريالاً وانصرفت بذبيحتك، فقال يا أخي أنا فقير أعطني باعتباري فقيراً، تقول نعم خلاص أنا بعطيك لأنك فقير، لكن لو قلت له من قبل الذبح: اذبحها بعشرين، وترى بعطيك من لحمها لأنك فقير، لا يجوز، لأن هذا فيه نوع من الإشارة إلى أنه سيأخذ شيئاً من اللحم أجرة، وإذا الإنسان شك في نيته أو كان هناك التباس فلا يعطه، وإنما يعطي الصدقة لغيره. لماذا؟ حتى لا يحتال على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُعطى الجازر من أجرته شيئاً، أجرته منها، وأن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى، فإنت ما دمت ذبحتها اجعلها خالصة لله سبحانه وتعالى. وأما أن تذبحها بنفسك، وإن أتيت بغيرك فادفع له من جيبك ولا تعطه منها، وأخلصها لله سبحانه وتعالى.
بقي معنا مسألة حول الوقت الشرعي لذبح الأضحية، وهذه من المسائل المهمة، وجاءنا في حديث أبي بردة بن نيار الذي ذكرناه سابقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ذبحها قبل الصلاة»، يعني قبل صلاة العيد، «فشاته شاة لحم». إذاً ما هو الوقت المجزئ لذبح الأضحية؟ متى يبدأ الوقت المجزئ لذبح الأضحية؟ نقول من بعد صلاة العيد. صلاة العيد كما ذكرنا نحن في كتاب الصلاة سابقاً، صلاة العيد تصلى ركعتين قبل الخطبة، عكس صلاة الجمعة؛ صلاة الجمعة خطبتان ثم الركعتان، لكن صلاة العيد ركعتان ثم بعد ذلك الخطبة. إذا انتهت الركعتان هذه حل الذبح، خلاص؛ يعني حتى لو كان في وقت الخطبة. لكن إن ذبحت قبل صلاة العيد، فمعنى هذا أنها شاة لحم، شاة لحم، الناس اصطلحوا على تسميتها هذا يقولون شاة ثلاجة مثلاً، لحم يعني للبيت، شاة ضيف، يعني ليست تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى. التقرب إلى الله سبحانه وتعالى لا بد أن يكون في وقته الشرعي، لا بد أن يكون في وقته الشرعي. لو أن إنساناً حج في غير يوم عرفة وفي غير يوم، نقول هذا مو في الوقت الشرعي. لو الإنسان صلى الظهر قبل زوال الشمس وقبل دخول وقت، نقول هذه ما هي بصلاة الشرعية المقبولة، لا. فلذلك إذا الإنسان صلى الظهر قبل وقتها نقول هذه نافلة، لكن لا تقع صلاة الظهر؛ حتى تقع العبادة على الوجه الذي أمر الله سبحانه وتعالى، لا بد أن تكون مستوفية للشروط والصفات التي شرعها الله سبحانه وتعالى وشرعها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه. ما هو الوقت الشرعي لذبح الأضحية؟ بعد الصلاة، من ذبحها قبل الصلاة فهي شاة لحم.
طيب هذا فيما يتعلق ببداية الوقت، ما هو آخر الوقت؟ هناك من أهل العلم من قال إنه يوم العيد ويومين بعده من أيام التشريق، وهناك من أهل العلم من قال يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة كاملة معه، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، كما جاء في القرآن الكريم ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]، هذه أيام التشريق. الأيام التي يذبح فيها هي الأيام المعلومات، وهي يوم العيد ويومان بعده، أو يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة. والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله سبحانه وتعالى». لذلك الصحيح أنه ينتهي وقت الذبح بغروب الشمس في آخر يوم من أيام التشريق، يعني يوم 13 ذي الحجة، بغروب الشمس ينتهي وقت ذبح الأضحية. إذاً كم عند الإنسان فرصة في واقع الأمر؟ عنده فرصة أربعة أيام: يوم العيد وثلاثة أيام التشريق للذبح.
طيب إذا ذبح الإنسان أضحيته، ما هو المشروع له بالنسبة لهذه الأضحية؟ نقول المشروع أن يأكل منها كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]. هذا أولاً، ثانياً المشروع له أن يتصدق بها، يطعم البائس الفقير كما قال الله سبحانه وتعالى، وهذا من غنى الله سبحانه وتعالى عن عباده ومن رحمته بعباده أن أباح لهم أكلها، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى هو المالك لكل شيء وهو المشرع ولا يسأل عما يفعل سبحانه وتعالى، لو أمر عباده أن يذبحوها ويحرقوها لكان واجباً عليهم ذلك، لكن الله سبحانه وتعالى رحمة بعباده أمرهم بالتعبد له بهذا النحر والذبح له سبحانه وتعالى ثم أباح لهم أن يأكلوا منها. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ هذه يستفاد منها حقيقة عدد من الفوائد؛ الفائدة الأولى أن الإنسان له أن يأكل منها، وله أن يدخر منها ما يأكله، وله أن يطعم غيره ضيوفه أو غيرهم منها ويطعم البائس الفقير. ولكن لا يجوز للإنسان أن يعاوض عليها بمعنى أن يبيعها؛ نقول لا، أنت كل منها أو أطعم منها، وأما أن تبيعها، تبيع لحمها أو تبيع صوفها أو جلدها، لا يجوز لك أن تبيع. وذكرنا من قبل أنه لا يعطي الجازر أجرته منها. إذاً أنت كل، أردت أن تدخر ادخر، تريد أن تطعم صديقك لا بأس، تهدي لقريبك لا بأس، تطعم البائس الفقير، هذا كله طيب وجاء في القرآن الكريم وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم. أما أن الإنسان يؤجر عليها ويعاوض عليها فلا.
إذاً هذه الأحكام الشرعية المتعلقة بالأضحية، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل من المسلمين ضحاياهم وهداياهم، وأن يجعلنا وإياكم من متبعي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلنا وإياكم ممن يرزق الإخلاص والقبول في قوله وعمله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي