تسجيل الدخول

المحاضرة 17 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي - كتاب الحج (تعريفه، ووجوبه، وفضله)

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين ولي المؤمنين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك أن تعلمنا ما ينفعنا، وأن تنفعنا بما علمتنا، وأن تزيدنا علما. ربنا قربنا إليك، واهدنا إليك، ويسر الهدى لنا، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السابع عشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها وناشرها ومن ساهم فيها، وأن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي، كنا بفضل الله سبحانه وتعالى قد أنجزنا في دروسنا السابقة ما يتعلق بأحكام الصيام وأحكام باب الاعتكاف في هذا الفصل الدراسي الثالث. وقبل ذلك، بفضل الله سبحانه وتعالى ونعمته ومنته وكرمه، تحدثنا عما يتعلق بكتاب الطهارة والصلاة والزكاة. وبذلك أنهينا الحديث عن ثلاثة مبان عظيمة من مباني الإسلام التي جاءت في حديث جبريل عليه السلام، لما جلس إلى رسولنا عليه السلام فسأله فقال: «ما الإسلام؟» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت».

ثم سأل جبريل صلوات الله وسلامه عليه رسولنا صلوات الله وسلامه عليه عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم عن الساعة، ثم عن أشراطها في حديث طويل معروف مشهور، ختمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسؤاله لأصحابه بعد أن انصرف هذا الرجل السائل وقال: «أتدرون من السائل؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا جبريل جاء ليعلمكم أمر دينكم». فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام بأركان خمسة، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله هو أول ركن ويتحدث عنه غالبا المصنفون في كتب التوحيد. وأما المباني الأربعة الأخرى فيتحدث عنها أهل الفقه في كتبهم مرتبة على ما جاء في حديث جبريل الذي شرح النبي صلى الله عليه وسلم فيه الإسلام، والذي قصد فيه جبريل تعليم الناس دينهم.

تحدثنا عن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، واليوم سنشرع في الحديث إن شاء الله تعالى، إن وفق الله سبحانه وتعالى ويسر، ونستلهمه سبحانه وتعالى العون والتسديد والتوفيق والصواب في الرأي، نستمد منه سبحانه وتعالى، سنتحدث إن شاء الله تعالى عن الحج والعمرة. الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وهما الشعيرتان اللتان يقصد المسلم فيهما زيارة بيت الله الحرام.

وقد فرض الله سبحانه وتعالى الحج في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. وهذه الآية تدل على وجوب الحج وفرضيته، وتدل كذلك على عظم وجوبه وركنيته في الإسلام، تدل على عظيم شأنه وجليل خطره؛ لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى أتى بالفرض بصيغة شديدة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.

إذاً الله سبحانه وتعالى جعله على الناس بصيغة حرف "على" المفيد للوجوب، وجعله حقا واجبا له على الناس: "لله على الناس". وهذا بخلاف الصيغ الأخرى التي ربما جاء فيها الأمر بشيء ما أو الحث عليه، لا؛ هذا جاء بصيغة "لله على الناس". هذه الصيغة تدل على الوجوب من عدد من الأوجه؛ أول شيء اللام التي تدل على استحقاق الله سبحانه وتعالى لهذا الأمر على الناس، و"على" التي تدل على الفرضية والوجوب، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾؛ هذا تخفيف عن العباد، فمن لم يستطع إلى الحج سبيلا فإن الله سبحانه وتعالى خفف عنه وأخرجه من هذه الآية ومن هذا الوجوب.

لكن حقيقة مما يدل على قوة الوجوب ختام هذه الآية، ماذا قال الله سبحانه وتعالى بعد هذا الفرض وبيانه على العباد: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. لا شك أن ختام الآية فيه تهديد شديد ووعيد: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. لذلك أوصي حقيقة نفسي أولا وإخواني وأخواتي جميعا بالمبادرة إلى حج بيت الله الحرام، وألا يتأخر الإنسان ولا يماطل ولا يسوف في أداء هذه الفريضة التي فرضها الله سبحانه وتعالى على عباده.

جاء في حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». حج البيت دلنا على أن الإسلام قد بني عليه، بني على هذه الأركان الخمسة. إذاً في واقع الأمر لا نقول إن الحج، لا نقتصر على كلمة واجب، أن نقول واجب وفرض وركن من أركان الإسلام، إذاً وجوبه وجوب قوي في وجوب مباني الإسلام وأركانه.

تأملوا معي، تخيلوا معي أن الإسلام قد تشكل بشكل خيمة، فإن الحج سيكون ركنا من أركان هذه الخيمة، لا شك أن الركن إذا زال فإن الخيمة هذه ربما تسقط، بخلاف مثلا لو زال شيء من جدران الخيمة أو أوتاد الخيمة، لكن الأركان التي تقوم عليها الخيمة لا شك أنها أركان عظيمة ومهمة جدا في قيام هذا الدين.

نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى معنى أو تعريف الحج؛ ما هو الحج؟ الحج معروف عند الناس، بل هو معروف حتى قبل الإسلام، هو قصد البيت. الحج في لغة العرب، في الاصطلاح الشرعي عند الناس بعد الإسلام، في الجاهلية، عند الرسل من قبل والأنبياء من قبل، الحج هو قصد البيت الحرام تعبدا لله، وتمسكا بالوقوف بعرفة ومزدلفة، ورمي الجمار بمنى، والطواف بالبيت العتيق، والتحلل بالحلق أو التقصير. هذا هو الحج الذي يحجه الناس اليوم قد حجه من قبلهم إبراهيم عليه السلام، فالحج هذا قديم؛ فالحج في لغة العرب من لدن إبراهيم عليه السلام إلى يومنا هذا حج معروف، وهو قصد البيت الحرام لأجل التعبد لله سبحانه وتعالى بهذه العبادات وهذه المناسك التي بيناها.

إلا أن الحج ربما أطلق في بعض الإطلاقات اللغوية الأخرى يجمعها جميعا معنى القصد. فلا شك أن الحج إذا أطلق مجردا في لغة العرب، في الجاهلية أو في الإسلام أو حتى قبل في عصر الأنبياء من قبل، إذا أطلق الحج مباشرة ينصرف إلى حج البيت الحرام، قصد البيت العتيق بهذه الشعائر التي شرعها الله سبحانه وتعالى، وقصد هذه المشاعر العظيمة: عرفة ومزدلفة ومنى. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا وإياكم هذه المشاعر العظيمة، وأن يجعلنا وإياكم ممن يقيموا هذه الشعائر.

إخواني الكرام، ذكرنا في تعريف الحج أنه قصد التعبد لله سبحانه وتعالى بقصد البيت العتيق، قصد عرفة ومزدلفة. هنا تنبيه فقط بسيط، نتعلم كيف ولماذا يعرف الفقهاء وكيف يقومون بالتعريفات الفقهية. إذا أراد شخص أن يعرف الحج؛ ربما أحدكم أو بعضكم، إن شاء الله جميعكم قد حج بيت الله الحرام؛ سؤال: ما هو تعريف الحج؟ قد يقول إنسان: تعريف الحج هو قصد التعبد لله سبحانه وتعالى بقصد مكة، بالذهاب إلى البيت العتيق، ثم الذهاب إلى عرفة، ثم المبيت بمزدلفة، ثم الذهاب إلى منى ورمي جمرة العقبة، ثم الحلق والتقصير، ثم بعد ذلك نحر الهدايا أو النذور، ثم بعد ذلك حلق الرأس وتقصيره، ثم بعد ذلك الطواف طواف الإفاضة، ثم المبيت. هذا كله وصف صحيح للحج.

لكن لأجل أن مقاصد التعريفات أن تكون مختصرة، وأن تعطي الفكرة العامة عن الموضوع وليس الفكرة التفصيلية؛ يعني لا نريد أن نقول هو قصد مثلا عرفة بشرط أن يكون الوقوف من زوال الشمس إلى غروبها، وأن يجمع معه شيئا من الليل، أو أن يقف؛ إذا ذكرنا هذا كله في التعريف صار التعريف أربع صفحات تعريف كلمة الحج، لأنه سوف نأتي بالأحكام كاملة. ماذا يقول الفقهاء؟ يقول الفقهاء حتى يخففوا من ثقل وطول التعريف: يقولون إن الحج هو قصد البيت الحرام على صفة مخصوصة، أو بأعمال مخصوصة، أو في أوقات مخصوصة؛ يعني يعطينا الإجمال، ثم بعد ذلك إذا درسنا أحكام الحج دخلنا في التفاصيل؛ ما هي هذه الأعمال المخصوصة؟ وما هي الأعمال الواجبة؟ وما هي أعمال الركن؟ ما هي الأعمال المستحبة؟ وهكذا.

فلذلك نجد عند الفقهاء هذه الطريقة في التعريف؛ مثلا لما يجي في تعريف الصلاة؛ ما هو تعريف الصلاة؟ بعضهم يقول: التعبد لله سبحانه وتعالى بالقيام والركوع والسجود والقعود مثلا، أو بعض الأفعال والأذكار. ربما يقول بعضهم بالقيام ثم الركوع يطيل فيها؛ فبعض الفقهاء ربما اختصر بحيث إنه يترك التفاصيل لاحقا، الهدف الآن إعطاء فكرة عامة، فيقول: التعبد لله سبحانه وتعالى بالقيام له على صفة مخصوصة، أو بأقوال مخصوصة، ثم بعد ذلك إذا شرع في الصلاة يدخل في التفاصيل. هذه لا شك لا بأس، كلها طريقة حسنة، سواء الطريقة الأولى أو الطريقة الثانية، أن يعطي فكرة عامة، أو أن يعطي فكرة فيها نوع من التفصيل، لا بأس، المهم أن حقائق التعريف والحدود الهدف منها إعطاء نظرة عامة ورؤية عامة عن الموضوع قبل الشروع في تفاصيله.

قد يقول قائل: ما الفرق بين الحج والعمرة؟ العمرة هي قصد البيت على صفة مخصوصة، إلا أن أركانها وأعمالها أقل من أعمال الحج؛ العمرة قصد البيت والمسعى والتحلل، أما الحج فهو قصد البيت والمسعى وعرفة ومزدلفة ومنى، فيها أعمال أكثر؛ الحج فيه أعمال أكثر. إذاً لا يمكن أن نقول إن الحج والعمرة جنس واحد، هو جنس زيارة البيت العتيق، إلا أن الحج يختص بوقت معين وفيه أعمال أكثر، وأما العمرة فيمكن للإنسان يأتي بها في أي وقت في العام، وأعمالها أقل؛ هي الطواف والسعي والحلاق والتقصير.

هذا فيما يتعلق بتعريف الحج والعمرة. متى فرض الحج؟ أرجح الأقوال، والله تعالى أعلم، أن الحج قد فرض في عام الوفود، في السنة التاسعة من الهجرة، بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وبعض أهل العلم يقول إن الحج قد فرض قبل ذلك، ربما فرض في السنة السادسة أو فرض قبل ذلك، وإن كان نحن نعلم أن صلح الحديبية كان في السنة السادسة، وأن فتح مكة ما كان إلا في السنة الثامنة، بمعنى أنه سواء فرض في السنة السادسة أو الرابعة أو الخامسة لم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج أصلا قبل الثامنة؛ الثامنة التي هي سنة فتح مكة.

في السنة التاسعة من الهجرة، سنة فتح مكة، في السنة التاسعة استخلف النبي صلى الله عليه وسلم على الحج أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وكان لا يزال أهل الشرك يطوفون بالبيت، وربما طاف بالبيت بعض الناس عراة، وهذه عادة من عادات الجاهلية؛ كانوا يقولون: لا نطوف بالبيت بملابس قد عصينا الله فيها، عادة جاهلية أبطلها الإسلام. النبي صلى الله عليه وسلم أذن في الناس ألا يطوف بالبيت عريان، وألا يطوف بعد العام مشرك. فالشاهد أنه لما صفي البيت لأهل الإسلام وكسرت الأصنام والأوثان، اختص به من يعبد الله سبحانه وتعالى دون من يعبد الأصنام والأوثان، ثم أمر الناس فيه بأخذ زينتهم كما أمر.

الله سبحانه وتعالى وكما أمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بلبس اللباس الذي شرعه الله سبحانه وتعالى. بعد ذلك في السنة العاشرة، كانت هي الحجة؛ السنة التي حج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجة المشهورة التي سميت في السنن والتواريخ والآثار والسير بحجة الوداع؛ لأنها الوحيدة التي حجها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته. ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حج البيت العتيق إما قبل بعثته صلوات الله وسلامه عليه أو قبل هجرته، وبعض الناس يقول مرة أو مرتين أو ثلاثة؛ الله أعلم، لم تنقل بطريق صحيح، لا يوجد حقيقة ما يثبتها ولا يوجد ما ينفيها، لكن ربما قد يقول الإنسان إنه من المؤكد كون النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ووجوده في هذه المشاعر أنه كان متيسراً له الحج قبل بعثته.

لكن نحن نتكلم عن فرض الحج؛ فرض الحج الذي نقله المسلمون والذي حجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97] بعد هجرته صلوات الله وسلامه عليه لم يكن الحج إلا مرة واحدة، وهي السنة العاشرة من بعد الهجرة. كانت حجة الوداع التي ودع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الناس وأشهد الله سبحانه وتعالى على أنه قد بلغهم، فقال: «ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد».

نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قام بالبلاغ أتم قيام صلوات الله وسلامه عليه، قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. شهادة نشهد بها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تشهد أمة رسول الله لرسولها.

إخواني الكرام، لا شك أن للحج فضائل عظيمة؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 27-28]. ذكر الله سبحانه وتعالى أن الحج فيه منافع عظيمة وفضائل كبيرة. سوف أذكر أول هذه الفضائل ورد في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: 203].

يقول أهل العلم في تفسير هذه الآية: من تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، معنى قول الله سبحانه وتعالى فلا إثم عليه أن من انصرف متعجلاً فلا إثم عليه؛ قد غفرت له ذنوبه، ومن تأخر ينصرف متأخراً ولا إثم عليه؛ قد غفرت له ذنوبه. الله أكبر، هذه أعظم فضيلة من فضائل الحج؛ أن الإنسان يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، لكن لهذا شرط قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

إذاً هذا شرط لهذه المغفرة: لمن اتقى. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم -ولهذا الحديث مطابق للآية-: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه». ما معنى فلم يرفث ولم يفسق؟ تفسير قوله سبحانه وتعالى لمن اتقى، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، هذا مطابق لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. إذاً هذه أعظم فضيلة من فضائل الحج وأكبر منفعة من منافع الحج.

بالإضافة إلى ما ذكر هناك فضيلة أخرى لا تقل عن هذه الفضيلة عظمة وأهمية، ألا وهي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». أنعم بهذه الفضيلة من فضيلة! أيها الإخوة، ما أحوجنا إلى أن نقصد بيت الله الحرام، ما أحوجنا إلى أن نرجع إلى الله سبحانه وتعالى ونتوب إليه في هذه المشاعر وفي هذه الشعائر التعبدية العظيمة. ما أحوجنا إلى أن نقف بعرفة ونتوب إلى الله ونسكب العبرات، ما أحوجنا إلى جنات الله، ما أحوجنا إلى أن نرجع من ذنوبنا كيوم ولدتنا أمهاتنا. أسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسر لي ولكم جميعاً حج بيته الحرام.

مما يدل على وجوب الحج في العمر مرة واحدة ما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا». فقال رجل: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «لو قلت نعم لوجبت، الحج مرة فما زاد فهو تطوع». فهذا يدل على استحباب تكرار الحج وتكثيره. ولا شك من الذي لا يذنب؟ ومن هو الغني عن جنات الله ورضوان الله؟ من هو الغني عن أن يرجع من ذنوبه؟ لا أحد، كلنا بحاجة حقيقة إلى هذه الفضائل وإلى هذه النعم الكثيرة، كلنا بحاجة إلى التضرع لله سبحانه وتعالى.

ما هي شروط وجوب الحج؟ ذكرنا من قبل أن شروط وجوب الحج معناها الأمور التي إذا اجتمعت فإن الحج يكون واجباً. ما هي شروط صحة الحج؟ الأمور التي إذا اجتمعت فإن الحج يكون صحيحاً. فلو قلنا مثلاً إن البلوغ من شروط الوجوب، فمعنى ذلك إذا كان الرجل بالغاً يجب، وإذا لم يكن بالغاً فلا يجب. لو قلنا إن البلوغ من شروط الصحة، فمعنى ذلك أن غير البالغ لا يصح حجه، لذلك لا نقول إن البلوغ من شروط الصحة، لكن نقول إن البلوغ من شروط وجوب الحج.

على من يجب الحج؟ يجب الحج على من اجتمع فيه هذه الأمور: أن يكون مسلماً، الكافر المشرك بالله سبحانه وتعالى أصلاً لا يجب عليه الحج ولا يصح منه أصلاً لو وقع الإسلام. الأمر الثاني البلوغ، فمن لم يبلغ لا يجب عليه الحج، هل يصح منه؟ يصح منه إذا كان مميزاً. إذاً هذا الإسلام والبلوغ والعقل، هل المجنون يجب عليه الحج؟ لا يجب عليه الحج، العاقل يجب عليه الحج، والمجنون أصلاً لا يصح منه. إذاً نحن الآن عندنا الإسلام والبلوغ والعقل، كذلك الحرية، فالرقيق المملوك لا يجب عليه الحج، وربما أن هذه المسألة اليوم لا نحتاجها باعتبار عدم وجود الرقيق. الخامس الذي جاء في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وهي القدرة والاستطاعة، فمن لم يقدر على حج بيت الله الحرام أو القدوم إلى بيت الله الحرام فإنه لا يجب عليه الحج، والله تعالى أعلم. لذلك قال الله سبحانه وتعالى إن هذا الوجوب مختص بمن استطاع إليه سبيلاً.

نريد أن نتكلم عن شرط القدرة؛ شرط القدرة بمعنى أن يكون هذا الشخص قادراً أول شيء ببدنه أن يحج، فلو كان كبيراً أو هرماً جداً لا يستطيع أن يحج، أو كان مثلاً مريضاً مرضاً يقعده عن الحركة، لا يستطيع أن يحج. فنقول: هل أنت عاجز عن أن تحج ببدنك؟ قال: نعم. قال: لا أستطيع. نقول: إذاً هل عندك مال تنيب به غيرك عن الحج؟ إذاً نقول: خلاص، ادفع المال هذا لمن يحج عنك. فلاحظوا الآن أن عندنا القدرة، عندنا نوعان: قدرة بدنية وقدرة مالية. فمن كان عنده قدرة بدنية أو كان عنده قدرة مالية، فمعنى ذلك أن الحج واجب عليه. طيب إذا انعدمت القدرتان، ما عندهم لا قدرة بدنية أن يحج ولا قدرة مالية أن يقيم غيره ليحج عنه، على ذلك أن الحج قد سقط وجوبه عنه؛ لاحظتم ولا لا؟ إذاً عندنا قدرة بدنية وقدرة مالية. من قدر ببدنه على الحج فهذا واجب عليه، من لم يقدر ببدنه على الحج فيجب عليه أن يحج بماله، طيب من لم يقدر ببدنه ولا بماله أن يحج؟ نقول هذا سقط عنه وجوب الحج.

تجوز النيابة في الحج؛ ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة. هذه المرأة تقول إن فرض الحج أدرك والدها وهو شيخ كبير لا يثبت على الراحلة، يعني لا يستطيع أن يصل إلى البيت العتيق، خلاص الرجل هذا لا يثبت على راحلة، فمعنى ذلك أنه بالكاد أن يتحرك في بيته وما حول بيته، لكن لا يستطيع أن يركب راحلة ويصل إلى مكة. أفأحج عنه؟ هذا تتمة سؤالها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». فالشاهد أيها الإخوة أن هذه النيابة في الحج جائزة عن الشخص الذي لا يقدر على الوصول إلى البيت العتيق.

إذاً ما هي القدرة البدنية وما هي القدرة المالية؟ دعونا نتحدث عن بعض شروطها وأوصافها، أن يكون قادراً ببدنه بمعنى أن يصل إلى مكة ببدنه، وحتى يصل إلى مكة ببدنه يحتاج إلى زاد وراحلة، يكون عنده مال يوصله؛ تكاليف السفر. إذا كان قريباً من مكة، لا شك أن تكاليف سفره يسيرة، أو إذا كان من أهل مكة فتكاليف وصوله إلى المشاعر تكون يسيرة. لكن إذا كان من جدة ربما تكون تكاليفه أكثر، وإذا كان من المدينة تكون تكاليفه أكثر، وإذا كان من خارج المملكة فتكون تكاليفه أكثر؛ لأنه يحتاج إلى طائرة ويحتاج إلى جوازات وغير ذلك. وهكذا، فكلما كان موطن الإنسان ومسكنه أبعد عن مكة، فربما أن تكاليف قدومه إلى مكة تزداد، فيكون عنده هذه التكاليف المالية لقدومه إلى مكة ويكون عنده قدرة بدنية، بمعنى أنه صحيح البدن يمكنه أن يحج. أما إذا كان بالفعل مقعداً مريضاً لا يستطيع الحراك أو شيء من هذا، فإن الله سبحانه وتعالى قد أسقط عنه هذا الفرض ببدنه، إذا كان عنده مال يعطي هذا المال لمن يحج عنه بماله.

كذلك مما يدخل في القدرة في حق المرأة المحرم، والمحرم هو من تحرم المرأة عليه، يحرم عليه نكاحها بنسب أو بسبب مباح كالمصاهرة أو الرضاع، ومحارم المرأة وتفصيله سوف نذكر إن شاء الله تعالى في كتاب النكاح. ولكن يهمنا الآن أن نعرف أن المرأة حتى يجب عليها الحج فإنه لا يجب عليها إلا إذا كان لديها محرم يذهب معها للحج؛ لأن النبي قال: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم». إلا لو كانت المرأة مثلاً من أهل مكة، أنا أقول ما دامت المرأة هذه من أهل مكة مثلاً، ألا يمكن أنها تحج مع رفقة من النساء دون حاجة إلى محرم يحج معها؟ ولا شك أن وجود المحرم معها أكثر طمأنينة لها.

نتابع إن شاء الله تعالى معكم في حلقتنا القادمة مزيداً من التفصيل حول شرط القدرة والمحرم وما يتعلق به؛ لأنه شرط مهم من شروط وجوب الحج، نسأل الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.