تسجيل الدخول

المحاضرة 34 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي- العيوب غير المجزئة في الأضحية - أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن. ومن الفقه الميسر، عاملًا بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا ساد، أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم ارزقنا محبتك والتقرب إليك على أتم الوجوه وأكملها، ممن يعبدك رغبًا ورهبًا، خوفًا ورجاءً، يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الرابع من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، قائلها وسامعها وناشرها ومن ساهم فيها.

إخواني وأخواتي، بدأنا حديثنا عن الأضحية، وتحدثنا عن عبودية نحر بهيمة الأنعام تقربًا وتعظيمًا وشكرًا لله سبحانه وتعالى. وتحدثنا عن حكمها، وقلنا إنها مؤكدة تأكيدًا بالغًا، جعل بعض أهل العلم يقول بوجوبها، وهي في مرتبة مترددة بين الواجبات والمستحبات المؤكدة، لذلك يكره كراهة بالغة للقادر أن يتركها.

ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مسألة أخرى، ألا وهي مسألة إجزاء الأضحية؛ وقلنا إن الشاة تجزئ عن واحد، وقلنا إن البدنة أو البقرة تجزئ عن سبعة. وتحدثنا بعد ذلك عن تفصيل حكم الأضحية عن الأموات، وقلنا إن كان هذا تبعًا للمضحي فلا إشكال، كونه يشركهم في ثوابها، فيقول: «اللهم هذه عني وعن أهل بيتي» أو عن والدي أو غير ذلك فلا بأس.

كونه يذبحها عنهم استقلالًا، أن هذه أضحية عن والده الذي قد توفي، أو أضحي عن جده أو غير ذلك، نقول: إن كان جده أو والده قد نذر، فهذا لابد أن يوفي بالنذر عنهم، وهذا يخرج من تركتهم، ويوفي بالنذر، ويكون هذا دينًا عليهم. لكن إن لم يكونوا قد نذروا هذا النذر، وإنما هو يريد أن يتصدق عنهم، فإن الظاهر والله تعالى أعلم أن عبادة النحر لله سبحانه وتعالى، أو ذبح بهيمة الأنعام لله سبحانه وتعالى، عبادة تدخلها النيابة؛ بدلالة أنه يجوز أن أوكل فلانًا أن يذبح عني ذبيحتي، لست أنا أشتري مثلًا الأضحية وأوكل فلانًا بذبحها عني فهذا لا بأس، أو أن أؤجر فلانًا ليذبحها فلا بأس إن شاء الله تعالى.

فكونها تنحر من ولد الميت مثلًا، أو من حفيد الميت، فهذه عبادة تدخلها النيابة، كان إن شاء الله تعالى يصل ثوابها وأجرها إن شاء الله تعالى يصل لهذا المتوفى الميت. وقلنا إن عبادة تدخلها النيابة، وسواء كانت واجبة في حال النذر أو كانت مستحبة، فإن ثوابها إن شاء الله تعالى يصل إلى الميت.

نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى، ألا وهي مسألة شروط الأضحية؛ ما هي شروط الأضحية التي تجزئ شرعًا؟ سنتحدث الآن عن مسألة شروط الأضحية وصفات الأضحية. شروط الأضحية بمعنى القدر الذي إذا لم يتوفر فإنها لا تجزئ. هل الإنسان يقتصر على هذا القدر؟ نقول: لا يا أخي، ائتنا بالقدر المجزئ وأضف عليه القدر المستحب الأتم الأكمل.

فمثلًا، سيأتينا إن شاء الله تعالى أن من شروط الأضحية مثلًا أن تكون في السن المعتبرة شرعًا؛ السن المعتبرة شرعًا أنه يجب أن تكون ثنيًا من بهيمة الأنعام أو مسنة من بهيمة الأنعام. لا تجزئ الجذعة، لا تجزئ إلا في الضأن، سيأتينا إن شاء الله تعالى الأعمار المحددة؛ لا تجزئ الجذعة إلا في الضأن، أما غير الضأن فإنها لابد أن تكون ثنيًا أو مسنة، أما الجذع فلا تجزئ.

طيب، كون الإنسان يأتي بشيء أكمل من الثني فهذا لا شك أنه أفضل إن شاء الله تعالى. مثلًا سيأتي أن من الشروط أن تكون خالية من العيوب التي تمنع إجزاءها؛ ألا تكون عوراء بين عورها مثلًا، ألا تكون عجفاء لا تنقي، يعني أنها هزيلة جدًا. طيب كون الإنسان يأتي بشيء سمين، طيب، غالٍ، نفيس؛ هذا هو الأكمل والأفضل أن يقرب لله سبحانه وتعالى الطيب.

أيها الإخوة، ما هو المجزئ في الأضحية؟ أول شيء نقول بهيمة الأنعام، غير بهيمة الأنعام لا تجزئ في الأضحية. لو جاء إنسان قال: أذبح فرسًا، نقول: لا، الله سبحانه وتعالى جعل العبودية والتقرب إليه بذبح بهيمة الأنعام. ما هي بهيمة الأنعام؟ هي الإبل والبقر والغنم، والغنم إما ضأن وإما معز. إذا هذه هي المجزئة في بهيمة الأنعام المجزئة كأضحية.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34]. إذا هذا نص ودلالة على أن غير بهيمة الأنعام لا يجزئ في النحر وعبودية النحر والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

الشرط الثاني: أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعًا في الإجزاء. ما هو السن المعتبر شرعًا في إجزاء الأضحية؟ قلنا السن المعتبر أن تكون ثنيًا فأعلى، ولا تجزئ الجذعة، سواء كان في الإبل ولا البقر ولا المعز، أما الضأن فتجزئ. وتحديدًا نقول: إن ما بلغ من الإبل خمس سنين فهو مجزٍ، وما بلغ من البقر سنتين فهو مجزٍ، وما بلغ من المعز سنة فهو مجزٍ. الضأن يجزئ فيه الجذع الذي له ستة أشهر، ما تم ستة أشهر من الضأن يجزئ إن شاء الله تعالى في الأضحية. إذا هذا من حيث عمر الأضحية.

الشرط الثالث: ألا تكون معيبة بالعيوب التي تمنع الإجزاء، وهذا الشرط راجع إلى تطييب الأضحية، والله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا الطيب. ولا يجوز للإنسان أن يخرج أدنى ماله فيخرجه زكاة واجبة أو أضحية واجبة. لا نقول للإنسان: لا، إذا أراد أن يتصدق حتى لو بردي ماله صدقة مستحبة هذا لا بأس، لكن في القدر الشيء الواجب والمؤكد لا، نقول: لا قف، إذا أردت تحقق سنة الأضحية، السنة لا تتحقق إلا بهذه الضوابط وهذه الشروط. أردت أن تحقق الواجب وتخرج الواجب، فلا تعمد إلى أرذل مالك، مثل ما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: 267].

كون الإنسان يعمد إلى أرذل ماله فيخرجه في الزكاة هذا غير صحيح، وقد بينا هذا في كتاب الزكاة سابقًا، وقلنا إن الزكاة من أواسط المال، لا يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة من كرائم الأموال، ولا يجوز للشخص المسلم الذي يدفع الزكاة أن يدفع الزكاة من أرذل الأموال. ما هو الواجب الذي يجب على الإمام أن يأخذه من الناس ويجب على الناس أن يدفعوه؟ نقول: هو أوسط المال. كون الإنسان من عنده يتبرع أن يدفع مثلًا كرائم ماله تبرعًا وتطوعًا، نقول: هذا لا بأس، لكن لا يجوز إلزامه بأن يدفع كرائم ماله.

سنبين الآن ما هي العيوب التي تمنع إجزاء الأضحية، وما هي العيوب التي تقبل ولا بأس بها في الأضحية، والأفضل من هذا كله أن تكون الأضحية سمينة سالمة نفيسة غالية سالمة من العيوب، هذا هو الأفضل والأتم والأكمل. إذا سنبحث إن شاء الله تعالى عن الإجزاء، وسنبحث عن الأتم والأكمل إن شاء الله تعالى، ولكن بعد فاصل قصير.

أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة أنها تربية الأهل والأولاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: أدبوهم وعلموهم. فنعلم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن.

ونعلمهم الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ونعلمهم شيئًا من القرآن بأنفسنا، أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج.

ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى، قال نافع: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن، قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».

نعود إليكم بعد الفاصل، وقد بدأنا حديثنا عن صفات هذه الأضحية التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. قلنا إنها لابد أن تكون بهيمة الأنعام؛ الإبل والبقر والغنم. وقلنا كذلك أنها لابد أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعًا، وكونها مسنة، ولا تجزئ الجذعة إلا في الضأن الذي له ستة أشهر يجزئ، أما المعز سنة، البقر سنتين، وأما الإبل فلابد أن تكون قد تمت خمس سنين.

طيب، وقلنا إنها لابد أن تكون خالية من العيوب التي تمنع الإجزاء؛ ما هي العيوب التي تمنع الإجزاء؟ العوراء البين عورها؛ لو أنه قد مثلًا خسفت إحدى عينيها، بين عورها. ما معنى العوراء البين عورها؟ لا، أحيانًا قد تكون إحدى العينين لا تبصر، لكن شكلها لا يظهر فيه إشكال، يعني إذا نظرت إلى هذه الشاة مثلًا تجد أن عينيها متشابهتين، ما فيها مشكلة، ولكن قد لا تكون تبصر بإحدى العينين. هذه عوراء غير بين عورها، هذه مجزئة. لكن إذا كانت عوراء بين عورها، بمعنى أن إحدى العينين هذه بين أنها مثلًا مخسوفة ولا مضروبة، أو بين عور هذه العين ومرضها أو ذهابها، فهذه غير مجزئة.

إذا ما الفرق بين العوراء البين عورها التي لا تجزئ، وبين عوراء قد تجزئ؟ نقول: عوراء غير بين، يعني الناظر إليها إذا نظر إليها ما يبان أنها عوراء وإن كانت هي ربما أنها لا تبصر بإحدى العينين، وهذا موجود أحيانًا، بعض الناس تكون هذا موجود حتى في بني آدم، أحيانًا بعض الناس تكون عينه مثلًا تنظر إليها ما ترى فيها إشكال، لا يتبين لك من النظر إلى وجهه شيء، ولكن هو لا يبصر بإحدى العينين. هذه وأحيانًا يكون الإنسان في عينه لا يكون في عينه عيب يمنعه من النظر ويكون هذا العيب ظاهرًا، كذلك حتى هذا موجود، نفس ما هو موجود في بني آدم موجود حتى في بهيمة الأنعام؛ هناك من بهيمة الأنعام ما يكون العيب في بصرها فلا تبصر ولكن العين سليمة، هذه مجزئة، لكن إذا كانت العين غير سليمة فهذه معناها عوراء بين عورها.

طيب هذا العيب الأول. العرجاء البين عرجها هذه كذلك لا تجزئ. كذلك العجفاء التي لا تنقي؛ ما هي العجفاء التي لا تنقي؟ هي التي ذهب مخ عظمها، يعني هزيلة وذهب مخ عظمها حتى أصبحت أنها إيش؟ ربما لا تقف، خلاص يصير إيش؟ رابضة طول الوقت، فهذه كذلك غير مجزئة. كذلك المريضة البين مرضها، وهذا موجود في بعض الأضاحي، أنه يكون مرضها بين ظاهر على جلدها، ظاهر على صوفها، ظاهر على وجهها، ظاهر على شكلها، هذه المريضة البين مرضها لا تجزئ. العرجاء البين عرجها لا تجزئ، وقلنا العجفاء التي لا تنقي لا تجزئ، والعوراء البين عورها لا تجزئ.

طيب، كذلك ما قطعت إليتها؛ الإلية ومؤخرة الضأن، أو الشحم الذي يكون في آخرها. هذا الآن إذا كان مثلًا معز أو الإبل أو البقر قطع ذنبها نقول لا بأس، لكن الإلية غالبًا تكون مقصودة لأهلها، فلذلك نقول قطع الإلية مؤثر، وتكون هذه غير مجزئة في الأضحية. إذا هذه عيوب لا تجزئ في الأضحية.

لاحظوا أن فرقنا مثلًا بين العوراء التي يبين عورها والعوراء التي لا يبين عورها ولا يستبين؛ هذه التي لا يبين مجزئة، لكن التي يبين عورها لا تجزئ. فرقنا مثلًا في قطع ذيلها، بين ما له إلية مثل الضأن فهذا لا تكون مجزئة، ومثلًا المعز أو الإبل هذه تكون مجزئة إذا قطع ذيلها.

إذا هذا يقودنا في الحقيقة إلى بيان بعض العيوب التي تكون موجودة ولكن تجزئ معها الأضحية؛ مثلًا العوراء التي لا يبين عورها، أو مثلًا التي قطع ذيلها، أو التي كسر شيء من قرنها، أو ربما قطع قرنها وأخذ، أو مثلًا التي قطع شيء من أذنها؛ مقدم أذنها أو وراءه أو ربما قص شيء من أذنها، هذه إن شاء الله تعالى أنها مجزئة.

ولكن دائمًا، وهذه فلنأخذها قاعدة، أن أفضل الأضحية أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها؛ كلما زادت نفاستها وجودتها وحسنها وسمنها كلما كان التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بها أفضل. ونتقرب دائمًا إلى الله سبحانه وتعالى، إخواني وأحبتي الكرام، لنتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بأفضل أموالنا، ولا نتيمم الخبيث؛ يعني لا نختار أرذل الأموال، ولا تختار فقط القدر المجزئ. هذا إن شاء الله تعالى من حرص عليه لا شك أنه على خير عظيم، ولكن الخير الأعظم والأكمل والأتم إن شاء الله تعالى أن الإنسان يسمن أضحيته ويختار لها أنفس ما يجد.

بعض أهل العلم طرح مسألة، يقول مثلًا: من كان عنده مال، هل الأفضل به أن يشتري ذبيحة أو أضحية سمينة وجيدة ونفيسة؟

أما إذا كان يملك مبلغاً يشتري به مثلاً شاتين وهما أقل من هذه، فهل الأفضل أن يأخذ به شاة واحدة كبيرة وجيدة يتقرب بها إلى الله، ولا يأخذ شاتين؟ أقول: لا، والأظهر الذي دلت عليه السنة أن الإنسان يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بشاة سمينة طيبة كبيرة؛ فهذا أقرب وأفضل إن شاء الله تعالى.

وقد فدى الله سبحانه وتعالى ابن خليله إبراهيم، إسماعيل عليه السلام، فداه الله سبحانه وتعالى بذبح عظيم وكبش عظيم، قيل إن هذا الكبش رعى في الجنة، فداه الله سبحانه وتعالى بهذا الكبش، ولا شك أن هذا أصل في اختيار وتسمين ونفاسة ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى.

في حديث أبي بردة بن نيار رضي الله تعالى عنه، لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن عندي عناقاً أحب إلي من شاتين، نفيسة يعني مقدرة، وربما أنها كانت سمينة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنها تجزي، وقال: «ولا تجزي أحداً بعدك»؛ لأنها كانت دون السن الشرعي، ولأنه كان قد ذبحها قبل الصلاة جاهلاً رضي الله تعالى عنه، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، وذبح واحدة بعد الصلاة تجزئ إن شاء الله تعالى كأضحية، وهذا إن شاء الله تعالى سوف نذكره في مواقيت الذبح، أو وقت ذبح الأضحية، وأنه ما ذبح قبل صلاة العيد لا يجزئ كأضحية.

سؤال آخر: هل الأفضل للإنسان أن يقرب في الأضحية الإبل أم البقر أم الغنم؟ نقول الأظهر والله تعالى أعلم إذا أخذنا بقاعدة الأثمن، يقرب الله سبحانه وتعالى سبع بدنة عنه وعن أهل البيت، هل الأفضل أنه يشترك في سبع بدنة أم الأفضل أنه يذبح ذبيحة مستقلة له؟ نقول: لا، الأفضل أنك تذبح ذبيحة مستقلة لك.

لكن احنا قلنا الإبل أفضل في حال لو كنت أنت سوف تقرب إلى الله سبحانه وتعالى بدنة كاملة لك، لكن كونك تشترك مع غيرك ويكون لك سبع بدنة، لا، استقل بذبيحتك وتقرب إلى الله سبحانه وتعالى ذبيحة مستقلة؛ ألا وهي ذبيحة الأضحية.

فكون الإنسان يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بشاة مستقلة لا شك أن هذا أتم وأكمل إن شاء الله تعالى، وأفضل ممن يقرب سبع بدنة، وكون الإنسان يقرب شاة سمينة أفضل ممن يقرب اثنتين أقل منها أو ثلاثاً أقل منها، والله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا الطيب.

كون الإنسان يتقرب إلى الله، والإنسان حقيقةً عليه أن يستشعر أن هذا المال ليس ضائعاً، وإنما هو قربة إلى الله سبحانه وتعالى، فكونه يشتري هذه الأضحية ويقربها إلى الله، ينبغي أن يستشعر هذه العبودية لله سبحانه وتعالى، إذا استشعر في قلبه هذا الأمر تهون عنده الأموال إن شاء الله تعالى.

فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل.

ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل! العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حجة لك أو عليك»، أي تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك. وإنما يراد العلم لأجل العمل، قال أبو الدرداء: لا تكون بالعلم عالماً حتى تكون به عاملاً.

وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه». والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية، والخشية تنير العقل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، أي أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوت، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونرغب الحديث عن مسألة بعد بيان الصفات المجزئة في الأضحية، نرغب الحديث عن مسألة تعيين الأضحية. إذا الإنسان اشترى مثلاً من بداية ذي الحجة أو ربما من قبل ذي الحجة اشترى شاة وأراد أن يضحي بها لله سبحانه وتعالى، هل نقول إن هذه الشاة قد تعينت أضحية؟

ما معنى قولنا تعينت أضحية؟ معناها أنها خلاص عينها وحددها، أن هذه الشاة سوف تكون أضحيتي، وقال: هذه أضحية لله سبحانه وتعالى. إذا تعينت هذه الأضحية لا يجوز لإنسان أن يأتي بأقل منها، أو أن يذبحها لغير الله، يذبحها مثلاً لضيف أو لشيء، لا، خلاص هذه عينها لله سبحانه وتعالى، فتبقى إلى أن يحين يوم العيد فيذبحها لله سبحانه وتعالى.

إذاً التعيين معناها أن يحدد، مثلاً الإنسان قد يكون عنده غنم كثيرة، نفترض أن عنده 20 رأساً أو 30 رأساً من الغنم، فإلى الآن ما حدد أو نوى في نيته أنه سوف يجعل إحداها أضحية، نقول: هذا ليس تعييناً، يجوز أنه يأخذ هذه، ويجوز أنه يأخذ أقل منها، أو أعلى منها، أو غيرها.

لكن كونه لازم أنها تكون بالصفات المجزئة، هذا منتهين منه ولا إشكال في هذا، لكن أقصد تحديدها. طيب إذا حدد وقال: هذه سوف أجعلها أضحية لله، نطق بهذا الأمر، قال: هذه أضحية لله سبحانه وتعالى، نقول: خلاص، إذاً هذه تعينت وتحددت، هذه الآن أنت حددتها وعينتها للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى يوم العيد.

طيب لو جاء ضيف مثلاً قبل يوم العيد، قال: نبغى نذبح له ذبيحة أو نكرمه بذبيحة، نقول: اذبح عندك أي شيء، لكن هذه لا، خلاص هذه أنت حددتها لله، لا ترجع فيما حددته لله سبحانه وتعالى. أنت عينت هذه لله سبحانه وتعالى، لا ترجع فيها؛ اذبح غيرها. قال: ما عندي غيرها، نقول: اشترِ غيرها من السوق، لكن ما دمت أنك قد عينت هذه لله سبحانه وتعالى فلا ترجع عن تعيينك. كيف تخرج شيئاً لله سبحانه وتعالى ثم بعد ذلك تقول: أريد أن أرجع فيه؟

إلا في حالة واحدة: إذا كنت سوف تأخذها وتخرجها وتأتي بأضحية أطيب منها، نقول: لا بأس إن شاء الله تعالى، كون أنك تأتي بأضحية أطيب منها لا بأس. أما أنك تأتي بمثلها ولا بما هو دونها، لا، خلاص هذه خرجت لله سبحانه وتعالى فلا ترجع فيها، فلا ترجع فيها ولا تتحسر عليها ولا تندم.

تقول: ليتني ما عينتها لله، ليتني استفدت منها شاة لحم، أبغى أذبحها للثلاجة، أبغى أذبحها للضيف، نقول: لا، لا تندم على شيء خرج لله، لا تندم، ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾، لا تقعد تتحسر في نفسك فتبطل صدقتك، لا، اجعلها لله سبحانه وتعالى طيبةً بها نفسك، فإذا أردت أنك تستخدمها فائت بخير منها، تخرج لله سبحانه وتعالى ما هو خير منها.

طيب لو أن إنساناً عين هذه الأضحية وقال: هذه أضحية لله سبحانه وتعالى، نفترض أن جاء أولاد يلعبون عندها ففقئوا عينها، أو أن أخرى مثلاً نطحتها ففقئت عينها، طيب هو عينها هذه أضحية لله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك صارت معيبة بعورها، يوم 8 ذي الحجة مثلاً جت واحدة أخرى نطحتها أو جاء أولاد يلعبون عندها ففقئوا عينها، فالشاهد أن هذا صارت عوراء بين عورها، هل تجزئه يوم العيد ولا نقول ائتِ بواحدة أخرى بدلها؟

نقول هنا تفصيل: ما دمت قد عينتها وهي سليمة، عينتها لله سبحانه وتعالى وهي سليمة، قلت: يا رب هذه أضحية، وهي سليمة ما كان فيها عيب، ثم بعد ذلك حدث فيها عيب؛ فالصحيح والظاهر والله أنها تجزئ إن شاء الله تعالى ولا إشكال، ولو أردت أنك تستبدلها بما لا عيب فيه فهذا خير وأتم وأكمل؛ دائماً إذا أردت أن تستبدل بما هو أعلى ما فيه إشكال، إذا أردت أن تستبدل بما هو أعلى ما في إشكال.

قد يقول قائل: ولكنه يوم العيد كانت عوراء بين عورها؟ نقول: نعم، ولكن هو عينها أنها أضحية من قبل وهي سليمة، لكن حصل لها هذا العور بعد تعيينه وبعد أن أخرجها لله سبحانه وتعالى، بعد أن أخرجها وعينها وجعل أن هذه أضحية حصل فيها العيب؛ فهذه إن شاء الله تعالى هذا العيب معفو عنه؛ لأنه قد حصل بعد تعيين الأضحية.

إلا أن نقول هل يكون هذا في الهدي الواجب؟ مثلاً لو إنسان عين هذا هدي تمتع واجب، نقول: لا، لا يجزئ، لأن هدي التمتع والقران والأضحية المنذورة والهدي المنذور هذه أشياء واجبة، فلا بد أن تكون سليمة يوم تعينها ولا بد أن تكون سليمة في يوم ذبحها. لكن الأضحية التي هي سنة مؤكدة، الهدي الذي هو سنة مؤكدة في حق المفرد، نقول: هذه لا بد أن تكون سليمة في يوم تعيينها، ولو حصل بها عيب قبل ذبحها فإن هذا العيب إن شاء الله تعالى معفو عنه؛ لأنها سليمة يوم تعينها وهي في حقه سنة وليست واجبة عليه مثل الأضحية المنذورة.

الهدي المنذور وهدي التمتع والقران هذا هدي واجب، لا بد أن يكون سليماً وقت تعيينه ووقت ذبحه. إذاً عرفنا الفرق بين الذبائح التي تجب والذبائح المستحبة، الذبائح الواجبة نقول لا بد أن تكون سليمة يوم تعيينها ويوم ذبحها، لو حصل فيها عيب ما تجزئ، لازم تجيب واحدة ثانية بدالها تذبح سليمة.

أما الهدي المستحب، مثل ما أهدى النبي صلى الله عليه وسلم 100 بدنة، هذا هدي مستحب، الواجب عليه صلوات الله وسلامه عليه سبع بدنة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى 100 بدنة في حجته صلى الله عليه وسلم، هذا تقرب إلى الله سبحانه وتعالى، هذا تعظيم لله سبحانه وتعالى، تعظيم لشرائع الله، تعظيم لكعبة الله.

هذا بعض الناس للأسف يقتصر أيها الإخوة والأخوات، يقتصر فقط على قدر الواجب، لا، تقرب إلى الله سبحانه وتعالى، تقرب إلى الله، فالهدي المستحب والأضحية المستحبة نقول إن الواجب أن تكون سليمة في وقت تعيينها هدياً أو أضحية، فلو حصل بها عيب بعد ذلك فإن شاء الله تعالى أن هذا العيب غير مؤثر. ونبهنا تنبيهاً أن ما عينته أضحية أو هدياً لله سبحانه وتعالى لا ينبغي لمالكه أن يستبدله، بل خلاص هذا خرج من نفسه لله سبحانه وتعالى، إلا إن كان سيبدل بخير منه، هذا لا بأس إن شاء الله تعالى، أما إن كان سيبدل بمثله ولا أقل نقول لا تتحسر على شيء خرج لله سبحانه وتعالى، وثق أن الله سبحانه وتعالى سوف يخلف عليك خيراً، ثق بما وعد الله سبحانه وتعالى به عباده المؤمنين المتصدقين العابدين الذين ينحرون هديهم لله سبحانه وتعالى وأضحيتهم لله سبحانه، ثق أن الله سبحانه وتعالى سوف يخلف عليك خيراً.

طيب، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى ألا وهي: ما هي شروط ذبح الأضحية؟ نقول هناك عدد من الشروط المتعلقة بذبح الأضحية: وهي أن يكون الذي يذبحها مسلماً، وإن كان قلنا في غيرها هل يجوز للإنسان في شاة اللحم لحم بيته أن يذبح ذبيحته كتابي يذكر اسم الله؟ نقول لا بأس، كتابي يذكر اسم الله، هذه شرطان. أما إذا كان كتابياً ولا يذكر اسم الله لا ما نقبل منه، إذا كان يذكر اسم الله وليس مسلماً ولا كتابياً ما نقبل منه، إذاً هذا الشخص الذي يذبح يذبح شاة لحم، فهذا لا مانع أن يكون كتابياً. أما الشاة التي تذبح تقرباً إلى الله وتعبداً لله سبحانه وتعالى فينبغي أن يذبحها المسلم لا الكتابي.

ثانياً: أن يذكر اسم الله سبحانه وتعالى عليها، ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ * وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 118-121]، فيذكر اسم الله، بس يقول: بسم الله، على ملة رسول الله، اللهم هذا منك ولك، هذا يجعلها لله سبحانه وتعالى، طبعاً يخالف هذا لا شك أن ما ذبح على غير اسم الله، فهذا نوع من الشرك، أن يقول مثلاً شخص عندما يذبحها يقول باسم المسيح أو اسم الصنم الفلاني أو باسم الوثن الفلاني، هذا نوع من الشرك والعياذ بالله.

هذه من أهم شروط التذكية، وسوف نواصل إن شاء الله تعالى معكم في لقائنا القادم ونبين أهم شروط التذكية الشرعية، ونبين وقت التذكية الشرعية، وقت تذكية الأضحية.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل من المسلمين ضحاياهم وهداياهم، وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيث ما كنا، وأن يتقبل منا أعمالنا الصالحة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.