السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلْه حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله طلاب العلم في الحلقة السابعة من مادة العقيدة الفصل الثاني. نستكمل أيها الأحبة في الله في هذه الحلقة ما بدأناه في الكلام عن موضوع العبادة. اليوم نريد أن نتحدث في هذه الحلقة عن ثلاثة أمور: عن من هذا الإله؟ من هو الله الذي نعبده نحن المسلمون؟ يسألكم الكثيرون ممن ليسوا من أهل الإسلام: أنتم تضعون جباهكم على الأرض ساجدين لله، من هذا الله؟ هذا الله ما هو؟ هل له ولد؟ هل له والد؟ هل له مثيل؟ مثل ماذا؟ قربوا لنا هذا الإله الذي تعبدونه، ما حقيقته؟ ما طبيعته؟ يسألُون عن هذا الإله الذي يعبده المسلمون، من هو؟
ناخذ في هذه الحلقة من هو الله الذي نعبده نحن المسلمون؟ الأمر الثاني: لم نعبده؟ ما هي الأسباب لِعبادته؟ الأمر الثالث: كيف نعبده؟ هذه الأمور الثلاثة سنأخذها بمشيئة الله في هذه الحلقة. نبدأ بمن هو الله الذي نعبده. اريد من كل طالب استمع الآن أن يحاول أن يكتب في ورقة عن هذا الإله الذي يعبده المسلمون، من هو؟ كل يحاول يكتب عناصر قبل أن يسمع الجواب، كل سيعبر بتعبير من نفسه، لكن أفضل تعريف نعرف به من خلاله بالله جل جلاله الذي نحن نعبده، أن نعرف بالله من كلام الله.
فالله سبحانه وتعالى قد عرفنا بنفسه، قال لنبيه عندما سئل عن من هو الله قال له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. الإله الذي نعبده هو الأحد سبحانه وتعالى، الواحد المنفرد بخلق هذا العالم، هو خالق هذا العالم لا شريك له في الخلق، وهو مالك هذا العالم لا شريك له في الملك، وهو مدبر هذا العالم لا شريك له في التدبير. فنحن نعبد الله الذي هو الأحد، الواحد المنفرد بالخلق والملك والتدبير.
هذا الله من هو؟ هو الصمد، الله الصمد. ما معنى الصمد يا إخوان؟ الصمد له تفسيران. التفسير الأول: الصمد الذي ليس هو مثل المخلوقين، يعني الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يجوع ولا ينام، ليس هو من جنس المخلوقات، هذا معنى لمعنى الصمد يعني الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يجوع ولا كذا ولا ينام، هذا تعريف.
التعريف الثاني: الصمد يعني المستحق للعبادة، المعبود، فهو السيد جل جلاله الكامل في سؤدده، الكامل في صفاته، الذي يقوم بأمر خلقه فيعود إليه، تعود إليه الخلائق في حوائجها فيقضيها لها. الصمد المعنى الثاني: معنى الذي تعود إليه الخلائق في حوائجها، في عبادتها، في طلبها، في قصدها، في دعائها، فهو جل جلاله الذي يقوم بأمر هؤلاء الخلائق والخلائق تعود إليه عابدة له.
لو قلنا معنى الصمد الذي ليس هو من جنس المخلوقات، هذا المعنى جاء في آخر السورة: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]. إذاً المقصود بمعنى الصمد هنا أي المستحق للعبادة. ولاحظوا هذا يأتي متكاملاً مع السورة، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ربوبيته، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ يعني المعبود بعد الربوبية تأتي الألوهية، الله الصمد أي المستحق وحده للعبادة، ولأن تعود إليه الخلائق في حوائجها لأن هو السيد وهو الحي وهو القيوم جل جلاله، فبالتالي هو المستحق للعبادة.
فنحن المسلمون نعبد من؟ نعبد الله المنفرد بالخلق والملك والتدبير، الصمد المستحق للعبادة وحده لا شريك له. هذا الإله الذي نعبده لم يلد، ليس له أولاد، لا شك أنه في الإنسان عدم الولد نقص، أما في حق الله جل جلاله فعدم الولد كمال، فالله لم يلد لكمال غناه عن الولد، فهو الآخر الذي ليس بعده شيء فلا يحتاج إلى من يخلفه، وهو جل جلاله لا يحتاج إلى من يعينه، وهو جل جلاله لا يصيبه عجز فيحتاج إلى من يقوم به في عجزه، تعالى الله عز وجل عن صفات النقص.
وبالتالي فالله جل جلاله غني عن الولد، فهو لم يلد لكمال غناه ولأنه هو الآخر الذي ليس بعده شيء ولانه لا يفنى جل جلاله سبحانه وتعالى لا يلحقه فناء. ولم يولد، هذا الإله الذي نعبده ليس له والد لكمال غناه عن الوالد، لانه جل جلاله هو الأول الذي ليس قبله شيء جل جلاله فهو مستغنٍ.
ولذلك هو هذا السؤال من خلقه؟ ما يمكن، لانه لم يسبق بعدم جل جلاله حتى نقول من أوجده، من خلقه؟ لم يسبق بعدم، هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر، ولذلك لم يولد، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، ولذلك لم يلد، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3]. هذا الإله مثل الشمس؟ مثل القمر؟ مثل الأرض؟ مثل الشجر؟ مثل الحجر؟ مثل البشر؟ لا، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، ليس له مثيل ولا ند ولا مكافئ ولا مسامٍ ولا نظير جل جلاله، لأنه هو الخالق وما سواه مخلوق، فلا يمكن أن يكون الخالق جل جلاله مثل شيء من مخلوقاته، ولا يمكن أن يكون شيء من مخلوقاته مثله سبحانه وتعالى. هذا الإله الذي نحن نعبده المسلمون. ناخذ فاصل ثم نواصل معكم بمشيئة الله.
فرض عين على كل مسلم أن يتعلم العبادات الواجبة عليه، وما لها من شروط وأرکان، وكيف يؤديها بشكل صحيح. فالصلاة هي أعظم العبادات، فيجب أن يتعلم شروطها كالطهارة واستقبال القبلة، وأركانها كالقيام وقراءة الفاتحة، وواجباتها كالتسبيح في الركوع والسجود، ويتعلم أحكام سجود السهو إذ لا يخلو أحد منه، وإذا كان من أهل الأعذار تعلم ما يرخص له في تركه وما لا يرخص له فيه.
ومن العبادات إيتاء الزكاة، فيتعلم شروط وجوبها كحول الحول وملك النصاب، ويعرف الأموال التي تجب فيها الزكاة كالنقد وبهيمة الأنعام، ويتعلم النصاب الذي تجب فيه الزكاة والمقدار الذي يجب إخراجه كالعُشر في النقدين وعروض التجارة، ويعرف من يستحق الزكاة ومن لا يستحقها.
ومنها صوم رمضان، فيتعلم أركان الصيام وشروط صحته، وما يبطل الصيام كالأكل والاستمناء، وما لا يؤثر عليه كالسواك والطيب. ومنها حج البيت، فيتعلم أركاناً كالطواف والسعي، وواجباته كالمواقيت الزمانية والمكانية، ومحظورات الإحرام. فاجعل عباداتك خالصة لوجه الله، صواباً على السنة. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].
حياكم الله أيها الأحبة في الله. نستطيع الآن من خلال سورة الإخلاص أن نعرف بمعبودك بالله جل جلاله سبحانه وتعالى. السؤال الثاني الذي نريد أن نطرحه في هذه الحلقة: لم نعبد الله جل جلاله؟ كل واحد منكم يحاول أن يضع أسباباً لم نعبده سبحانه وتعالى. أيضا عندنا سورة تجيب عن سبب عبادتنا لله ونعبده وحده ونستعين به وحده، السبب لأنه رب العالمين، الرحمن الرحيم، ولانه مالك يوم الدين. ما هي السورة التي تبين لنا لم نعبد الله؟ سورة الفاتحة.
الحمد لله، هذا الإله المنفرد بالخلق والملك والتدبير الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، يجب علينا أن نحمده، يجب علينا أن نقول: الحمد لله، نشكره، نثني عليه جل جلاله. لماذا؟ لأنه رب العالمين، لأنه هو الذي خلقنا من العدم وأدر علينا أنواع النعم، لأنه سبحانه وتعالى بيده جلب المنافع ودفع المضار، لأنه سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، لأنه هو الرب ونحن العبيد، هو سيدنا ونحن عبيده، هو ربنا ونحن خلقه. هذا الرب أمرنا بعبادته لنشكره على هذا فنحن نقول: الحمد لله.
فنحن نعبد الله جل جلاله لأنه رب العالمين ونحن عبيده، هو سيدنا ونحن عبيده، وهو جل جلاله الرحمن الرحيم. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 2-3]. سبحانه وتعالى هو رحيم بنا حتى في الشريعه التي وضعها لنا لنعبده بها، هذه الشريعة فيها رحمة، فيها رحمة. كل العبادات، سواء العبادات القلبية أو العبادات المتعلقة بالجوارح أو العبادات المتعلقة بالمجتمع أو بالأمة الإسلامية، العبادات التي نقوم بها في جميع مناحي الحياة، هذه العبادات وفق رحمة الله سبحانه وتعالى، هذه العبادات فيها سعادة لقلوبنا.
نعبده، نعبد الله، لما نعبده؟ لما فيه من سعادة لنا. هذه الشريعة من الرحمن الرحيم وضعها لكي تسعدنا، تسعدنا في قلوبنا عندما نعبد الله بالحب والخوف والرجاء والتوكل والرضا والصبر واليقين، عندما نعبد الله نجد لذة ونجد سعادة ونجد راحة في قلوبنا، سعادة في قلوبنا. هذا الدين إذا تمسكنا به سعدنا في قلوبنا، وليس الدين سعادة للقلب فحسب، بل سعادة للبدن متى التزمنا بشرع الله، كان هذا البدن قوياً، وهذا البدن سعيداً، وهذا البدن يُعطى من هذا الدين ما يشبع غرائزه من مأكل ومشرب ومنكح ونحو ذلك.
هذه الأمور الأكل والشرب والنكاح ونحو ذلك مما يلبي طلبات البدن ويسعد هذا البدن، جاءت الشريعة بذلك. فنحن عبادتنا لله سعادة لقلوبنا وسعادة لأبداننا. إذاً في عبادتنا لله صلاح في نفوسنا قلباً وبدناً، وفي عبادتنا لله صلاح لمجتمعنا كما فيه صلاح لنا أفراداً، وفي عبادتنا لله صلاح لدنيانا وصلاح لآخرانا. هذا الدين عندما نعبد الله جل جلاله به، دنيانا تصلح، هذا الدين جاء يحقق مصالح الناس، عندما نتمسك بعبادة الله جل جلاله تصلح دنيانا كما هي تصلح آخرانا، ونسعد قلوباً وأبداناً، ونصلح أفراداً ومجتمعات.
فنحن نعبد الله لأنه رب العالمين ولأن هذه الشريعة التي جاءنا بها ونتعبد لله سبحانه وتعالى بها هي وفق رحمته سبحانه وتعالى، الرحمن الرحيم. والله جل جلاله لم يخلقنا عبثاً في هذه الدنيا ويتركنا هملاً، لا، لأنه مالك يوم الدين، فسيكون هناك يوم للحساب والجزاء، يبعث الناس فيه ويُجازَون على أعمالهم. فنحن نعبد الله في هذه الدنيا لأن هذه الدنيا دار عمل ودار ابتلاء ودار اختبار، وهناك يوم آخر سنبعث فيه من قبورنا ونجزى فيه على أعمالنا، فمن عمل عبد الله في الدنيا فانه يوم القيامة يكون في جنة عرضها السماوات والأرض، ومن رفض أن يكون عبداً لله في هذه الدنيا العبادة الشرعية فهناك جزاء في نار تلظى عياذاً بالله.
إذاً عرفنا أيها الأحبة لم نعبد الله؟ لأنه رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2-4]. لذلك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.
السؤال الثالث: كيف نعبده؟ نعبده. أكملوا السورة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]. نعبده جل جلاله بما شرع، لا نعبده بالآراء والأهواء، إنما نتبع الصراط المستقيم، نتبع هذا الإسلام الذي جاءنا به النبي صلى الله عليه وسلم، وسار عليه من بعده الصحابة، وسار عليه أهل الذين أنعم الله عز وجل عليهم، وسار عليه من قبل رسولنا الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. نحن نتبع الأنبياء، نتبع ما جاءنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم، نعبد الله جل جلاله بما شرع أين؟ في جميع مناحي حياتنا، نعبد الله بما شرع في جميع مناحي الحياة، هذه هي العبودية التي نعبد الله سبحانه وتعالى بها.
نعبده سبحانه وتعالى حباً فيه، وكيف لا نحبه وهو خلقنا من العدم وأدر علينا أنواع النعم؟ نعبده سبحانه وتعالى حباً فيه، لكن هل نعبده بالحب وحده؟ لا، لو عبدناه بالحب وحده بدون خوف ولا رجاء هذه ليست حب العبودية، هذه ليست محبة العبادة. حتى نكون عبيد لله نعبده حباً فيه، وخوفاً من وعيده وغضبه وناره وسخطه. حباً فيه وخوفاً من وعيده وغضبه، ما نريد أن يغضب الله سبحانه وتعالى علينا ولا يسخط علينا فنعبده حباً وخوفاً. ونعبده رجاء في رحمته، رجاء في أننا لما وعدنا به على عبادته من خير الدنيا والآخرة، من سعادة الروح والبدن، من صلاح الفرد والمجتمع، نعبده سبحانه وتعالى رجاء في رحمته.
نحن في سيرنا إلى الله جل جلاله كالطائر الذي له رأس وجناحان، الطائر لو قصصت رأسه لا يمكن أن يطير، لو قصصت أحد جناحيه لا يمكن أن يطير، كيف يصح طيران الطائر؟ إذا كان له رأس وجناحان، وهكذا المؤمن في سيره إلى الله يصح سيره إذا كان معه الحب والخوف والرجاء. أما عبادة الله بالحب وحده زندقة، وعبادة الله بالخوف وحده حرورية خوارج فكر الخوارج، وعبادة الله بالرجاء وحده يقول لك الشخص أنت أهم شيء أنك ترجو ما عند الله فلا تصلي ولا تصوم، لا هذه عقيدة أشبه بعقائد اليهود عياذاً بالله. ناخذ فاصل ثم نعود ونواصل معكم بمشيئة الله.
أنيق المنظر، طيب المخبر، مجالسته أنفع مجالسة ومؤانسته أمتع مؤانسة. إنه الكتاب، من خلاله نجالس العلماء والصالحين. قيل لابن المبارك: ألا تجلس معنا؟ قال: ما أجلس إلا مع الصحابة والتابعين، يعني قراءة سيرهم. وقد كان العلماء مشغولين بالكتب شراء وقراءة، قال ابن الجوزي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتاباً لم أره فكاني وقعت على كنز، ولو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر.
وطالب العلم لا تخلو مكتبته من الكتب الأساسية في شتى العلوم، ففي التفسير مثلاً: تفسير السعدي وتفسير ابن كثير، وفي العقيدة: كتاب التوحيد والطحاوي والواسطي مع بعض الشروح، وفي الحديث: الكتب السته مع أهم شروحها، هكذا بقية العلوم. وقبل الشراء استشر أهل الخبرة ليدلوك على أهم الكتب وأفضل الطبعات، لا سيما ما حققه العلماء الثقات كالألباني وبكر.
أبي زيد، احرص على التنويع في شراء الكتب، ولا تقتصر على فن واحد أو فنّين، واعتنِ بكتب النوازل الفقهية والعقدية، ولا تبخل بآثار الكتاب وحافظ عليه إن استعرت، ولا تستكثر ما تنفقه في شراء الكتب، وصدق من قال: تلك النفائس لو تباع بوزنها ذهباً لكان البائع.
حياكم الله أيها الأحبة في الله، وقفنا عند كيف نعبد الله؟ نعبد الله حبا فيه، وخوفا من عذابه، ورجاء في رحمته، فنعبد الله بهذه الثلاثة الأمور: بالحب والخوف والرجاء، هكذا يكون الإنسان مؤمنا موحدا. نعبده ونحن على هذه نقوم على أصول العبادة، نعبده بما شرع في جميع مناحي الحياة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]. رسولنا صلى الله عليه وسلم مثل هذه الآية وشرحها، فخط خطاً ثم وضع يده عليه وقال: «هذا سبيل الله»، ثم خط خطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم تلى صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾.
الذين يذهبون جهة اليمين، هؤلاء عندهم غلو، عندهم عمل واجتهاد في العمل لكن بلا علم، عندهم عمل صالح لكنه على غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لم يسلكوا سبيل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتبعوا ما جاءنا به الرسول صلى الله عليه وسلم، فاجتهدوا في العمل لكنهم غلوا في ذلك. نحن لا نريد أن نعبد الله بالآراء والأهواء ونجتهد، وقد نبذل جهداً كبيراً وضخماً لكنه على غير سنة، هذا العمل ليس بمقبول. الإخلاص وحده لا يكفي في أن تكون العبادة مقبولة، يجب أن تكون هذه العبادة وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا يكفي أن تجتهد تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل الخيرات، لكن كل ما تقوم به على غير هدي نبينا صلى الله عليه وسلم بدع؛ إما بدع حقيقية أو بدع إضافية. البدع الإضافية كلها جانب من الشرع وجانب آخر مغير فيه من عند نفس الإنسان، يغير في صفة العبادة، يغير في عددها، يغير في جنسها، يغير في وقتها، يغير في مكانها، هذا التغيير وهذا التلاعب بالعبادة يجعلها بدعة، وإذا كانت بدعة لفت ثم ألصقت في وجه صاحبها.
لابد أن نعبد الله جل جلاله على وجه الإخلاص وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء الذين اتجهوا يميناً وغالوا وطوائف كثيرة، ويراهم الإنسان يقول: مستحيل أن يكونوا هؤلاء ضالين، مستحيل مستحيل، هذا الذي يتعب نفسه يكون على ضلال، لكن هذا هو الواقع. لماذا هو على ضلال رغم ما يراه الإنسان فيه من جهد ومن بكاء ومن تضرع ومن مجاهده، بل قد يقتل نفسه ويرمي بنفسه في وسط الأعداء يهلك نفسه، لكونه على غير السنة وعلى غير المنهج الشرعي فعمله باطل وعمله في ضلال، ويحسب أنه يحسن صنعا وهو ليس من أهل سبيل الله، لماذا؟ لأنه لم ينهج منهج النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسر على ما سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، بل أتى بعبادات من تلقاء نفسه فضل وانحرف، سواء نقصد بالعبادة هنا عبادة قلبية أمور عقدية أو أمور عبادية تتعلق بالجوارح. هذه الأمور كلها إذا الإنسان انحرف فيها وغلا فيها، لا ينفعه إخلاصه إذا كان على غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
الجانب الآخر اليسار ونعوذ بالله من هؤلاء أيضاً، أهل الجفاء لهذا الدين، تركوا سبيل الله واتجهوا جهة أخرى، يعلمون الحق، عنده العلم لكنه يعمل بخلافه، عنده علم ومعرفة لكن بلا عمل، ويعمل بخلاف الحق ويعمل على منهج المنحرفين عن دين الله، ويخالف في ذلك، هذا أيضاً طريق المغضوب عليهم. نحن لا نريد طريق الضالين، لا نعبد الله بطريق الضالين ولا نعبد الله بطريق المغضوب عليهم. المغضوب عليهم أناس عندما تجالس الشخص منهم يتحدث لك عن الدين وعن معرفة الدين وعن حقائق الدين وعن الأخلاق، لكن هو ليس على منهج الإسلام، يعني في أخلاقه، في توجهه، في قلبه، في فكره، هو على وجهة أخرى، إما يسير في طريق اليهود أو طريق النصارى، هو يريد أن يكون ديننا مثل دين العِلْمانيين، يريد أن يكون دينك تلبسه عندما تدخل البيت في حجرتك البس دينك، إذا كنت تريد أن تدخل المسجد البس دينك، لكن إذا خرجت من المسجد أو خرجت من بيتك يجب عليك أن تعلق هذا الدين في المسجد أو تعلقه في البيت وتخرج بلا دين. هذا ما ينفعنا هذا.
فهؤلاء سواء كانوا الطريق الذين سلكوا طريق المغضوب عليهم، سواء كانوا مرجئة أو كانوا روافض أو كانوا من أهل التغريب وأهل العَلمانية، هذا الطريق لا نريدهم. إذا أراد الإنسان أن يكون عابداً لله على وجه الحقيقية، أن يعبد الله سبحانه وتعالى بالإخلاص خالصاً لوجهه سبحانه وتعالى؛ لأن الله عز وجل لا يقبل العمل الذي يكون فيه شرك، من عمل كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشِرْكَهُ»، فالله أغنى الشركاء عن الشرك. فيجب أن تكون العبادة خالصة لوجه الله وفق سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّحِ أَحَداً﴾ [الكهف: 110]. العمل الصالح هو الذي يكون وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا يشرك بعبادة ربه أحدا، فيكون هذا العمل خالصاً. من كان محباً لله ويريد أن يكون عبداً لله، فليتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبادته لله، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
لا نعبد الله جل جلاله بالآراء، بالأهواء، بالأذى، بالمواجِد، بالمنامات، بالهواتف، لا نعبد الله سبحانه وتعالى بالعادات، نعبد الله سبحانه وتعالى بما شرع، ونعبده مخلصين له في عبادته، نعبده جل جلاله بالحب والخوف والرجاء، ونحرص كل الحرص على أن نحقق هذه العبودية. وكيفية تحقيق هذه العبودية أن يكون توحيدنا توحيداً تاما بهذه العبودية، والتوحيد التام العبودية الحقة لله جل جلاله تتحقق إذا صفى الإنسان عبوديته من أنواع الظلم الثلاثة؛ إذا صفى الإنسان عبوديته لله من الشرك وهو الظلم العظيم، وصفى الإنسان عبوديته لله من ظلم العباد، وصفى الإنسان عبوديته لله من ظلم النفس بالإصرار على ارتكاب الكبائر أو الإصرار على الصغائر، فسلم من أنواع الظلم الثلاثة. هذا هو المحقق للعبودية، صاحب التوحيد التام المحقق للعبودية هو الذي يموت يوم يموت يموت مائتاً على التوحيد وعلى التوبة، المحقق للعبودية هو الذي يحقق توحيده فيخلص من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، هذا هو الإنسان المحقق للعبودية.
عرفنا أيها الأحبة في الله في هذه الحلقة من هو الله الذي نعبده؟ ولم نعبده؟ وكيف نعبده؟ ونستكمل بمشيئة الله في الحلقة القادمة بعض المسائل المتعلقة بهذه العبودية لله، واستودعكم الله، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيماني وتريد سهلاً النوال ميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلَّة الظمآن. هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
د. أبو زيد مكي القبي