تسجيل الدخول

المحاضرة 8 - العبودية تحقيقها ونواقضها

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

أيها الأحبه في الله، هذه هي الحلقة الثامنة من دروس ماده العقيده في الفصل الثاني في أكاديميه زاد. في الحلقه الماضيه، الحلقه السابعه، درسنا من نعبد ولم نعبده وكيف نعبده. في هذه الحلقه نستكمل الحديث حول كيف نحقق العبوديه لله، وكيف نجتنب ما ينقضها، وكيف نجتنب ما ينقصها.

أما كيف نحقق العبوديه لله، ففي آخر الحلقه الماضيه أشرنا إشارة: نحقق العبوديه لله بالاتيان لتوحيده إتيانا تاما. وقلنا صاحب التوحيد التام هو الذي يسلم من أنواع الظلم الثلاثه، من الشرك بالله وظلم العباد وظلم النفس؛ هو الذي يموت على التوحيد والتوبه؛ هو الذي يحقق توحيده فيخلص من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، هذا الذي يحقق العبوديه.

هذا الذي يحقق العبوديه لله، يأتي بتوحيده توحيدا تاما، في الآخرة له ضمان عند الله أن النار لا تمس بشرته، النار محرمة على بشرة الذي حقق العبوديه لله فمات على التوحيد التام. من قال لا إه إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، يهتدي مباشرة إلى الجنة، ويعرف منزله فيها كما يعرف الواحد منا في هذه الدنيا منزله إذا انصرف من صلاة الجمعه. فهو في أمن في الآخرة وفي اهتداء تام. وفي الدنيا هو في أمن من الاضطرابات الفكرية والوساوس النفسية والحيرة والضياع، وهو مهتد لفعل الطاعات واجتناب المعاصي والمنكرات، حتى يشعر صاحب التوحيد التام في هذه الدنيا كأنه مسير غير مخير، سبحان الله، مما يجده من سداد، من توفيق، من إعانة من الله سبحانه وتعالى، حتى يشك في بعض الأحيان أنه مسير غير مخير.

كما قال الله عز وجل في حديث الولي: «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». وهكذا يصبح الإنسان موفقا، في أمن وفي اهتداء في هذه الدنيا.

كذلك أيها الأحبه في الله، من هو صاحب التوحيد التام؟ لابد أن نعرف صفاته. كيف نعرف صفات كل إنسان يتمنى أن يكون من أصحاب التوحيد التام، ممن يحقق العبودية الخالصة لله وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ ننظر إلى أصحاب التوحيد التام؛ إبراهيم عليه السلام من أصحاب التوحيد التام، وصفه الله عز وجل بخمس صفات، من أراد أن يكون من أهل التوحيد التام ينظر في هذه الصفات ويحققها في نفسه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ منَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120]، شاكرا لأنعمه.

أمة، قدوة؛ أمة وحده، قدوة في الخير. أصحاب التوحيد التام لا يكونون مقدمين في الشر ولا يكونون قدوات في الشر، إنما تجدهم قدوات في الخير. أصحاب التوحيد التام أين تجدهم؟ تجدهم في طريق الخير، وهم قدوة وأئمة. ويهتدون؛ لله أي مداوم على طاعة الله، صاحب التوحيد التام محافظ على الصلوات، ما يصلي فرض ويترك فرض، دائما في طاعة الله، بعيدا عن معصية الله، هذا صاحب التوحيد التام من أهل فعل الخيرات وترك المعاصي والمنكرات.

صاحب التوحيد التام حنيفا، قلبه توجه وتعلق بالله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له بالحب والخوف والرجاء والتوكل؛ قلبه مقبل على الله، معلق بالله، وليس معلق بالمخلوقين. تعلق بالله في جلب المنافع ودفع المضار، قلبه إلهه الله، تعلق بالله حبا وخوفا ورجاء، هذا صاحب التوحيد التام، وخلا قلبه من التعلق بالمخلوقين في جلب المنافع ودفع المضار، خلا قلبه من الشرك وامتلا قلبه بالإيمان والتوحيد، هذا صاحب التوحيد التام، قلبه نظيف طاهر من الشرك ومليء بالتوحيد والإيمان.

ولم يكن من المشركين، صاحب التوحيد التام ينفر من المشركين، يخاف منهم، لا يعني بمعنى يخاف من المشركين الخوف الذي يجعله يكون في هلع منهم، إنما المقصود لأن هؤلاء المشركون فهو لا يحب مجالستهم، يقذر، يتقذر الجلوس معهم. أيها الأحبه في الله، صاحب التوحيد التام الذي أحب الله جل جلاله، لا يقبل أن يكون أصدقاؤه وجلساؤه وأخلاؤه الذين يسبون الله، الذين يقولون عن الله أنه ثالث الثلاثه، أن لله ولد، الذين يقولون يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، الذين يقولون هذه العقائد، يقولون بهذه الأمور، لا يمكن لصاحب التوحيد التام أن يئنس بهم ويجلس معهم، بل إنه يبتعد عنهم حتى أن يكون هو في جانب وهم في جانب آخر. هذا صاحب التوحيد التام لا يعيش بين المشركين ويئنس بهم إلا أن يكون مضطرا إلى ذلك اضطراراً، أما أن يكون هذا الأمر بااختيار منه يجلس في بلاد الشرك بلاد الكفر ويرضى بأحوالهم ويعيش معهم ويئنس بهم ولهم منهم أصدقاء، ليس هذا شأن صاحب التوحيد التام، ولم يكن من المشركين هجرهم واعتزلهم، قال: ﴿وَاعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: 48]، فهؤلاء هم أصحاب التوحيد التام ولم يكن من المشركين.

الصفحة الخامسة: شاكرا لأنعمه؛ أصحاب التوحيد التام هم الذين يشكرون الله سبحانه وتعالى على نعمهم، يشكرونه بالقلب، ويشكرونه باللسان، ويشكرونه بالجوارح. يشكرونه بالقلب، يعترفون بقلوبهم بنعم الله عز وجل عليهم، ويحمدون الله ويثنون على الله بألسنتهم، ويعترفون لله بنعمه عليهم، ولا يستخدمون هذه النعم في معصية الله، وإنما يستخدمونها في طاعة الله.

هذه خمس صفات لاصحاب التوحيد التام: الصفه الأولى أنهم قدوات في الخير، أنهم مداومون على طاعة الله، أن قلوبهم خالية من الشرك ومعلقة بالله سبحانه وتعالى من أهل التوحيد، وأنهم ينفرون من المشركين ولا يجلسون معهم ولا يئنسون بهم ولا يتخذون منهم أصدقاء وأخلاء، وأنهم دائما دائمي الشكر لله سبحانه وتعالى. الصفه السادسة وصف الله عز وجل بها المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: 59]، فتركوا الشرك بجميع أنواعه صغيره وكبيره.

حياكم الله أيها الأحبه في الله، وقفنا عند كيف نحقق العبودية لله؟ قلنا بالتوحيد التام، وعرفنا أبرز الصفات الذين حققوا التوحيد وأتوا بالتوحيد. فذكرنا صفات إبراهيم عليه السلام، وصفات المؤمنين الموحدين والذين هم بربهم لا يشركون. فذكرنا ست صفات، أيضا من صفات أصحاب التوحيد التام نضيف صفة سابعة: صفة السلف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ورد من صفاتهم أنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فالصفة السابعة أنهم عندهم تمام التوكل على الله، ومن تمام توكلهم على الله يتركون الأسباب المكروهة اعتمادا على الله جل جلاله. وسيأتي إن شاء الله في حلقات أخرى نتحدث عن التطير والاسترقاء والاكتواء، هذه كلها أسباب مكروهة وبعضها يصل إلى التحريم والشرك، وهكذا، لكن هذا ليس مكان تفصيل.

الآن ننتقل أيها الأحبه في الله، كيف نجتنب نواقض العبودية؟ نواقض العبودية التي تعبدنا الله سبحانه وتعالى بها، نجتنب هذه النواقض بالبعد عن الشرك، سواء الشرك في الربوبية أو الشرك في الأسماء والصفات أو الشرك في الألوهية، حتى نكون عبيدا لله، لا نعتقد أن مع الله رب سواه، لا نعتقد أن هناك خالق مع الله أو مالك مع الله أو رازق مع الله أو مدبر مع الله. من اعتقد أن هناك شريك مع الله في الخلق أو الملك أو التدبير فقد نقض عبوديته لله، لأن العبودية قائمة على التوحيد: توحيد الله في ربوبيته.

أيضا العبودية قائمة على توحيد الله في أسمائه وصفاته، فمن اعتقد أن لله مثيل في أسمائه وصفاته، أو أن اسماء الله وصفاته تماثل أسماء وصفات المخلوقين، هذا نقض توحيد الأسماء والصفات، وبالتالي قد نقض عبوديته لله، فلا نعتقد أن الله شريك في أسمائه ولا في صفاته، كما لا نعتقد أن لله شريك في ربوبيته.

الثالث: ألا نقع في شرك الألوهية فنصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، فمن صرف نوعا من أنواع العبادة لغير الله فقد نقض عبوديته لله. وليس الأمر سهلا يسيرا، ليس كذلك، الأمر خطير جدا؛ هذا الإنسان الذي يصرف شيء من العبادة لغير الله سبحانه وتعالى مع الله، فانه قد نقض عبوديته لله.

خذنا في الحلقات الماضية ضابط العبادة؛ ضابط العبادة: كل قول أو فعل ورد ظاهر أو باطن ورد في الكتاب والسنة الأمر به أو الحث على فعله أو مدح فاعله، هذه العبادة صرفها لله جل جلاله وحده لا شريك له هو التوحيد وهو العبودية الخالصة لله لأنها الآن وفق السنة. بقي إخلاصها لله، صار الإنسان عبدا؛ العبادة ثابتة في الكتاب والسنة، إذا خلاص هذه على السنة توجهنا بها لله وحده لا شريك له، صارت هذه العبودية الحقة. توجهنا بشيء منها لغير الله سبحانه وتعالى، هذا خروج عن العبودية لله، شرك في الألوهية، وخروج عن التعبد لله سبحانه وتعالى، خروج عن العبودية لله.

مثال: ناخذ أشياء قلبية، ناخذ أشياء جوارح، لكنها لا شك أن لها تعلق بالقلب؛ مثلا شرك المحبة: أن تحب مخلوقا مثل محبة الله سبحانه وتعالى، أن تجعل لله شريك في محبة التاله. هذه المحبة الخاصة بالله جل جلاله محبة التاله، ومحبة التاله هي شدة تعلق القلب بالله والموجب على الإنسان أن يقصد الله بنوع من أنواع العبادة. فمن تعلق قلبه بغير الله كتعلق الذي لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى، هذا الإنسان وقع في شرك المحبة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165]، مثل محبة الله، مثل المحبة التي لا تصرف إلا لله صرفوها لآندادهم، فهؤلاء صاروا مشركين بذلك وخرجوا عن العبودية لله سبحانه وتعالى. العبودية الشرعية، ما زالوا تحت العبودية الكونية، لكنهم خرجوا عن العبودية الشرعية التي يحبها الله ويرضاها.

شرك الخوف: من خاف من غير الله أن يصيبه بمكروه بمشيئته وقدرته وإن لم يشأ الله، فهذا صرف هذه العبادة التي لا تكون إلا لله صرفها لهؤلاء المخلوقين، فخرج بسبب شرك بسبب شركه في الخوف خرج عن العبودية الحقة لله. فهذا الذي يخاف من الغائبين، يخاف من الموتى بأن يؤذوه بمشيئتها وقدرتهم، فلا يمكن أن يحلف بولي معظم له وقد مات من سنين، لا يمكن أن يحلف به كاذبا، هذا هو الخوف الشركي، هذا هو الخوف الشركي.

كذلك شرك التوكل: أن يتوكل على غير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله، كمغفرة الذنوب وجلب الأرزاق ونحو ذلك، هذا الشرك يخرج بالانسان عن العبودية لله جل جلاله.

أيضا شرك الرجاء: أن يرجو غير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله، هذا خرج عن العبودية لله سبحانه وتعالى.

من الأمور التي تتعلق بالأمر الجوارح والقلب كذا شرك الطاعة: أن تطيع غير الله في معصية الله معتقدا حل ذلك، فتطيع الإنسان في الحلال والحرام معتقد أن لهؤلاء، سواء كانوا علماء أو أمراء أو عباد، أن لهم الأحقية في التحليل والتحريم فتطيعهم في ذلك معتقدا حل ذلك، فهذا وقع الإنسان في شرك الطاعة.

كذلك يا اخوان شرك الذبح: أن تذبح لغير الله بنية التعبد للمذبوح له فتري له الدم، هذا خروج عن العبودية لله.

شرك النذر: أن يأتي الإنسان إلى قبر فيضع على رأس القبر سجادة ونحو ذلك فيقول يا سيدي فلان لك علي كذا وكذا من الشموع والذبائح والاموال إن رد الله غائبي إن شفى الله مريضي، هذا النذر أيضا هذا شرك النذر لا يصرف هذا النذر إلا لله سبحانه وتعالى.

وهكذا يبتعد الإنسان عن هذه الأمور التي تنقض عبوديته لله. كذلك أيها الأحبه في الله هناك أمور تنقص العبودية لله تبطل بعض العبادات ولا تبطل العبادات كلها، مثل شرك الرياء، مثل الرياء، مثل إرادة الدنيا بالأعمال الصالحة، إرادة الدنيا بالأعمال الصالحة. الرياء مثلا أن يعمل الإنسان العمل الخالص -أسف- أن يعمل الإنسان العمل الثابت في الكتاب والسنة من صلاة وصوم وصدقة وقراءة قرآن ونحو ذلك.

هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا تصح العبادة إلا به، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه بأن لا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾.

وبالأخلاق ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». وبالأخلاق يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامه المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصره الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف.

فاخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة أو الجاه والشهره أو المراء والجدل، فان ذلك يفسد العمل، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

حياكم الله أيها الأحبة، وقفنا قبل الفاصل عند الرياء، شرك الرياء، الرياء يا إخوان أن يقصد الإنسان بعمله الصالح وجه الله ويقصد أن يراه الناس، هو مشتق من الرؤية، وكذلك السمعه، فإذا أراد الإنسان بعمله الصالح بعبادته أراد بها وجه الله وأراد أن يراه الناس ليكون له قدر عندهم ومكان عندهم، يثنوا عليه، يقدرونه، هذا وقع في شرك الرياء. هذا العمل أيها الأحبة في الله إن كان هذا العمل هذه النية جاءت مع العمل من اصله من بدايته، فهذا العمل حابط وهو آثم ويعاقب يوم القيامة بأشد العقوبة، فهذا الرياء جريمة كبيرة.

أما اذا كان نية الرياء طارئة، يعني اصل العمل بداه لوجه الله ثم طرات عليه نية الرياء فجاهد وصرفها عن نفسه، هذا مأجور. ثم استمرت معه الى نهاية العمل، فينظر إلى العمل: إذا كان اوله مرتبط باخره كالصلاه مثلا فهذا العمل يحبط، اما اذا كان العمل اوله غير مرتبط باخره مثل قراءه القران فانتهى من خمس صفحات أو صدقات تصدق وكان مخلصا ثم في الاخير بدأ يرائي في صدقاته في قراءته، هذا الجزء الاخير هو الذي يحبط.

المقصود هذا الامر خطير، وبالمناسبة أحب أن أذكر نفسي وأذكر إخواني من طلاب العلم أن طلب العلم عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، فيجب علينا جميعا أن نخلص نياتنا وأن نطهر قلوبنا من الرياء والسمعة، وأننا نريد بهذا العلم أن يكون لنا مكانة عند الناس ويرانا الناس يسمع بنا الناس، إذا فعلنا ذلك فما يكون لنا من الناس من تقدير ومن سمعة طيبة ونحو ذلك هذا جزاؤنا، أما في الاخره فلا جزاء على ذلك، بل العقوبة الشديدة ونار تلظى على هذا العمل.

وأحب أن أنبه يا إخوان أن الإنسان لو أخلص لوجه الله في عبادته في طلبه للعلم هل سيخسر مثلا السمعة الطيبة؟ هل سيخسر المكانة بين الناس؟ لن يخسر، ولكن لا يكون هذا هو مقصوده، فلننتبه لهذه القضية. وكذلك أيها الأحبة في الله مما ينقص العبودية لله أن تريد ببعض أعمالك الدنيا من الناس، يعني تريد أموال، تريد منصب، فحفظك للقرآن عبادة لله، لكن تريد بحفظك للقرآن، تريد بصلاتك، تريد بطلبك العلم تريد شهادة حتى تاخذ بها وظيفة، ثم تريد من الناس أموال أو نحو ذلك، هذا العمل يعتبر عمل حابط.

طيب، كيف الإنسان يحتاج وظيفة يحتاج شهادة كيف الحل؟ الحل يا إخوان أن تطلب من الله جل جلاله بهذه الأمور بعبادتك له من صلاة ومن طلب علم ومن حفظ قرآن ومن دعاء ونحو ذلك، أن تطلب من الله جل جلاله خيري الدنيا والاخره، لكن لا تطلب بهذا الامر من المخلوقين، يعني يكون قصدك من هذا العمل الله والمال من المخلوقين لا، هنا صار شرك الإرادة ما يصلح هذا الأمر.

لكن خلص نيتك لوجه الله وتكون من نيتك في طلب العلم أنك تريد تاخذ الشهادة الجامعية لنشر العلم، لأنك تعلم أن الوسيلة الان حتى تنشر علمك مثلا لابد أن يكون هناك شهادة لك، مثل ما كان في الماضي حتى يسمح للإنسان أن يبدا يدرس، أن يجيزه شيخه يقول له أنت الان وصلت إلى مرحله تستطيع أن تدرس هذا الكتاب، تاكد الشيخ أن لديه قدرة ولديه فهم لهذا الكتاب قال له ابدا درس الان.

بهذه الطريقه أنت تدرس في السنوات الجامعية تدرس لوجه الله وتريد بهذا العلم رفع الجهل عن نفسك وتريد به أن ترفع الجهل عن أمتك وتريد أن تكون معلما لأن هذا التعليم عبادة لله، تنوي بذلك هذا الأمر وتأخذ الشهادة حتى تعينك على ذلك، هذا الإنسان لن يخسر الشهادة بنيته ذلك ستأته الشهادة، بل سيتل بطلبه علم سيتل بحفظه للقران لأنه يريد وجه الله ويتعبد الله بذلك، وتكون هذه النية معينة له على طلب العلم وتاتي الشهادة وتاتي الدنيا راغمة تحت قدميه، بخلاف لو أراد الدنيا قد تاتيه الدنيا وقد لا تاتيه.

ولا أدري قد ذكرت هذه القصة عندكم أو لا، قصة شخص أعرفه تماما، عنده قراءة وصوت بالقران شيء عجيب ورائع، كنت أعجب جدا في أحد المساجد أن الناس لا يريدونه البته أن يصلي بهم، وكنت أعجب من هذا الصوت الجميل وهذا الأداء وهذا الاتقان للتجويد والناس لا يرغبون في امامته تماما، حتى قال بعضهم لو هذا الرجل صلى بنا تقدم لسحبه.

فأحيانا -طبعا أنا لا أدري عن نيته- لكن أنا أقصد أحيانا الإنسان الذي يريد بهذا الأمر الدنيا قد لا يعطاها، قد لا يجد ذلك، فلكن إن نويت وجه الله سبحانه وتعالى، من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والاخره ارجو وجه الله يعطيك الله عز وجل ثواب الدنيا وثواب الاخره.

فيا طلاب العلم ويا حفاظ القرآن، يجب علينا أن يكون مقصدنا من ذلك من طلبنا للعلم، حفظنا للقران، من تعليمنا للناس، من أخذنا للشهادات ونحو ذلك أن يكون المقصد هو وجه الله سبحانه وتعالى، لأننا عبيد لله نقصد بذلك وجه الله ولن نخسر شيئا من دنيانا، أما إن قصدنا بها الدنيا، قصدنا بها الناس فهذا للاسف خسر الدنيا والاخره، كما قال الله عز وجل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15-16].

من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها بأعمال القرب فولا همه آخرة، وهم شيء عنده الدنيا ويريد هذه الدنيا من الناس ويريد أن يسلم ماله يسلم كذا، فان كانت كل اعماله حتى الإسلام ما فعل ذلك إلا لسلامه ماله، هذا حتى إسلامه لا يقبل. أما إذا كان أجزاء من عمله فهذه الأجزاء من العمل تكون حابطة، ويكون أخذ جزاءه في الدنيا إن أخذه وقد يخسر الدنيا ويخسر الاخره.

إذا أيها الأحبة في الله، كيف نحقق هذه العبودية لله؟ أن تكون بالإخلاص وأن تكون وفق السنة وأن نتصف بصفات المحققين للتوحيد حق التحقيق. الأمر الثاني أن نجتنب هذه النواقض نواقض التوحيد ونبتعد أشد البعد عن كل سبب ممكن أن يوقعنا في أحد نواقض العبودية لله سبحانه وتعالى، نبتعد عن وسائل الشرك نبتعد عن ذلك كل البعد، ما يتعلق بالقبور، ما يتعلق بالأسباب، وهكذا.

ونبتعد كذلك يا إخوان عن كل ما ينقص توحيدنا سواء الرياء أو سواء إرادة الدنيا أو حتى الألفاظ، يا إخوان حتى الألفاظ حتى ألفاظنا نجتنب فيها كل ما يمكن أن يشابه الشرك، فما يقول الإنسان لولا الله وفلان، ما يقول الإنسان يعني ياتي بالله ومعه غيره بحرف يقتضي التسوية العطف لولا الله وفلان، أو يحلف الإنسان بغير الله، وإن كان لم يقصد تعظيم هذا المحلوف به كتعظيم الله، لكن مثلا نقول والنبي والنعمة وحياة والدي وكذا، لا ما يصلح هذه الأمور.

يبتعد الإنسان عن كل ما ينقص توحيده ليحقق العبودية الخالصة لله سبحانه وتعالى. أسال الله باسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلني وإياكم من أهل العبودية الخالصة لله وفق سنة رسول الله، وأن يجعلني وإياكم من أصحاب التوحيد التام الذين يفوزون بالأمن والاهتداء التام في الدنيا وفي الآخرة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرا.