تسجيل الدخول

المحاضرة 24 - الآثار الإيمانية لدراسة الأسماء والصفات

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين. حياكم الله في المحاضرة الأخيرة، وهي المحاضرة الرابعة والعشرون من مادة العقيدة في الفصل الدراسي الثاني، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يحسن ختامنا في جميع أمورنا.

أيها الأحبة في الله، في هذه الحلقة نكمل أمثلة تطبيقية من صفات الله سبحانه وتعالى، نطبق فيها القواعد التي تعلمناها في صفات الله سبحانه وتعالى. اليوم سناخذ بعض الصفات: صفة العلو، صفة الاستواء على العرش، صفة النزول، صفة القرب، صفة المعية. سناخذ هذه الصفات من صفات لا نفهمها، وأيضاً ننظر إلى الآثار التربوية التي يمكن أن نتلقاها منها.

طبعاً ستكون كإشارة: العلو من صفات الله الذاتية، وهي عقلية سمعية في الوقت ذاته. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]. فالله عز وجل هو الأعلى. وقال صلى الله عليه وسلم: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء». فالله عز وجل موصوف بصفة العلو أزلاً وأبداً، فهو سبحانه وتعالى في العلو بائن من خلقه، ليس فيه شيء سبحانه وتعالى من مخلوقاته، ولا هو جل جلاله في شيء من مخلوقاته. ليس الله حالاً في شيء من مخلوقاته، وليس هناك شيء من مخلوقات الله حال في الله سبحانه وتعالى. فالله في العلو بائن من خلقه، نؤمن بذلك أيها الأحبة في الله. ولذلك من أسماء الله عز وجل الأعلى المتعالي سبحانه وتعالى.

كذلك هناك صفة فعلية من صفات الله: أن الله سبحانه وتعالى من صفاته الاستواء على العرش. وهذه الصفة يعني تثير كثير من الناس، يغضب عندما يسمع هذه الصفة، عندما تقول: إن الله عز وجل من صفاته مستوٍ على عرشه، يصيبه شيء من الضيق والتبرم والضجر، يضجر من هذا، ويرى أن القائل هذا حشوي، وأن القائل هذا لا يفقه شيئاً، وأن هذا القائل ممثل، وأن هذا القائل مجسم، وأن هذا القائل مشبه، يرمي هذا القائل بجميع الصفات السيئة، وينسى أن الله سبحانه وتعالى هو الذي قال عن نفسه: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، هو الذي قال عن نفسه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54]. من الذي قال عن نفسه استوى على العرش؟ استوى على العرش هو الله سبحانه وتعالى. لما هذا الغضب عندما يأتي المؤمن ويصف الله سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه». فصفة الاستواء على العرش صفة ثابته في الكتاب والسنة. لما هذا الغضب الذي يصيب بعض الناس؟ الناس عندما يسمع المثبت يثبت صفة الاستواء على العرش. الغضب يا إخوان أنهم لما تقدست قلوبهم ببذرة التمثيل وقعوا في التعطيل، لأنهم ما يفهمون من هذه الصفة من صفات الله إلا ما يفهمونه من صفات المخلوق.

لما كان المخلوق إذا استوى على كرسي كان محتاجاً للكرسي، لو واحد سحب الكرسي لسقط، هم ظنوا أن عندما نقول إن الله استوى على عرشه أنه يكون مثل استواء المخلوق على كرسيه، أعوذ بالله! لما تقدست قلوبهم ببذرة التمثيل وقعوا في التعطيل، لما فهموا من صفات الخالق جل جلاله ما يليق بالمخلوق وقعوا في التعطيل. وإلا لو أنهم استحضَروا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، ما أصابهم شيء من هذا الضجر ولا من هذا الضيق. فالله عز وجل استوى على العرش، كما أن ذات الله سبحانه وتعالى لا تماثل سائر الذوات، فكذلك استواء الله على عرشه لا يماثل استواء المخلوق على كرسيه أو على عرشه، لا يمكن أن يكون هناك تماثل، لا يمكن أن يكون هناك تمثيل، فهو استواء يليق بجلال الله. الله عز وجل وصف نفسه بالاستواء على العرش، فنحن نثبته على ما يليق بالله سبحانه وتعالى، ولا عندنا أي إشكال في ذلك. والله عز وجل في العلو نثبت لله صفة العلو، ونثبت لله عز وجل علواً آخر، وهو علو على عرشه، استواء على عرشه يليق بجلاله، نثبت هاتين الصفتين لله سبحانه وتعالى على ما يليق به.

فإذا جاءنا شخص يريد أن يوقعنا في فخ التمثيل، نقول له: كيف ذات الله؟ إذا قال: كيف استواء الله على العرش؟ نقول له: كيف ذاته؟ إذا أراد أن يعطل الاستواء على العرش فيؤول ذلك ويقول معاني أخرى، نقول: يلزمك في المعاني التي تريد أن تهرب إليها، يلزمك فيها ما فررت منه من التمثيل والتشبيه، فابتعد عن ذلك والتزم بما ورد في الكتاب والسنة من وصف لله، وقل هذا الوصف على ما يليق بالله. لو لم يقل الله عز وجل إنه استوى على عرشه ما قلنا ذلك، فلما وصف الله عز وجل نفسه بالاستواء على العرش أثبتنا له ذلك على ما يليق به سبحانه وتعالى، وقلوبنا تشعر بالراحة، وليس عندنا شيء من التمثيل، وليس عندنا شيء من القلق، ولا عندنا شيء من الخوف. استواء يليق بجلال الله، ويزداد تعظيم الله في قلوبنا أن الله عز وجل في علوه، وأن عرشه سبحانه وتعالى المحيط بمخلوقاته، أن الله عز وجل على عرشه علو يليق بجلاله، نثبت ذلك ولا عندنا أي تمثيل في هذه القضية البتة.

أيضاً نثبت لله عز وجل صفة فعلية، وهي صفة النزول في ثلث الليل الأخير. نثبت لله صفة النزول إلى سماء الدنيا، فينزِل في الثلث الاخير من الليل، ينزل في عشية عرفة، ينزل الله سبحانه وتعالى. بعض الناس أيضاً صار عنده مشكلة عندما يسمع أن الله سبحانه وتعالى نزل، يتخيل نزول المخلوق، المخلوق لما ينزل من مكان إلى مكان وهذا المكان أدنى، إذاً المكان الذي كان نزل منه سيكون فوقه، يا الله! طيب إذا نزل الآن في الثلث الاخير من الليل هنا في السعودية وقت مختلف، هذا نزول المخلوق! هذا نزول المخلوق! لماذا يقع في ذهن الإنسان هذا التمثيل عندما يقول: ينزل ربنا إلى سماء الدنيا؟ نسب النزول إلى ذاته، إلى ذاته المقدسة، فلما كانت ذاته غيباً وليست كَسائر الذوات، فكذلك نزوله جل جلاله غيب. إنما نحن نستفيد من هذه المعاني ولا نقع في التمثيل. لا نقول: نزول، طيب إذا نزل من سيكون العرش فوقه؟ أعوذ بالله! هذا كلام ما يليق بالانسان أن يفكر فيه أصلاً، لكن نقول: نزول يليق بجلال الله. ما الفائدة التربوية؟ أنه عندما ينزل في الثلث الأخير من الليل وتعلم أن الله سبحانه وتعالى ينزل وهو في علوه سبحانه وتعالى وهو الظاهر ليس فوقه شيء، نؤمن بذلك وانه ينزل في الثلث الأخير من الليل. ماذا يقول؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ إذاً هذا دافع لنا على قيام الليل، على الاستغفار، على التوبة، على اللجوء الى الله، هذا هو المقصود. لماذا نحن نقع في مثل هذه الخرافات، هذا التمثيل، هذه القضايا التي لا تليق بالمؤمن أن يتقدس قلبه بها؟ ناخذ فاصل ثم نعود نكمل بمشيئة الله.

هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: 1-2]. وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه». الحديث. وإذا أراد الله بالعبد خيراً أعانه بالوقت، وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه. وفي سيرة السلف أروع الأمثلة على استغلال الوقت؛ فقد كان داود الطائي يصف الفتيت، ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. وقال ابن القيم: أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند راسه، فاذا وجد إفاقة قرأ فيه، فاذا غلب وضعه. ومن آداب الطالب: ألا سوف في تحصيل فائدة، لأن للتاخير آفات، ولانه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت: البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات. فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

حياكم الله أيها الأحبة في الله، اخذنا صفة العلو، واخذنا صفة الاستواء على العرش، واخذنا صفة النزول. كذلك من صفات الله: صفة القرب، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 186]. القرب أيها الأحبة من صفات الله، صفة القرب قرب له معنيان: قرب إجابة وإثابة، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. فيستشعر أنه قريب منه، وأنه إذا قال: يا رب، فانه يسمعه، لا يحتاج ان يرفع صوته، لأن الله سبحانه وتعالى قريب منه يسمعه، يسمع دعاءه، وقريب منه في إجابتهم، هذا قرب نثبته. وهناك قرب آخر نثفته لله من نوع النزول، أن الله سبحانه وتعالى يقترب من بعض عباده، مثل نزول الله سبحانه وتعالى إلى سماء الدنيا، يقرب الله عز وجل من بعض عباده في اثناء سجودهم، في اثناء دعائهم، قرب من نوع النزول نثبته. ويكون الدافع، يعني الهدف، الاثر التربوي، انك تسمع، انك تشعر ان الله سبحانه وتعالى قريب منك عندما تناجيه، عندما تدعوه، عندما تستغفره، عندما تتوب اليه، تشعر ان ربك قريب منك يسمعك. هناك قريب منك قرب إجابة وإثابة، وهناك قرب يعني محبة ورحمة. الله سبحانه وتعالى قريب منك وهو في علوه، وهو في علوه سبحانه وتعالى هو قريب من عباده، ولا اشكال عندنا في ذلك، لا اشكال. قد يكون الاشكال في المخلوق، أما الخالق سبحانه وتعالى فلا اشكال، الكون بأكمله في يد الرحمن كخردلة في يد أحدنا، لا اشكال عندنا في هذا.

كذلك هناك من صفات الله التي نثبتها وهي قريبة من هذه: صفة المعية. ومعية الله سبحانه وتعالى لمخلوقاته تنقسم الى قسمين: معية عامة، وهي معية الإحاطة؛ فالله سبحانه وتعالى مع مخلوقاته محيط بهم، محيط بهم علماً، محيط بهم قدرة، محيط بهم ملكاً، محيط بهم تدبيراً. فالله عز وجل مع مخلوقاته معية إحاطة بالعلم والقدرة والملك والتدبير، فهو معهم. ومعية خاصة مع أنبيائه ورسله وأوليائه، معية التأييد والنصرة. هذه المعية عندما يستشعر الإنسان أن الله سبحانه وتعالى معه، هل بالله عليكم مهما كان ضعفه، مهما كان يعني يشعر به من مرض، لكن يعلم أن الله سبحانه وتعالى معه، ما حال هذا الإنسان مع الله جل جلاله؟ قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: 4]. ومعية الله جل جلاله لمخلوقاته، معية الله سبحانه وتعالى لعباده لا تقتضي المخالطة، ومعية الله سبحانه وتعالى لمخلوقاته لا تقتضي المحاذاة، لا تقتضي ذلك. إنما الله عز وجل مع مخلوقاته وهو في علوه سبحانه وتعالى بائن من خلقه، ليس فيه سبحانه وتعالى شيء من مخلوقاته، وليس هو جل جلاله حالّاً في شيء من مخلوقاته، فهو في علوه ومستوٍ على عرشه، وينزل الى سماء الدنيا، وهو سبحانه وتعالى قريب من عباده، وهو سبحانه وتعالى مع عباده. نثبت هذا، ولا تناقض عندنا في هذا الأمر، ولا اضطراب في ذلك، وهذا الأمر واضح بالنسبة لنا.

كذلك أيها الأحبة في الله من صفة من صفات الله: صفة الكلام. قال الله عز وجل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، تأكيد على اثبات صفة الكلام. وقال الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: 143]. فالله عز وجل موصوف بصفة الكلام. وصفة الكلام باعتبار الجنس صفة ذاتية، وباعتبار الآحاد صفة فعلية. الله عز وجل يتكلم بما شاء، كيف شاء، بالوقت الذي يشاء سبحانه وتعالى. ينبني على هذا اثبات صفة الكلام لله، الكلام عن القرآن.

القران يا إخوان، ساعطيكم ثلاث خيارات، اريد كل واحد منكم يختار الخيار الصحيح: القرآن هو كلام الله، وهذا عند جميع المسلمين، لا يوجد مسلم في هذه الحياة يقول القرآن ليس كلام الله، كل المسلمين يقولون القرآن هو كلام الله.

الخيار الأول: هو كلام الله، إضافة إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، اكتبوا هذا، واحد. القرآن كلام الله إضافة إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم.

القران كلام الله، أي تعبير عن كلام، عبارة عن كلام الله، يعني هناك كلام في نفس الله سبحانه وتعالى، هذا القرآن تعبير عما في نفس الله، فالقران كلام الله لكنه عباره عنه، تعبير عنه، تعبير عن كلام الله.

القرآن كلام الله لكنه حكاية عما في نفس الله، في القرآن كلام الله حكاية.

فاختر أي العبارات صحيحة: القرآن كلام الله إضافة إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم؟ القرآن عبارة عن كلام الله؟ القرآن حكاية عن كلام الله؟ أي هذه العبارات هي العبارة الصحيحة؟ واحد، أو اثنين، أو ثلاثة. كل واحد يكتب وسنعطيكم التقييم الذي اختار رقم واحد، فينتفه، فهذا كلام الجهمية والمعتزلة عياذاً بالله. فالذي يقول: إن القرآن كلام الله إضافة إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، هذا كلام الجهمية والمعتزلة، فيقولون: إضافة إلى نفسه خلقه الله. يقول: القرآن مخلوق مثل أي مخلوق من مخلوقات الله، فالإضافة إضافة تشريف وتكريم كبيت الله، وناقة الله، وروح الله.

عيسى روح من الأرواح أضافه الله إلى نفسه، روح من الله إضافة تشريف وتكريم، فقال: روح منه. وكذلك القرآن مخلوق؟ أضافه الله إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم فقال: كلام الله! فهذا مذهب مردي، مذهب كفر والعياذ بالله، الذي ينكر أن يكون هذا القرآن كلام الله على الحقيقة، إنما هو مخلوق من المخلوقات أضافه إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، هذا كلام الجهمية.

إذاً، الجواب أن القرآن عبارة عن كلام الله، رقم اثنين انتبهوا هذا كلام فرقة الأشاعرة. فالأشاعرة كلام الله عندهم مشكلة من حلول الحوادث، والحوادث المقصود بها الصفات الفعلية، عندهم إشكالية مع الصفات الفعلية، لا يريدون أن يثبتوا أي صفة فعلية تقوم بذات الله، لأنهم يرون أن إثبات أي صفة فعلية تقوم بالله عز وجل حوادث، صفات الله الفعلية سواء سموه حوادث هي صفات الله الفعلية تقوم بذات الله، وليس معنى أن تقوم بذات الله صفات فعلية أنهم مخلوقات، لا، صفات الله الفعلية ليست مخلوقة بل جنسها قديم، والله سبحانه وتعالى يتكلم بما شاء كيف شاء الوقت الذي يشاء، الله سبحانه وتعالى يخلق مخلوقاته خلقاً بعد خلق، الخلق صفة ذاتية لكن آحاد خلقه صفة فعلية.

وهكذا أيها الأحبة في الله، الذين يقولون القرآن عبارة عن كلام الله، لا يقولون إن الله تكلم بالقران كلاماً حقيقياً بصوت مسموع. انتبهوا، الذي يقول إن القرآن عبارة عن كلام الله لا يؤمن أن القرآن كلام الله على الحقيقة، لكن يقولون هو كلام الله النفسي، وجبريل عبر عما في نفسه فقال بهذا القرآن، فالقران كلام الله لكنه تعبير من جبريل عن كلام الله، وهذا مذهب مردي أيضاً ينبغي الحذر منه.

نأخذ فاصل ثم نعود إليكم مرة أخرى بمشيئة الله.

التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، إنه كلام صحيح، ولكن ذلك لا يعني حرمان كبار السن من طلب العلم، ولا ييأس كبير السن من التعلم، فإذا علم الله منه حسن النية وفقه لجمع العلم الكثير في الزمن القليل، ولا يستحي كبير السن من الجلوس في حلق العلم مع الصغار. قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر. وزامل ابن الجوزي ابنه في تعلم القراءات العشر وهو ابن ثمانين سنة، فانظر إلى هذه الهمه العالية، وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم، وكذا كثير من العلماء كابن حزم والكسائي والعز بن عبد السلام. وإن يتعلم المسن خير من أن يستمر على التفريط، سئل مسن أيسن بمثل أن يتعلم؟ فقيل له: لأن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل. وليعلم الكبير والصغير أن أبواب العلم مفتحة للراغبين. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمَحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

حياكم الله أيها الأحبة في الله. إذاً، القرآن عبارة عن كلام الله، هذا خطأ؛ تعبير عن كلام الله معناه أن الله لم يتكلم به على الحقيقة بصوت مسموع، فلذلك هذا مذهب خاطئ. طيب، حكاية عن كلام الله ومثل عبارة عن كلام الله، فلكن هؤلاء الماتريدية يقولون القرآن حكاية عما في نفس الله، وليس هو كلام الله تكلم به بصوت مسموع، وأولئك عبارة عن كلام الأشعرية، والذين قالوا إنه أضافه الله إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم جهم.

فما المذهب الصحيح؟ المذهب الصحيح هو ما علمنا الله عز وجل إياه ورسوله صلى الله عليه وسلم، أن القرآن كلام الله، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]. فالقرآن كلام الله تكلم الله عز وجل به، لأنثبت صفة الكلام، تكلم الله عز وجل به بصوت مسموع فسمعه منه جبريل عليه السلام، سمع جبريل كلام الله، ثم هذا الكلام الذي سمعه جبريل بلغه لنبينا صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم بلغنا إياه، فالقرآن كلام الله منه بدأ واليه يعود، كلام الله على الحقيقة، تكلم الله عز وجل به على الحقيقة.

هذا معتقدنا في القرآن، لذلك أيها الأحبة في الله، موقفنا من القرآن عندما يمسك الإنسان المصحف ويعلم أن هذا القرآن هو كلام الله، فإذا أراد الإنسان أن يسمع من الله سبحانه وتعالى كلامه يقرا في هذا القرآن، يخاطبك الله. لذلك موقفنا من هذا القرآن موقف عظيم عجيب، لأن نعلم أن هذا القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى هو خطاب الله عز وجل لنا، فلذلك موقفنا من القرآن مختلف عن موقف الكثيرين، هذا التعظيم لهذا القرآن لأنه كلام الله سبحانه وتعالى.

كذلك أيها الأحبة في الله، من الصفات صفات ذاتية تسمى أيضاً خبرية؛ يعني الوجه واليدان. قال الله عز وجل: ﴿مَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 272]، وقال الله عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27]، وقال صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك». فنثبت لله سبحانه وتعالى صفة الوجه، ونثبت لله عز وجل صفة اليدين، قال الله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64]. ونثبت لله صفة العينين، قال الله عز وجل: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: 39]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم ليس بأعور». إذاً الله سبحانه وتعالى له عينان -مفهوم المخالفة من هذا الحديث- ونثبت لله سبحانه وتعالى صفة القدم: «فيضع قدمه عليها».

هذه الصفات يا إخوان بعض الناس عندما يسمع أنك يقول لله وجه، لله يدان، لله عينان، لله سبحانه وتعالى قدم، لله عز وجل ساق، يغضب أشد الغضب! يغضب أشد الغضب ويقول: هذا الإنسان مجسم! هذا الإنسان ممثل! هذا الإنسان مشبه! وقد يتهم هذا الشخص بالكفر والعياذ بالله. ومن الذي قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾؟ إنه الله سبحانه وتعالى. فنثبت هذه الصفات لله عز وجل على ما يليق بالله سبحانه وتعالى. هذا يا إخوان هو الواجب علينا في صفات الله.

أيها الأحبة في الله، هذه الأسماء والصفات هي من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، والمتكلم بهذه الصفات هو الله سبحانه وتعالى في الكتاب وفي السنة. فقلنا: الواجب علينا ونحن نستمع لكلام الله وهو يخبرنا عن نفسه، يخبرنا عن أسمائه ويخبرنا عن صفاته، الواجب علينا أن نؤمن بكل ما أخبرنا الله عز وجل به نفياً أو إثباتاً في الكتاب أو السنة من غير إلحاد في ذلك؛ لا بتحريف ولا بتكييف ولا بتمثيل ولا بتعطيل، ولا نتقدم على كلام الله ولا على كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا نشك أبداً في خبر الله، هذا هو الواجب علينا.

وقلنا أيها الأحبة في الله: لما كان الخبر من الله فوجب علينا الإيمان به وإن لم نستطع الوصول إلى معرفة حقيقته. لماذا؟ لأنه يا إخوان هذا الكلام عن ذات الله، وذات الله لم نرها، وكذلك الله عز وجل ليس له مثيل فنقيس عليه، وكذلك لم يردنا الخبر الصادق الموضح لكيفية صفات الله، فلما كان الخبر من الله وجب علينا الإيمان به كما أخبرنا الله عز وجل به على ما يليق به.

وأما الأوصاف التي لم ترد لا في الكتاب ولا في السنة، فننظر إليها: إن كانت هذه الصفات التي لم ترد لا في الكتاب ولا في السنة من الأمور الواضحة البطلان نردها مباشرة، نرد اللفظة ونرد المعنى. وإن كانت من المعاني الحقة والتي لا باطل فيها مثل بائن من خلقه، يجوز لنا أن نخخبر بها عن الله لكن لا تدخل في الأسماء والصفات. أما إذا كانت اللفظة مجمله مثل الجهة والحيز، هذه الألفاظ التي سترونها أيضاً في المذكرة، هذه الألفاظ المجملة نستفصل عن معناها، فالمعنى الحق نثبته والمعنى الباطل نرده، لكن اللفظة هذه لكونها مجملة لا نستخدمها في حق الله، لا نستخدم في حق الله الجسم لا نفياً ولا إثباتاً، ولا الجوهر ولا العرض ولا الجهة ولا الحيز ولا غير ذلك من الألفاظ المجملة التي أتى بها المتكلم.

كذلك يا إخوان هذه الصفات لما كانت عن الله سبحانه وتعالى فنثبتها من غير تمثيل؛ لا نعتقد في كلام الله ولا في كلام رسوله صلى الله عليه وسلم أنه يفهم منه التمثيل فنحتاج بعد ذلك إلى التعطيل، لا يجوز، لا يجوز ذلك أن نظن بكلام الله وكلام رسوله أن ظاهره يدل على الكفر لأن أن الله عز وجل مثل مخلوقاته هذه العقيدة كفرية، فلا يمكن أن يكون كلام الله وكلام رسوله يدل على الكفر أبداً بل هو على ظاهره اللائق بالله سبحانه وتعالى فنثبت هذه الصفات على ظاهرها اللائق بالله، بمعنى لها من جهة المعاني لها معنى، ولذلك أمرنا بتدبر القرآن كامل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82] فلها معاني، وهذه المعاني نتاثر بها ونتقرب من خلالها، لكن أن نصل بهذا المعنى إلى معرفة الكيفية لا، الكيفية نفوض أمرها إلى الله؛ كيف استواءه على العرش، كيف وجهه، كيف يداه، كيف عينه، كيف ساقه، كيف قدمه، ما هي صفة هذا السؤال لا يجوز البتة. هذه الصفات الثابته لله كيفيتها، كيف حبه، كيف غضبه، كيف رضاه، نثبته على ما يليق بالله جل جلاله.

لكن المعاني نتربى بها، ونعلم ما معنى المحبة، ما معنى الرحمة، ما معنى الإحسان، وهكذا أيها الأحبة في الله. ونعلم كذلك أننا عندما نثبت هذه الصفات ننزه الله عز وجل عن مماثله المخلوقات، وننزه الله سبحانه وتعالى عن كل عيب ونقص، ونعلم علم اليقين أن كثيراً من صفات الله كما أنها ثابتة عندنا في السمع يمكن إثباتها بالعقل، ونعلم علم اليقين أننا ما كنا بحاجة ماسة إلى أدلته العقلية فإنه قد جاءنا الشرع بالمعتقد بدليله العقلي أيضاً، بدليله العقلي أيضاً.

أيها الأحبة في الله، هذا ما أحببنا أن نتذكره معكم في هذا المستوى. أخذنا في القسم الأول ما يتعلق بتوحيد الألوهية، أخذنا تعريف توحيد الألوهية، أخذنا مقدمة في تعريف التوحيد لغة واصطلاحاً وأقسام التوحيد، ثم أخذنا توحيد الألوهية وأهميته، وأخذنا بعض النواقض لتوحيد الألوهية، أخذنا مجموعة من الحلقات في توحيد الألوهية، ثم أخذنا مجموعة من الحلقات في توحيد الأسماء والصفات، فهذا المستوى كان متضمناً للأمرين؛ توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وإن شاء الله إن عشنا وكان في العمر بقية ناخذ تفصيلات لتوهيد الألوهية في مستوى قادم بمشيئة الله.

في هذا الختام، ختام هذه الحلقة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل منا العلماء العاملين، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يجمع لنا بين العلم والمال، ويجمع لنا بين التقوى والعافية في البدن، ويجمع لنا بين صلاح الدنيا وصلاح الآخرة وصلاح النفس وصلاح الأسرة وصلاح المجتمع وصلاح الأمة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وجزاكم الله خيراً.