أيها الاحبه في الله، في الحلقه الماضيه اخذنا سبع قواعد، هذه السبع القواعد هي موجوده في العقيده التدمريه. ذكرناها لكم بشكل مختصر ويكون سهل، واخذنا لها كلمات يعني مفتاحيه، هذه الكلمات تستطيع ان تذكرك بتلك القواعد وتفتح لك الافاق فيها: خبر من الله، على ظاهره، بلا تمثيل، وتنزيه، ومعنى، وعقل. خبر هذه القاعده الاولى، من الله هذه القاعده الثانيه، على ظاهره هذه القاعده الثالثة، بلا تمثيل هذه القاعده الرابعة، بمعنى هذه القاعده الخامسة، وتنزيه هذه القاعده السادسة، وعقل هذه القاعده السابعة. هذه القواعد السبعة الموجودة في التدمرية، يعني إذا أراد شخص أن يتوسع وأن يعني يأخذ التفصيلات موجودة في هذه.
واليوم أيضاً يعني سنأخذ يعني بعض أمور أو بعض أصول هي مأخوذة أيضاً من العقيدة التدمرية. سنأخذ ثلاثة أمور في هذه الحلقة؛ الأمر الأول: إيضاح حقيقة التشابه بين أسماء الله وصفاته وبين أسماء المخلوق وصفاته، نحن قد مررنا عليها من قبل لكن هنا نريد التأكيد عليها ونريد أن نأخذ أصلين نفهم بهما كيفية يعني مناقشة الذين أخطأوا وضلوا في باب الأسماء والصفات، وأيضاً يتضح منها أكثر معتقد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات. سنأخذ الأصل الأول وهو: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وناخذ الأصل الثاني وهو: القول في الصفات كالقول في الذات.
نبدأ بالكلام عن إيضاح حقيقة التشبيه عند أهل السنة والجماعة. أولاً أهل السنة والجماعة لا يستخدمون كثيراً مصطلح التشبيه، لأن مصطلح التشبيه مصطلح مجمل فيه حق وباطل، ولذلك يستخدمون نفي التمثيل، ونفي التمثيل هو مصطلح شرعي؛ فالله عز وجل قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]. فالنفي عن الله عز وجل هو نفي المماثلة، أما التشابه ففيها حق وفيها باطل، التشابه هناك تشابه في الأسماء والصفات في الألفاظ، وهناك قدر مشترك بين أسماء الله عز وجل وصفاته وبين أسماء المخلوق وصفاته، هذا القدر المشترك أين هو؟ سنحاول توضيحه في هذه الحلقة بمشيئة الله.
ناخذ مثالاً يا إخوان؛ كلمة السمع. كلمة السمع لها حالتان: الحالة الأولى: حالة الإطلاق؛ السمع إطلاق عن ماذا؟ عن التقييد والإضافة والتخصيص، تاتي مطلقة مقطوعة عن أي إضافة أو عن أي تقييد أو عن أي تخصيص، وإنما تذكر السمع، هنا ما معنى السمع؟ السمع هنا معناها بالمعنى العام: إدراك المسموعات، هذه تسمى لفظة ماذا؟ لفظة كلية مطلقة مقطوعة عن التقييد والتخصيص والإضافة. كلمة السمع معناها: إدراك المسموعات، هذه الحالة الأولى لكلمه السمع.
الحالة الثانية: أن تاتي مقيدة، أن تاتي مضافة، أن تاتي مخصصة، فيقال مثلاً: سمع الله، أو يقال: سمع المخلوق، فهنا مضافة مقيدة مخصصة. هنا السمع له معنى، هناك أخذنا السمع: إدراك المسموعات، لما أضفناه وقلنا مثلاً: سمع الشاب، سمع الطاعم في السن، سمع مخلوق من المخلوقات، حيوان من الحيوانات، مثلاً سمِعت النملة، سمعت مثلاً الفيلة، كذا أخذنا مخلوقاً من مخلوقاته وهو يسمع، فأضفنا إليه السمع، السمع هنا عند الإضافة والتقييد والتخصيص يصبح: إدراك المسموعات على ما يليق بذلك المضاف إليه. إنسان طاعن في السن عمره مئة وعشرون سنة سمعه يكاد يسمع كلام الشخص، لا بد أن تصرخ بأعلى صوتك حتى يسمع كلامك، وهكذا سمع إنسان شاب في قوة وفي عافية يسمع الكلمة مرة واحدة في مجلس في غرفة يسمع ذلك، فهنا سمع الشاب على ما يليق به، وهناك سمع الطاعن في السن على ما يليق به، فعند الإضافة والتقييد والتخصيص يكون ذلك السمع على ما يليق بذلك المضاف إليه، بذلك المضاف إليه. سمع بعض الحشرات قوي، سمع بعض البهائم قوي، قد ترى وقد تسمع أكثر من سمع المخلوق، سمع الإنسان، وهكذا، هذا يسمى إضافة تقييد وتخصيص.
إذا كان هذا مخلوق وهذا مخلوق وهناك تفاوت بينهما فقلنا: سمع الطاعن في السن على ما يليق به، وسمع الإنسان الشاب على ما يليق به، وهناك وهو مخلوق مخلوق، فعندما نضيف السمع إلى الله والسمع إلى المخلوق فلا بد أن نستحضر هذا الأمر فنقول: سمع الله إذاً فهو سمع على ما يليق بالله، وسمع المخلوق على ما يليق بالمخلوق. ولما كانت ذات الله لا تماثل سائر الذوات، لا تماثل ذات الإنسان، فكان سمع الله على ما يليق بالله، وسمع المخلوق على ما يليق بالمخلوق، وليس هناك مماثلة بين سمع الله وسمع المخلوق، ليس هناك مماثلة.
لكن في شيء مهم، ما هو؟ القدر المشترك بين سمع الله وسمع المخلوق؟ أين التشابه؟ التشابه في اللفظة: سمع، سمع، لكن ليس هو مقصوراً على اللفظ فحسب، بل هناك شيء زائد على هذا اللفظ وهو القدر المشترك في المعنى الكلي. ما هو المعنى الكلي من السمع حال القطع عن الإضافة والتقييد والتخصيص؟ هو إدراك المسموعات. فنقول هنا: الله يدرك المسموعات، والمخلوق يدرك المسموعات، لكن سمع الله للمسموعات على ما يليق به، لا يخفى عليه صوت ولا تختلط عليه الأصوات جل جلاله. الكل يناجيه في كل وقت وهو يسمع كلام كل من ناجاه سبحانه وتعالى، الكل يدعوه والله يسمع دعاءهم، وكل يدعوه بلغته وبلهجته، والله يسمع كلامهم جل جلاله لا تختلط عليه الأصوات سبحانه وتعالى ولا تختلف عليه اللهجات. فإدراك المسموعات على ما يليق به، فالقدر المشترك إنما يكون في المعنى الكلي من اللفظة حال القطع عن الإضافة والتقييد والتخصيص، فإذا أضيف إلى الله وأضيف إلى المخلوق فهنا لا مماثلة بينهما.
حياكم الله أيها الأحبه في الله ونستكمل حقيقة التشابه بين أسماء الله وصفاته وبين أسماء المخلوق وصفاته. التشبيه الذي هو بمعنى التمثيل، التشابه فيما يليق ويجوز ويمتنع، فنقول: يجب لأحدهما ما يجب على الآخر، يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، يمتنع على أحدهما ما يمتنع على الآخر، لا هذا يسمى التمثيل وهذا التمثيل باطل، هذا التمثيل كفر.
أما التشابه في اللفظة نفسها: سمع وسمع، التشابه في اللفظة والتشابه في المعنى الكلي، الإنسان يعرف المعنى الكلي من هذه اللفظة ويفهم من خلال المعنى الكلي ما معاني أسماء الله عز وجل وصفاته، هذا الأمر ثابت. فالتشابه في الألفاظ وفي المعنى الكلي من اللفظة حال القطع عن الإضافة والتقييد والتخصيص هذا التشابه نثبته، ولولا وجود هذا التشابه ما عرفنا شيئاً من أسماء الله عز وجل وصفاته، فلسنا مفوضة للمعاني عندما نقول: سمع وسمع، الاشتراك في اللفظ فحسب ولا يوجد قدر مشترك في المعنى حال الإطلاق عن الإضافة والتقييد والتخصيص، هكذا نحن أصبحنا مفوضة للمعاني وهذا لا يجوز. ليست أسماء الله عز وجل وصفاته مع أسماء المخلوق وصفاته مثل كلمة المشتري؛ المشتري تطلق على الإنسان وتطلق على الكوكب، ليس بينهما اشتراك إلا في الحروف، لا، ليس هذا هو المقصود، إنما المقصود أن أسماء الله عز وجل وصفاته تشترك في المعاني الكلية التي هي من باب المتواطئة الخاصة، المشكك التي تتفاوت في المعنى؛ القدرة، القوة، البياض، السمع، البصر، هذه معانيها متفاوته، معنى كلي يتفاوت في المعنى، فعندما نطلق السمع نطلق السمع هنا يكون في اشتراك، هذا الاشتراك في المعنى الكلي من اللفظة، ثم إذا أضيف إلى الله فهو على ما يليق بالله، وإذا أضيف إلى المخلوق فهو على ما يليق بالمخلوق.
اليد؛ ما هو المعنى الكلي لليد؟ ما به القبض والبسط، اليد ما به القبض والبسط، هذا المعنى الكلي. فإذا أضيفت اليد إلى الله فهي على ما يليق بالله جل جلاله، وإذا أضيفت اليد إلى المخلوق فهي على ما تليق بالمخلوق، فعند الإضافة والتقييد والتخصيص تنتفي المماثلة، وعند القطع عن الإضافة والتقييد والتخصيص نأتي للمعنى الكلي، هذا المعنى الكلي به ندرك معاني أسماء الله عز وجل وصفاته، هذا يجب أن يكون واضحاً عند الجميع.
نأتي إلى بعض الأصول التي توضح لنا هذا أكثر؛ الأصل الأول: نقول القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. مثلاً عندنا الحياة، الله عز وجل حي، والله عز وجل قيوم، والله عز وجل قدير، والله عز وجل عليم، والله عز وجل سميع، والله عز وجل بصير، والله عز وجل متكلم، هذا القدر يشترك معنا بعض الفرق، تثبت أن الله عز وجل حي قيوم، أن الله عز وجل حي وأن الله عز وجل قدير وأن الله عز وجل سميع بصير متكلم مريد، يشتركون في هذا. هؤلاء الذين يثبتون هذه الأمور ويوافقون فيها أهل السنة والجماعة، نقول لهم: انتم اثبتم هذه على ما يليق طبعاً في بعض الجزئيات فيها خلاف مثلاً في الكلام في السمع البصر ينفون آحاد هذه الصفات لكن نحن لا نريد الآن التدقيق في هذه الجزئية، في الإجمال يثبتون هذه السبع صفات كما أثبت أهل السنة والجماعة إجمالاً.
نقول: انتم عندما تثبتون لله السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة والإرادة والحياة، أثبتموها على ما يليق بالله وإلا على ما يليق بالمخلوق؟ قالوا: نثبتها على ما يليق بالله جل جلاله. فنقول: اثبتموها وهي وارده في الكتاب والسنة، والله وصف نفسه بأنه حي قيوم سميع بصير عليم متكلم مريد، الله عز وجل وصف نفسه بهذه الصفات، وهو الذي وصف نفسه بالحياة والقيوم، وهو الذي وصف نفسه بالغضب والرضا والمجيء والنزول والاتيان والضحك، لما انتم فرقتم بين الصفات اثبتم بعضها ونفيتم البعض الآخر؟
قالوا: لأن الغضب والرضا والمجيء والنزول والاتيان هذه وصف بها المخلوق، فلما وصف بها المخلوق نحن ننزه الله عز وجل أن نصفه بهذه الصفات لأنه وصف بها المخلوق. يقال لهم: الحياة والقدرة والسمع والبصر وصف بها المخلوق، قالوا: لا نحن هنا فرقنا بين هذه وقلنا هناك حياة تليق بالمخلوق يسبقها عدم ويلحقها فناء، وهناك حياة تليق بالخالق جل جلاله لم يسبق بعدم ولا يلحقها فناء، فنحن أثبتنا الحياة على ما يليق بالله. نقول: الحمد لله وهذا حق وهذا صواب، اثبتم هذه الصفة على ما يليق به وهذا واجب عليكم وهذا هو الإيمان وهذا هو الصواب. فلماذا الله عز وجل هو الذي وصف نفسه بذلك فأثبتموها على ما يليق بالله، عندما جئتم للغضب والرضا والمجيء والنزول والاتيان والضحك وهذه الصفات الفعلية، لما هنا تنفونها؟ لما لا تجعلونها منقسمة إلى قسمين: قسم يليق بالمخلوق وقسم يليق بالخالق جل جلاله، فتقولون: نحن نثبت هذه الصفات الغضب والرضا والمجيء والنزول والاتيان والفرح ونحو ذلك مما ثبت لله من الأسماء من الصفات الفعلية تثبتونها لله على ما يليق بالله.
فنقول لكم هذه القاعدة: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فالبعض الآخر الذي انتم أثبتموه قلتم هو على ما يليق بالله، فقولوا في الصفات التي نفيتموها أثبتوها على ما يليق بالله، فإن القول فيها كالقول في تلك الصفات. إما أن تثبتوا الجميع وتكونوا من أهل السنة والجماعة، أو تنفوا الجميع فتنقضوا الصفات كلها فتكونوا معتزلة، أما أن تكونوا من أهل السنة والجماعة وأما أن تكونوا معتزلة، أما تثبت بعض الصفات وتنكر البعض الآخر لا أنتم من أهل السنة والجماعة ولا أنتم من المعتزلة، ما يصلح هذا لأن القائل واحد والموصوف واحد. القول في الصفات القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر إما أن تثبتوا الجميع.
وتكون من أهل السنة والجماعة، وهذا ما نريده لكم، أو تنفي الجميع فتكون معتزلة، وهذا ما لا نريده لكم. فإذا أبيتم أن تنفوا الجميع فإن ستاتون إلى نقاشنا مع المعتزلة، ما نناقش به المعتزلة سنناقش به، ناخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله.
القرآن كنز عامر بالفضائل والخيرات، وللوصول إلى فوائد هذا الكنز لابد من استعمال مفاتيحه وهي آداب تلاوة القرآن. فمنها إخلاص النية لله تعالى، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أوائل من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ للقران يقال له قرات القران ليقال هو قارئ. ومنها التسوك والتطهر من الحدث الأصغر واستقبال القبلة. وعند البدء بالتلاوة يستعيذ بالله من الشيطان: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]. ويرتل القرآن ترتيلاً وتبييناً للحروف. وكان ابن عباس يقول: لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله. ويستحب تحسين الصوت بالقران، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». وإذا مر باية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر باية عذاب أن يستعيذ بالله من العذاب. ويستحب الاجتماع على تلاوة القرآن تدبره وتدارسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده».
حياكم الله أيها الأحبة، وصلنا مع هؤلاء الذين ينكرون بعض الصفات ويثبتون البعض الآخر، نقول لهم: ليس لديكم ميزان لما تفرقون بين المتماثلات. من خصائص الإنسان العاقل أنه يجمع بين المتماثلات ويفرق بين المختلفات، فالصفات كلها بابها واحد، قائلها واحد، والموصوف بها واحد، فأثبتوا الجميع؛ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. فإن أبوا إلا أن ينتقلوا إلى صف المعتزلة، فنقول لهم: والمعتزلة أثبتوا الأسماء وأنكروا الصفات، فأثبتوا أن الله حي عليم قدير، وأنكروا الحياة والعلم والقدرة والإرادة، وهذا مذهب مرد، هذا مذهب شنيع! فنقول لهم: لماذا فعلتم ذلك؟ القول في الصفات كالقول في الأسماء، أنتم أثبتم أن الله سبحانه وتعالى حي عليم قدير، أثبتم هذه الأسماء لله وقلتم هذه الأسماء على ما يليق بالله، ففرق في الأسماء وجعلتم على قسمين؛ قسم يليق بالمخلوق وقسم يليق بالخالق، وأثبتم هذه الأسماء على ما يليق بالخالق جل جلاله. فيقال لكم: وكذلك هذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة تنقسم إلى قسمين؛ قسم يليق بالخالق وقسم يليق بالمخلوق، فأثبتوا هذه الصفات على ما يليق بالخالق، فالقول في الصفات كالقول في الأسماء. فإما أن تثبتوا الجميع وتعودوا إلى منهج أهل السنة والجماعة وهذا ما نريده لكم، أو تنكروا الجميع وتذهبوا إلى مذهب الجهمية وهو مذهب أردى من مذهبكم السابق، فتنفوا الأسماء والصفات الثابته في الكتاب والسنة جميعها عن الله سبحانه وتعالى. وهذا مذهب الجهمية الذين سيصل بهم الأمر إلى أن يعبدوا عدماً، يعبدوا لا شيء! ولا نريد لكم أن تذهبوا إلى ذلك المذهب، وإنما أن تعودوا إلى مذهب أهل السنة والجماعة.
إذا انتهينا من الأصل الأول؛ القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، ومنه القول في الصفات كالقول في الأسماء، ننتقل إلى أصل ثاني أيضاً كذلك، وهو القول في الصفات كالقول في الذات. هنا الآن سننتقل إلى مناقشة الجهمية وجميع الفرق الذين يثبتون وجود الله؛ أنت تثبت أن الله سبحانه وتعالى موجود، وأن لله سبحانه وتعالى ذاتاً حقيقية، تثبت ذلك، طيب هل ذات الله كحقيقة ذات الإنسان؟ المخلوق له ذات لكن هذه الذات مسبوقة بعدم لحوق فناء، فذات الله تفرق أنت بين ذات الله وبين ذات المخلوق، فتضيف فتقول إن الله سبحانه وتعالى لم يسبق بعدم ولا يلحقه فناء، وأن المخلوق مسبوق بعدم ويلحقه فناء.
القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أنك أثبت لله ذاتاً حقيقية وأن ذاته لا تماثل سائر الذوات، فقل هذا الكلام كذلك في صفاته، فصفات الله على ما يليق بذاته، فصفات الله على ما يليق به جل جلاله، وصفات المخلوق على ما يليق بالمخلوق. فإما أن تثبت الجميع الذات والصفات لله على ما يليق به، أو تنكر عياذاً بالله وجود الله، فتقول أنا لا أثبت أن الله سبحانه وتعالى موجود، وقل هذا الامر وصرح به، وهذا هو حقيقة قول الملاحدة من الفلاسفة الباطنية الذين يصل بهم الأمر أن يقولوا إن الله عز وجل ليس بموجود، تقول لهم معدوم؟ قال وليس بمعدوم! فأولئك خلاص يذهبون إلى السفسطة ويذهبون إلى أشياء أخرى وهم في حقيقة أمرهم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض. وانتهينا منهم، أولئك ينكرون وجود الله سبحانه وتعالى أولئك ملاحدة. فهؤلاء الجهمية يعني أما طالما أنهم يثبتون وجود الله ويقولون نحن نثبت أن الله عز وجل موجود، بل بعض الصفات التي يعني هم يقولون لا يمكن أن تطلق على المخلوق مثل القدرة لكونهم جبرية فيقولون يمكن أن نصف الله بالقدرة. فهؤلاء نقول لهم هذا الكلام: أنتم طالما أنتم تثبتون وجود الله وتثبتون أن الله عز وجل له ذات حقيقية، بل يصل بكم الأمر أن تثبتوا أن الله خالق وأن الله قادر، فقولوا في بقية صفات الله سبحانه وتعالى وفي بقية أسماء الله عز وجل وصفاته؛ ما تقولون في ذاته قولوه في أسماء الله عز وجل وصفاته، فالقول في الأسماء والصفات كالقول في الذات لأنه باب واحد لابد أن تجمعوا بين هذه المتماثلات وأن تفرقوا بين المختلفات.
أيها الأحبة في الله، هذه القواعد فهمنا لحقيقة التشبيه والقدر المشترك بين أسماء الله عز وجل وصفاته وبين أسماء المخلوق وصفاته، وفهمنا لهذا الأصل: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، القول في الصفات كالقول في الذات، وأيضاً فهمنا لقضية التفاوت بين مخلوق ومخلوق، مثلاً نعيم الجنة ونعيم الدنيا نفهم أن ليس بينهما اشتراك إلا في الألفاظ والمعنى الكلي، أما نعيم الجنة فمختلف ومتفاوت تفاوتاً عظيماً بينه وبين نعيم الدنيا. فإذا كان هذا مخلوق وهذا مخلوق وبينهما هذا التفاوت العظيم، فالتفاوت بين الخالق والمخلوق في الأسماء والصفات من باب أولى! إذا كانت الروح التي فينا تصعد وتنزلوتجئ نصفها بهذه الصفات، والإنسان بدنه يوصف بهذا أنه يصعد وينزل ويجئ وهو مخلوق ومخلوق وفي إنسان واحد في في شخص واحد، ومع هذا نزول وصعود الروح ونزول وصعود البدن بينهما من التفاوت الشيء العظيم وهذا مخلوق وهذا مخلوق، فالتفاوت بين أسماء وصفات الخالق وبين أسماء وصفات المخلوق التفاوت من باب أولى وأولى، لا يمكن لأن هذا خالق وهذا مخلوق.
أيها الأحبة في الله، إن باب الأسماء والصفات ومعرفتنا لمعاني أسماء الله عز وجل وصفاته، هذا الباب من اعظم الابواب التي يتربى الإنسان من خلالها، هذا الباب باب يقوي الايمان باب يزيد اليقين. لكننا للاسف بسبب هؤلاء المبتدعة يحتاج الإنسان في بعض الأحيان لبعض مثل هذه المناقشات، وإلا عندما يكون الإنسان يعلم مثلاً أن الله سبحانه وتعالى هو الرزاق جل جلاله، هذا الإنسان يعلم أنه مهما امتلت الأرض بالبشر فإن الله سبحانه وتعالى يرزقهم، ليس البشر في حسب، حتى الدواب، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: 6]، وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت: 60]. هذا الذي يعرف هذا الصفة وهذا الاسم من اسماء الله عز وجل الرازق والرزاق، ويعرف ان الله عز وجل موصوف بصفة الرزق، هذا الإنسان هل يخاف على رزق؟ هل يخاف في هذه الحياة؟ لا، لكنه يجمع صفات أخرى؛ صفة الحكمة وأن الله عز وجل من حكمته أن من سعى وتحرك فإن الله سبحانه وتعالى يرزقه، والذي يسعى ويتحرك الله سبحانه وتعالى يفتح له اشياء لم تخطر على باله، الله سبحانه وتعالى يعينه الله عز وجل، وهكذا يعني من حكمة الله أن جعل لكل شيء سبباً يعرف ذلك.
ويعرف أن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفة القدرة وأنه قد يأتي بالشيء من غير سببه، وأنه الله سبحانه وتعالى قد يمنع عن هذا السبب خاصيته فلا ينتج، فيعلم أن الله سبحانه وتعالى فيه صفة القدرة وبالتالي فانه يتعامل مع هذه الأسباب والسعي والحركة يتعامل معها ببدنه، واما قلبه فمعلق بالله، معلق بصفة الحكمة صفة القدرة، فيعرف كيف يعيش في هذه الحياة ويعرف ربه سبحانه وتعالى ولذلك حياته حياة سعيدة. هذا الذي يعرف اسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته، أسأل الله سبحانه وتعالى باسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا جميعاً من العالمين به سبحانه وتعالى العارفين باسمائه وصفاته المتربين من خلالها، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وجزاكم الله خيراً والى اللقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله.
د. أبو زيد مكي القبي