السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين. حياكم الله معاشر طلاب العلم في المحاضرة الثالثة من محاضرات مادة العقيدة في الفصل الثالث من أكاديمية زاد، التي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها مباركة، وأن يرزق أساتذتها وطلابها الإخلاص والعلم النافع.
ايها الأحبه في الله، درسُنا اليوم عن التوسل. والتوسل معناه: التوصل إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، التوصل إلى الأسباب، التوصل إلى إجابة الله عز وجل لدعاء الإنسان، التوصل إلى تفريج الكرب ومغفرة الذنوب ونحو ذلك. ايها الأحبة في الله، لا شك أن عباد الله الصالحين يتوسلون إلى الله، ويأتون بالوسائل التي من شأنها أن تقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، كما أخبر الله عز وجل عنهم بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعني يدعونهم المشركون من أولياء الله الصالحين، يتوجهون إليهم بالدعاء. ما حالهم مع الله؟ قال الله عز وجل مخبراً عن أوليائه الصالحين، عن أنبيائه ورسله وخواصه وملائكته، أن هؤلاء أولئك الذين يتوجهون إليهم المشركون بالدعاء حالهم مع الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: 57]. هم يبحثون عن الوسائل التي تقربهم إلى الله جل جلاله فيفعلونها، حبا في الله وسعيا في القرب منه سبحانه وتعالى. هذا حال أولياء الله الصالحين: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 57]. فهم يأتون بالوسائل التي من شأنها أن تقربهم إلى الله فيحبهم الله، فيعبدون الله عز وجل حبا فيه وخوفا من عذابه ورجاء لرحمته.
لكن السؤال ايها الأحبة في الله، هذه الوسائل التي يتقرب بها الصالحون إلى الله لمغفره الذنوب وتفريج الكروب وإجابة الدعاء من أين أتَوْا بها؟ هل هي اجتهاد من عند أنفسهم؟ هل هي أشياء تقع في خواطرهم؟ أم أنها أشياء شرعها الله سبحانه وتعالى؟ أولئك يعرفون ما هي الأشياء التي ترضي الله سبحانه وتعالى فيتقربون إلى الله بمراضيه، ويعرفون تلك المراضي عن طريق الوحي الإلهي، عن طريق الكتاب، وعن طريق ما جاءت به الرسل. ونحن بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم نتعرف على هذه المراضي من خلال كتاب الله ومن خلال سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نأتي بمراضٍ من تلقاء أنفسنا، إنما نأتي بهذه المراضي من خلال الوحي الإلهي.
سناخذ مثالاً ايها الأحبة على ذلك، هذا من أراد أن يتوصل إلى مرضاة الله وإلى إجابة الله لدعائه وإلى مغفرة ذنوبه وإلى تفريج كروبه، لينظر في مثل هذه الأمثله فيفعلها. أخرج الإامام مسلم بسنده عن أبي هريره رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا». إذا تريد أن تتقرب إلى الله فتعلم ما هي الأشياء التي يرضاها الله، فمن فعلها رضي الله عنه، فأجاب دعاءه، غفر ذنبه، ستر عيبه، فرج كربه: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا». وفي المسند مطلب الإمام مالك إضافة: «وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم». ويكره لكم: «قيل وقال، وكثره السؤال، وإضاعة المال».
لاحظوا ايها الأحبة في الله، ما هو أول أمر يرضي الله سبحانه وتعالى ويجعل ذلك العبد محبوباً عند الله، والله سبحانه وتعالى يغفر ذنبه ويستر عيبه ويفرج همه؟ ما هو أول شيء؟ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. أعظم أمر يتوصل الإنسان به إلى مرضاة الله هو توحيده جل جلاله، هو إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة. هذا من اعظم ما يقرب إلى الله، وهذا الأمر هو من أجله خلقنا الله، هذا الأمر من أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، هذا الأمر هو الحق المتحتم لله سبحانه وتعالى الواجب على عباده، هذا الأمر هو أول الأوامر الإلهية، هذا الأمر هو أول وصايا الله سبحانه وتعالى التي وصى بها عباده: أن تفرد الله سبحانه وتعالى بالعبادة. تريد أن تتقرب إلى الله؟ تريد القربة من الله؟ تريد أن تتوسل إلى الله بشيء يجيب الله دعاءك، يفرج الله كربك؟ هو توحيده سبحانه وتعالى: ﴿أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.
أن تعبدوه، كيف نعرف أمور العبادة؟ كيف نعرف ضابط العبادة؟ أن يكون هذا القول أو هذا الفعل ورد في الكتاب والسنة الأمر به أو الحث على فعله أو مدح فاعله. معرفتنا لعباده الله تكون عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنستمع إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم، نستمع إلى هذا الوحي الإلهي ونتعرف على الامور التي هي عبادات مشروعة ثم نتوجه بها إلى الله سبحانه وتعالى.
والله يأْسف الإنسان، يأْسف الإنسان عندما يعلم أن بعض الناس يريدون مغفرة الذنوب، يريدون تفريج الكروب، يريدون سعة الرزق، ماذا يصنعون؟ يتوسلون إلى الله للوصول إلى تلك الأمور بالشرك به! كيف تتوسل إلى الله بما يغضبه؟ الله سبحانه وتعالى يغضب من المشرك ويغضب من الشرك، والله عز وجل قد سمى الشرك ظلما عظيما، والشرك تنقص لرب العالمين، والله سبحانه وتعالى أغنى الشركاء عن الشرك. كيف تريد من الله أن تتوسل إلى مغفرة الله وإلى القرب من الله بالشرك به؟ هذا ينبغي للانسان أن يبتعد عن هذا، إنما يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالعبودية الخالصة له جل جلاله. تريد من الله أن يعطيك الأمن والاهتداء في الدنيا وفي الآخرة؟ تريد الفوز بالجنة والنجاة من النار؟ تريد التحريم على النار؟ فان الطريق إلى ذلك أن تتوسل إلى الله عز وجل بتوحيده.
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي، فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وثم آداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي: آداب في نفسه، وآداب مع العالم، وآداب في طريقه السؤال. فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى. قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع، ويوقر مفتيه. قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحالة المناسبة للسؤال، ولا يقاطع الشيخ ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه، قال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هواه، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
حياكم الله ايها الأحبة. قلنا ماذا يريد الإنسان من الله سبحانه وتعالى؟ يريد الإنسان من الله أن يسعده، يسعده في روحه وفي بدنه في دنياه وفي أخراه. فما هي اعظم وسيله يتوصل الإنسان بها إلى هذا المقصود؟ قلنا هو توحيد الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]. تريد أن تفوز في الآخرة بجنة الله سبحانه وتعالى؟ الطريق إلى ذلك أن تتوسل إلى الله بتوحيده، فتكون موحداً لله سبحانه وتعالى تفوز بجنة الله. من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل. تاتي بالتوحيد تدخل الجنة. تريد أن يحرم الله سبحانه وتعالى بشرتك على النار؟ عليك بتوحيد الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». إذاً أعظم وسيلة يتوسل الإنسان بها إلى الله لنيل مقصوده هو أن يقوم بالتوحيد.
والأمر الثاني إذا أراد في الدعاء مثلاً، يدعو الله سبحانه وتعالى فيسأل الله سبحانه وتعالى بتوحيده: اللهم يا الله إني أسألك بإيماني بك، ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، آمنا بك بأنك أنت الرب وحدك لا شريك لك، المنفرد بالخلق والملك والتدبير، المستحق للعبادة، الذي لا مثل له في اسمائه ولا في صفاته. اللهم بتوحيدي إياك اغفر ذنبي واستر عيبي. إذاً التوحيد، يقوم الإنسان بالتوحيد في نفسه سينال هذه الفضائل حتى لو لم يعني يتوجه إلى الله بالدعاء بتوحيده.
الأمر الثاني ممكن يتوسل إذا كان عنده كرب أو هم أو غم يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بتوحيده، كففعِل يونس عليه السلام: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. فتوسل إلى الله بـ(لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، بتوحيد الله سبحانه وتعالى، فنجاه الله عز وجل من كربتهم. المقصود يا إخوان أن اعظم ما يتوسل الإنسان به إلى الله ليتوصل إلى مرضاة الله ومغفرة الله وجنة الله وسعادة الدنيا وسعادة الآخرة، هي أن يقوم بتوحيد الله سبحانه وتعالى، أعظم أمر وأهم أمر.
ثم ننتقل إلى نماذج من الأعمال الصالحة التي وردت في الحديث، قال: «وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا». يجب إذا أردت أن تتوسل إلى الله سبحانه وتعالى ليغفر ذنبك ويستر عيبك ويفرج كربك، تعال إلى المجتمع الذي تعيش فيه، المجتمع الإسلامي. تعال إلى هذا المجتمع الإسلامي واعتصم معه، كما أن الإنسان يلبس حول معصمه هذه الساعة فيلفها حول معصمه، ناتي نحن إلى الوحي الإلهي إلى الدين الإسلامي فنلتف حوله ونعتصم به.
ناخذ دورانا حول هذا الكتاب وهذه السنة، ونكون هكذا ملتفين في المجتمع الإسلامي حول الكتاب والسنة، فندعو الأفراد إلى الإيمان والعمل الصالح، ونتناهى عن ضد ذلك، نتناهى عن الكفر وعن الفسوق. لا يقول الإنسان أنا ما لي علاقه أنا في بيتي وكذا، لا، أنت في مجتمع الآن، أنت في سفينة مع مجتمعك. إذا كان هذه السفينة دورين، الناس الذين في الدور الأسفل قالوا: نحن إذا أردنا أن ناخذ الماء نصعد للدور الأعلى ثم ناخذ ماء من البحر ثم نعود فتعب، فنحن نؤذي من فوقنا، طيب، لماذا لا نخرق في نصيبنا خرقا ولا نؤذي من فوقنا؟ لو تركوهم وما أرادوا لهلكوا جميعا، ولو اخذوا على أيديهم لنجوا الذين في الأسفل ونجوا جميعا. فنحن في سفينة، يجب إذا أردنا أن يكون هذا المجتمع مجتمعا صالحا، أن نأمر الأفراد بالإيمان والعمل الصالح ونتناهى عن ضد ذلك.
هذا الأمر من اعظم ما يتوسل به إلى الله لنيل مغفرة الله، لأنه يرضي الله سبحانه وتعالى. ثم نجعل هذا المجتمع محكوماً بشريعة الله، يتحاكم الجميع فيه في هذا المجتمع، ولاة وأفراداً وشعباً، الجميع محكوم بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفق فهم سلفنا الصالح. فنحن نتحاكم إلى الشريعة ونجعل أخلاق الإسلام الاجتماعية هي التي تعم هذا المجتمع، القاء أخلاق الإسلام الاجتماعية القائمة على الاحترام وعلى الصدق وعلى العدل وعلى الموالاة. إذا أردت أن تتوسل إلى الله ليغفر ذنبك ويفرج كربك ويدخلك الجنة وينجيك من النار، عليك أن تكون في مجتمعك عضوا نافعا، تحب المؤمنين تتعاون معهم على البر والتقوى، وهكذا تنال رضا الله.
امر ثالث: «وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم». تأتي إلى ولاة الأمر فتقوم بأداء ما لهم عليك، وتبين لهم ما هو الواجب عليهم تجاه المجتمع. ما لهم تقوم به: السمع والطاعة في المعروف، الدعاء لهم، الثناء عليهم بمحاسنهم، الوظيفة التي كلفت بها أن تقوم بهذه الوظيفة على الوجه المطلوب. هذا هو الواجب عليك. والواجب عليهم أن يعدلوا بين الناس، ويحكم بينهم بشرع الله، الواجب عليهم أن يعطوا هذه المناصب للمؤهل والكفء لها. إذا أنت إذا قمت مع مجتمعك ومع ولاة أمرك بهذه الأمور أنت بهذا الشيء أنت تتوسل إلى الله سبحانه وتعالى لنيل مرضاته.
ثم تأتي إلى نفسك: «ويكره لكم قيل وقال»، إذا تحافظ على لسانك. إذا حافظت على لسانك فتركت القيل والقال ونقل الكلام من غير تثبت من صحته، ولا تنقل كلام الغيبة ولا تغتاب ولا تنم ولا تستهزئ ولا تسخر وتبتعد عن المراء والجدال، أنت بهذا تكون محبوباً عند الله. ثم هذا اللسان تعمله بالكلام الطيب في ذاته من قرآن وسنة، تعمل هذا اللسان في الكلام الطيب في غاياته من مدح الفعل الجميل ليزيد منه صاحبه. وهكذا تأتي إلى لسانك فتحفظه، هذا حفظ اللسان من اعظم ما يتوسل به إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى. تأتي إلى قلبك تحافظ على هذا القلب، فلا تعلق قلبك بالمخلوقين وتسالهم ما في أيديهم من أموال أو مناصب، لا تعلق قلبك بالمخلوقين فتكفر.
وحافظ على قلبك واجعله معلقاً بالله وحده لا شريك له في جلب المنافع ودفع المضار؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو جالب النفع ودافع الضر، فعلق قلبك بالله.
هذا نموذج أيها الأحبة في الله، هذا حديث واحد؛ تبحث في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمور التي من شأنها تقربك إلى وتتوسل بها إلى مرضاته سبحانه وتعالى ليغفر ذنبك ويفرج كربك، فتأتي بهذه المراضي وتمتثلها، ثم تدعو الله سبحانه وتعالى بها إن كنت قد عملت عملاً صالحاً خالصاً لوجه الله، فتقول: اللهم إن كنت قد بررت بوالدي أرجو بذلك وجه الله، إن كنت يا ربي في ذلك اليوم الذي أنفقت فيه ذلك الريال أنفقته يا الله في ذلك خالصاً لوجهك، اللهم فرج كربي، اللهم نفس، اللهم أزل عني هذا الهم والغم والكرب.
وهكذا تتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالأعمال الصالحة التي قمت بها، تتوسل إلى الله بتوحيده، تتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، تتوسل إلى الله بمعرفتك بالله وتعظيمك لله، فتقول: اللهم يا رحمن ارحمني، تتوسل إلى الله عز وجل باسمائه الحسنى وصفاته العليا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]، اللهم يا رحمن ارحمني، اللهم يا غفور اغفر لي، تسأل الله سبحانه وتعالى بقدرته، اللهم يا قدير، اللهم يا قدير أعني على هذا الفعل، وهكذا تسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، هكذا تتوصل إلى مرضate الله.
الاستخارة هي طلب الاختيار من الله تعالى عند الإقدام على الأمور المهمة والتي لا يدري الانسان وجه الخير فيها، أما ما كان معروفاً خيره أو شره كالعبادات وصنائع المعروف والمعاصي والمنكرات فلا تشرع فيه الاستخارة. والحكمة من الاستخارة التسليم لأمر الله والالتجاء إليه سبحانه للجمع بين خيري الدنيا والآخرة، ولا شيء أنفع لذلك من الصلاة والدعاء لما فيهما من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه.
أما كيفيتها فقد ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخاره في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسمي حاجته- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسمي حاجته- شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به».
وعلى المستخير ألا يتعجل الإجابة، ويجوز له أن يكرر الاستخارة بالصلاة والدعاء، ومن علامات القبول في الاستخارة انشراح الصدر وتيسير الأمر ولا يشترط أن يرى رؤيا، وأما علامة عدم القبول فإن يصرف الإنسان عن الشيء ولا ييسر له فلا يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه معلقاً به، قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
حياكم الله أيها الأحبة في الله، في قبل الفاصل اخذنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي بين لنا بعض الأمثله التي بها نتوسل إلى مرضات الله جل جلاله، فبين لنا اصول العلاقات: كيف تكون علاقتنا مع الله؟ كيف تكون علاقتنا مع المجتمع؟ كيف تكون علاقتنا مع ولاة الأمر؟ كيف تكون علاقتنا مع ألسنتنا؟ كيف تكون علاقتنا مع قلوبنا؟ كيف تكون علاقتنا مع أموالنا؟
فهذا الحديث العجيب إذا الإنسان اهتم به فإنه يتوسل به إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى؛ العبودية الخالصة لله بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع مناحي الحياة هذه تكون علاقتك مع الله إن فعلت ذلك غفر الله ذنبك وستر عيبك.
الأمر الثاني مع المجتمع؛ أن تعتصم مع هذا المجتمع حول الدين الإسلامي، واياك ومفارقة الدين بالردة عنه، واياك وتفريق الدين بالابتداع فيه أو باخذ بعضه وترك بعضه، واياك ومفارقة المجتمع فتخرج على مجتمعك الإسلامي بالسلاح، تخرج على مجتمعك الإسلامي بالتكفير ونحو ذلك مما يفعله الخوارج عياذاً بالله، هذا لا يصلح أيها الحبيب، يجب أن تملا قلبك محبة لإخوانك المسلمين والمؤمنين، وتعتصم معهم حول كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تناصح ولاة الأمر، هذه العلاقة مع ولاة الأمر أيضاً.
كيف تكون علاقتنا مع لسانك؟ كيف تدرب لسانك وتحفظ هذا اللسان عن القيل والقال؟ كيف تكون علاقتنا مع قلبك؟ لا تعلق قلبك بالناس فتكثر من سؤالهم ما في أيديهم، إنما علق قلبك بالله. كيف تكون علاقتنا مع مالك؟ اجتنب إضاعة المال وتسليمه للسفهاء ونحو ذلك وصرفه فيما لا ينفع، إنما هذا المال تكتسبه من وجوه الحلال ثم تنفقه في وجوه الحلال تبدأ بالضروريات وبما يعود عليك بالنفع من أمور الكماليات، ثم تنفق هذا المال فيما يرفع درجاتك عند الله سبحانه وتعالى.
هذا نموذج أيها الأحبة في الله من الأفعال التي يقوم الإنسان بها فيتوسل لمرضاة الله، هذه الأفعال وهذه الأشياء يمكنك فيما بعد أن تسأل الله سبحانه وتعالى بها: اللهم إني أسألك بتوحيدي إياك، اللهم إني أسألك بنفعي في هذا المجتمع، اللهم إني أسألك بنصحي لولاة الأمر، اللهم إني أسألك بذكري إياك، اللهم إني أسألك بنصيحتي لإخواني، اللهم إني أسألك بصدقتي، اللهم إني أسألك بتعلقي بك وإيماني بك، وهكذا تسأل الله سبحانه وتعالى بهذه الأمور، هذا يسمى التوسل المشروع.
فالتوسل أيها الأحبة في الله ينقسم إلى قسمين: توسل مشروع، وتوسل غير مشروع. أما التوسل المشروع فهو التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته. التوسل المشروع هو التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بتوحيده. التوسل المشروع هو التوسل إلى الله بالإيمان والعمل الصالح. التوسل المشروع أن تتوسل إلى الله باظهار ضعفك وفقرك وحاجتك إلى هذا الشيء، كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24]، بين حاجته لهذا الأمر وتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بفقره وضعفه، وهكذا وكذلك أيوب عليه السلام.
وكذلك التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالاقرار بالذنب: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]، التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالاعتراف بالذنب والاقرار به وأنك فعلته عن جهل، وهكذا تتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالاقرار بالذنب فيغفر الله سبحانه وتعالى ذنبك.
بقي توسل أيضاً يعني يتوسل الإنسان بدعاء والده، بدعاء والدته، بدعاء إنسان مسافر، بدعاء إنسان مريض، وهكذا التوسل إلى الله بدعاء الصالحين الأحياء ولا يكون هذا هو ديدنه، إنما من الوسائل التي يستخدمها أن يدعو له إنسان صالح حي، هذا توسل مشروع.
أما التوسل غير المشروع أيها الأحبة، أن يتوسل الإنسان إلى الله جل جلاله بالشرك به، وهذا كما ذكرنا من أسوأ ما يتوصل الإنسان به إلى مرضاة الله أن يتوصل إلى ذلك بغضب الله، وهذا كيف يمكن؟ فيأتي إنسان إلى الأموات يذبح لهم، ينذر لهم، يدعوهم، يستغيث بهم، يا رجل لماذا تصنع هذا؟ لماذا تذبح لغير الله؟ قال: تشفع، قال: أتوسل، يا رجل تتوسل إلى الله بالشرك بالله! فلا تعلم أن الشرك من اعظم الذنوب ويغضب الله سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرِكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].
فتعجب من بعض الناس لماذا يصنع هذا؟ ولماذا لا يستيقظ؟ ولماذا لا يسأل؟ ولماذا لا يقرأ في كتاب الله؟ ولماذا لا يقرأ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ إذا قال لك شخص وسمعت هذا الكلام أن هذا شرك، يجب عليك ألا تفعله، وإذا كان أنت عندك شك في هذا المصدر أنه قد لا يكون عندهم علم، لكن ولو هذا الأمر يجعلك تخاف وتبحث وتقرا وتتاكد.
إذا كان الذبح للاموات هو تقرب إليهم بالدم وتظن أن هذا وسيله لمرضate الله، فاعلم أن هذا وسيله لغضب الله، اعلم أن هذه وسيلة لأن الله سبحانه وتعالى يجعلك خالداً في نار جهنم وتفقد طعم السعاده في هذه الدنيا: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31].
يجب أيها الأحبة في الله أن نتعاون جميعاً ننبه الناس على خطوره هذا العمل الذي يظنه بعض الناس توسلاً إلى الله، توسلاً إلى مرضاة الله، يجب أن يشتهر هذا الأمر عند جميع الناس أن هذا الأمر يغضب الله سبحانه وتعالى، أن هذا الأمر يجعل الإنسان ممقوتاً عند الله، يجعل هذا الإنسان عند الله سبحانه وتعالى أعماله الصالحه التي قد قام بها كلها تكون حابطة، تحبط الأعمال مثل هذه الأفعال.
أيضاً أيها الأحبة في الله هناك بعض أمور يفعلها الإنسان هي لا تصل إلى الشرك الأكبر لكنها من قبيل الشرك الأصغر يحذر الإنسان منها؛ يريد أن يتوصل إلى مغفرة الله فيذهب إلى قبور الصالحين يدعو الله سبحانه وتعالى عندهم، هل هذا الأمر ثبت في الكتاب والسنة؟ ثبت في الكتاب والسنة أن هذا الأمر وسيلة لنيل مغفرة الله لإجابة الدعاء؟ لم يثبت هذا بل ورد النهي عنه، ورد النهي عن الصلاة في المقابر، ورد النهي أن تاتي للمقابر وتظن أنها بقعة مباركة يتقبل الله فيها الدعاء، تترك المساجد، تترك المسجد الحرام، تترك المسجد النبوي، تترك الأماكن التي أخبرنا أنها مباركة ويقبل الله عز وجل فيها الدعاء، وتذهب إلى القبور وهذا أمر غير مشروع وهو وسيلة للشرك.
قد يجيب الله سبحانه وتعالى دعاءك وأنت تدعو، فتظن أن ذلك الميت هو الذي شفع لك عند الله فتتوجه إليه بالدعاء المرة الثانية، فيبتعد الإنسان عن ذلك، التوسل إلى الله بطلب الشفاعة من الأموات يا سيدي فلان اشفع لي، يا سيدي فلان كذا، ما يصلح هذا الأمر هذا شرك أصغر.
أيضاً التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم؛ تقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك، مثل يعني ياتي شخص إلى مدرس، هذا المدرس في أثناء الاختبار ويقول له: يا استاذ أنا اريد منك أن تنجحني بسبب إجابة فلان الممتازة، طيب أين إجابتك أنت؟ لا، إني أسألك النجاح يا أيها الأستاذ بإجابة فلان، هذا ما يصلح.
جاه النبي صلى الله عليه وسلم، قدر النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم خليل الله لا شك في ذلك، لكن أن تتوسل إلى الله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم هذا ليس بمشروع. أن تتوسل إلى الله بحق الأنبياء وحق الصالحين تظن أن لهم حق واجب على الله، هذا ما يصلح، لكن تريد أن تقول بأعمالهم الصالحة، لا، تسأل الله سبحانه وتعالى بأعمالك أنت.
فالتوسل إلى الله بذوات المخلوقين، التوسل إلى الله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، التوسل إلى الله بطلب الشفاعة من الأموات، هذا كله من التوسل غير المشروع. أيها الأحبة في الله، لنتعلم الامور التي ترضي الله سبحانه وتعالى عنا ونتقرب بها إلى الله لنيل المقصود.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من أهل الإخلاص، من أهل التوحيد التام. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي