أخرج الإامام مسلم بسنده عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني. هؤلاء يسمون ولاة القدرية: معبد الجهني وغيلان الدمشقي. يقول يحيى بن يعمر: فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجيين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء معبد ومن معهم في القدر. يقول: فوفق لنا -يعني توفقنا- عبد الله بن عمر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاقتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي.
فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن -يعني حفاظ أهل القرآن- ويتقفرون العلم -يعني يسيرون في أثر العلم، يعني يتتبعون العلم- ويزعمون أنهم يطلبون العلم، هذا معنى. وقيل المعنى الثاني: أنهم يفتقرون العلم، يعني حفظة للقرآن بلا علم، وقيل إنهم يذهبون في آثار العلم، القفر يعني الأثر، فهم يتقفرون العلم يبحثون عن آثار هذا العلم، يعني ما زالوا في بداية الطلب-.
وذكر من شأنهم ثم قال: وأنهم يزعمون أن لا قدر، يعني ما في شيء من السابق مقدر، ما في شيء من السابق معلوم، ما في شيء من السابق مكتوب، ما في شيء من السابق مراد، ما في من الشيء السابق مخلوق. قالوا: لو كان هذا، ما يمكن نلتزم بالشرع، كيف يكون هذا الإنسان مكتوب عليه أنه في المعصية ثم يقال له أطع الله؟ طيب هو مكتوب علينا، ففهموا أن العلم السابق والكتاب السابق فهموا أن يعني الجبر، فقالوا: لا قدر، وأن الأمر أنف، يعني مستأنف حادث الآن، والله عز وجل لم يعلمه من الأزل، وأن الأمر أنف.
قال عبد الله بن عمر لما سمع هذا الكلام: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برءاء مني، أخبرهم أني أنا أبرأ منهم وهم يتبرءون، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فانفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. قال: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فانفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: لأبي عمر بن الخطاب. ثم ذكر حديث عمر المشهور، هذا العلم السابق والكتاب السابق الذي تحدثنا عنها في المرة الماضية. هؤلاء ولاة القدرية القدرية الأوائل انكروهما، فهموا أن العلم السابق والكتاب السابقة تقتضي الجبر، ونحن شرحنا في المحاضرة الماضية وهو واضح إن شاء الله الآن وعندكم أن الله علم ما العباد عاملون باختيارهم وإرادتهم، علم ما العباد عاملون باختيارهم وإرادتهم، فكتب ما علم أن العباد سيقومون به باختيارهم وإرادتهم من الطاعات ومن المعاصي، فالعلم السابق والكتابة سابقا لا جبر فيهما البتة.
انتهينا من مرتبة العلم والكتابة، اليوم سنأخذ مرتبة الإرادة أو المشيئة والإرادة. ما المراد بهذه المرتبة؟ المراد بها أن نؤمن بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ الله لا يمكن أن يكون، وأن ما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله، وأنه سبحانه وتعالى لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات.
قال الله عز وجل: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 28-29]. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولَن لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِل ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23-24]. وقال الله عز وجل: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 125].
قال الله عز وجل: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 39]. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [النحل: 93]. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: 35]. وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونوَّاْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99].
هذه مرتبة المشيئة والإرادة. الآن أريد منكم التركيز معي، نعود إلى سين من الناس، هذا سيسير في طريق الطاعة، علم الله ذلك أن سين سيسير في طريق الطاعة باختيارهم وإرادتهم، فكتب الله عز وجل ما علم أنه سيسير في طريق الطاعة باختيار إرادته، انتهينا منها. هل أراد الله منه ذلك أو لم يرد؟ أراد الله ذلك وهو سيسير في طريق الطاعة والله قد أراد ذلك، جيد انتهينا هذي سهلة.
وصاد هذا الذي سيسير في طريق المعصية، علم الله أنه سيسير في طريق المعصية باختياره وإرادته، وكتب الله ما علم أن عبده صاد سيسير في طريق المعصية باختيار إرادته، علم الله ذلك وكتبه عنده لا جبر فيهما. طيب، هل أراد الله منه ذلك؟ أو لم يرد؟ هذي الإجابة عندكم: أراد الله من العاصي معصيته؟ أراد من الكافر كفره؟ أراد من الفاسق فسقه؟ أو لم يرد؟ يلا، كل واحد يكتب: أراد، أو: لم يرد. طيب، خذوا الجواب.
من قال: أراد الله معصيته ثم سكت، النقطة أراد، نقول لو كيف تنكر على العاصي والكافر معصيته والله أراد منه ذلك؟ كيف تنكر على ذلك وهو حقق ما أراده الله منه؟ لو قلت: لم يرد الله منه معصيته وكفره، الجواب هل يكون في كون الله شيء لا يريده الله؟ إذا أنت في ورطتين، إذا قلت: أراد، خطأ، وإذا قلت: لم يرد، خطأ. فما الجواب الصحيح؟ فكروا خلال هذا الفاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله.
قلنا لو قال الشخص: أراد الله من العاصي معصيته، أخطأ. لو قال: لم يرد الله من العاصي معصيته، أخطأ. طيب، فمن الصواب؟ ماذا نقول الصواب؟ فقط تضيف كلمتان، يقول: أراد الله منه معصيته، كلمة تنتبه لها: كونا، ولم يردها شرعا. فإذا أضفت كلمة كونا وشرعا انحلت القضية.
أراد الله من الكافر كفره كونا ولم يرده شرعا. أراد الله من الفاسق فسقه كونا ولم يرده شرعا. هكذا تنحل الإشكالية. فالطاعات سين من الناس الذي فعل الطاعة أراد الله منه طاعته كونا وشرعا، أراد الله أن يكون في كونه الطاعات وجعلها شريعة للناس يسيرون عليها، وأراد الله أن يكون في كونه الكفر والفسوق والعصيان، لكن لا يرضاها لعباده ولم يردها شريعة يسيرون عليها.
الإرادة، إرادة الله تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية وتسمى المشيئة العامة، وإرادة شرعية دينية. ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما الآن -يعني كما ترون في الشريحة إن شاء الله التي ستعرض أمامكم- أن هناك دائرة كبرى، هذه الدائرة الكبرى نسميها الإرادة الكونية الكون بأكمله، كل ما يكون في هذا الكون هو أراده الله سبحانه وتعالى، كل ما في هذا الكون مراد لله، مراد لله بمعنى أراده الله أن يكون في كونه حتى يصح الابتلاء والاختبار. لو لم يرد الله أن يكون في كونه الكفر والفسوق والمعاصي لفعل، لكن ما يكون هناك اختبار، والله عز وجل إنما أراد هذه الدنيا ليبلوكم أيكم أحسن عملا، فجعل هذه الدنيا ابتلاء واختبارا، فكان فيها الكفر والفسوق والعصيان، وكان فيها الإيمان والتوحيد والطاعات، فهذه تسمى إرادة كونية، يعني هذه الإرادة عامة.
وهناك إرادة في الداخل -يعني عندكم دائرة كبرى وفي الوسط دائرة- هذه تسمى إرادة شرعية دينية، يعني أراد الله عز وجل للناس أن يلتزموا بما شرعه الله عز وجل لهم، فأراد لهم التوحيد والطاعات. أعطيكم مثال حتى تتضح القضية: لو أن أحد الملوك بنى عنده مملكة، وبنى في الداخل عاصمة وجملها وزينها، ثم قال للرعية: أيتها الرعية، ادخلوا العاصمة، أريد منكم أن تدخلوا العاصمة، فمن دخل العاصمة فله كذا وكذا من القصور والأموال العطايا والهبات، ومن بقي خارج العاصمة فعليه كذا وكذا من العقوبات والحرمان وتوعد، ثم قال: المهلة لديكم شهر.
هناك أناس دخلوا من الرعية، دخلوا العاصمة، أصبحوا تحت كم سلطة للملك؟ دخلوا تحت سلطة: السلطة العامة المملكة، والسلطة الخاصة العاصمة، فهم بفعلهم ذلك حققوا ما يحبه الله، ما يحبه لهم الملك، فحققوا محبوبات هذا الملك، ولذلك هم مقربين عنده مثابين. والذين لم يدخلوا العاصمة ما زالوا تحت السلطة العامة، ما خرجوا عن سلطة الملك، فالملك أراد أن يكون هناك ناس داخل العاصمة وناس خارج العاصمة، لأنه جعل الناس مختارين، وإلا كان أمر العسكر أن يجبروا الناس ويدخلهم العاصمة جبرا، لكنه أراد أن يجعل جوائز، فالذي بقي ما دخل العاصمة ما زال تحت سلطة الملك العامة سلطة المملكة، والذي دخل العاصمة هذا دخل تحت سلطتين للملك، السلطة العامة والسلطة الخاصة.
لله عز وجل المثل الأعلى، كون الله أراد الله أن يكون في كونه الكفر والفسوق والعصيان، ثم أمر الله عز وجل الناس بالطاعات وترك المعاصي والمنكرات، من التزم بالطاعة وترك المعصية حقق الإرادة الشرعية وهو أيضا داخل في الإرادة الكونية، ومن لم يلتزم بفعل الطاعات وترك المعاصي والمنكرات خرج عن الإرادة الشرعية، ما أراد الله عز وجل له أن يكون شريعة يسير عليها فخرج عن ذلك، لكنه ما زال تحت إرادة الله سبحانه وتعالى العامة وهي إرادة الله الكونية.
انتبهوا يا إخوان، هناك فرقتان ما استطاعت تفرق بين هاتين الإرادتين فحدث الضلال. الذي لا يفرق بين الإرادة الكونية والارادة الشرعية سيحدث له الضلال. بالنسبة للقدرية والمعتزلة، هؤلاء لا يعرفون الإرادة الكونية، لا يعرفون الإرادة الشرعية، فمسحوا -يعني جعلوا الإرادة فقط الدائرة الصغيرة- واعتبروا من خرج عن الإرادة الشرعية خارج عن إرادة الله، وبالتالي خالق لفعله، ولا دخل لفعله، لا قدرة لله سبحانه وتعالى على فعله، ولذلك يسمون قدرية لمنازعتهم الله في قدره، فجعلوا بعض القضاء والقدر للإنسان وأخرجوه عن قدرة الله وعن إرادة الله، فلذلك يسمون القدرية، فأنكرت الكونية وآمنت بالشرعية، وجعلت من خرج عن الإرادة الشرعية هذا خارج عن إرادة الله وخالق لفعله، هؤلاء القدرية معتزلون.
وهناك الجبرية، آمنوا بالكونية لكن سموها شرعية، الشرعية التي في الداخل مسحوها، فصار كل ما يفعله الإنسان في هذا الكون مرادا لله كونا وشرعا، يعني وهو محبوب عند الله، فخلطوا بين الأمرين، فقالوا المعاصي والكفر والفسوق هذا مراد لله ومحبوب عند الله، ورأوا أن من استطاع أن يصل لهذه الدرجة وهي شهود الحقيقة الكونية قالوا هذه تسقط عنه التكاليف لكونه الآن لا فرق عنده بين الطاعة وبين المعصية، لا فرق عنده بين الكفر وبين الإيمان، لا فرق عنده وبين التوحيد وبين الشرك، لماذا؟ لانه شهد الحقيقة الكونية وأن كل ما يكون في هذا مراد لله وهو محبوب عند الله. فهؤلاء الجبرية ومنهم الصوفية وسيأتي تفصيل هذه الفرق، لكن الآن أريدكم تفهمون هذا، عندما تفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية أنت تسلم من هذا الضلال الذي حدث لهذه الفرق الضالة.
ننتقل المرتبة التي بعد ذلك وهي مرتبة الخلق. ما معنى مرتبة الخلق؟ يعني ما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه وتعالى، لا خالق غيره، ولا رب سواه، وأن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى خالق العباد، خالق العباد وقدرتهم وإرادتهم وأعمالهم. قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]. قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96].
طيب، أريد أن أسألكم يا إخوان انتبهوا معي في هذه القضية: الإنسان مخلوق لله من مخلوقات الله، نعم، مخلوق لله وهو خلق الله، نعم، خلق الله وهو فعل الله، نعم، هو فعل الله، خلق الله وهو فعله سبحانه وتعالى. طيب، الصلاة من مخلوقات الله، أهم مخلوقات الله، فهي خلق الله، هي خلق الله. السؤال الآن: هل هي فعل الله؟
شرب الخمر مخلوق لله وهو خلق الله، فهل شرب الخمر فعل الله؟ تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا. طيب، كيف الحل وما هو الفرق؟ فكروا يا إخوان، ثم نناقش هذه المسألة بعد الفاصل.
ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوتهما؛ أما لبِّره أو أدبها أو غير ذلك. ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل؛ النعمان بن بشير. يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي -وأنا غلام- فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهَدُ على جور.
ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر وأنثى؛ وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد القضيّة أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.
ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كان يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
حياكم الله أيها الأحبة في الله. الموضوع سهل، لا يصيبكم شيء من الفزع؛ الأمر سهل جدا. هناك فرق بين الإنسان وبين فعل الإنسان؛ الإنسان هو فعل الله، ولا يجوز لشخص أن يأتي فيعيب خلقة الإنسان؛ لأن هذا خلق الله فهو فعل الله سبحانه وتعالى. فالإنسان مخلوق من مخلوقات الله، والسماء من مخلوقات الله فهي فعل الله، هذا خلق الله، ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: 11].
أما الإنسان وما يصدر منه من أفعال، فالأفعال الاختيارية لا الاضطرارية؛ الأفعال الاختيارية التي تكون من الإنسان هي فعل الإنسان، فعل الإنسان. مصلي هو الإنسان، وشارب الخمر هو الإنسان، فهي فعل الإنسان، فعل العبد. ويثاب العبد على الطاعة ويعاقب على المعصية لأنه فعله، وهي مخلوقة لله، مفعولة لله، وليست هي فعل الله. كيف مخلوقة لله وهي فعل العبد؟ هي من مخلوقات الله، خلقها الله بتوسط ما خلقه الله عز وجل في العبد من القدرة والاختيار والجوارح، بسبب ما أعطاه الله عز وجل الإنسان لأن يقوم بهذا الفعل. فصارت أفعال الإنسان مخلوقة لله بما خلقه الله عز وجل في الإنسان من العقل والقدرة والاختيار والجوارح الممكنة. وإلا لو شاء الله عز وجل لسلبه هذه القدرة فما استطاع أن يصنع شيئا، ما استطاع أن يفعل شيئا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا استَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: 67]. فهي من مخلوقات الله، هي من مفعولات الله، لكنها هي فعل العبد، هي فعل العبد.
وهكذا تقول: الله عز وجل خلق العباد وخلق أعمالهم. كيف خلق أعمالهم؟ هل أعمال العباد فعل الله؟ لا، تعالى الله عز وجل عن ذلك. وإنما خلق الله عز وجل العباد خلقا مباشرا، وخلق أفعالهم بما خلق فيهم من القدرة والعقل والاختيار. فلما مكنهم الله سبحانه وتعالى من فعل ذلك، صارت أفعالهم من مخلوقات الله عز وجل، من مفعولات الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقها بما خلق في العبد من القدرة والاختيار. فأعمال العباد تضاف إلى العباد فعلا وإيجادا وكسبا، وتضاف إلى الله سبحانه وتعالى خلقا وإيجادا. هكذا يكون الموضوع.
ننتقل إلى مسألة أخرى، انتبهوا معي في هذه المسألة وهي من المسائل المهمة. الآن نحن ثبت عندنا أن العلم السابق، أن الكتابة السابقة، أن الإرادة -سواء الكونية أو الشرعية- وأن الخلق، لا جبر في هذا القدر، لا جبر في القدر في أفعال العباد الاختيارية. هذا الإنسان الذي توجه للصلاة، علم الله ذلك أنه سيتوجه للصلاة باختياره وإرادته، وكتب ذلك عنده، وشاء وقوعه، لكن هنا أراده شرعا. والله عز وجل خلقه بما خلق في العبد من القدرة على إيقاع هذا الفعل. صار القدر الآن -يعني- هل في جبر؟ ما في جبر.
وهذا صادق من الناس، علم الله أنه سيسير في طريق الطاعة باختياره وإرادته، فكتب ما علم وشاء وقوعه، فأراده أن يكون في كونه، وخلقه الله عز وجل مما خلق في العبد من العقل والقدرة والاختيار أوقع تلك المعصية. أين تدخل القدر؟ أين القدر يا إخوان هنا؟ القدر يا إخوان يكون قبل أن يفعل هذا الإنسان الطاعة، وقبل أن يفعل هذا الإنسان المعصية؛ يتدخل القدر قبل، ويتدخل القدر مع.
كيف ذلك؟ مع قبل الفعل ومع الفعل. أما قبل الفعل، التدخل القدري وفق عدل الله سبحانه وتعالى. كيف ذلك قبل الفعل؟ من عدل الله أن يعين هذا ويعين هذا. يأتي القدر بالنسبة لأفعال العبد الاختيارية هذا وهذا، يأتي قبل الفعل وفق عدل الله. كيف يعطيهم؟ يعطي الله سبحانه وتعالى عباده، أعانهم على فعلهم؛ بماذا؟ بأن أعطاهم العقول المدركة، فيدرك أن هذا الطريق خير، وأن هذا طريق شر. أعانهم الله سبحانه وتعالى بذلك، وأعانهم الله سبحانه وتعالى بالجوارح الممكنة، وأعطاهم السمع والبصر واليد والجوارح وهكذا، وأعطاهم الله سبحانه وتعالى الإرادة، وأعطاهم الله سبحانه وتعالى الشرع. فوفق عدله، سااوى الله عز وجل بين جميع المكلفين في الالتزام بالشرع، سااوى الله عز وجل بينهم في الإعانة وفق عدله.
ثم مع الفعل يأتي تدخل القدر وفق حكمة الله سبحانه وتعالى. كيف ذلك؟ عندما يأتي هذا الإنسان يريد أن يفعل الطاعة -كل ما ذكرناه بالاختيار والإرادة، تذكرون هذا؟ بالاختيار والإرادة علم الله وكتب ذلك وشاء وقوعه وخلقه-. طيب، أين يتدخل القدر مع الفعل؟ الله سبحانه وتعالى هنا مع الفعل يشرح الله صدر هذا الفاعل، يشرح الله صدره، ييسر أمره، يفتح له أشياء ما كانت في ذهنه ولا في تخطيطه، يضاعف الله قدرته على ذلك الفعل أضعاف أضعاف ما هو عليه في الواقع. هذا من عون الله سبحانه وتعالى للانسان على أن يقوم بطاعة الله؛ لا إله إلا الله، هذا يسمى توفيق من الله، هذا يسمى التسديد، هذا يسمى إعانة على الطاعة، وهذا من حكمة الله ومن فضل الله ومن كرم الله سبحانه وتعالى. هذا الذي قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، نطلب منك العون، يأتي عون الله، نعم! يأتي عون الله للإنسان في أثناء فعل الطاعة فيشرح الله صدره، من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، يشرح صدره يوفقه الله. يجعل سمعه لا يسمع إلا الخير، بصره لا يرى إلا الخير، يده لا تمتد إلا إلى الخير، رجله لا تسير إلا في طريق الخير؛ يقويها الله، يعينها الله، ينصرها الله، يجيب دعاءه، يحيذه الله، هذا عون الله، هذا فضل الله.
والثاني الذي اختار طريق الكفر باختياره وإرادته وسار فيه وأعرض عن شرع الله ورفض ذلك؛ فإن الله سبحانه وتعالى يخذله، من حكمته جل جلاله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]، ومن يرد أن يضله -لكونه خلاص اختار طريق الضلالة وهو سار، من يريد أن يضل؟- يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء عندما يسمع كلام الخير، بل يزين له ما هو فيه من المعاصي والكفر والفسوق والحياة البهيمية حتى يراها أنها هي قمة الحضارة، ويرى أن الذين يسيرون في طريق الطاعة رغم ما هم فيه من إنسانية، رغم ما هم فيه من تطور وإيمان وروح عالية، يرى أنهم متخلفون، ويرى أنهم في درجة منحطة، وأنهم رجعيون وظلاميون وهكذا من الكلام. وهذا يا إخوان من خذلان الله سبحانه وتعالى.
هذا هنا يتدخل القدر. أيها الأحبة في الله، هناك بعض الفرق؛ أهل السنة والجماعة يثبتون الأمركين، يثبتون عون الله سبحانه وتعالى للإنسان قبل الفعل ومع الفعل. أما المعتزلة فيُنكرون الإعانة التي تكون مع الفعل ويثبتون الإعانة التي قبل الفعل، قالوا: قبل الفعل هذا. أما مع الفعل، كيف يعين سينا ولا يعين صادا؟ نقول يا إخوان: هذا ليس فيه ظلم؛ مثل ذلك الملك -تذكرون صاحب المملكة والعاصمة؟- ذلك الملك قال للرعية: ادخلوا العاصمة ولكم كذا وكذا من الثواب. ثم قال للجنود: من رأيتموه يريد أن يدخل العاصمة فأعينوه، احملوه على دابته، أعطوه المال، ساعدوه، شجعوه حتى يدخل العاصمة، ومن رفض فاتركوه كأنكم لا ترونه. هل هذا فيه ظلم؟ ليس فيه ظلم بالنسبة للملك، ولله عز وجل المثل الأعلى؛ من أراد أن يسير في طريق الطاعة أعانه الله، ومن أراد أن يسير في طريق المعصية خذله الله.
الأشاعرة يثبتون الإعانة التي تكون مع الفعل، وينكرون الإعانة التي قبل الفعل؛ لماذا؟ لأنهم يرون أن أفعال العباد والأسباب لا تأثير لها البتة، وأن المقدور إنما يكون مع الفعل ولا يكون قبله، فالأشاعرة ينكرون الإعانة قبل الفعل ويثبتون التي معه، والمعتزلة يثبتون الإعانة التي قبل الفعل وينكرون التي معه، وأهل السنة والجماعة يثبتون الإعانة قبل الفعل وفق عدل الله، ويثبتون الإعانة التي تكون مع الفعل وفق حكمة الله. اللهم إنا نسألك أن تعيننا على فعل الطاعات، وعلى ترك المعاصي والمنكرات، وعلى فهم هذا الدين والعمل به. صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وإلى لقاء في المحاضرة القادمة بمشيئة الله.
يا راغب في كل علم نافع متطلع لزيادة الإيمان وتريد سهلا يأتيك ميسورا بأي مكان الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالازهار في البستان
د. أبو زيد مكي القبي