تسجيل الدخول

المحاضرة 13 - العقيدة - المستوى الثالث - د. أبو زيد مكي - الاعتقاد في القدر بين السنة والبدعة

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

أيها الأحبة في الله، حياكم الله في المحاضرة الثالثة عشر من محاضرات مادة العقيدة في أكاديمية زاد في الفصل الثالث. اليوم بمشيئة الله سأخذ مقالات الفرق في القدر، وسأخذ القدر وأفعال العباد، وسأخذ ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر، وسأخذ عدم الخوض في القدر بلا علم.

أريد أن أنبه، قد يقول بعضكم: يوجد في المذكرة معلومات قليلة وهناك توسع في الشرح. نعم، أيها الأحبة، أنتم على حسب قدراتكم، المطلوب منكم هو ما في المذكرة كحد أدنى، المطلوب ما في المذكرة. بعد ذلك، من أراد أن يتوسع وفهم هذا، ما يققال من زيادات ومن أشياء، فهذه الحمد لله خير وبركة. فإذا لم يفهم مثل هذه القضايا التي طرحت وكانت صعبة عليه، لكنه أدرك ما في المذكرة، فالحمد لله خير وبركة. وإن أدرك هذه المعلومات، فهذا يكون أصلاً ما في المذكرة سهل يسير عليه، فاستفاد منها، ومما ذكر من معلومات، فهذا بحمد لله هو المطلوب. والاضافات التي نذكرها بمشيئة الله ستعطون في بشكل عروض لها إن شاء الله.

مقالات الفرق في القدر: سنأخذ مرور سريع على هذه الفرق التي ضلت في موضوع القضاء والقدر، ثم نختم بذكر مقالة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر.

نبدأ يا إخوان بغلاة القدرية. ما معنى غلاة القدرية، أو القدرية الغلاه، أو القدرية الأوائل؟ هذا كله اسم لمسمى واحد، لفرقة واحدة، ويسمون كذلك المجوسية. طيب، لماذا سموا مجوسية؟ لماذا سموا قدرية؟

سموا مجوسية؛ لأن المجوس كانوا يرون أن هناك خالق آخر مع الله سبحانه وتعالى، فيرون أن الله هو خالق الخير وهناك خالق آخر خلق الشر. فلما قالوا بالأثنينية، قالوا بخالق للخير وخالق للشر، وهؤلاء قالوا إن الإنسان خالق لفعله، فهناك خالق مع الله يخلق فعله، فشابهوا المجوس فسموا مجوسية من هذه الناحية.

وسموا قدرية؛ لأنهم نازعوا الله في قدره، فجعلوا شيئاً من القدر لهذا الإنسان، جعلوا هناك أشياء خارجة عن قدره الله سبحانه وتعالى، فلما نازعوا الله في قدره سموا قدرية؛ لأنهم أضافوا القدر إلى أنفسهم، فسموا قدرية لاثباتهم القدر، لغلوبهم في إثبات القدر، إنما سموا قدرية؛ لأنهم نازعوا الله في قدره، لأنهم أخرجوا أشياء عن قدره الله سبحانه وتعالى.

هؤلاء القدرية الأوائل اتباع معبد الجهني، غيلان الدمشقي. ما موقفهم من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر؟ موقفهم من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر أنهم ينكرونها كلها، ينكرون العلم السابق والكتابة السابقة، ينكرون المشيئة والخلق.

ما موقفهم من الشرع؟ ما هو الموقف بين القدر والشرع عندهم؟ القدر أنكروه وعظموا الشرع، ورأوا أن الشرع لا يمكن أن يكون معظماً إلا بنفي القدر، وألزموا الناس أن يلتزموا بهذه الشريعة، فهم يعظمون الشرع، يعظمون الأوامر والنواهي، لكنهم ضعفاء في القدر.

بالنسبة للأسباب وأفعال العباد: نعم يثبتونها ويعظمونها. وبالنسبة لصفات الله: صفة العدل عند الله يعظمون ذلك، صفة الحكمة عند الله يعظمون ذلك، صفة القدرة لا، عندهم ضعيفة. إذاً، بهذا التقسيم نفهم المجوسية الغلاة أو القدرية الأوائل.

ناتي للقدرية المعتزلة. الفرق بين القدرية الأوائل والقدرية المعتزلة: الفرق بينهما في مسألة العلم والكتابة فقط، وأما بقية الأمور بينهم تشابه. يرون أن إنكار العلم السابق والكتابة السابقة كفر.

فالمعتزلة، والمعتزلة هم اتباع واصل بن عطاء وعمر بن عبيد، وسموا معتزلة؛ لأن واصل بن عطاء عندما طرحت مسألة حكم مرتكب الكبيرة أتى برأيي اعتزل به أقوال الأمة الإسلامية، واعتزل بعد ذلك مجلس الحسن البصري، ذهب إلى أسطوانة خارج المس، خلف المسجد، واعتزل مجلس الحسن البصري، وبدأ يقرر مذهبه: أن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، في منزله بين منزلتي الإيمان والكفر.

المقصود هؤلاء سموا المعتزلة. المعتزلة هم في الحقيقة هم امتداد للقدرية الأوائل، لكنهم رأوا أن العلم السابق والكتابة السابقة كفر، فأثبتوا العلم السابق والكتابة السابقة، لكن المشيئة والخلق أنكروها، أنكروها لأنه يرون أنها تنافي تعظيم الشرع، فانكروا المشيئة والخلق وعظموا الشرع، وعظموا أفعال العباد، وعظموا صفة الله صفة العدل وصفة الحكمة، أما صفة القدرة فأخرجوا أشياء عن قدره الله، فكان عندهم خلل في ذلك هؤلاء المعتزلة.

والمعتزلة هؤلاء بعضهم وصل بهم القبح في قضية المشيئة والخلق إلى شيء عظيم، إلى شيء عظيم، ولو صدق عما يقال عن عمرو بن عبيد من إنكاره حديث الصادق المصدوق حديث ابن مسعود: «أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه الروح، ثم يؤمر الملك بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد»، أنه ينكر ذلك، ويقول: لو كان سمع هذا من الراوي الفلاني لقال له كذبت، حتى وصل إلى رسول الله، حتى وصل إلى الله، تعالى الله عز وجل عن ذلك، وأنه سيحتج عليه أنه ما على هذا اخذت مواثيقنا، فهذا والعياذ بالله ضلال.

هؤلاء فرقة أيضاً المعتزلة. في فرقة ثالثة يسمون الجبرية، لكن من أسماؤهم المشركية، ومن أسماؤهم الجبرية الصوفية. لماذا سموا مشركية ولماذا سموا جبرية؟ لأنهم يرون أنهم باثباتهم الجبر، باثباتهم القدر، أنهم مجبورون على أفعالهم. وسموا مشركية، لماذا سموا مشركية؟ لأن حجتهم قريبة من حجة المشركين عندما قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، فاحتج المشركون على فعلهم الشرك أن هذا من إرادة الله، فسموا مشركية من هذا الباب.

نأخذ فاصل ثم نعود ونوضح هذه الفرقة بالتفصيل بمشيئة الله.

بشرى لنا زاد اكاديميه للعلم كالازهار في البستان.

هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم؛ إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19].

وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى الي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصره الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف.

فاخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لاجل المال والثروة أو الجاه والشهره أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

بشرى لنا زاد اكاديميه للعلم كالازهار في البستان.

حياكم الله أيها الأحبة في الله، وصلنا إلى فرقة الجبرية. سموا جبرية لأنهم يرون أن القدر قد أجبرهم على أفعالهم، وسموا مشركية لقولهم، لمشابهتهم لحال المشركين في احتجاجهم بالقدر على شركهم.

هؤلاء يثبتون مراتب القضاء والقدر كلها، يثبتون العلم والكتابة، ويثبتون المشيئة والخلق، لكنهم بالنسبة للشرع لا يعظمون الشرع، ولذلك بعضهم يسمى الجبرية الصوفية؛ يرون أن الإنسان إذا شهد الحقيقة الكونية يسقط عنه التكليف، إذا استوى صار عنده الحقيقة الكونية وسماها شرعياً، فصار يستوي عنده الكفر والإيمان، يستوي عنده الفسق والطاعة، يستوي عنده التوحيد والشرك، وهكذا. فهؤلاء لا يعظمون الشرع. وبالنسبة للأسباب وأفعال العباد: لأن يرون أن الإنسان كريشة في مهب الريح، لا يرون أن للأسباب وجوداً، أو أن لأفعال العباد تأثيراً. وبالنسبة لصفات الله: عندهم ضعف في صفة العدل، أو إنكار لصفة العدل، إنكار لصفة الحكمة، ويعظمون صفة القدرة.

الفرقة التي تليهم فرقة عجيبة، هم جبرية لكنهم جهمية؛ جهمية لأن قولهم قريب من قول جهم بن صفوان، وأيضاً هم إبليسية. إبليسية لماذا؟ لأنهم يعتذرون عن إبليس.

هؤلاء يثبتون مراتب القضاء والقدر، يثبتون العلم والكتابة، ويثبتون المشيئة والخلق. طبعا جهمية؛ جهم بالنسبة للعلم السابق والكتابة السابقة، جهم بالنسبة للعلم ينكر العلم السابق، لكنه بعد ذلك يكون جبري، جهم عنده تناقض في مذهبه.

المقصود هذه الفرقة تثبت مراتب القضاء والقدر، العلم والكتابة والمشيئة والخلق، فعندما يأتون إلى الشرع يقولون أصلاً -يعني الجبرية الصوفية يقولون بالشرع لكن يرون أنهم مجبورون بشهود الحقيقة الكونية، كل ما يكون من الإنسان هو ملتزم بالشرع- أما هؤلاء فيرون أن الشرع والقدر بينهما تناقض، فيقولون: إبليس ما عرف يجيب الله، عندما قال الله عز وجل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، يقولون: إبليس ما اعرف كيف يجاوب، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: 76]، أسجد لمن خلقت طيناً؟ قالوا: خطا، كان جوابه المفترض يقول ماذا؟ ما منعك أن تقول: أنت منعتني. انظروا كيف والعياذ بالله! هؤلاء إبليسية لاعتذارهم لإبليس.

وبالنسبة للأسباب وأفعال العباد: يرون لا تأثير لها البتة، وبقية الأشياء مثل الجبرية الصوفية، يهملون صفة العدل، يهملون صفة الحكمة، ويعظمون صفة القدرة.

ننتقل إلى فرقة تسمى فرقة الأشعرية. الأشعرية بالنسبة لمراتب القضاء والقدر يثبتونها كلها، وبالنسبة للشرع يعظمون الشرع، لكن تعالوا انظروا، بالنسبة للأسباب وأفعال العباد ماذا يقولون؟

عندنا هذه الورقة، لو أتينا بهذا يكون مصدراً للنار، ثم أتينا بالنار إلى هذه الورقة فاحترقت الورقة. طيب، السؤال الآن إليكم، هل الورقة احترقت بسبب النار، فكل نار تقابل ورقة لابد أن تحرقها، فالنار بذاتها ومستقله بالإاحراق، فكل نار تستقل بالإحراق فبذاتها؟ هذا المذهب أن النار محرقة بذاتها، هذا قول.

القول الثاني: أن الله قد قدر على هذه الورقه بالاحتراق، ستحترق هذه الورقة في هذا الوقت، لكن جعل الله ملاقاتها للنار مجرد علامة، فعل احتراق الورقة أنها تلاقي النار، فالنار علامة على حصول الاحتراق، وليس في النار سبب ذاتي يسمى الإحراق.

أي قول تختار؟ لهم النار مجرد علامة لحصول الاحتراق، أم أن النار محرقة بذاتها ومستقلة بالإحراق؟ واحد أم اثنين؟

الذي يقول بواحد: أن النار مجرد علامة لحصول الاحتراق، وأن الأسباب وأفعال العباد إنما هي مجرد علامة لحصول المقدور، هذا مذهب الأشاعرة، وهذا يسمى الكسب الأشعري، وهذا مما لا يعقل. وإذا أنتم ما فهمتموه، لأنه أصلا لا يفهم، فلا حرج عليكم إذا لم تفهموه، هذا هو، هذا المذهب مما لا يعقل ولا يفهم، وهو مخالف لما يعرفه الناس أن النار تحرق، وأن الماء يروي، وأن الأكل يشبع، وهذا الناس كلهم يعرفونها؛ لأنها هي الحس، هذا واضح، وهذا الشرع أيضاً. فإنكار الأسباب وجعلوا الأسباب مجرد علامة هذا إنكار لطبائع الأشياء، هذا نقص في العقل وقدح في الشرع.

ولذلك القول بأن مجرد علامة هذا قول خاطئ. الأشعرية يرون أن الأسباب وأفعال العباد مجرد علامة لحصول المقدور، ولذلك هم يعظمون صفة العدل ويعظمون صفة القدرة، لكن صفة الحكمة عندهم لله ضعيفة، لا يثبتونها، ويرون أن الأشياء لا حكمه من ورائها ولا تعليل لها، هذا مذهب الأشاعرة.

أما مذهب أهل السنة والجماعة، فإنهم يثبتون مراتب القضاء والقدر كلها، والكتابة، ويعظمون الشرع، ويعظمون الأسباب وأفعال العباد، وأن لابد من الأسباب وأفعال العباد، وأنها مؤثرة، لكن تأثيرها بإذن الله، ليست الأسباب مستقلة بالتاثير كما تقوله المعتزله، وليست الأسباب مجرد علامة لحصول المقدور كما تقول الأشاعرة، بل الأسباب مؤثرة، وتاثيرها وفق مقتضى حكمه الله، لكن نتائجها مرتبط بإذن الله وبقدرة الله سبحانه وتعالى، فإن شاء الله أن ينزع عن هذه الأسباب موانع التأثير ويوفر لها شروط التأثير، عندئذ يحدث السبب، وإن أراد الله سبحانه وتعالى لإظهار كمال قدرته أن يأتي بالشيء من غير سببه أو أن يبطل مفعول السبب، فالله سبحانه وتعالى قادر على ذلك.

فأهل السنة والجماعة يثبتون مراتب القضاء والقدر، ويعظمون الشرع، ويعملون بالأسباب، ويرون أن أفعال العباد مؤثرة، وأن تأثيرها مرتبط بإذن الله، فيثبتون الصفات؛ صفة العدل، صفة الحكمة، صفة القدرة لله سبحانه وتعالى.

إذاً، هل الأسباب يفعل عندها لا بها، أم هي مبدعة؟ الصحيح مثل ما ذكرنا، أن الأسباب يفعل بها بإذن الله، الأسباب يفعل بها بإذن الله. هذا مسألة القدر والأسباب وأفعال العباد؛ أن الأسباب من يقول إنه يفعل عندها لا بها، هذا مخالف لما في القرآن ومنكر للقوى والطبائع، والذي يقول مبدعة هذا شرك بالله، والصحيح أن الله يفعل بها، أن الأسباب يفعل بها، ويكون ذلك بإذن الله.

أيها الأحبة في الله، هذا موضوع القضاء والقدر؛ الذي يؤمن بهذا القدر، ويؤمن بأن كل شيء مكتوب، وأن ما قدره الله رتبه الله على أفعال العباد من ثواب أو عقاب، أن هذا الأمر قد فرغ منه، وأن هذه الأسباب لا تتحقق إلا بعون الله، وأن هناك عوناً للإنسان أثناء قيامه بهذه الأسباب، ما هذا؟ ما أثر هذا الإيمان بالقضاء والقدر على الإنسان؟ هذا الإنسان المؤمن بالقضاء والقدر يعتمد على الله سبحانه وتعالى عند فعل الأسباب، ولا يعتمد على السبب نفسه، بل هو يتعامل الأسباب بجواب وأريحية وقلبه معلق بالله سبحانه وتعالى. ثم إذا حصل هذا المقصود، المؤمن بالقضاء والقدر لا يعجب بنفسه، إنما يقول...

هذا من نعم الله سبحانه وتعالى، هذا فضل الله، إذا لم يتحقق المقصود تجده يعيش في طمأنينة وراحة نفسية، وأن هذا إنما هو من حكمة الله جل جلاله؛ ففات هذا المحبوب أو حصل هذا المكروه فقد قدر الله وما شاء فعل، وأن هذا الأمر كائن لا محالة.

وهكذا أيها الأحبه في الله؛ أخرج الإامام البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قال: من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءتَه».

نأخذ فاصل ثم نعود لبيان علاقة هذا الحديث بموضوع القضاء والقدر.

بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.

لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه. توجيه نبوي لعلاج أخطَرَ المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في واقعنا المعاصر، وهي البطالة؛ وترجع أسبابها إلى احتقار بعض المهن أو رفضها بحجه عدم المناسبة، اعتماد بعض الشباب على الوالدين، المعدلات المنخفضة للنمو الاقتصادي، التقدم التكنولوجي والاستغناء عن العمالة، ضعف نظم التعليم والتدريب.

وتكمن خطورة تلك الظاهرة في آثارها والتي منها الإصابة بالإحباط وعدم الثقة مما يولد اكتئاباً وقلقاً وشعوراً بالفشل، التوجه للجريمة والانحراف كالمخدرات والسرقة والتطرف، إهدار الطاقات الإنتاجية، الفراغ القاتل الذي يؤدي إلى عواقب لا تحمد نتائجها.

ويتوقف علاج تلك الظاهرة على تنشئة الشباب على حب العمل والإيجابية، تقديم القدوات الجادة الناجحة، توفير فرص العمل المناسبة، تقديم الدورات التدريبية المؤهلة للمشاركه في سوق العمل، الإقراض الحسن للمشاريع الصغيرة والأعمال الفردية وإنظار المعسرين منهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده».

بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

حياكم الله أيها الأحبة، ما العلاقة بين حديث الولي وبين الإيمان بالقضاء والقدر؟ تذكرون في أول محاضرة احفظ الله يحفظك، أول محاضرة في القضاء والقدر بدأنا بحديث ابن عباس احفظ الله يحفظك، ونختم هذه المحاضرات المتعلقة بالقضاء والقدر بحديث من عاد لي ولياً. ما الفرق بينهما؟ من حفظ الله سبحانه وتعالى فأتى بالفرائض واجتنب الشرك واجتنب الكبائر، ثم تقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالنوافل وترك المكروهات؛ هذا الإنسان سيحبه الله.

فإذا أحبه الله جل جلاله انظروا ماذا يحصل له في حياته، انظروا الآن كيف يكون القدر؟ هذا الإنسان في حياته أمره عجيب؛ يصبح وهو يسير في الحياة في أفعاله الاختيارية كأنه، مع أنها أفعال اختيارية، كأنه مسير غير مخير، وهذا من فضل الله للولي. كيف يكون؟ ليس كما يهمه بعض المنحرفين عن الفهم الصحيح، إنما المقصود أن الله سبحانه وتعالى يسدده؛ يسدده في سمعه فلا يسمع إلا الخير، وإذا أراد أن يستمع لشر استمع لمعصية يصرفه الله سبحانه وتعالى عنها ويبغض تلك المعصية، إذا أراد أن ينظر إلى ما حرمه الله حفظه الله سبحانه وتعالى في بصره فصرف عنه ذلك المحرم وأصبح لا ينظر إلا ما أحل الله له، يسدده الله في يده فإذا أراد أن يبطش بها يأخذ بها حراماً يأخذ بها شيئاً صرفه الله سبحانه وتعالى فلا تمتد يده إلا إلى الحلال، ولا تمشي رجله إلا إلى الحلال وإلى الخير.

مثله مثل غيره قد يتنازعه شيء من محبه المعصية فأراد أن يتوجه للمعصية، فإذا بيتفاجأ عند الباب بصديق يقابله تعال تعال نزور، وذهبوا إلى درس إلى محاضره وإذا به يرجع؛ هذا يا إخوان الذي يبذل هذه الأسباب يجد مثل هذا التسديد. ثم إذا قال اللهم إني أسألك أعطاه، اللهم إني أعوذ بك أعطاه الله أعاذه الله، حتى أنه يصبح يعني من محبة الله سبحانه وتعالى له ومن عطاء الله عز وجل له ومن عياذة الله عز وجل إياه يصبح لدرجة أنه لولا أن الله قد كتب على كل نفس بأنها ذائقة الموت أن هذا الولي لو طلب الخلول لأعطاه الله عز وجل إياه، لكن الله عز وجل قد حكم بأن كل نفس ذائقة الموت.

هذا هو الفهم يا إخوان لهذا القدر؛ هذا الفهم للقدر هذا الإنسان الذي يأتي بالأسباب يعيذ دينه الله سبحانه وتعالى فيشرح صدره ويسر أمره ويدافع عنه سبحانه وتعالى، هذا هو الفهم الصحيح لقدر الله.

ثم أيها الأحبة في الله؛ ينبغي للإنسان أن يبتعد عن الخوض بالباطل في موضوعات القضاء والقدر. هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم خرج ذات مرة على الصحابه وهم يتنازعون في القدر؛ هذا يأتي بآية وهذا يأتي بآية أخرى، فغضب صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً حتى احمر وجهه كأنما فقئ في وجنتيه الرمان -يعني كأنه حبة رمان فُقعت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم- فقال صلى الله عليه وسلم: أبذا أمرتم أم بهذا أرسلت إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه.

فهذا يأتي بآية يفهم منها نفي القدر، وهذا يأتي بآية يفهم منها الجبر، فهؤلاء قدرية وهؤلاء جبرية، ولا شك أن هذا جزء صواب وهذا جزء صواب، وهذه الآية تدل على الجزء الصواب أن للإنسان إرادة واختيار، وهذه الآية تدل على أن اختيار الإنسان وإرادة الإنسان داخل تحت إرادة الله سبحانه وتعالى سواء الكونية أو الشرعية؛ فهذه الآية وهذه الآية كلاهما كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام الله لا يتناقض. فأهل البدع يأخذون بنصوص القدر التي تثبت أن للإنسان قدرة على فعله واختيار ويظنون أن فيها نفي للقدر، وهؤلاء يأخذون الآيات التي تدل على أن أفعال الإنسان تحت مشيئة الله فيظنون أن الإنسان مجبور على فعله.

فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما سمع من بعض الصحابة هذا ينزع آية وهذا ينزع آية غضب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبهاذا أمرتم، أمرتكم بهذا أم بهذا أرسلت إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم عزمت عليكم ألا تتنازعوا.

أيها الأحبة في الله؛ لا ينبغي للإنسان أن يخوض في قضايا القضاء والقدر بالباطل بلا علم ولا دليل. ينبغي للإنسان أن يتعلم؛ إذا أراد أن يتحدث في موضوع القضاء والقدر فيتحدث فيه بعلم عنده نصوص، آيات، أحاديث، كلام السلف، فهم سلفنا الصالح لموضوعات القضاء والقدر فيتكلم بما عنده، ما يجوز للإنسان يخوض في هذه المسألة في مسائل القضاء والقدر بباطل.

أيضا بعض الناس يتعامل في موضوع القضاء والقدر بفهمه هو بهواه بعيد عن هدي الكتاب والسنة؛ فهذا لا يجوز له الإنسان، يعني بهذا العقل، بعضهم يعني يقول: طيب ليش فلان، لماذا فلان يحصل له حريق؟ ولماذا فلان ما حصل له حريق؟ لماذا مثلا أهل ذلك البلد يحدث لهم الحرب والدمار وأهل هذا البلد لا يحدث لهم حرب ولا دمار؟ هذا البحث بهذه الطريقة التي فيها اعتراض على الله سبحانه وتعالى وتسخط على أقدار الله جل جلاله هذا لا يجوز للانسان أن يخوض في هذا الأمر.

القدر سر الله تعالى في خلقه؛ القدر هذا من أمور الغيب، لا يمكن لشخص أن يكون قد اطلع على اللوح المحفوظ فيعلم ماذا فيه، فعلى الإنسان يا إخوان في أن يبذل الأسباب ويتعامل معها ويطلب من الله سبحانه وتعالى العون على أدائها مثل ما ذكرنا في حديث المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن فاتك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان.

الواجب علينا هو ما في أيدينا، وأما ما يترتب على ذلك من أحكام لله سبحانه وتعالى فهذا لا علاقة لنا بذلك، ويجب علينا أن نملا قلوبنا إحساناً، أن نملا قلوبنا باحسان الظن بالله سبحانه وتعالى في شرعه وفي قدره وفي أسمائه وفي صفاته وفي وعده وفي وعيده، هذا هو الواجب علينا تجاه ربنا سبحانه وتعالى.

نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يملا قلوبنا بالإيمان الصادق، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يملا قلوبنا بالعلم النافع، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على العمل الصالح، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا المعاصي والمنكرات، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهلاً النوال ميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان.

زاد زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ صافٍ ليروي غلة الظمآن، هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان.

بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.